أريد أن أحلم

 

شكر وترحيب

لعل من دواعي تفاؤلي بهذه الزاوية والسلسة الجديدة من المقالات أنها بدأت في رمضان وهو شهر التفاؤل وشهر الخير والبركة وشهر النصر والفتح ونحن أحوج مانكون لهذا كله.

كما أن صحيفة الوطن تستحق مني الشكر والثناء والدعاء لحرصها وتبنيها لهذه الزاوية التي أسميتها ( أريد أن أحلم ) والتي سأتحدث فيها عن سلبيات واقعنا والأزمات التي تمر بها أمتنا ثم نطرح بعدها رؤيتنا وآمالنا وأحلامنا لغد مشرق ومستقبل أكثر حضارة وأقوم مكانة.

وكم يسرني وأنا أرحب بكم في هذه الزاوية الجديدة أن أتلقى منكم فكرة أو أسمع اقتراحا أو مشاركة لكل رؤية أطرحهاوحتى النقد البناء والملاحظات الفاعلة لها مكان واسع في صدري فجزى الله كل من أعان وشارك.

وفي كل الأحوال فإنها محاولة العبد الضعيف الذي يخطئ ويصيب لكنها أيضا همة المسلم الغيور المليء بالألم والأمل في نفس الوقت فإن وجدتم فيها خيرا فلا تنسوني من صالح دعائكم.

ليس يأسا

إن نقد الواقع الذي نعيشه وإظهار سلبياته بكل تفاصيلها ليس يأسا منا ولااستسلاما كما أننا لانريد بذلك أن نميت الأمل في قلوب الناس لكنه تشخيص لواقع نرجو منه الشفاء ونأمل تجاوزه فنحن أمة لدينا الإمكانات البشرية والطبيعية ولدينا التاريخ والدين ولسنا بحاجة سوى لإرادة قوية وعزيمة صادقة بعد أن نتلمس مواطن الخلل ونعرف نقاط الضعف،،، وهذا ما أردناه من هذه السلسة فغاية الضعف أن نكون قادرين على النهوض ثم لاننهض

   ولم أر في عيوب الناس عيبا             كنقص القادرين على التمام

لا ينكره إلا أعمى

 إن الذي لا يختلف عليه اثنان في مجتمعاتنا اليوم واقع التخلف والتردي الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية عموماً، ولهذا التخلف والتردي مظاهر كثيرة وجلية لا تخفى على كل ذي بصيرة، ولقد أردت من خلال طرح هذا الموضوع أن أكون واقعياً ومباشراً في معالجة قضايانا، وقد صاحبتني على مرِّ الأيام غصَّة ألم عندما أتأمل في واقعنا ونحن نقبع منذ عصور تحت وطأة مظاهر الجهل والتخلف والتبعية العلمية والفكرية لغيرنا، وغصّة ألم أخرى تنتابني عندما أشاهد ذلك المارد العظيم "الأمة الإسلامية" الذي تبعثرت قواه وخارت عزيمته، والذي كان في يوم من الأيام يرعى جميع الأمم، وتُظلُّ مظلته معظم شعوب الأرض...

الأزمات العاصفة

عصفت بأمتنا أزمات عدة ولا زالت تتوالى عليها وتأتيها من كل حدب وصوب فإن القوي متى ماسقط تكاثر عليه أعداؤه وغرماؤه وكذلك كان حالنا..

لكن أهم أربع أزمات عصفت بأمتنا حسب تقديري ودراستي هي الآتية:

1- التخلف

2-  الفاعلية

3-  القيادة

4-  فقد الهوية

وسأتكلم عنها تباعا بالتفصيل الكافي وأبرز مظاهر كل منها في حياتنا اليومية والعامة وسنبدأ بالأزمة الأولى وهي التخلف ومظاهره.

مظاهر التخلف

     إن مظاهر التخلف والتردي التي تعيشها أمتنا غير خافية كما أسلفنا، والمشكلة أنها تزداد بدل أن تتناقص رغم كل المحاولات الشريفة التي يبذلها بعض الشرفاء لكن الركب يمشي بسرعة ونحن لازلنا ننظر ونتأمل،، نقلد تارة فنفشل ونركن تارة للضعف فتستباح

     حرماتناولكي نضع أيدينا على موطن الخلل في مجتمعاتنا، لابد من استعراض مظاهر التخلف التي نعاني منها منذ حقب من الزمان، ونرزخ تحت وطأتها، ونئن تحت ثقلها..ومن هذه المظاهر:

أولا: التخلف الثقافي :

ويبدأ تردينا الثقافي من رياض الأطفال.. فما هي القيم والمبادئ التي تزرع في نفوس أطفالنا؟.. وما هي العلوم والثقافات التي يتلقونها؟.. لقد تحولت بعض رياض أطفالنا إلى مدراس للغناء والرقص وإعداد الحفلات.. ولقد أشرت في بحث أعددتُه سابقاً عن القيادة وصنع القيادات، وقد اعتمدت فيه على دراسات عميقة في فن بناء الشخصية القيادية وفن صنع القرار، وكانت خلاصة الدراسة أن أفضل مراحل الحياة لتعلم القيادة هي السبع سنوات الأولى من العمر.. فأين نحن من الاهتمام بالطفل.. ودعونا ننتقل إلى المدارس الابتدائية والمتوسطة وحتى سلك الجامعة.. لماذا يتخرج أبناؤنا من الجامعات ليتقوقعوا في وظائف تلقي عليهم بلقمة العيش، ثم يتابعون حياتهم على هامش المجتمع.. بينما تتلقف الدول الكبيرة عقول أبنائنا لتجعل منهم علماء وقادة يصنعون حضارتها.. إننا نعلم جميعاً أن كوكبة كبيرة من علماء أمريكا هم من أصول عربية.. وهم من ساهم في صنع الحضارة الغربية ومخترعاتها الكبيرة.. وسمعنا وما نزال نسمع عن قصص كثيرة عنهم عندما يحاولون العودة لأوطانهم لتستفيد منهم ومن علمهم، فتقابلهم تلك الأوطان أسوأ مقابلة.. وتقدم لهم عروضاً للعمل كانت قمة في المهزلة والسخرية لأمثالهم من العظماء..!

الأزمات الثقافية

تخلفنا الثقافي هذا هو عبارة عن أزمات مركبة نعيشها جميعا قد يظهر جزء منها في البعض وجزء آخر في أناس آخرين لكنها حتما موجودة ومتوارثة وسألخصها بالتالي:

1-  الجمود: أصبح فكرنا جامدا يقلد ولا يبدع، يفكر بنفس الطريقة التي كان يفكر بها أجدادنا

2- التطرف: ونعني به هنا التطرف في فهم الأدلة الشرعية والتطرف في فهم الحياة بشكل عام وتفسير فعل الآخرين وحتى التطرف في ردة الفعل

3- الإسقاط: نبرر كل خطأ لنهرب من المسؤولية ونعيش عقلية المؤامرة في كل شيء يحدث لنا

4- التقديس: مازلنا نقدس الأشخاص دينيا وأصحاب المناصب ونقدس التراث فيصبح قول فلان من الماضين موازيا لقول الله سبحانه ونغلو في المديخ والإطراء

5- الاستعباد: مازالت دولنا تضع العراقيل أمام العلم وتعمل على إشغال المواطن بلقمة عيشه ولا تتحدث بشفافية عما يدور داخل بلداننا وخارجها

6- الانعزال: نحن في الحقيقة نغرد خارج السرب، نتغنى بالماضي، ونتفاخر بالسيف في عصر طائرات الاستطلاع ونكدس السجلات في عصر الكمبيوتر

7-الإحباط: نحن منهزمون نفسيا، نتماوت قبل الموت، ونهرب من أي تكليف، نعيش سلبية قاتلة في كل شيء

8- التعصب: وهو متعدد الجهات والمشارب فمنه التعصب المذهبي والتعصب الحزبي والتعصب للوطن والتعصب التخصصي،،، كل هذا يجعلنا نعمى عن الخير والفائدة الموجودة في الجهة المقابلة ويجعلنا نتمسك بالخطأ

9-الانبهار: أصبحنا أذنابا للغرب بعد أن بهرونا بتقدمهم في الصناعة والتكنولوجيا فتركنا لغتنا العتيدة وبعنا إسلامنا العادل والمشرق وقيمنا عملاتنا على عملاتهم ،،فكل ما جاؤونا به فهو الحضارة وهو المتبع

10-الكبت: سياستنا هي كم الأفواه ومنع النقد وإقصاء الآخر ومنع المظاهرات والمطالبات والمعارضة،،، نعم نعم وأبشر طال عمرك،،، هذا ما يتربى عليه شبابنا وأبناؤنا

أسباب التخلف الثقافي

هذه الأزمات التي ذكرناها والتي نعيشها جميعها رافقتها أسباب أودت بنا إلى هاوية التخلف الثقاف ولعل من أبرز هذه الأسباب:

1- تعطيل العقل

2-الغزو الفكري

3- الجهل والأمية

4- عزل المرأة

5-الديكتاتورية

6-العولمة السلبية

7-الضعف الاقتصادي

كل هذه الأسباب كانت عاملا رئيسيا في تخلفنا وتراجع عطائنا وإنتاجنا الثقاف

المدارس

لعل أحد أهم الأسباب التي يشارك فيها الجميع بدءا بالحكومات مرورا بالأهل والمدرسين والمثقفي هي المدارس التقليدية وهو سبب مأساوي لأنه يتم بشكل منظم ويفرض على الجميع فيدخل الطالب ليلقن المعلومة بطريقة الكبت وقد تكون المعلومة قديمة أو حتى غير مفيدة ويتدرج في هم طويل اسمه المدرسة صفا بعد صف يذهب وهو نعسان ويأتي وهو مالّ من كل مافيه علم، ونحن لانتجنى على المدارس ففيها خير ولاشك، ولا نتهم القائمين على التربية ففيهم الحريص ولا ريب، لكننا ننتقد الجمود في الطريقة قتل المواهب في تلك السن المبكرة

هذه وقفة مع بعض مظاهر تخلفنا الثقافي ما أردنا منها إلا أن نبين ونبرز الخطأ ونضع يدنا على الجرح عل النزيف يجف أو يخف

د. طارق محمد السويدان