PDA

View Full Version : قصــــــــــة أعجبتني فأبكنتني.........!!!!!



مبروك الصيعري
05-19-2007, 09:14 PM
ما أجمله من رحيل ؟!‏

بدت أختي شاحبه الوجه نحيله الجسم .‏
ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم .‏
تبحث عنها فتجدها في مصلاها .‏
راكعة ساجدة رافعه يديها إلى السماء .‏
هكذا في الصباح وفي المساء وفي جوف الليل لا تفتر ولا تمل .‏
كنت أحرص على قراءة المجلات الفنية والكتب ذات الطابع القصصي .‏
أشاهد الدش بكثرة لدرجة أنني عُرفت به ..ومَنْ أكثر من شيء عُرف به .‏
لا أؤدي واجباتي كاملة ولست منضبطة في صلواتي .‏
بعد أن أغلقت الدش وقد شاهدت أفلاماً متنوعة لمدة ثلاث ساعات متواصلة .‏
ها هو الأذان يرتفع من المسجد المجاور .‏
عدت إلى فراشي .‏
تناديني من مصلاها .‏
نعم ماذا تريدين يا نورا ؟
قالت لي بنبرة حاده : لا تنامي قبل أن تصلي الفجر .‏
أوه ..بقي ساعة على صلاة الفجر وما سمعته كان الأذان الأول .‏
بنبرتها الحنونة..هكذا هي حتى قبل أن يصيبها المرض الخبيث وتسقط طريحة الفراش .‏
نادتني ..تعالي يا هناء بجانبي .‏
لا أستطيع إطلاقاً رد طلبها .‏
تشعر بصفائها وصدقها .‏
لا شك طائعاً ستلبي .‏
ماذا تريدين ؟ اجلسي ..‏
ها قد جلست ماذا لديك ؟
بصوت عذب رخيم قالت : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ . ‏سكتت هنيهة .‏
ثم سألتني ..ألم تؤمني بالموت ؟
بلى مؤمنة !.‏
ألم تؤمني بأنك ستحاسبين على كل صغيرة وكبيرة ؟.‏
بلى ..ولكن الله غفور رحيم ..والعمر طويل ..يا أختي .‏
ألا تخافين من الموت وبغتته ؟. انظري هند أصغر منك و توفيت في حادث سيارة .. ‏وفلانة .. وفلانة ..‏
الموت لا يعرف العمر .. وليس مقياساً له ..‏
أجبتها بصوت الخائف حيث مصلاها ذو ضوء خافت :‏
إنني أخاف من الظلام وزدت خوفي بذكر الموت ..كيف أنام الآن ؟.‏
كنت أظن أنك وافقت على السفر معنا هذه الإجازة .‏
فجأة ..‏
تحشرج صوتها و اهتزَّ قلبي ..‏
لعلي هذه السنة أسافر سفراً بعيداً ..‏
إلى مكان آخر ..‏
ربما يا هناء ..‏
الأعمار بيد الله .‏
وانفجرت بالبكاء ..‏
تفكرت في مرضها الخبيث وأنَّ الأطباء أخبروا أبي سراً أنَّ المرض ربما لن يمهلها طويلاً ‏‏.‏
ولكن من أخبرها بذلك ؟
أم أنها تتوقع هذا الشيء .‏
ما لك تفكرين .‏
جاءني صوتها القوي هذه المرة :‏
هل تعتقدين أنني أقول هذا لأنني مريضه .‏
كلا ..‏
ربما أكون أطول عمراً من الأصحاء .‏
وأنت إلى متى ستعيشين .‏
ربما عشرين سنة .‏
ربما أربعين ..ثم ماذا ؟.‏
لمعت يدها في الظلام وهزتها بقوة .‏
لا فرق بيننا كلنا سنرحل وسنغادر هذه الدنيا إما إلى جنة وإما إلى نار .‏
ألم تسمعي قول الله ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ .‏
تصبحين على خير .‏
هرولت مسرعه وصوتها يطرق أذني .‏
هداك الله .‏
لا تنسي الصلاة .‏
الثامنة صباحاً .‏
أسمع طرقاً على الباب .‏
هذا ليس موعد استيقاظي .‏
بكاء ..وأصوات ..يا إلهي ماذا جرى .‏
لقد تردت حالة نورة
وذهب بها أبي إلى المستشفى .‏
إنا لله وإنا إليه راجعون .‏
لا سفر هذه السنة .‏
مكتوب علي البقاء هذه السنة في بيتنا .‏
بعد انتظار طويل .‏
عند السعة الواحدة ظهراً .‏
هاتفنا أبي من المستشفى ‏
تستطيعون زيارتها الآن هيا بسرعه .‏
أخبرتني أمي أن حديث أبي غير مطمئن وأن صوته متغير .‏
عباءتي في يدي .‏
أين السائق .‏
ركبنا على عجل .. أين الطريق الذي كنت أذهب لأتمشى مع السائق فيه وكان يبدو قصيراً ‏‏.‏
ماله اليوم طويلاً .. وطويلاً جداً.‏
أين ذلك الزحام المحبب إلى نفسي كي ألتفت يمنة ويسرة .‏
زحام أصبح قاتلاً ومملاً.‏
أمي بجواري تدعو لها .‏
إنها بنت صالحة مطيعة .‏
لم أرها تضيع وقتها أبداً .‏
دلفنا من الباب الخارجي للمستشفى .‏
هذا مريض يتأوه .‏
وهذا مصاب بحادث سيارة .‏
وثالث عيناه غائرتان .‏
لا تدري هل هو من أهل الدنيا أم من أهل الآخره .‏
منظر عجيب لم أره من قبل .‏
صعدنا درجات السلم بسرعة .‏
إنها في غرفة العناية المركزة .‏
وسآخذكم إليها .‏
ثم واصلت الممرضة : إنها بخير وطمأنت أمي أنها في تحسن بعد الغيبوبة التي حصلت لها ‏‏.‏
ممنوع الدخول لأكثر من شخص واحد .‏
هذه غرفة العناية المركزة .‏
وسط زحام الأطباء وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني أختي نورة تنظر ‏إليَّ وأمي واقفه بجوارها .‏
بعد دقيقتين خرجت أمي التي لم تستطع إخفاء دموعها ..‏
سمحوا لي بالدخول والسلام عليها على أن لا أتحدث معها كثيراً .‏
دقيقتان كافية لك .‏
كيف حالك يا نورة .‏
لقد كنت بخير مساء البارحة .‏
ماذا جرى لك ؟!.‏
أجابتني بعد أن ضغطت على يدي : وأنا الآن ولله الحمد بخير .‏
الحمد لله لكن يدك بارده .‏
كنت جالسه على حافة السرير ولامست يدي ساقها .‏
أبعدتها عني ..‏
آسفه إذا ضايقتك .‏
كلا ولكني تفكرت في قوله تعالى : ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ ‏عليك يا هناء بالدعاء لي فربما أستقبل عن قريب أول أيام الآخرة .‏
سفري بعيد وزادي قليل ..سقطت دمعه من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت .‏
لم أع أين أنا .‏
استمرت عيناي في البكاء .‏
أصبح أبي خائفاً علي أكثر من نورة .‏
لم يتعودوا مني هذا البكاء والانطواء في غرفتي .‏
مع غروب شمس ذلك اليوم الحزين .‏
ساد صمت طويل في بيتنا .‏
دخلت عليَّ ابنة خالتي .‏
ثم ابنة عمتي .‏
أحداث سريعة ..كثر القادمون ..اختلطت الأصوات ..شيء واحد عرفته ..‏
‏( نورة ماتت) لم أعد أميز من جاء .‏
ولا أعرف ماذا قالوا .‏
يالله ..‏
أين أنا وماذا يجري ؟
عجزت حتى عن البكاء .‏
فيما بعد أخبروني أن أبي أخذ بيدي لوداع أختي الوداع الأخير .‏
وأني قبّلتها .‏
لم أعد أتذكر إلا شيئاً واحداً .‏
حين نظرت إليها مسجاة على فراش الموت .‏
تذكرت قولها ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴾ عرفت حقيقة أن ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ لم ‏أعرف أنني عدت إلى مصلاها إلا تلك الليلة..‏
وحينها تذكرت من قاسمتني رحم أمي فنحن توأمان .‏
تذكرت من شاركتني همومي .‏
تذكرت من نفَّست عني كربتي .‏
من دعت لي بالهداية .‏
من ذرفت دموعها ليالي طويلة وهي تحدثني عن الموت ، والحساب .الله المستعان.‏
هذه أول ليلة لها في قبرها .‏
اللهم ارحمها ونوّر لها قبرها .‏
هذا هو مصحفها .‏
وهذه سجادتها ..وهذا .. وهذا ..‏
بل هذا هو الفستان الوردي الذي قالت لي سأخبئه لزواجي .‏
تذكرتها وبكيت ، وبكيت على أيامي الضائعة .‏
بكيت بكاءً متواصلاً .‏
ودعوت الله أن يرحمني ويتوب علي ويعفو عني .‏
دعوت الله أن يثبتها في قبرها كما كانت تحب أن تدعو .‏
فجأة سألت نفسي ماذا لو كنت أنا الميتة ؟
ما مصيري ؟
لم أبحث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني .‏
بكيت بحرقة ..الله أكبر ..الله أكبر ..‏
ها هو أذان الفجر قد ارتفع .‏
ولكن ما أعذبه هذه المرة أحسست بطمأنينة وراحة وأنا أردد ما يقوله المؤذن .‏
لففت ردائي وقمت واقفه أصلي صلاة الفجر .‏
صليت صلاة مودع .‏
كما صلتها أختي من قبل وكانت آخر صلاة لها .‏
‏( إذا أصبحت لا أنتظر المساء . وإذا أمسيت لا أنتظر الصباح )‏‏ . ‏

wardat-islam
05-20-2007, 01:16 AM
جزاك الله خيرا اخي مبروك الصيعري على القصة المؤثرة والمعبرة بارك الله فيك

اختك:)

لاني فتاة
05-20-2007, 10:56 AM
شكراً لك أخي مبروك ....ونسأل الله لها الرحمة .............ولنا الهداية

المجاهد المثابر
05-20-2007, 12:09 PM
بارك الله فيك

الله يرحمها ويثبثك على الدين

مبروك الصيعري
05-20-2007, 05:02 PM
أشكر الجميع على مرورهم الاخت وردةاسلام ولاني فتاة والمجاهدولكم تحياتي الوااااااااااافرة .

عاشقة العلم
05-20-2007, 07:47 PM
قصة رائعة و معبرة

مبروك الصيعري
05-20-2007, 08:39 PM
الاخت عاشقة العلم أشكرك على المرور وأسأله سبحانه أن تكوني من عشاق جنته دمتي بخير...