PDA

View Full Version : رواية.. عبدالله المجاهد ( لبيك..)



عبدالله المجاهد
03-14-2006, 02:02 PM
من هنا تبدأ القصة التي كُتب فيها التفاصيل لحوادث حقيقية وخيالية حدثت في هذا العالم وعلى مدى خمس سنوات تقريباً حتى باتت هذه ذكرى ولم يبقى منها اليوم إلا الشخصية الأساسية الذي مازال يحيا.. ليرى كل يوم بعينيه ما كتبته حروف العقل الذي مازال داخل تلك الأيام .. ولأن الحياة عبرة ... فكانت حياته كلها في تلك السنوات التي لا يعلم أما زال موجداً بعدها أم أنها بذهابها قد أخذته معها ولم يبقى منه إلا حروف تكتبها يداه وهو مستلق على فراش الحياة يحاول أن يحيا من جديد ...

عبدالله المجاهد
03-14-2006, 02:08 PM
الصفحة الأولى :


بعد طول انتظار وصلت إلى الحافلة التي استعدّت للانطلاق بي إلى مكة ... جلست في مكان اخترته لأكون بعيداً عن النساء والأطفال .. وأنا أنظر إلى مدينة الرياض من النافذة الضخمة بحزن قديم .. تذكرت حينها أحداث كثيرة دارت في ذاكرتي التي كنت دائماً ما أصفها بأنها أقوى ذاكرة في العالم ولكني اليوم ألوم ذاكرتي هذه لأنها تعرض علي مآسي كثيرة وذكريات حزينة فأشعر بحرارة الحزن وبدموعه تترقرق في عيناي وأنا أجلس أنتظر انطلاق الحافلة... في هذه الجلسة التي غالباً ما تكون قصيرة نسبياً أتذكر قصصاً حصلت لي في طفولتي فكنت أتخيلها وأتعمق فيها حتى أغيب عن ما يحيط بي وأخذ الخيال يتجه إلى مدرستي الابتدائية التي عشت فيها طفولتي .. كانت مدرسة كبيرة جداً و كنت حينها طالباً صغيراً جداً تبدو علي ملامح البراءة والخجل الشديدين .. وسمعت صوت الأستاذ وهو يناديني :
- عبدالله تعال إلى هنا يا صغيري ..
- أ..أ ..أنا ..
- نعم .. نعم أنت يا عبدالله ماذا بك تبدو محرجاً اقترب أريد أن أسألك سؤالاً ..
- ما.. ما هو السؤال يا أستاذ ؟
- لقد سألت زملائك عن طموحاتهم بالأمس ولم أسألك ؟ ماذا تريد أن تكون عندما تكبر..
- أريد أن أكون رجلاً يقوم بإصلاح المسجلات والتلفزيونات و.. و...
حينها أنفجر الفصل ضاحكاً وقال لي الأستاذ وهو يضحك :
- تقصد مهندس كهرباء ..
لم أكن حينها أعرف ما هو المهندس وما معنى كهرباء ولكني كنت أعرف أن الرجل الذي يقوم بتفكيك الأجهزة الكهربائية ويقوم بإصلاحها أكيد هو رجل مخترع متعلم وهكذا كنت أحلم أن أكون مخترعاً و عالماً ضخماً فقلت للأستاذ وأنا أبتسم واطرق برأسي خجلاً :
- نعم ..
- حسناً يا صغيري وفقك الله صفقوا له يا أولاد ..
وسرت في الفصل نوبة تصفيق طويل إذ كان الطلاب الصغار يحبون المرح فتجد بعضهم يصفق بيديه ورجليه .. ولم يعرف أحد أني كنت أرى المستقبل أمامي زاهراً مليء بالعلم والمحاولات العلمية الكثيرة وأن العلماء يشاورونني بأمور مكتشفاتهم واختراعاتهم . لقد كان طموحي رهيباً.. هكذا اليوم أراه على الأقل بالنسبة لطفل صغير آنذاك.. ورجعت إلى مكاني وأنا أفكر في كلمة الأستاذ .. ( مهندس كهرباء) .. ورجعت إلى البيت واتجهت إلى المكتبة الضخمة لأبحث .. وبدأت وأنا مازلت لا أعرف الكتابة والقراءة جيداً أفكك ما يصل إلى يدي من ألعاب قديمة وحتى جديدة وأجهزة معطلة أحاول إصلاحها فلم تكن تعني لي ألعاب الأطفال سوى أنها(مجموعة كهربائية ميكانيكية).. وتعلمت من هو أدسون ومن هو نيوتن و جراهام بل و حتى آينشتاين .... ومع مرور الأيام بدأ طموحي يزداد ويزداد ......،,، وقطع سلسلة ذكرياتي صعود الناس إلى الحافلة.. البعض يسلم علي .. وبعضهم معه النساء والأطفال وتعالت الأصوات وأخذ الناس يرتبون حاجياتهم ويجلسون استعدادا للانطلاق.. و بدأت الحافلة بالمسير ومر الوقت سريعاً وأنا أرى في بيوت الرياض وشوارعها ذكريات كثيرة..، وبعد خروجنا من المدينة واستلام الحافلة للطريق الذي يشق الصحراء الواسعة وتخييم الظلام ساد الحافلة جو هادئ فالتفت إلى جانبي .. كان يجلس رجل غلبه النوم وكانت الحافلة تمشي بسرعة.. ففتحت الستارة التي تغطي النافذة لأرى الطريق المظلم وأنوار الحافلة تعكس عليه نورها فتبدو خطوطه البيضاء وكأنها قد وضعت لمجرد الزينة ألصقت وجهي بالزجاج كطفل وجعلت أنظر في السماء كان القمر واضحاً بها .. وشرد خيالي للقمر الذي كنت أراه منذ زمن قد يكون قريب في سماء سوريا فوق جبل قاسيون وهو يبعث بنوره ليضيء الأرض والسماء بضياء خفيف جميل يبعث بالراحة في نفس الإنسان .. نطقت بصوت الخيال( سوريا).. لقد كانت الحلم الذي أمضيت عمري وطفولتي أنتظر تحقيقه.. سوريا وجامعة سوريا وعلماء سوريا وكل حلمي سأحققه في سوريا .., وجعلت الأحداث تسرد بنفسها علي من مدرستي الابتدائية التي أمضيت فيها ست سنوات وأنا أسعى لتحقيق حلمي فكنت أمسك بالكتب التي من خارج منهاجي الدراسي .. أقرأها لأعرف موضوع الكهرباء والأجهزة الميكانيكية وطبيعة عملها وقوانينها وسمعت صوت أمي :
- يا بني إن هذه الكتب لن تفيدك اهتم بدروسك أريدك أن تكون ناجحاً متفوقاً بدروسك..
كنت كل ما سمعت مثل هذه الكلمات أتخيل معنى التفوق والنجاح عندما أكتشف وأخترع وأصنع الأجهزة لوحدي..،، الأجهزة التي أتخيلها دائماً وأبتكرها في خيالي وأقول في نفسي يوماً سأكون ما أريد .. وأتذكر مدرستي وأني لم أكن متفوقاً بل طالباً عادياً جداً ولكن كنت أحب المواد العلمية وكثيراً ما كان أساتذة هذه المواد يناقشوني بمسائل ليروا أأعرفها أم لا؟ وكنت غالباً أعرفها لأني أكون قد قرأتها وتعلمتها من الكتب التي كنت أهواها وأقرأها..,, وأذكر عندما يحين وقت الصلاة العصر أو المغرب أو العشاء كانت أمي تقول لي :
- يا بني أدرك الصلاة الله يرضى عليك ويوفقك..
- حاضر يا أمي ..
ولكن لم أكن لأذهب وأترك ما أحب وأهوى فكانت أمي تدفعني للذهاب بالقوة وأدرك اليوم مدى حرصها ومدى تأثير ذلك على حياتي فيما بعد .. فأدعو لها الله من قلبي .. واستمرت الأيام تمر مرور السحاب بسرعة رهيبة فكنت أنتقل من صف لأدخل في آخر أعلى فانتهى الصف الأول والثاني والثالث والرابع الابتدائي ..... ،، وفجأة توقفت الحافلة فقطعت شرودي وعلى صوت السائق يقول باللهجة الشامية الأصيلة ( استراحة نص ساعة يلي رح يتأخر مارح إستناه ) .. اللهجة التي ما زالت ذكراها تحرك في قلبي الكثير من فيض المشاعر .. فنزل الناس ليأكلوا ويصلوا المغرب والعشاء ونزلت وتوجهت للمسجد وصليت وبعد ذلك أخذت أتمشى في الصحراء التي حوت هذه الاستراحة كانت الصحراء كبيرة جداً ومظلمة تبعث بالنفس الشعور بالرهبة وكان الهواء يصدر صوتاً مخيفاً لولا أصوات الناس ... وبدت نجوم السماء صغيرة بعيدة .. ومضت النصف ساعة و أنا أستحث الزمن على التوقف فمنظر الصحراء المظلمة والسماء المقمرة وكأن ما تراه ليس طبيعة بل لوحة رسمها أمهر رسامي العالم .. فتسبح الله المصور المبدع .. وانطلقت الحافلة بنا مرة أخرى ولكن هذه المرة لن تتوقف إلا عند الميقات أي بعد سير طويل وزمن طويل .. التفت للرجل الذي كان يجلس بجانبي وألقيت عليه السلام فرد علي وسألني :
- من أين أنت ؟
- من سوريا ؟
- ما شاء الله أهلاً وسهلاً .
- أهلاً بك يا عم .. وأنت يا عم من أين؟
- أنا من السودان ..
- أذاهب لمكة للعمرة أم أنه عمل؟!
- لا .. للعمرة إن شاء الله أنا عملي في الرياض وأنت ؟
- أنا ذاهب للعمرة... أنا طالب في جامعة دمشق ؟
- ما شاء الله وماذا تدرس؟
- أدرس في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية ..
- وأهلك في سوريا ..
- لا إنهم في الرياض ..
- كلهم؟؟ ..
- نعم أنا وأخوتي جميعنا ولدنا هنا ونعيش مع أبي وأمي منذ سنين بعيدة ..
- ما شاء الله ..
وسكت وساد الهدوء مرة أخرى إذ كانت الساعة الحادية عشر ليلاً وكل الناس بدءوا ينامون أو يشردون بخيالهم مثلي.. ومضى الوقت والهدوء يعم المكان إلا .. في بعض الأحيان .. من صوت بكاء طفل أو صراخ آخر .. فقلت في نفسي : كم هم جميلون الأطفال ؟ فأنظر إلى نفسي وطفولتي فأجد الزمن قد مر مروراً عجيباً وها قد حققت حلمي في دخول الجامعة التي أتمنى..، نعم لقد حققت حلم حياتي في دخول الجامعة التي أتمنى في البلد الذي أتمنى .. وهنا دمعت عيناي وبدأت دموعي تبلل وجهي …. ومضى الوقت وأنا أحاول كفكفت دموعي .. دموع الرجال هذه كم أحترمها فعندما تلامس يدي أشعر بحرارتها أشعر أن كل ذرة من ذراتها تحمل قصة طويلة وحزناً جما .. واستطعت أن أسيطر على نفسي …. ورجع الخيال بي إلى الابتدائية العريقة التي عشت فيها : وصرت أسمع همهمت الطلاب في الفصل وقراءتهم للقرآن الكريم بصوت واحد وأرى نفسي ذلك الطالب الصامت.. لخجله وأسمع صوت الأستاذ يناديني :
- عبدالله لماذا لا تقرأ مع أصدقائك ؟؟؟!! ...
فأبتسم بخجل شديد لا يناسب أبداً الذكور من الأطفال فيكمل الأستاذ:
- اقرأ لوحدك الآن أريد أن أسمع صوتك ..
- ما .. ما .. ماذا أقرأ؟
- أقرأ من بداية سورة النبأ ..
وفتحت المصحف على السورة وبدأت أقرأ بصوت عال ٍ جداً فقد كنت وما زلت أملك صوتً جهورياً لم أكن أعلم إن كان جميلاً أو لا.. ولكني فيما بعد علمت أني أملك صوتً قد يحسدني عليه أكبر مطربي العالم.. وبدأت .. ( عم يتسآءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون .....) وبدأ الأستاذ ينصت وساد الفصل هدوء رهيب إلا من صوت قراءتي وبعد انتهاء السورة نظر إلي الأستاذ وقال :
- ما شاء الله ... ما شاء الله .. عبدالله أنت مذهل .. صفقوا له يا أولاد..
وأشتعل الصف بالتصفيق الذي كنت أفرح به وأحسب نفسي قد أنجزت إنجازاً أستحق عليه كل هذا التقدير .. لم أعرف إلى الآن من أين جاءت عادة التصفيق لقد درست قبل دخولي لمدرستي الابتدائية في مرحلة يسمونها الروضة وفيها كان اللواتي يدرسننا مدرسات وكن يعلمننا الأحرف : ألف .. باء .. كانت مدرستي التي أذكر اسمها إلى الآن تدعى ( سلمى ) كنا .. أي نحن الأطفال.. دائماً ما نغني لها ( أبلى سلمى يا عيوني يلي لبسه الليموني ...) ..أبلى تعني مُدَرِّسة باللهجة السعودية .. فكانت جزاها الله خيراً عنا تجمعنا في غرفة أنا وأصدقائي وصديقاتي .. وتوزع علينا العصير أو الحلوى وتبدأ ترسم الأحرف على اللوح الكبير المعلق على جدار الفصل وتبدأ تردد وتقول رددوا ورائي يا أحبائي :
- ألف ...
فنصرخ بصوت عالي كل منا يريد إظهار صوته :
- ألففف...
- باء ..
- بااااااااء
- تاء
- تااااااااء
وعندما تنتهي من ترديد الأحرف تقول :
- أحسنتم يا أطفال .. حسناً يا هند أعيدي ترديد الأحرف ..
كانت هند طالبه معنا وهي ابنة إحدى المدرسات في الروضة فتردد بصوت عالي :
- ألف .. باااء .. تاااء .. ثاااء .......
وعندما تنتهي تقول مدرستنا سلمى :
- أحسنت يا هند يا شاطرة .. صفقوا لها ...
وتموج في الفصل موجة تصفيق طفولية كبيرة وطوليه حتى تقول المدرسة :
- حسناً .. يكفي يا أطفال .. يكفي ..
أنت يا عبدالله ردد الأحرف ...
- ألف .. باء ...
وبعد مضي الوقت يسمع من بالخارج تصفيق الأطفال لي ولغيري.... فكان التصفيق لأحدنا يعني الفوز بالنسبة له والمفاخرة حتى في البيت فكنت أصل إلى البيت فأسمع إحدى أخواتي تقول لأبي أو لأمي :
- أمي لقد صفقوا لي اليوم ..
- ممتازة يا حبيبتي أريدك دائماً الأولى في المدرسة .. وأنت يا عبدالله كيف كان يومك..
- أنا .. الحمدلله جيد...
- هل صليت الظهر ؟؟؟ ..
- نعم صليت بالمدرسة ..
كنا في المدرسة لا نخرج إلى بيوتنا إلا بعد أداء صلاة الظهر لأن وقت الظهر يدخل ونحن في آخر دوامنا المدرسي فنتجه.. الطلاب والمدرسين.. إلى مسجد المدرسة ونصلي ثم ننصرف إلى بيوتنا..،،، وأكمل الزمن رحلة جريانه من جديد فانتهت المرحلة الابتدائية بكل ما فيها من أحداث