PDA

View Full Version : أبطال الحياة من سلفنا الصالح



ابنة الخنساء
03-18-2006, 05:45 PM
إخوتي .. أخواتي .. حيّاكم الله :

هذه السّاحة مخصّصة لسير عطرة من سير سلف صالح لنا من أبطال الحياة ( علماء ، محدّثون ، فقهاء ، شعراء ، حكماء ) من الصحابة والتابعين والمجدّدين الّذين قد لا نعرف أنهم كانوا يعانون من مشكلات جسدية كبيرة لأنّ الحديث عنها يصغر وأهمّيّته تتضاءل أمام عظم ما قدّموا من خير وعطاء للأمة ... وإذا ما جرى ذكر تلك الابتلاءات في بعض كتب التاريخ فلمزيد فخر بأولئك الأبطال الّذين أحالوا بقوة إيمانهم محنهم إلى منح ومآثر سطّرها التّاريخ لهم بحروف من ذهب ليكونوا خير قدوة لنا جميعاً في قوّة الإرادة وعلوّ الهمّة ...
شاركونا بما تعرفون من سير سلفنا الصالح ممن استطاعوا أن يكونوا أبطالاً وصنّاعاً للحياة .... بارك الله بكم وجزاكم الله خيراً

Nayoooo
03-19-2006, 07:32 PM
وفقكي الله يا أختاه

بس عندي تعقييب على محدثين ،، هل في التاريخ الاسلامي من حدث الدين ؟؟

لأن حسب معلوماتي بأن التحديث يدخل في العلمانيه . وشكرآ شكرآ

ابنة الخنساء
03-20-2006, 01:30 AM
أخي الكريم من البحرين ... حيّاك الله :

المحدّثون : هم أهل الحديث النبوي ورواته .... وليسوا المحدثين الذين أحدثوا في الدين والعياذ بالله ...
لكن هناك مجدّدون في الإسلام ... وهم من يبعثهم الله على رأس كلّ مئة سنة ليجدّدوا للأمة دينها ... كما أخبرنا النّبي الكريم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....

غيداء
03-21-2006, 11:44 AM
صدقتي عزيزتي ميسون فسير سلفنا الصالح زاخرة بالنماذج التي تركت بصمات لها عظيمة لأن فيها ما يميزها عن غيرها فجعلها ذلك نموذجاً يحتذى به ومنهم كان الصحابي الجليل

عبد الله ابن أم مكتوم

هو عبد الله _ وقيل: عمرو _ بن قيس بن زائدة العامري القرشي.

وأمه: عاتكة بنت عبد الله. وكنيتها : أم مكتوم؛ لأنها ولدت عبد الله أعمى مكتوماً، فكان ضريراً طول حياته.

ولد في مكة المكرمة، في قبيلة بني عامر بن لؤي القرشية، وأسلم مبكراً، فكان من المسلمين الأوائل، وعاش محنة المسلمين وآلامهم بكل تضحية وصمود، وفي مكة نزلت فيه الآيات من أول سورة عبس : ((عبس وتولى أن جاءه الأعمى…)) [عبس: 1-16].

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عنه عندما جاء يستقرئه بعض آيات الكتاب الكريم، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتمعاً مع بعض زعماء قريش وكان حريصاً على إسلامهم، فنزلت هذه الآيات تعاتب الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الحين يكرم عبد الله ويقضي حوائجه ويقول له (أهلاً بالذي عاتبني فيه ربي) .

كان عبد الله من أوائل المهاجرين إلى المدينة فراراً بدينهم بعد أن اشتد أذى قريش على المسلمين، فكان هو ومصعب بن عمير أول من قدم المدينة من المهاجرين، فكانا يختلفان إلى الناس يقرآنهم القرآن ويفقهانهم في دين الله.

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبنى مسجده الشريف، وشرع الأذان في السنة الثانية للهجرة، اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وبلال بن رباح مؤذنين له، فكان بلال يؤذن في المسجد للصلاة، وابن أم مكتوم يقيم لها، وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال، فكان عبد الله وبلال بذلك أول مؤذنين في الإسلام.

وفي شهر رمضان كان بلال يؤذن بليل ويوقظ الناس، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه، فيمسك الناس عن الطعام بأذانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف ابن أم مكتوم على المدينة في غزواته، فيصلي بالمسلمين، ويتولى أمورهم.

وكان يرغب في الجهاد، غير أن فقدان بصره كان يمنعه من ذلك، ثم تحقق له ما يطلبه في معركة القادسية التي حدثت على أرض الفرس سنة (14هـ) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وكان عبد الله حامل لواء المسلمين فيها، وسقط فيمن سقط من الشهداء على أرض المعركة، فرضي الله عنه ورحمه.

ابنة الخنساء
03-21-2006, 03:26 PM
بارك الله بك أختي الحبيبة غيداء ... هذه هي الشخصية التي أردت أن أبدأ بها كونها شخصية صحابي جليل ... والأولى البدء بسير أبطال الحياة من صحابة رسول الله الكرام ...فجزاك الله خيرا

اميرة
03-29-2006, 09:37 PM
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب اليه ، ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله واصحابه واتباعه باحسان الى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .
الامام الشافعي احد الائمة الاربعة عند اهل السنة واليه نسبة الشافعية كافة . وهو ابوعبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي. وكان ابوه قد هاجر من مكة الى غزة بفلسطين بحثا عن الرزق لكنه مات بعد ولادة محمد بمدة قصيرة فنشأ محمد يتيما فقيرا . وشافع بن السائب هو الذي ينتسب اليه الشافعي لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، واسر ابوه السائب يوم بدر في جملة من أسر وفدى نفسه ثم اسلم . ويلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.

اما امه فهي يمانية من الازد وقيل من قبيلة الاسد وهي قبيلة عربية لكنها ليست قرشية، قيل ان ولادة الشافعي كانت في عسقلان وقيل بمنى لكن الاصح ان ولادته كانت في غزة عام 150 هجرية وهو نفس العام الذي توفى فيه ابو حنيفة .
ولما بلغ سنتين قررت امه العودة وابنها الى مكة لاسباب عديدة منها حتى لايضيع نسبه ، ولكي ينشأ على ما ينشأ عليه اقرانه ، فأتم حفظ القران وعمره سبع سنين . عرف الشافعي بشجو صوته في القراءة ، قال ابن نصر : كنا اذا اردنا ان نبكي قال بعضنا لبعض : قوموا الى هذا الفتى المطلبي يقرأ القران ، فاذا أتيناه (يصلي في الحرم ) استفتح القران حتى يتساقط الناس ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته فاذا راى ذلك امسك من القراءة . ولحق بقبيلة هذيل العربية لتعلم اللغة والفصاحة . وكانت هذيل افصح العرب ، ولقد كانت لهذه الملازمة اثر في فصاحته وبلاغة ما يكتب، وقدلفتت هذه البراعة انصار معاصريه من العلماء بعد ان شب وكبر ، حتى الاصمعي وهو من ائمة اللغة المعدودين يقول : ( صححت اشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس ) وبلغ من اجتهاده في طلب العلم ان اجازه شيخه مسلم بن خالد الزنجي بالفتيا وهو لا يزال صغير .

حفظ الشافعي وهو ابن ثلاث عشرة سنة تقريبا كتاب الموطأ للامام مالك ورحلت به امه الىالمدينة ليتلقى العلم عند الامام مالك . ولازم الشافعي الامام مالك ست عشرة سنة حتى توفى الامام مالك (179 هجرية ) وبنفس الوقت تعلم على يد ابراهيم بن سعد الانصاري ، ومحمد بن سعيد بن فديك وغيرهم .
وبعد وفاة الامام مالك (179 هجرية ) سافر الشافعي الى نجران واليا عليها ورغم عدالته فقد وشى البعض به الى الخليفة هارون الرشيدفتم استدعائه الى دار الخلافة سنة (184هجرية ) وهناك دافع عن موقفه بحجة دامغة وظهر للخليفة براءة الشافعي مما نسب اليه واطلق سراحه .
واثناء وجوده في بغداد أتصل بمحمد بن الحسن الشيباني تلميذ ابي حنيفة وقرأ كتبه وتعرف على علم اهل الرأي ثم عاد بعدها الى مكة واقام فيها نحوا من تسع سنوات لينشر مذهبه من خلال حلقات العلم التي يزدحم فيها طلبة العلم في الحرم المكي ومن خلال لقاءه بالعلماء اثناء مواسم الحج . وتتلمذ عليه في هذه الفترة الامام احمد بن حنبل .
ثم عاد مرة اخرى الى بغداد سنة ( 195 هجرية ) ، وكان له بها مجلس علم يحضره العلماء ويقصده الطلاب من كل مكان . مكث الشافعي سنتين في بغداد ألف خلالها كتابه (الرسالة ) ونشر فيها مذهبه القديم ولازمه خلال هذه الفترة اربعة من كبار اصحابه وهم احمد بن حنبل ، وابو ثور ، والزعفراني ، والكرابيسي . ثم عاد الامام الشافعي الى مكة ومكث بها فترة قصيرة غادرها بعد ذلك الى بغدادسنة (198هجرية ) وأقام في بغداد فترة قصيرة ثم غادر بغداد الى مصر .
قدم مصر سنة ( 199 هجرية ) تسبقه شهرته وكان في صحبته تلاميذه الربيع بن سليمان المرادي ، وعبدالله بن الزبير الحميدي ، فنزل بالفسطاط ضيفا على عبد الله بن عبد الحكم وكان من اصحاب مالك . ثم بدأ بالقاء دروسه في جامع عمرو بن العاص فمال اليه الناس وجذبت فصاحته وعلمه كثيرا من اتباع الامامين ابي حنيفة ومالك . وبقي في مصر خمس سنوات قضاها كلها في التأليف والتدريس والمناظرة والرد على الخصوم . وفي مصر وضع الشافعي مذهبه الجديد وهو الاحكام والفتاوى التي استنبطها بمصر وخالف في بعضها فقهه الذي وضعه في العراق ، وصنف في مصر كتبه الخالدة التي رواها عنه تلاميذه

ابنة الخنساء
05-05-2006, 01:46 AM
ابنتي أميرة الغالية ... حيّاك الله :

أعلم أني تأخرت كثيراً في الرّدّ على مشاركتك الجميلة والزّاخرة بالمعلومات القيمة عن الإمام الشّافعي ( رحمه الله ) لكنّني كنت أنتظر مشاركات أخرى تلي مشاركتك لأردّ عليها كلّها ...
وأحبّ أن ألفت نظر من يقرأ حياة الإمام الشّافعي أن يستشعر البطولة في حياة هذا الإمام العظيم ... بطولة تخطّت الفقر واليتم والقهر ... لتجعل من صاحبها إماماً لأهل عصره ولكثيرين ممن جاء بعدهم إلى يوم الدّين ... وصدق الله تعالى حيث قال : (( وجعلنا منهم أئمّّة لمّا صبروا )) ....
جزاك الله خيراً .... ومع حكاية جديدة لبطل من أبطال سلفنا الصالح ....

ابنة الخنساء
05-14-2006, 02:02 AM
الصحابي الجليل : عمرو بن الجموح

شيخ عزم على أن يطأ بعرجته الجنة ، يعني أردت من هذا التعليق أن أبين لكم أن الإنسان مهما يكن حاله ، ومهما يكن وضعه الصحي ، ومهما تكن سنُّه ، و مهما يكن وضعه الاقتصادي ، ومهما تكن ظروفه ، ومهما تكن مشكلاته ، ومهما تكن بيئته ، ومهما تكن معطياته ، ومهما تكن قدراته مهما تكن إمكاناته ، بإمكانه أن يدخل الجنة لأنه خُلِقَ لها ، وما دام الله سبحانه وتعالى خلقنا للجنة ، إذاً فقد يسَّر لها السبل . إذاً في أي وضع يمكنك أن تدخل الجنة ، فما عليك إلا أن تفكر ، وإلا أن تتعلم ، وإلا أن تنطلق إلى العمل متوكِّلاً على الله سبحانه .

فعمرو بن الجموح زعيم من زعماء يثرب في الجاهلية ، وسيد بني سلمة المسود ، وواحد من أجواد المدينة ، وذوي المروآت فيها ، وقد كان من شأن الأشراف في الجاهلية ، أن يتخذ كل واحد منهم صنماً لنفسه في بيته .. صنمًا خاصًّا به ، كيف أن بعض الناس له يخت خاص ، وطائرة خاصة في العصر الحديث ، فأشراف الجاهلية من علائم شرفهم أن له صنماً خاصاً في بيوتهم ، ليتبرك به أحدُهم عند الغدو والرواح ، وليذبح له في المواسم ، وليلجأ له في الملمات .

وجاء الإسلام فحرَّر العقول ، وأعاد للإنسان إنسانيته ، وعرَّفه قدرَه ...

أسلم أولاد ( عمرو بن الجموح ) الثلاثة على يدي سيدنا مصعب بن عمير ، ، وهم : معوذ ومعاذ وخلاد .

وآمنتْ مع أبنائه الثلاثة أمهم هند ، وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئاً ، كلهم على يد مصعب بن عمير ، وقد تحدثنا عنه في درس سابق ، وهو لا يدري من إسلامهم شيئاً .

رأت هند زوجة عمرو بن الجموح أن يثرب غلب على أهلها الإسلام ، وأنه لم يبق من السادة الأشراف أحد على الشرك سوى زوجها ونفر قليل ، وكانت تحبه وتجله ، وتشفق عليه من أن يموت على الكفر ، فيصير إلى النار .


وكان هو في الوقت نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدوا عن دين آبائهم وأجدادهم ، وأن يتبعوا هذا الداعية ؛ مصعب بن عمير الذي استطاع في زمن قليل أن يحول كثيراً من الناس عن دينهم ، وأن يدخلهم في دين محمد صلى الله عليه وسلم .

مرةً قال لزوجته : يا هند ، احذري أن يلتقي أولادك بهذا الرجل ، يعني مصعب بن عمير ، حتى نرى رأينا فيه ، فقالت : سمعاً وطاعة ، ولكن هل لك أن تسمع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل .

أنا أضرب لك هذا المثل دائماً ، هل من المعقول أن تصلك رسالة تمزقها قبل أن تفتحها؟ هل يفعل هذا إنسان عاقل على وجه الأرض ؟ جاءتك دعوة .. استمع لتفهم ، وبعدئذٍ خذ الموقف ، هذا الذي يرفض أن يستمع إلى درس علم ، هذا الذي يرفض أن يلتقي مع أهل الحق ، هذا الذي يرفض أن يقرأ كتاباً ، هذا الذي يرفض أن يستمع إلى شريط ، يرفض سلفاً ، هو كمثل الذي تأتيه رسالة فيمزقها قبل أن يفتحها .

فهند بأدب جم قالت لزوجها : هل لك أن تسمتع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل؟ قال : ويحك ، هل صبأ معاذ عن دينه ، وأنا لا أعلم .

فأشفقت المرأة الصالحة على هذا الشيخ ، وقالت : كلا ، ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية ، وحفظ شيئاً مما يقوله .

فقال : ادعيه لي ، فلما حضر بين يديه ، قال : أسمِعْني شيئاً مما يقوله هذا الرجل . فأسمعه الفاتحة ...

بالمناسبة ، عندنا قاعدة في اللغة ، النص إذا كثر ترداده خَفَتَ - أعني النص العادي ، ولا أقول القرآن - الكلمة إذا كثر تردادها فَقَدَتْ بريقَها ومعناها ، ولكن لو أن أحدنا استمع إلى القرآن كما نزل لأخذ بألبابه .

فهذا حينما قرأ ابنه عليه سورة الفاتحة ، قال : ما أحسن هذا الكلام ، وما أجمله ، أوَ كلُّ كلامه مثل هذا ؟ .

فقال معاذ : و أحسن من هذا يا أبتاه ، فهل لك أن تبايعه ؟ فإنّ قومك جميعاً بايعوه .

سكت الشيخ قليلاً ، ثم قال : لست فاعلاً حتى أستشير مناة ، يعني صنمه ، فأنظر ما يقول. فقال له الفتى : وما عسى أن يقول مناة يا أبتاه ، وهو خشب أصمّ، لا يعقل ولا ينطق .

فقال الشيخ في حدة : قلت لك : لن أقطع أمر دونه .

ثم قام عمرو بن الجموح إلى مناة ، وكانوا إذا أرادوا أن يكلموه جعلوا خلفه امرأة عجوزاً ، فتجيب عنه بما يلهمها إياه في زعمهم .

يأتون بامرأة عجوز تقف خلفه ، يسألون مناة ويسمعون الجواب من العجوز .. والعجوز وحدها هي التي تجيب ، وليس مناة .

ثم وقف أمامه بقامته الممدودة ، واعتمد على رجله الصحيحة ، فقد كانت الأخرى عرجاء ، شديدة العرج ، فأثنى عليه أطيب الثناء ، ثم قال : يا مناة لا ريب أنك قد علمت بأن هذا الداعية الذي وفد علينا من مكة لا يريد أحداً بسوء سواك ، وأنه إنما جاء لينهانا عن عبادتك ، وقد كرهت أن أبايعه على الرغم مما سمعت من جميل قوله ، حتى أستشيرك ، فأشر عليَّ ، فلم يردّ عليه مناة بشيء ، فقال : لعلك قد غضبت ، وأنا لم أصنع شيئاً يغضبك بعد ، ولكن لا بأس فسأتركك أياماً حتى يسكت عنك الغضب .

هو يتوهم أنه غضبان ، حجر أصم ، أو خشب أصم يتوهم أنه غضبان .

وكان أبناء عمرو يعرفون مدى تعلق أبيهم بصنمه مناة ، وكيف أنه غدا مع الزمن قطعةً منه ، ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه ، وأن عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعاً ، فذلك سبيله إلى الإيمان .

وذات ليلة أدلج أبناءُ عمرو بن الجموح مع صديقهم معاذ بن جبل إلى مناة ، فطرحوه في الدِّمنة ، مكان أقذارهم ، وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد .

فلما أصبح عمرو دلف إلى صنمه لتحيته فلم يجده ، فقال : ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلية ، فطفق يبحث عنه في داخل البيت وخارجه ، وهو يرغي ويزبد ، ويتهدد ويتوعد ، حتى وجده منكساً على رأسه في الحفرة ، فغسله ، وطهره ، وطيّبه، وأعاده إلى مكانه ، وقال : أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه ، فلما كانت الليلة الثانية عاد الفتية على مناة ففعلوا به مثل فعلهم بالأمس ، فلما أصبح الشيخ التمسه فوجده في الحفرة ملطخاً بالأقذار، فأخذه ، وغسله ، وطيّبه وأعاده إلى مكانه ، وما زال الفتية يفعلون بالصنم مثل ذلك كل ليلة ، فلما ضاق بهم ذرعاً راح إليه قبل منامه ، وأخذ سيفه وعلقه برأسه ، وقال له يا مناة ، إني واللهِ لأعلم من يصنع بك هذا الذي ترى ، فإن كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا السيف معك ..

ثم أوى إلى فراشه ، فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد غطّ في نومه ، حتى هبوا إلى الصنم ، فأخذوا السيف من عنقه ، وذهبوا به خارج المنزل ، وقرنوه إلى كلب ميت بحبل ، وألقوهما في بئر لبني سلمة ، تسيل إليها الأقذار ، وتتجمع فيها ، فلما استيقظ الشيخ ، ولم يجد الصنم ، خرج يلتمسه ، فوجده مكبًّا على وجهه في البئر ، مقروناً إلى كلب ميت ، وقد سُلب منه السيف ، فلم يُخرجه هذه المرة من الحفرة ، وإنما تركه حيث ألقوه ، وأنشأ يقول : والله لو كنتَ إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن

ثم ما لبث أن دخل في دين الله .

بعد أن دخل عمرو بن الجموح في دين الله تذوق حلاوة الإيمان ، حيث عضَّ أصابعه ندماً على كل لحظة قضاها في الشرك .

وهذه علامة الإيمان الصادق ؛ أن تمقت جاهليتك مقتاً لا حدود له ، أما هذا الذي يحنُّ إلى جاهليته ، يحنُّ إلى أيامه قبل الهدى ، يحن إلى ماضيه اللاأخلاقي ، هذا دليل أنه لم يؤمن بعد .

وقبيل موقعة أحد رأى عمرو بن الجموح أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء العدو ، ونظر إليهم غادين رائحين كأُسد الشرى ، وهم يتوهَّجون شوقاً إلى نيل الشهادة ، والفوز بمرضاة الله عز وجل ، فأثار هذا الموقف حميته ، وعزَم على أن يغدو معهم إلى الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه ، فهو شيخ كبير طاعن في السن ، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج ، وقد عذره الله عز وجل فيمن عذرهم ، فقالوا له : يا أبانا إن الله قد عَذرَكَ ، فعلامَ تكلف نفسك مما أعفاك الله منه ؟ فغضب الشيخ من قولهم أشد الغضب ، وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوهم .

قال : يا نبي الله ، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير ، وهم يتذرعون بأني أعرج ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة .

فقال عليه الصلاة والسلام : دعوه لعل الله يرزقه الشهادة ، فخلوا عنه إذعاناً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام .

وما إن أَزِفَ وقتُ الخروج حتى ودّع عمرو بن الجموح أهله وداع مفارق لا يعود ، ثم اتجه إلى القبلة ، ورفع كفيه إلى السماء ، وقال : اللهم ارزقني الشهادة ، ولا تردني إلى أهلي خائباً .. فما معنى خائباً ؟ يعني حياً .. يعني إذا رجع حياً عاد خائباً ، فإذا استشهد فقد حقق أمنيته .

ثم انطلق يحيط به أبناؤه الثلاثة وجموع كثيرة من قومه بني سلمة ، ولما حمي وطيس المعركة ، وتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شوهد عمرو بن الجموح ، يمضي في الرعيل الأول ، ويثب على رجله الصحيحة وثباً وهو يقول : إني لمشتاق إلى الجنة ، إني لمشتاق إلى الجنة ، وكان وراءه ابنه خلاد .

وما زال الشيخ وفتاه يجالدان ويذودان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرا صريعين شهيدين على أرض المعركة ، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات .

وما إن وضعت المعركة أوزارها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهداء أحد ليواريهم ترابهم ، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : خلوهم بدمائهم وجراحهم ، فأنا الشهيد عليهم .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ *

(متفق عليه)

وقد روى هذه القصة الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : أَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلًى لَهُمْ فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا وَبِمَوْلَاهُمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ *

رجل تزيد عمره عن الستين عاماً ، أعفاه القرآن من الجهاد وهو معذور ، ويصرّ على أن يجاهد في سبيل الله ، وأن يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقول الرائع : أن يا رب ، لا تردني إلى أهلي خائباً ، يعني حياً ... يعني سبحان الله ، كأنهم ليسوا بشراً ، أو كأننا نحن دون البشر ، هكذا كان أصحاب النبي ، بمثل هؤلاء فتح النبي عليه الصلاة والسلام البلاد ، بمثل هؤلاء انتشر الإسلام في الخافقين .

رضي الله عن عمرو بن الجموح وأصحابه من شهداء أحد ، ونوّر الله لهم في قبورهم.