PDA

View Full Version : عندما تألم قلبي



د.سامر سقاأميني
07-04-2007, 10:36 AM
عندما تألم قلبي




في يوم ما وأنا خارج من باب عيادتي بعد أن استدعيت على عجل لأن قريبة عزيزة عليَّ جداً تحتضر، أحسست وأنا على عتبة الباب بألم عاصر أمسك بقلبي، وانتشر كالأخطبوط في جميع اتجاهات صدري حتى وصل إلى فكي، أدركت على الفور أن احتشاءً في العضلة القلبية قد حدث، ولكنني كنت في ظرف لا يسمح لي التصرف بمنطق طبي سليم، الذي يحتم علي في مثل هذه اللحظات التوقف عن كل جهد، واستدعاء الإسعاف، والدخول أسرع ما يمكن إلى غرفة العناية الفائقة.
أنا لست جاهلاً بما يجب عمله، كما أني لست مهملاً لأحوالي الصحية، والمعروف عني حرصي على الرياضة والغذاء المتوازن، ولكنني في موقف لا أستطيع التصرف به كما توجبه قواعد الطب.
تابعت مسيري، وبدلاً من ركوب سيارتي ركبت سيارة أجرة، وكان من سوء حظي أن السائق كان قد أصابه الملل ووجد بسكوتي الناتج عن ألمي فرصة كي يتكلم دون أن يقاطعه أحد.
لا أعرف كيف عرف بأني طبيب، وأخذ يلقي علي الأسئلة الطبية رشاً، ولا ينتظر الجواب فالمهم أن يتكلم ويسلي نفسه.
صبرت وسمعت حديثه طوال الطريق، ولم أجرؤ على الحديث معه، لأن أي محاولة للحديث أو الحركة كانت سبباً لمضاعفة الألم أضعافاً.
وبعد أن وصلت إلى مقصدي، صعدت إلى بيت القريبة، ودخلت غرفتها، ورأيت آثار قدرة الله في قهره لبني البشر، فاسترجعت وعزيت، ومكثت حوالي الساعة بانتظار حضور الأقارب والأصحاب، كي يخففوا شيئاً عن عائلة المتوفاة ويقفوا معهم في محنتهم، وعندها قد أتفرغ أنا لقلبي.
وعندما رأيت أن الظروف أصبحت ملائمة، طلبت من أخ عزيز اصطحابي إلى المشفى القريب من البيت الذي أنا فيه.
دخلت قسم الإسعاف، واصطف حولي أطباء أعزاء، وأجروا لي تخطيط القلب، ورأوا بأم أعينهم صرخات الاستغاثة التي يبثها قلبي مسجلة على أوراق التخطيط، قادوني مخفوراً إلى غرفة العناية الفائقة.
وهناك في حرم هذه الغرفة، بدأت عمليات غرز الإبر، وإعطاء الأدوية، وإنشاق الأكسجين، وإلزاق أشرطة التخطيط، فالكل في خلية نحل يعمل، والملك المكسور القلب يتلقى الخدمات وقلبه معلق بين السماء والأرض.
إن من يصاب باحتشاء في العضلة القلبية يصافحه الموت، وبعد ذلك وبحسب قضاء الله فإما أن يسحب الموت يده مودعاً إلى لقاء آخر، وإما أن يمسك ويتشبث باليد التي صافحها ويسيران معاً إلى رحمة الله.
لقد أبى الموت أن يظل مستمسكاً بي، فمواعيده ملأى، وأراد فقط أن يبرز مذكراً لي بأنه موجود، وبأنه يستطيع الحضور في أية لحظة فلأكن متهيئاً والزاد حاضر، وعندها لن أخشى السفر لأنها الرحلة التي نمضي العمر بانتظارها شئنا أم أبينا، فإن كان الاستعداد حسناً فالسفر ميمون بإذن الله.
ومضت الأيام وعدت إلى حياتي المعتادة، ولكن مع ندبة على قلبي تذكرني عند كل عمل أقوم به أن انتبه فأنا ندبة صغيرة لشريان صغير، ولكن تذكر فإن نقطة الدم التي تجمدت في هذا الشريان المتواضع قادرة على الوقوف داخل أي شريان، مهما يكن حجمه، ومهما يكن موضعه، ولربما في مرة قادمة لن تتح لك فرصة أن تكتب ما شعرت به، فاتقِ الله فيّ.
عن كتاب " قلبي وعقلي وروحي" للدكتور سامر سقاأميني

عطر المحبة
07-05-2007, 01:04 AM
قصة في غاية الروعة

بانتظار المزيد

جزاك الله كل خير

jjdmaroc
07-05-2007, 02:33 AM
قصة جميلة جدا جزاك الله خيرا

نجاة
03-01-2008, 01:02 PM
جزاك الله خيرا كثيرا
ووفقك دائما
ننتظر مشاركتك القيمة أستاذنا الفاضل ، فهي دروس نتعلم منها الكثير
دمت بحفظ الرحمان

د.سامر سقاأميني
03-01-2008, 08:43 PM
شكرا لكم جميعا ووفقكم الله

( زهرة فلسطين )
03-01-2008, 10:14 PM
بارك الله فيك استاذنا الفاضل ..

للطبيب ادراك واسع ومشاهد يومية تمر عليه باستمرار

لحظات احتضار ..

ولحظات يجد فيها ان الموت قد دنى قريبا من المريض ولم يعد بامكانه التدخل ..

ولحظات يتغلب فيها ويزرع الامل في قلب مريض كان قد دخل الى هذه الغرفة على امل ضعيف وريما اشلاء مبعثرة من امال حاول ان يلملمها من هنا وهناك ..


بارك الله فيك أستاذنا الفاضل ..

وسلمت يداك على ما خطت من دروس وعبر

لك تقديري؛

د.سامر سقاأميني
03-02-2008, 11:51 AM
شكرا أختي لمرورك الكريم

خديجة جيلالي
03-02-2008, 04:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


ولربما في مرة قادمة لن تتح لك فرصة أن تكتب ما شعرت به، فاتقِ الله فيّ.


بارك الله فيك أخي ودكتورنا الفاضل على هذه الكتابة الجميلة

ملاك المغرب
03-02-2008, 07:51 PM
قصة جميلة
شكرا لك أخي

د.سامر سقاأميني
03-02-2008, 08:20 PM
إنها قصتي الحقيقية أيها الأخوات والإخوة لذا- والله أعلم- كانت صادقة

جدار الزمن
03-02-2008, 09:10 PM
لقد أثرت نفسك لتنقذ غيرك
وشرحت تجربتك ليتعض غيرك
فشكرا جزيلا لك.

.