الناصحة
03-31-2006, 02:27 PM
غاياتنا من تعلم اللغات الأجنبية
د. صالح الحسن
في حياتنا العربية المعاصرة، نرى حرصا عارما على تعلم اللغات الأجنبية، وفي المقابل، نجد زهدا متزايدا في تعلم العربية، وإجادتها من قبل أبنائها . فما السبب في هذا الوضع الجائر في حق لغتنا ؟
للإجابة على هذا التساؤل يحسن بنا العودة إلى بدايات النهضة الحديثة في وطننا العربي حينما حاول المستعمرون على شتى ألوانهم إخضاع العرب لسيطرتهم التامة عسكريا واقتصاديا، ومن ثم فكريا، فرأوا أن ذلك مستحيل لارتباطهم بدين لا يرضى الهوان لأبنائه، ثم وجدوا أن هذا الشعب يقرأ قرآنه باللغة التي أنزل بها، فلا ينسون مبادئه مهما تقادم العهد به، فتيقنوا معه استحالة احتوائهم إلا بعد القضاء على كتابهم الذي يذكرهم بعقيدتهم آناء الليل وأطراف النهار. لكنهم وجدوا أن ذلك الهدف مستحيل التحقيق أيضا؛ لتعلق المسلمين بقراءة القرآن وتدبر معانيه. فما كان منهم إلا أن عمدوا إلى سبيل آخر وإن كان طويل الأجل، إلا إنه هو الوحيد الذي سينسي المسلمين قرآنهم، ومن ثم تتم إذابتهم فلا يبقى لهم باقية. وكانت هذه الوسيلة هي صرفهم عن لغة القرآن، حتى لا يقرؤوه، ومن ثم يستعصي عليهم إدراك ما فيه من عقيدة وتشريع.
وفي سبيل إبعاد العرب والمسلمين عن لغة كتابهم عمدت قوى الاستعمار إلى وسائل عدة، لعل أبرزها الدعوة إلى العامية في كل قطر عربي، واتهام العربية بالقصور في الوفاء بمتطلبات الحياة المعاصرة، وأخيرا فرض لغة المستعمر تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب. وعندما خرج المستعمرون من بلاد المسلمين كانوا قد زرعوا بذرة الشك في مقدرات العربية، فزعموا أنها لغة القديم البائد، بعد أن أبعدوها عن الحياة الثقافية والعلمية. وفي المقابل ربطوا لغاتهم بالتطور والتحضر، وانطلت الحيلة على الكثير من أبناء العربية، فزهدوا في لغتهم وانبهروا بلغات المستعمر، وأقبلوا عليها دراسة وإتقانا، وأصبحت معرفة اللغة الإنجليزية أو الفرنسية هدفا لكل إنسان، يدفع فيه الغالي من وقته وماله! فإذا سألته عن السبب، فإنك لن تجد إلا إجابات غير مقنعة من أغلبهم، تنبئ عن إعجاب بالغرب وولاء فكري يصل إلى حد التبعية المطلقة لأهل تلك اللغة .
بين الحضارة والمدنية
ونحن في هذا المقام لا نشكك في أهمية تعلم اللغات الأجنبية عامة ، بل قد نرى ضرورة ذلك، إن لم يصل إلى حد الوجوب، حسب موقع الشخص من حركة التنمية ومطالب المدنية. فنحن نحتاج إلى تعلم اللغات الأجنبية بسبب حاجتنا إلى تلافي ما ينقص حياتنا العلمية العربية المعاصرة، وهو نقص لا نستطيع تداركه إلا عن طريق اتصالنا بالغرب والأخذ منه. لهذا يحسن بنا تحديد هذا القصور الذي نحن بحاجة إلى تداركه، بعد أن نحدد ما هو موجود لدينا وما ينقصنا .
وفي هذا المضمار يكثر الحديث في الأوساط الثقافية عن حاجتنا للغرب، حتى نلحق بركب الحضارة، ويعنون بها - طبعا - الحضارة الغربية التي تبدوا حضارة تبشر بحياة هانئة رغيدة، نظرا لأن هذه الكلمة ترادف في الأدبيات العلمية العربية لفظة العلم والتطور، إلا أن المفكرين العرب المعاصرين يرون أن هذا خلط في المفاهيم أدى بنا إلى نقص في معرفة ما لدينا وما نحتاجه فعلا من الغرب، ففي مقاربة للفظة الحضارة ومدلولها للدكتور سمر روحي الفيصل، يعرض مفهوم الحضارة والمدنية، مسترشدا برأي الدكتور محيي الدين صابر فيهما، حيث يرى أن الحضارة ليست مرادفة للعلم، بل هي قيمة جذرية عليا، ونظام شمولي للقيم والمعارف والخبرات، فهي تتضمن المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق ...، أما ذلك النشاط الإنساني في غزو ميادين الطبيعة عن طريق العقل وفي محيط العلم والفنون الصناعية فهو المدنية.
وبهذا يتبين لنا أن المدنية جزء من الحضارة، والمدنية هي ما ينقصنا في عصرنا الحاضر، فنحن في حاجة إلى مدنية تنضوي تحت حضارتنا العربية الإسلامية تتمثلها الأمة، حتى نرقى إلى مستوى الدول المتقدمة. وبهذا المفهوم الواعي للحضارة والمدنية ندرك أننا متخلفون مدنيا، لكننا متقدمون حضاريا. وبهذا نعرف مالنا وما علينا ، فنسترد تلك الثقة التي تزعزعت في النفوس تجاه إمكانات الأمة العربية، إذ هي صاحبة حضارة لا تحتاج إلى تبديل فيها، أو تنازل عن معارفها وخبراتها التاريخية، وتراثها في العلوم والفنون والآداب والعادات والتقاليد. وتنحصر حاجتنا في المدنية، التي تعني اللحاق بالتقدم العلمي والتقني، وهو الأمر الذي تكون اللغات الأجنبية وسيلة من وسائله .
لماذا نتعلم اللغات الأجنبية ؟
ومن هنا كان لزاما علينا تحديد أهدافنا من معرفة اللغات الأجنبية، وحصرها داخل حدودها المشروعة حتى لا تتجاوز نطاقها، فتطغى على لغتنا الأم، مما يؤدي إلى خلل في تكويننا اللغوي والفكري يستعصي معه الحل، ونعود بعد فوات الأوان نطالب بلون من ألوان التعريب! ولعل أبرز هذه الأهداف ما يلي:
1- الدعوة الإسلامية عن طريق عرض مبادئ ديننا الإسلامي وتاريخنا على أبناء الأمم الأخرى، وذلك باللقاء المباشر بالشعوب الأخرى في بلادهم، وإنشاء المراكز الإسلامية، والتجمعات الدعوية في أنحاء المعمورة، مما يكون لبنات تشكل مع نموها أساسا لبناء عالم إسلامي واسع، يتخطى الحدود التي وصل إليها الإسلام في العصور السابقة. أو عن طريق تأليف الكتب في مجال العقيدة والتشريع بتلك اللغات الأجنبية وتوزيعها ليطلع كل البشر على هذا الدين، مما يعطي فرصة لا تعوض للدعوة بأيسر السبل وأقلها كلفة .
2- المشاركة في نقل معارف الأمم الأخرى في مجالات العلوم التطبيقية بالذات، وذلك بترجمة مصادر العلوم ومراجعها الرئيسة إلى اللغة العربية، وعرضها أمام أبناء أمتنا بلغتهم ليتمكن كل راغب في هذا المجال التطبيقي أو غيره، أن يجد مراجع مادة تخصصه بلغته، فيتمثل هذه العلم، ويبدع فيه. وبهذا يصبح العلم متوطنا في ديارنا ليس غريبا عنا. ولن يكون ذلك إلا إذا تعلمنا العلم التطبيقي بالعربية وعلمناه بها. وغرسناه في العقل العربي لينمو ويزدهر في الأرض العربية. وقد أثبتت تجارب الأمم أن الاستيعاب الأمثل والإبداع الصحيح لايكون إلا باللغة الأم.
3- تعريب المصطلحات العلمية عن طريق وضع أسماء عربية لمسميات أجنبية، وفي ذلك إسهام في توطين العلوم والمعارف الحديثة في الوطن العربي وجعل العلم التقني عربيا لا يحس بغربته أبناء الأمة عند إقبالهم عليه درسا وتحصيلا، مما يهيئ إلى نهضة إبداعية، تشارك العالم في الابتكار والاختراع، وفي هذا كله إثراء للحركة الدؤوب التي تهدف مواكبة المدنية، دون التخلي عن الهوية الحضارية العربية الإسلامية.
4- العمل على نقل الأعمال الأدبية ذات الصبغة الإنسانية في تجاربها مما يؤدي إلى تلاقح للعقول والأفهام ، وفي هذا إثراء للخيال العربي، وتعميق لتجارب الأدباء بخبرات لم يباشروها، وصقل لمواهبهم بالاطلاع على آداب الأمم الأخرى، مع ما في ذلك من الوقوف على نماذج إنسانية متنوعة. ولكن يجب الحرص على اختيار المتميز من الأعمال الأدبية ذات العمق في الفكر، والأصالة في الإبداع، والبعد عن الكتب الهزيلة، أو تلك التي تقترب من مفهوم الترف الذهني البحت. ومما يحسن التنبيه إليه أن الفكر الإنساني عامة يحمل اتجاهات متباينة ونظرات مختلفة للكون والحياة فيحسن بنا أن نختار منها ما لا يدعو إلى فكر ضال منحرف، أو توجه يخالف مبادئنا وعقيدتنا.
5- خلق أجيال من المترجمين العرب المعتزين بلغتهم أولا، والعارفين بأسرار اللغات الأخرى للمشاركة في الترجمة الفورية والكتابية، من العربية وإليها، للعمل لدى الهيئات الدولية والإقليمية والإسلامية والعربية، لإعلاء اللسان العربي في المؤتمرات الدولية ؛ حتى يستطيع المواطن العربي الاكتفاء بلغته لمتابعة ما يجري حوله من أحداث، مباشرة عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة .
6- الاطلاع على روافد المعرفة المختلفة في مظانها، وذلك بقراءة مصادر الثقافة العامة المعاصرة من صحف ومجلات وكتب، وفي هذا إثراء لثقافة القارئ سيستفيد منها ويفيد منها غيره من أبناء أمته بالتعليم والكتابة. كما أن في هذا رافدا قويا للفكر العربي ليتمكن من خلاله القيام بدور وظيفي فاعل في العلم، والتأثير في مسار المدنية عن طريق التبادل العلمي بين العربية وغيرها من اللغات .
7- في عصر المعلوماتية، وانتشارها عن طريق تقانة الحاسوب، أصبحت مصادر المعرفة مشاعة لجميع من يتصل بها عن طريق شبكة المعلومات العالمية (إنترنيت ). وفي هذه الشبكة وأمثالها، تتنوع مصادر المعارف وتغزر، مع تجدد شبه فوري في بياناتها، مما يفيد الباحثين والجامعات والدوائر الحكومية المعنية في الاطلاع على آخر المعلومات بسرعة وسهولة. ولا يقتصر هذا الجانب الخدماتي المتطور على الجانب العلمي فحسب، بل إن التجارة وعالم الأعمال بدأت تدخل بقوة إلى هذا المضمار المتسارع الخطى، وذلك عن طريق الربط الألكتروني للشركات التجارية وإجراء الصفقات فيما بينها، وتأمين المعلومات الفورية في الشراء من أسواق متنوعة. كل هذا الكم الهائل من الخدمات والمعلومات يصدر بلغات أجنبية متعددة، فيستطيع من أتقن لغة ما أن يطلع على المعلومات التي تهمه في مجال عمله بلغاتها الأصلية التي نشرت بها، عبر تلك الشبكات الحاسوبية المتنامية.
8- هذا العصر أصبح فيه العالم كما يقال قرية صغيرة، تنتقل المعلومات والأخبار فيما بين أجزائه المختلفة بسرعة هائلة ، بسبب انتشار الأقمار الصناعية واستقبال ما تبثه بالأطباق الفضائية. والسماء مزدحمة بشتى المواد الغث منها والسمين، ومما تحويه أنواع متباينة من المعارف والمعلومات والأخبار، فيمكن لمن يجيد لغة ما أن يطلع على المفيد مما ينشر عبر تلك القنوات.
9- وأخيرا، فمن الفوائد المشروعة لتعلم اللغات الأجنبية، الاستفادة منها عند السفر إلى بلاد لا تتحدث العربية لقضاء مصالحنا التجارية، والعلمية؛ مما ييسر علينا المؤونة في الجهد والمال.
هذه أبرز الأهداف التي من أجلها يحسن أن نتعلم لغة أجنبية أو أكثر. أما ما عداها من أوهام تشيد بالأجنبي لمجرد الإعجاب والانبهار بالغرب ،والتبعية لمثله وتقاليده، فإنها علامة خلل في تفكيرنا، يجب علينا أن نتداركه قبل أن يستشري خطره ، ولات حين مناص .
--------------------------------------------------------------------------------
د. صالح الحسن
في حياتنا العربية المعاصرة، نرى حرصا عارما على تعلم اللغات الأجنبية، وفي المقابل، نجد زهدا متزايدا في تعلم العربية، وإجادتها من قبل أبنائها . فما السبب في هذا الوضع الجائر في حق لغتنا ؟
للإجابة على هذا التساؤل يحسن بنا العودة إلى بدايات النهضة الحديثة في وطننا العربي حينما حاول المستعمرون على شتى ألوانهم إخضاع العرب لسيطرتهم التامة عسكريا واقتصاديا، ومن ثم فكريا، فرأوا أن ذلك مستحيل لارتباطهم بدين لا يرضى الهوان لأبنائه، ثم وجدوا أن هذا الشعب يقرأ قرآنه باللغة التي أنزل بها، فلا ينسون مبادئه مهما تقادم العهد به، فتيقنوا معه استحالة احتوائهم إلا بعد القضاء على كتابهم الذي يذكرهم بعقيدتهم آناء الليل وأطراف النهار. لكنهم وجدوا أن ذلك الهدف مستحيل التحقيق أيضا؛ لتعلق المسلمين بقراءة القرآن وتدبر معانيه. فما كان منهم إلا أن عمدوا إلى سبيل آخر وإن كان طويل الأجل، إلا إنه هو الوحيد الذي سينسي المسلمين قرآنهم، ومن ثم تتم إذابتهم فلا يبقى لهم باقية. وكانت هذه الوسيلة هي صرفهم عن لغة القرآن، حتى لا يقرؤوه، ومن ثم يستعصي عليهم إدراك ما فيه من عقيدة وتشريع.
وفي سبيل إبعاد العرب والمسلمين عن لغة كتابهم عمدت قوى الاستعمار إلى وسائل عدة، لعل أبرزها الدعوة إلى العامية في كل قطر عربي، واتهام العربية بالقصور في الوفاء بمتطلبات الحياة المعاصرة، وأخيرا فرض لغة المستعمر تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب. وعندما خرج المستعمرون من بلاد المسلمين كانوا قد زرعوا بذرة الشك في مقدرات العربية، فزعموا أنها لغة القديم البائد، بعد أن أبعدوها عن الحياة الثقافية والعلمية. وفي المقابل ربطوا لغاتهم بالتطور والتحضر، وانطلت الحيلة على الكثير من أبناء العربية، فزهدوا في لغتهم وانبهروا بلغات المستعمر، وأقبلوا عليها دراسة وإتقانا، وأصبحت معرفة اللغة الإنجليزية أو الفرنسية هدفا لكل إنسان، يدفع فيه الغالي من وقته وماله! فإذا سألته عن السبب، فإنك لن تجد إلا إجابات غير مقنعة من أغلبهم، تنبئ عن إعجاب بالغرب وولاء فكري يصل إلى حد التبعية المطلقة لأهل تلك اللغة .
بين الحضارة والمدنية
ونحن في هذا المقام لا نشكك في أهمية تعلم اللغات الأجنبية عامة ، بل قد نرى ضرورة ذلك، إن لم يصل إلى حد الوجوب، حسب موقع الشخص من حركة التنمية ومطالب المدنية. فنحن نحتاج إلى تعلم اللغات الأجنبية بسبب حاجتنا إلى تلافي ما ينقص حياتنا العلمية العربية المعاصرة، وهو نقص لا نستطيع تداركه إلا عن طريق اتصالنا بالغرب والأخذ منه. لهذا يحسن بنا تحديد هذا القصور الذي نحن بحاجة إلى تداركه، بعد أن نحدد ما هو موجود لدينا وما ينقصنا .
وفي هذا المضمار يكثر الحديث في الأوساط الثقافية عن حاجتنا للغرب، حتى نلحق بركب الحضارة، ويعنون بها - طبعا - الحضارة الغربية التي تبدوا حضارة تبشر بحياة هانئة رغيدة، نظرا لأن هذه الكلمة ترادف في الأدبيات العلمية العربية لفظة العلم والتطور، إلا أن المفكرين العرب المعاصرين يرون أن هذا خلط في المفاهيم أدى بنا إلى نقص في معرفة ما لدينا وما نحتاجه فعلا من الغرب، ففي مقاربة للفظة الحضارة ومدلولها للدكتور سمر روحي الفيصل، يعرض مفهوم الحضارة والمدنية، مسترشدا برأي الدكتور محيي الدين صابر فيهما، حيث يرى أن الحضارة ليست مرادفة للعلم، بل هي قيمة جذرية عليا، ونظام شمولي للقيم والمعارف والخبرات، فهي تتضمن المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق ...، أما ذلك النشاط الإنساني في غزو ميادين الطبيعة عن طريق العقل وفي محيط العلم والفنون الصناعية فهو المدنية.
وبهذا يتبين لنا أن المدنية جزء من الحضارة، والمدنية هي ما ينقصنا في عصرنا الحاضر، فنحن في حاجة إلى مدنية تنضوي تحت حضارتنا العربية الإسلامية تتمثلها الأمة، حتى نرقى إلى مستوى الدول المتقدمة. وبهذا المفهوم الواعي للحضارة والمدنية ندرك أننا متخلفون مدنيا، لكننا متقدمون حضاريا. وبهذا نعرف مالنا وما علينا ، فنسترد تلك الثقة التي تزعزعت في النفوس تجاه إمكانات الأمة العربية، إذ هي صاحبة حضارة لا تحتاج إلى تبديل فيها، أو تنازل عن معارفها وخبراتها التاريخية، وتراثها في العلوم والفنون والآداب والعادات والتقاليد. وتنحصر حاجتنا في المدنية، التي تعني اللحاق بالتقدم العلمي والتقني، وهو الأمر الذي تكون اللغات الأجنبية وسيلة من وسائله .
لماذا نتعلم اللغات الأجنبية ؟
ومن هنا كان لزاما علينا تحديد أهدافنا من معرفة اللغات الأجنبية، وحصرها داخل حدودها المشروعة حتى لا تتجاوز نطاقها، فتطغى على لغتنا الأم، مما يؤدي إلى خلل في تكويننا اللغوي والفكري يستعصي معه الحل، ونعود بعد فوات الأوان نطالب بلون من ألوان التعريب! ولعل أبرز هذه الأهداف ما يلي:
1- الدعوة الإسلامية عن طريق عرض مبادئ ديننا الإسلامي وتاريخنا على أبناء الأمم الأخرى، وذلك باللقاء المباشر بالشعوب الأخرى في بلادهم، وإنشاء المراكز الإسلامية، والتجمعات الدعوية في أنحاء المعمورة، مما يكون لبنات تشكل مع نموها أساسا لبناء عالم إسلامي واسع، يتخطى الحدود التي وصل إليها الإسلام في العصور السابقة. أو عن طريق تأليف الكتب في مجال العقيدة والتشريع بتلك اللغات الأجنبية وتوزيعها ليطلع كل البشر على هذا الدين، مما يعطي فرصة لا تعوض للدعوة بأيسر السبل وأقلها كلفة .
2- المشاركة في نقل معارف الأمم الأخرى في مجالات العلوم التطبيقية بالذات، وذلك بترجمة مصادر العلوم ومراجعها الرئيسة إلى اللغة العربية، وعرضها أمام أبناء أمتنا بلغتهم ليتمكن كل راغب في هذا المجال التطبيقي أو غيره، أن يجد مراجع مادة تخصصه بلغته، فيتمثل هذه العلم، ويبدع فيه. وبهذا يصبح العلم متوطنا في ديارنا ليس غريبا عنا. ولن يكون ذلك إلا إذا تعلمنا العلم التطبيقي بالعربية وعلمناه بها. وغرسناه في العقل العربي لينمو ويزدهر في الأرض العربية. وقد أثبتت تجارب الأمم أن الاستيعاب الأمثل والإبداع الصحيح لايكون إلا باللغة الأم.
3- تعريب المصطلحات العلمية عن طريق وضع أسماء عربية لمسميات أجنبية، وفي ذلك إسهام في توطين العلوم والمعارف الحديثة في الوطن العربي وجعل العلم التقني عربيا لا يحس بغربته أبناء الأمة عند إقبالهم عليه درسا وتحصيلا، مما يهيئ إلى نهضة إبداعية، تشارك العالم في الابتكار والاختراع، وفي هذا كله إثراء للحركة الدؤوب التي تهدف مواكبة المدنية، دون التخلي عن الهوية الحضارية العربية الإسلامية.
4- العمل على نقل الأعمال الأدبية ذات الصبغة الإنسانية في تجاربها مما يؤدي إلى تلاقح للعقول والأفهام ، وفي هذا إثراء للخيال العربي، وتعميق لتجارب الأدباء بخبرات لم يباشروها، وصقل لمواهبهم بالاطلاع على آداب الأمم الأخرى، مع ما في ذلك من الوقوف على نماذج إنسانية متنوعة. ولكن يجب الحرص على اختيار المتميز من الأعمال الأدبية ذات العمق في الفكر، والأصالة في الإبداع، والبعد عن الكتب الهزيلة، أو تلك التي تقترب من مفهوم الترف الذهني البحت. ومما يحسن التنبيه إليه أن الفكر الإنساني عامة يحمل اتجاهات متباينة ونظرات مختلفة للكون والحياة فيحسن بنا أن نختار منها ما لا يدعو إلى فكر ضال منحرف، أو توجه يخالف مبادئنا وعقيدتنا.
5- خلق أجيال من المترجمين العرب المعتزين بلغتهم أولا، والعارفين بأسرار اللغات الأخرى للمشاركة في الترجمة الفورية والكتابية، من العربية وإليها، للعمل لدى الهيئات الدولية والإقليمية والإسلامية والعربية، لإعلاء اللسان العربي في المؤتمرات الدولية ؛ حتى يستطيع المواطن العربي الاكتفاء بلغته لمتابعة ما يجري حوله من أحداث، مباشرة عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة .
6- الاطلاع على روافد المعرفة المختلفة في مظانها، وذلك بقراءة مصادر الثقافة العامة المعاصرة من صحف ومجلات وكتب، وفي هذا إثراء لثقافة القارئ سيستفيد منها ويفيد منها غيره من أبناء أمته بالتعليم والكتابة. كما أن في هذا رافدا قويا للفكر العربي ليتمكن من خلاله القيام بدور وظيفي فاعل في العلم، والتأثير في مسار المدنية عن طريق التبادل العلمي بين العربية وغيرها من اللغات .
7- في عصر المعلوماتية، وانتشارها عن طريق تقانة الحاسوب، أصبحت مصادر المعرفة مشاعة لجميع من يتصل بها عن طريق شبكة المعلومات العالمية (إنترنيت ). وفي هذه الشبكة وأمثالها، تتنوع مصادر المعارف وتغزر، مع تجدد شبه فوري في بياناتها، مما يفيد الباحثين والجامعات والدوائر الحكومية المعنية في الاطلاع على آخر المعلومات بسرعة وسهولة. ولا يقتصر هذا الجانب الخدماتي المتطور على الجانب العلمي فحسب، بل إن التجارة وعالم الأعمال بدأت تدخل بقوة إلى هذا المضمار المتسارع الخطى، وذلك عن طريق الربط الألكتروني للشركات التجارية وإجراء الصفقات فيما بينها، وتأمين المعلومات الفورية في الشراء من أسواق متنوعة. كل هذا الكم الهائل من الخدمات والمعلومات يصدر بلغات أجنبية متعددة، فيستطيع من أتقن لغة ما أن يطلع على المعلومات التي تهمه في مجال عمله بلغاتها الأصلية التي نشرت بها، عبر تلك الشبكات الحاسوبية المتنامية.
8- هذا العصر أصبح فيه العالم كما يقال قرية صغيرة، تنتقل المعلومات والأخبار فيما بين أجزائه المختلفة بسرعة هائلة ، بسبب انتشار الأقمار الصناعية واستقبال ما تبثه بالأطباق الفضائية. والسماء مزدحمة بشتى المواد الغث منها والسمين، ومما تحويه أنواع متباينة من المعارف والمعلومات والأخبار، فيمكن لمن يجيد لغة ما أن يطلع على المفيد مما ينشر عبر تلك القنوات.
9- وأخيرا، فمن الفوائد المشروعة لتعلم اللغات الأجنبية، الاستفادة منها عند السفر إلى بلاد لا تتحدث العربية لقضاء مصالحنا التجارية، والعلمية؛ مما ييسر علينا المؤونة في الجهد والمال.
هذه أبرز الأهداف التي من أجلها يحسن أن نتعلم لغة أجنبية أو أكثر. أما ما عداها من أوهام تشيد بالأجنبي لمجرد الإعجاب والانبهار بالغرب ،والتبعية لمثله وتقاليده، فإنها علامة خلل في تفكيرنا، يجب علينا أن نتداركه قبل أن يستشري خطره ، ولات حين مناص .
--------------------------------------------------------------------------------