الناصحة
04-02-2006, 02:37 PM
هل تموت الأيدولوجيا في زمن العولمة؟
هبة رؤوف عزت
--------------------------------------------------------------------------------
يستخدم الإنسان بشكل متكرر أفكارًا ومفاهيم سياسية عند التعبير عن الرأي، أو إبداء وجهات النظر، والمفردات المتداولة في الخطاب العام مليئة بمصطلحات ومفاهيم سياسية كالحرية والعدل والمساواة والحقوق.
بيد أنه وبرغم كون العديد من المفاهيم والمصطلحات السياسية شائعة ودارجة، فإنها لا تستخدم بشكل دقيق أو مع إحاطة كلية وواضحة بمعانيها.
فما هي "العدالة" مثلاً ؟ وما معنى أن نقول: إن الناس سواسية؟ هل يعني ذلك أن يحصل الناس على حقوق متساوية، وفرص متساوية وتأثير سياسي متكافئ وأجور واحدة؟!
وبالمقابل فإن مفاهيم مثل: شيوعي وفاشي يساء استخدامها في وصف المخالف في الرأي، فما معنى أن نصف شخصًا بأنه "فاشي"؟ وما دلالة ذلك؟ وما هي المعتقدات والآراء التي يحملها الفاشيون، ولماذا يحملونها؟ وما الفارق الجوهري بين الشيوعيين والليبراليين والمحافظين والاشتراكيين؟
عند دراسة الأيدولوجية تثور أسئلة رئيسة منها:
أولاً: ما هو الدور الذي تلعبه الأفكار والنظريات في السياسية؟
ثانيًا: ما هي طبيعة الأنساق العقيدية التي تتطور في إطارها هذه الأفكار لتشكل أطروحات متكاملة، أي ما هي الأيدولوجيا السياسية؟
الأفكار ودورها
لا يوجد إجماع بين المفكرين السياسيين على درجة أهمية وتأثير الأفكار والأيدولوجيات، فالسياسة أحيانًا تبدو محض صراع سافر على السلطة لا شأن له بالفكر والفلسفة، وحينئذ تظهر الأفكار كمجرد شعارات دعائية وكلمات جوفاء هدفها الوحيد كَسْب أصوات انتخابية أو الحصول على دعم شعبي، وتصبح الأفكار والأيدولوجيات غطاء يستر خفايا الصراع الدائر في الحياة السياسية، وهذه النظرة للأفكار والأيدلوجية هي التي تبنَّتها المدرسة السلوكية في مجال علم النفس، والتي كان من أبرز روَّادها "جون واطسون" (1878 – 1958م) و"ب.ف. سكينر" (1904 – 1990م)، والتي نظرت للإنسان باعتباره آلة بيولوجية تستجيب لما حولها من مثيرات فحسب، وقضايا التفكير والقيم والمشاعر والنوايا كلها مسائل هامشية في تفسير الظواهر الاجتماعية أو السلوك الإنساني، وهي أيضًا الرؤية التي انطلقت منها المادية الجدلية كأحد الأشكال الحادة للماركسية، تلك المادية الجدلية التي سيطرت على مدارس العلوم الإنسانية والاجتماعية في الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الشيوعي، لقد اعتبرت هذه الاتجاهات الأفكار والأيدولوجيات السياسية مجرد انعكاس للواقع والعلاقات الاقتصادية/ المادية/ وتعبير عن مصالح الطبقات التي تصوغها، الأفكار إذن في نظرهم ذات أساس مادي ومجرد تعبير طبقي، وليس لها معنى أو دلالة في ذاتها.
غير أن هناك آخرين يرون العكس تمامًا، فالاقتصادي البريطاني الشهير "جون كينز" يذهب إلى أن الذي يحكم العالم أفكار الفلاسفة السياسيين والمفكرين الاقتصاديين التي يستند إليها رجال السياسة والسلطة في ممارساتهم، حتى إن ادعوا أنهم "عمليون" لا شأن لهم بالأفكار المجردة، ففي مقابل اعتبار السلوكية والمادية الجدلية الأفكار مجرد مرآة للواقع، يؤكد رأي كينز أن الأفكار والأيدولوجيات هي مصدر الفعل الإنساني، والعالم تحكمه مجموعة أفكار نظرية وليس مجرد قوى الصراع المادي، وعلى ذلك فالرأسمالية الحديثة نبعت من الأفكار الاقتصادية الأولى لآدم سميث وديفيد ريكادرو، وآلة الشيوعية السوفييتية هي ثمرة لأفكار كارل ماركس ولينين، وتاريخ النازية في ألمانيا لا يمكن فهمه إلا في ضوء الأفكار التي نقرؤها في كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر الذي كتبه قبل توليه السلطة.
والحق أن كلا الرأيين متحيز وغير ملائم بمفرده لفهم الحياة السياسية، فالأفكار السياسية ليست مجرد انعكاس سلبي لمصالح ضيقة أو طموحات فردية، بل تحمل قوة وقدرة على التأثير في الفعل السياسي، وبالتالي تغيير الواقع، وفي الوقت ذاته فإن الأفكار السياسية لا تنشأ في فراغ ولا تهبط من السماء كقطرات المطر، بل هي متأثرة بسياقها التاريخي والاجتماعي، وتنشأ وتتطور في إطاره، وتخدم طموحات وتوازنات سياسية قائمة.
وباختصار فإن النظريات السياسية لا تنفصل عن الممارسة السياسية، وأي دراسة متوازنة ورصينة للحياة السياسية لا بد أن ترعى التفاعل المستمر بين الأفكار والأيدولوجيات من ناحية، والقوى المادية والتاريخية من ناحية أخرى، وتؤثر الأفكار والأيدولوجيات في الحياة السياسية بطرق مختلفة، ففي المقام الأول تقدم الأيدولوجيا نسقًا نظريًّا يمكن من خلاله فهم العالم وتفسيره، فالإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يدركه وفق تصوراته وأفكاره الذاتية ومعتقداته، وسواء كان الفرد على وعي بذلك أم لا فإن كل إنسان يتخذ له مرجعية من قيم وأفكار سياسية تحدد سلوكه وتؤثر على أفعاله، فالأفكار والأيدولوجيات إذن تضع أهدافًا كبرى هي التي تؤثر في العقل والنشاط السياسي وتوجهه، وفي هذا الصدد يتعرض السياسيون لنوعين من المؤثرات المختلفة بل والمتناقضة أحيانًا: فلا شك أن السلطة هي هدف رجل السياسة وهو ما يفرض عليه أن ينحو منحى عمليًّا، وأن يتبنى السياسات والأفكار التي تمكنه من حصد الأصوات الانتخابية وإقامة التحالفات مع الجماعات المؤثرة كرجال الأعمال والعسكريين، لكن رجل السياسة في الوقت نفسه له معتقدات وقيم وقناعات بشأن الطريقة المثلى للإدارة السياسية عندما يصل للسلطة، ويختلف شكل التوازن بين الاعتبارات الأيدولوجية والاعتبارات العملية من سياسي لآخر، ومن مرحلة لأخرى في عمر السياسي الواحد، فهتلر - على سبيل المثال - كان ملتزمًا بشكل متطرف ومتعصب لأهداف أيدولوجية معينة كان أبرز سماتها العداء لليهود والتعصب للجنس الجرماني، وتأسيس دولة ألمانية تضم شرق أوروبا، والشيوعيون الماركسيون أمثال لينين أخلصوا لهدف بناء مجتمع شيوعي لا طبقي، لكن في الوقت نفسه لا يوجد سياسي يملك أن تحجب قناعاته الأيدولوجية عينه عن تطورات الواقع ومتطلباته، ولا بد من عقد تحالفات والوصول إلى صيغ حلول وسط إذا كان يريد أن يصل إلى السلطة، ويحتفظ بها، فهتلر لم يُعادِ اليهود بدرجة واحدة من البداية للنهاية، بل حكمت سياساته اعتبارات عديدة في كل لحظة تاريخية، ولينين الشيوعي أقر عام 1921م مجموعة سياسات اقتصادية سمحت ببعث قطاع خاص هامشي في روسيا.. وهكذا.
وعلى جانب آخر نجد أن السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية - كما في غيرها من البلدان الأخرى - تشبه فيها الشخصية السياسية السلعة التجارية، فيتم "تسويق" رجل السياسة (أو امرأة السياسة) كشخص له شعارات براقة ومظهر جذاب وأهداف عملية تخدم الجماهير دون إعطاء الأفكار والأيدولوجيات أهمية تذكر، لكن نكرر ثانية أن السياسيين لا يمكن أن يكونوا مجرد آلات باحثة عن السلطة بطريقة عملية براجماتية، فأهمية الأفكار في السياسة الأمريكية لا تظهر بشكل جلي؛ لسبب بسيط هو تقارب حزب الأغلبية الديمقراطي والمحافظ في الرؤية والأهداف والقيم الليبرالية الأساسية، وبالتالي فالشعارات والتمايز يدور حول السياسات العامة والإجراءات لوجود هذا المشترك الجامع من "الأيدولوجية الأمريكية" التي تؤمن بحرية السوق وتعتنق مبادئ الدستور الأمريكي.
وتساعد الأفكار السياسية أيضًا في تشكيل طبيعة وسمت الأنظمة السياسية، تلك الأنظمة التي تتفاوت وتختلف من مكان لآخر، والتي ترتبط بقيم ومبادئ معينة، فتاريخيًّا ارتبط الحكم الملكي بمجموعة قيم ومفاهيم، أبرزها الحق الإلهي للملوك في الحكم، أما في معظم الدول الغربية المعاصرة فيتأسس نظام الحكم على المبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتحترم هذه الدول بعض أفكار تقيد الحكومة بقيود دستورية، وتفصل بين السلطات، وتؤمن بفكرة التمثيل السياسي عبر انتخابات حرة نزيهة قائمة على المنافسة.
وبالمقابل فقد تأسست النظم الماركسية/ الشيوعية في السابق على أفكار ماركس ولينين، فسادَها حزب شيوعي أوحد يمثل الطبقة العاملة (البروليتاريا)، وحتى شكل الدولة القومية التي تمسك فيها الحكومة بزمام السلطة، وتحتكر استخدام القوة، والذي ساد في القرن العشرين كان نتاج أفكار سياسية أبرزها فكرة القومية وحق تقرير المصير.
وختامًا فإن الأفكار السياسية والأيدولوجيات تلعب دورًا مهمًّا في خلق التضامن الاجتماعي وتزود الجماعات المختلفة والمجتمع في مجمله بمجموعة معتقدات وقيم تؤدي لتماسكه، هذا رغم أن الأيدلوجيات ارتبطت في التصور العام بطبقات بعينها كارتباط الليبرالية بالطبقة الوسطى والمحافظة بالأرستقراطية الإقطاعية والاشتراكية بالطبقة العاملة، ورغم أن هذه الأيدولوجيات عكست تجارب وخبرات ومصالح فئات اجتماعية بعينها، فإنها أيضًا كانت صالحة لخلق روابط مشتركة بين الطبقات والفئات المختلفة في إطار مجتمع واحد، فعلى سبيل المثال تظل الليبرالية الديمقراطية مظلة أيدولوجيا واسعة تربط الأفراد والجماعات في الغرب، في حين تمثل مبادئ الإسلام وقيمه الرابطة الأساسية بين الأفراد والجماعات في العالم الإسلامي، وحين تسود ثقافة سياسية مشتركة في مجتمع؛ يؤدي ذلك لدعم النظام واستقرار هذا المجتمع.
وهذه الثقافة السياسية المشتركة ليست جامدة، بل هي تتطور وتنمو داخل أي جماعة، لكنها أيضًا قد يتم فرضها من السلطة الأعلى التي تسعى لغرض الطاعة، وتتحكم في الضبط الاجتماعي؛ ولذا فقد تختلف قيم ومفاهيم وأيدولوجيا النخب الحاكمة من عسكريين أو طبقة إقطاعية أو رأسمالية صناعية عن قيم ومفاهيم غالبية الشعب، وقد تستخدم النخبة الحاكمة أدوات الأيدولوجيا لقمع المعارضة، وتحجيم النقاش والجدل الفكري عبر عملية سيطرة أيدولوجية، ويبدو هذا جليًّا في التجارب التي سادت فيها أيدولوجية رسمية معلنة كما في الحكم النازي في ألمانيا أو الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي هذين النموذجين كانت المعتقدات السياسية الرسمية هي التي تسود الحياة السياسية وكافة جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وفنون وإعلام، وكانت الآراء والقيم المعارضة يتم قمعها ومصادرتها. ويرى البعض أن هناك نوعًا من السيطرة الأيدولوجية المستترة يسود بشكل أو آخر في كل المجتمعات، وحتى في المجتمعات الغربية فإن الأيدولوجيا السائدة هي تلك التي تخدم مصالح الطبقة الاقتصادية المسيطرة
هبة رؤوف عزت
--------------------------------------------------------------------------------
يستخدم الإنسان بشكل متكرر أفكارًا ومفاهيم سياسية عند التعبير عن الرأي، أو إبداء وجهات النظر، والمفردات المتداولة في الخطاب العام مليئة بمصطلحات ومفاهيم سياسية كالحرية والعدل والمساواة والحقوق.
بيد أنه وبرغم كون العديد من المفاهيم والمصطلحات السياسية شائعة ودارجة، فإنها لا تستخدم بشكل دقيق أو مع إحاطة كلية وواضحة بمعانيها.
فما هي "العدالة" مثلاً ؟ وما معنى أن نقول: إن الناس سواسية؟ هل يعني ذلك أن يحصل الناس على حقوق متساوية، وفرص متساوية وتأثير سياسي متكافئ وأجور واحدة؟!
وبالمقابل فإن مفاهيم مثل: شيوعي وفاشي يساء استخدامها في وصف المخالف في الرأي، فما معنى أن نصف شخصًا بأنه "فاشي"؟ وما دلالة ذلك؟ وما هي المعتقدات والآراء التي يحملها الفاشيون، ولماذا يحملونها؟ وما الفارق الجوهري بين الشيوعيين والليبراليين والمحافظين والاشتراكيين؟
عند دراسة الأيدولوجية تثور أسئلة رئيسة منها:
أولاً: ما هو الدور الذي تلعبه الأفكار والنظريات في السياسية؟
ثانيًا: ما هي طبيعة الأنساق العقيدية التي تتطور في إطارها هذه الأفكار لتشكل أطروحات متكاملة، أي ما هي الأيدولوجيا السياسية؟
الأفكار ودورها
لا يوجد إجماع بين المفكرين السياسيين على درجة أهمية وتأثير الأفكار والأيدولوجيات، فالسياسة أحيانًا تبدو محض صراع سافر على السلطة لا شأن له بالفكر والفلسفة، وحينئذ تظهر الأفكار كمجرد شعارات دعائية وكلمات جوفاء هدفها الوحيد كَسْب أصوات انتخابية أو الحصول على دعم شعبي، وتصبح الأفكار والأيدولوجيات غطاء يستر خفايا الصراع الدائر في الحياة السياسية، وهذه النظرة للأفكار والأيدلوجية هي التي تبنَّتها المدرسة السلوكية في مجال علم النفس، والتي كان من أبرز روَّادها "جون واطسون" (1878 – 1958م) و"ب.ف. سكينر" (1904 – 1990م)، والتي نظرت للإنسان باعتباره آلة بيولوجية تستجيب لما حولها من مثيرات فحسب، وقضايا التفكير والقيم والمشاعر والنوايا كلها مسائل هامشية في تفسير الظواهر الاجتماعية أو السلوك الإنساني، وهي أيضًا الرؤية التي انطلقت منها المادية الجدلية كأحد الأشكال الحادة للماركسية، تلك المادية الجدلية التي سيطرت على مدارس العلوم الإنسانية والاجتماعية في الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الشيوعي، لقد اعتبرت هذه الاتجاهات الأفكار والأيدولوجيات السياسية مجرد انعكاس للواقع والعلاقات الاقتصادية/ المادية/ وتعبير عن مصالح الطبقات التي تصوغها، الأفكار إذن في نظرهم ذات أساس مادي ومجرد تعبير طبقي، وليس لها معنى أو دلالة في ذاتها.
غير أن هناك آخرين يرون العكس تمامًا، فالاقتصادي البريطاني الشهير "جون كينز" يذهب إلى أن الذي يحكم العالم أفكار الفلاسفة السياسيين والمفكرين الاقتصاديين التي يستند إليها رجال السياسة والسلطة في ممارساتهم، حتى إن ادعوا أنهم "عمليون" لا شأن لهم بالأفكار المجردة، ففي مقابل اعتبار السلوكية والمادية الجدلية الأفكار مجرد مرآة للواقع، يؤكد رأي كينز أن الأفكار والأيدولوجيات هي مصدر الفعل الإنساني، والعالم تحكمه مجموعة أفكار نظرية وليس مجرد قوى الصراع المادي، وعلى ذلك فالرأسمالية الحديثة نبعت من الأفكار الاقتصادية الأولى لآدم سميث وديفيد ريكادرو، وآلة الشيوعية السوفييتية هي ثمرة لأفكار كارل ماركس ولينين، وتاريخ النازية في ألمانيا لا يمكن فهمه إلا في ضوء الأفكار التي نقرؤها في كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر الذي كتبه قبل توليه السلطة.
والحق أن كلا الرأيين متحيز وغير ملائم بمفرده لفهم الحياة السياسية، فالأفكار السياسية ليست مجرد انعكاس سلبي لمصالح ضيقة أو طموحات فردية، بل تحمل قوة وقدرة على التأثير في الفعل السياسي، وبالتالي تغيير الواقع، وفي الوقت ذاته فإن الأفكار السياسية لا تنشأ في فراغ ولا تهبط من السماء كقطرات المطر، بل هي متأثرة بسياقها التاريخي والاجتماعي، وتنشأ وتتطور في إطاره، وتخدم طموحات وتوازنات سياسية قائمة.
وباختصار فإن النظريات السياسية لا تنفصل عن الممارسة السياسية، وأي دراسة متوازنة ورصينة للحياة السياسية لا بد أن ترعى التفاعل المستمر بين الأفكار والأيدولوجيات من ناحية، والقوى المادية والتاريخية من ناحية أخرى، وتؤثر الأفكار والأيدولوجيات في الحياة السياسية بطرق مختلفة، ففي المقام الأول تقدم الأيدولوجيا نسقًا نظريًّا يمكن من خلاله فهم العالم وتفسيره، فالإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يدركه وفق تصوراته وأفكاره الذاتية ومعتقداته، وسواء كان الفرد على وعي بذلك أم لا فإن كل إنسان يتخذ له مرجعية من قيم وأفكار سياسية تحدد سلوكه وتؤثر على أفعاله، فالأفكار والأيدولوجيات إذن تضع أهدافًا كبرى هي التي تؤثر في العقل والنشاط السياسي وتوجهه، وفي هذا الصدد يتعرض السياسيون لنوعين من المؤثرات المختلفة بل والمتناقضة أحيانًا: فلا شك أن السلطة هي هدف رجل السياسة وهو ما يفرض عليه أن ينحو منحى عمليًّا، وأن يتبنى السياسات والأفكار التي تمكنه من حصد الأصوات الانتخابية وإقامة التحالفات مع الجماعات المؤثرة كرجال الأعمال والعسكريين، لكن رجل السياسة في الوقت نفسه له معتقدات وقيم وقناعات بشأن الطريقة المثلى للإدارة السياسية عندما يصل للسلطة، ويختلف شكل التوازن بين الاعتبارات الأيدولوجية والاعتبارات العملية من سياسي لآخر، ومن مرحلة لأخرى في عمر السياسي الواحد، فهتلر - على سبيل المثال - كان ملتزمًا بشكل متطرف ومتعصب لأهداف أيدولوجية معينة كان أبرز سماتها العداء لليهود والتعصب للجنس الجرماني، وتأسيس دولة ألمانية تضم شرق أوروبا، والشيوعيون الماركسيون أمثال لينين أخلصوا لهدف بناء مجتمع شيوعي لا طبقي، لكن في الوقت نفسه لا يوجد سياسي يملك أن تحجب قناعاته الأيدولوجية عينه عن تطورات الواقع ومتطلباته، ولا بد من عقد تحالفات والوصول إلى صيغ حلول وسط إذا كان يريد أن يصل إلى السلطة، ويحتفظ بها، فهتلر لم يُعادِ اليهود بدرجة واحدة من البداية للنهاية، بل حكمت سياساته اعتبارات عديدة في كل لحظة تاريخية، ولينين الشيوعي أقر عام 1921م مجموعة سياسات اقتصادية سمحت ببعث قطاع خاص هامشي في روسيا.. وهكذا.
وعلى جانب آخر نجد أن السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية - كما في غيرها من البلدان الأخرى - تشبه فيها الشخصية السياسية السلعة التجارية، فيتم "تسويق" رجل السياسة (أو امرأة السياسة) كشخص له شعارات براقة ومظهر جذاب وأهداف عملية تخدم الجماهير دون إعطاء الأفكار والأيدولوجيات أهمية تذكر، لكن نكرر ثانية أن السياسيين لا يمكن أن يكونوا مجرد آلات باحثة عن السلطة بطريقة عملية براجماتية، فأهمية الأفكار في السياسة الأمريكية لا تظهر بشكل جلي؛ لسبب بسيط هو تقارب حزب الأغلبية الديمقراطي والمحافظ في الرؤية والأهداف والقيم الليبرالية الأساسية، وبالتالي فالشعارات والتمايز يدور حول السياسات العامة والإجراءات لوجود هذا المشترك الجامع من "الأيدولوجية الأمريكية" التي تؤمن بحرية السوق وتعتنق مبادئ الدستور الأمريكي.
وتساعد الأفكار السياسية أيضًا في تشكيل طبيعة وسمت الأنظمة السياسية، تلك الأنظمة التي تتفاوت وتختلف من مكان لآخر، والتي ترتبط بقيم ومبادئ معينة، فتاريخيًّا ارتبط الحكم الملكي بمجموعة قيم ومفاهيم، أبرزها الحق الإلهي للملوك في الحكم، أما في معظم الدول الغربية المعاصرة فيتأسس نظام الحكم على المبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتحترم هذه الدول بعض أفكار تقيد الحكومة بقيود دستورية، وتفصل بين السلطات، وتؤمن بفكرة التمثيل السياسي عبر انتخابات حرة نزيهة قائمة على المنافسة.
وبالمقابل فقد تأسست النظم الماركسية/ الشيوعية في السابق على أفكار ماركس ولينين، فسادَها حزب شيوعي أوحد يمثل الطبقة العاملة (البروليتاريا)، وحتى شكل الدولة القومية التي تمسك فيها الحكومة بزمام السلطة، وتحتكر استخدام القوة، والذي ساد في القرن العشرين كان نتاج أفكار سياسية أبرزها فكرة القومية وحق تقرير المصير.
وختامًا فإن الأفكار السياسية والأيدولوجيات تلعب دورًا مهمًّا في خلق التضامن الاجتماعي وتزود الجماعات المختلفة والمجتمع في مجمله بمجموعة معتقدات وقيم تؤدي لتماسكه، هذا رغم أن الأيدلوجيات ارتبطت في التصور العام بطبقات بعينها كارتباط الليبرالية بالطبقة الوسطى والمحافظة بالأرستقراطية الإقطاعية والاشتراكية بالطبقة العاملة، ورغم أن هذه الأيدولوجيات عكست تجارب وخبرات ومصالح فئات اجتماعية بعينها، فإنها أيضًا كانت صالحة لخلق روابط مشتركة بين الطبقات والفئات المختلفة في إطار مجتمع واحد، فعلى سبيل المثال تظل الليبرالية الديمقراطية مظلة أيدولوجيا واسعة تربط الأفراد والجماعات في الغرب، في حين تمثل مبادئ الإسلام وقيمه الرابطة الأساسية بين الأفراد والجماعات في العالم الإسلامي، وحين تسود ثقافة سياسية مشتركة في مجتمع؛ يؤدي ذلك لدعم النظام واستقرار هذا المجتمع.
وهذه الثقافة السياسية المشتركة ليست جامدة، بل هي تتطور وتنمو داخل أي جماعة، لكنها أيضًا قد يتم فرضها من السلطة الأعلى التي تسعى لغرض الطاعة، وتتحكم في الضبط الاجتماعي؛ ولذا فقد تختلف قيم ومفاهيم وأيدولوجيا النخب الحاكمة من عسكريين أو طبقة إقطاعية أو رأسمالية صناعية عن قيم ومفاهيم غالبية الشعب، وقد تستخدم النخبة الحاكمة أدوات الأيدولوجيا لقمع المعارضة، وتحجيم النقاش والجدل الفكري عبر عملية سيطرة أيدولوجية، ويبدو هذا جليًّا في التجارب التي سادت فيها أيدولوجية رسمية معلنة كما في الحكم النازي في ألمانيا أو الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي هذين النموذجين كانت المعتقدات السياسية الرسمية هي التي تسود الحياة السياسية وكافة جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وفنون وإعلام، وكانت الآراء والقيم المعارضة يتم قمعها ومصادرتها. ويرى البعض أن هناك نوعًا من السيطرة الأيدولوجية المستترة يسود بشكل أو آخر في كل المجتمعات، وحتى في المجتمعات الغربية فإن الأيدولوجيا السائدة هي تلك التي تخدم مصالح الطبقة الاقتصادية المسيطرة