سها
08-28-2007, 09:52 AM
في هدأة السحر وسكون الليل البهيم ... ومضاتُ تشق الظلمات وتنشر الأمان
والسكينة في النفوس حتى يخيل إليك أنك في ليلة القدر .... كل عباد الله يقفون متهجدين بين
يدي المليك ، فمن صوتٍ يتغنى بآي الذكر الحكيم ... إلى دعواتٍ خاشعاتٍ لا تفارقها
الدموع ، سفيرها اليقين بالإجابة .
اعتادت في صغرها رؤية والدتها على هذه الحال تكسوها الطمأنينة فتطيل القيام والتهجد ....
لم تنسَ يوماً أن تدعوَ الله بتفريج كربتها ورد الوالد الحنون إلى عائلته سالماً .... نعم لم تنسَ
أسره هناك .... لم تفارق مخيلتها صور تعذيبه هو وإخوانه المسلمين ... فأطلقت سهام الليل
راضيةً بقضاء الله ، آخذةً بالأسباب .
أومأت برأسها وكأنها ترى ذلك المشهد رأي العين قائلةً بهمس : كان ذلك دأبك يا أمي .
( أماه ، أماه ) نداء صغيرتها أعادها إلى الحاضر ...
- أماه ألن نذهب لنزور جدتي ؟
- بلى اليوم نذهب بعد صلاة العصر إن شاء الله .
قالتها فرحة : أنا سعيدة سنذهب عند جدتي .
ابتسمت الأم فهذه الصغيرة هي مصدر تفاؤلها في الحياة .
سارت سحر ذات الإثنا عشر ربيعاً مع أمها إلى بيت الجدة ، ولما دخلتا إذا بالجدة جالسةً
وسطَ فناء الدار وقد تهلل وجهها لمرآهم ، وازداد بشرها لما رأت حفيدتها الصغيرة تركض
نحوها ، قبلت يدها واحتضنتها قائلة : كم أحبك يا جدتي ، اشتقت إليك .
- وأنا كذلك اشتقت لحلوتي الصغيرة .
ثم دارت بين الأم والجدة أحاديث كثيرة استرجعتا فيها ذكريات الماضي – سحر فرحة وهي
تستمع لحكايا الجدة ولكنها لاحظت أن وجه الجدة تعلوه ابتسامة مشوبة بحزن – قطع تفكيرها
صوت الأم تحدث جدتها قائلة : القلادة يا أمي أنسيتها ؟
ابتهجت وقالت : معك حقٌ يا ابنتي .
في البيت ... سحر : أماه ..
- نعم حبيبتي !
- جدتي يحزنها أمرٌ ما ، وأي قلادة تلك التي أبهجها ذكرها ؟
- يا ابنتي هي حكاية عشتها وأنا في مثل عمرك عندما أسَرَ جدَك العدوُ الغاشم ، وهي
غالية عليّ جمعتها حلقةً حلقة .
- ومن علمك صنع القلائد ، ولِمَ لم تعلميني صنع واحدة ؟ ضحكت من براءتها وأردفت قائلة :
في كل ليلة كنت أضم حلقةً لأخرى حتى اكتملت ، والآن ما رأيك أن أحكيَ لكِ قصة كما في
كل ليلة وبعدها سأخبركِ كيف صنعتُ القلادة ؟
ابتهجت : بلى ، بلى .
– تعالي بقربي .
قصت لها كعادتها قصصاً من السير ، تحكيها وكأنها تسمعها من أمها كما في الماضي .
بادرتها سحر : ولكنك لم تخبريني عن القلادة
- اصبري يا بنية وستعلمين خبرها .
وبعد أن أنهت الأم قصتها إذا بطرقٍ على الباب ، فتحت الأم ، فأخبرها أحدهم أن زوجها
استشهد على يد العدو ، هالها الأمر وصُدمت به ، عاودتها ذكرى الأب الشهيد بعد طول
أسرٍ وعذاب ، تصبرت واستبشرت بشهادة والد طفلتها خيراً وحمدت الله بأنه مات دون أن
يكابد الأسر والتعذيب كما والدها ، ظلت واقفة في مكانها تحاول عبثاً أن تلملم شتات نفسها
لتتماسك أمام ابنتها ، التفتت فإذا بسحر تقف على باب حجرتها وملامحها الحزينة تدل على
أنها علمت شيئاً عن خبر والدها .
- أماه من يطرق الباب في هذه الساعة ؟ ، سمعته يذكر والدي ما الأمر ؟ ألن يعود
أبي غداً كما أخبرنا ؟
- الأم بحنان : يا ابنتي والدك لن يعود ... والدك استشهد وهو في الجنة بإذن الله .
- غرقت الصغيرة في دموعها : مات أبي ؟
- ضمتها إلى صدرها : لا تبكِ يا بنية . حينها لم تتمالك نفسها فبكت معها بصمت وهي
ترفع خصلات شعرها المبللة بالدموع مرددة : إنا لله وإنا إليه راجعون ، داعيةً الله أن ينصر الأمة .
- غالبت دمعها وحاولت أن تهدأ روع صغيرتها ، سحر تحاول بدورها جاهدةً أن تتماسك دون
جدوى حتى غلبها النعاس ودموعها لم تجف بعد .
استيقظت من النوم وما زالت نار الحزن على الأب الحنون تكوي فؤادها .
- الأم : كيف أصبحتِ يا حبيبتي ؟
- الحمد لله ، قالتها وظلت باقي يومها تصارع الدموع حتى لا تنهمر .
ولما رأت أمها حزنها الشديد وسيطرته عليها دعتها وما هي إلا لحظات حتى أهدتها القلادة
فما كان من سحر إلا أن نظرت إلى أمها باستغراب ، حينها ومض ذلك الموقف بذاكرتها
وفهمت ما دار بين والدتها وجدتها من حديث ذلك اليوم ، وتذكرت تلك الكلمات :
( القلادة يا أمي أنسيتها ؟ ) .
أومأت الأم برأسها إيجاباً وقالت : نعم يا سحر هي ذاتها القلادة التي جمعتها مع جدتك
بالأمس ، جمعتها معك اليوم ؛ يا ابنتي تلك هي قلادة الصبر فلا تتركيها .
**********
بانتظار آرائكم ونقدكم
**********
بقلم سها
والسكينة في النفوس حتى يخيل إليك أنك في ليلة القدر .... كل عباد الله يقفون متهجدين بين
يدي المليك ، فمن صوتٍ يتغنى بآي الذكر الحكيم ... إلى دعواتٍ خاشعاتٍ لا تفارقها
الدموع ، سفيرها اليقين بالإجابة .
اعتادت في صغرها رؤية والدتها على هذه الحال تكسوها الطمأنينة فتطيل القيام والتهجد ....
لم تنسَ يوماً أن تدعوَ الله بتفريج كربتها ورد الوالد الحنون إلى عائلته سالماً .... نعم لم تنسَ
أسره هناك .... لم تفارق مخيلتها صور تعذيبه هو وإخوانه المسلمين ... فأطلقت سهام الليل
راضيةً بقضاء الله ، آخذةً بالأسباب .
أومأت برأسها وكأنها ترى ذلك المشهد رأي العين قائلةً بهمس : كان ذلك دأبك يا أمي .
( أماه ، أماه ) نداء صغيرتها أعادها إلى الحاضر ...
- أماه ألن نذهب لنزور جدتي ؟
- بلى اليوم نذهب بعد صلاة العصر إن شاء الله .
قالتها فرحة : أنا سعيدة سنذهب عند جدتي .
ابتسمت الأم فهذه الصغيرة هي مصدر تفاؤلها في الحياة .
سارت سحر ذات الإثنا عشر ربيعاً مع أمها إلى بيت الجدة ، ولما دخلتا إذا بالجدة جالسةً
وسطَ فناء الدار وقد تهلل وجهها لمرآهم ، وازداد بشرها لما رأت حفيدتها الصغيرة تركض
نحوها ، قبلت يدها واحتضنتها قائلة : كم أحبك يا جدتي ، اشتقت إليك .
- وأنا كذلك اشتقت لحلوتي الصغيرة .
ثم دارت بين الأم والجدة أحاديث كثيرة استرجعتا فيها ذكريات الماضي – سحر فرحة وهي
تستمع لحكايا الجدة ولكنها لاحظت أن وجه الجدة تعلوه ابتسامة مشوبة بحزن – قطع تفكيرها
صوت الأم تحدث جدتها قائلة : القلادة يا أمي أنسيتها ؟
ابتهجت وقالت : معك حقٌ يا ابنتي .
في البيت ... سحر : أماه ..
- نعم حبيبتي !
- جدتي يحزنها أمرٌ ما ، وأي قلادة تلك التي أبهجها ذكرها ؟
- يا ابنتي هي حكاية عشتها وأنا في مثل عمرك عندما أسَرَ جدَك العدوُ الغاشم ، وهي
غالية عليّ جمعتها حلقةً حلقة .
- ومن علمك صنع القلائد ، ولِمَ لم تعلميني صنع واحدة ؟ ضحكت من براءتها وأردفت قائلة :
في كل ليلة كنت أضم حلقةً لأخرى حتى اكتملت ، والآن ما رأيك أن أحكيَ لكِ قصة كما في
كل ليلة وبعدها سأخبركِ كيف صنعتُ القلادة ؟
ابتهجت : بلى ، بلى .
– تعالي بقربي .
قصت لها كعادتها قصصاً من السير ، تحكيها وكأنها تسمعها من أمها كما في الماضي .
بادرتها سحر : ولكنك لم تخبريني عن القلادة
- اصبري يا بنية وستعلمين خبرها .
وبعد أن أنهت الأم قصتها إذا بطرقٍ على الباب ، فتحت الأم ، فأخبرها أحدهم أن زوجها
استشهد على يد العدو ، هالها الأمر وصُدمت به ، عاودتها ذكرى الأب الشهيد بعد طول
أسرٍ وعذاب ، تصبرت واستبشرت بشهادة والد طفلتها خيراً وحمدت الله بأنه مات دون أن
يكابد الأسر والتعذيب كما والدها ، ظلت واقفة في مكانها تحاول عبثاً أن تلملم شتات نفسها
لتتماسك أمام ابنتها ، التفتت فإذا بسحر تقف على باب حجرتها وملامحها الحزينة تدل على
أنها علمت شيئاً عن خبر والدها .
- أماه من يطرق الباب في هذه الساعة ؟ ، سمعته يذكر والدي ما الأمر ؟ ألن يعود
أبي غداً كما أخبرنا ؟
- الأم بحنان : يا ابنتي والدك لن يعود ... والدك استشهد وهو في الجنة بإذن الله .
- غرقت الصغيرة في دموعها : مات أبي ؟
- ضمتها إلى صدرها : لا تبكِ يا بنية . حينها لم تتمالك نفسها فبكت معها بصمت وهي
ترفع خصلات شعرها المبللة بالدموع مرددة : إنا لله وإنا إليه راجعون ، داعيةً الله أن ينصر الأمة .
- غالبت دمعها وحاولت أن تهدأ روع صغيرتها ، سحر تحاول بدورها جاهدةً أن تتماسك دون
جدوى حتى غلبها النعاس ودموعها لم تجف بعد .
استيقظت من النوم وما زالت نار الحزن على الأب الحنون تكوي فؤادها .
- الأم : كيف أصبحتِ يا حبيبتي ؟
- الحمد لله ، قالتها وظلت باقي يومها تصارع الدموع حتى لا تنهمر .
ولما رأت أمها حزنها الشديد وسيطرته عليها دعتها وما هي إلا لحظات حتى أهدتها القلادة
فما كان من سحر إلا أن نظرت إلى أمها باستغراب ، حينها ومض ذلك الموقف بذاكرتها
وفهمت ما دار بين والدتها وجدتها من حديث ذلك اليوم ، وتذكرت تلك الكلمات :
( القلادة يا أمي أنسيتها ؟ ) .
أومأت الأم برأسها إيجاباً وقالت : نعم يا سحر هي ذاتها القلادة التي جمعتها مع جدتك
بالأمس ، جمعتها معك اليوم ؛ يا ابنتي تلك هي قلادة الصبر فلا تتركيها .
**********
بانتظار آرائكم ونقدكم
**********
بقلم سها