الرافعي
04-20-2006, 12:40 PM
د. علي جمعة:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين).. اطلعنا على الطلب الوارد الينا عبر الفاكس من الاساتذة محمد الفهد وبسام الهارون واحمد النصف واحمد العبيد وعبدالرحمن الكندري ـ المقيد برقم 1113 لسنة 2006م والمتضمن ما يأتي:
نشرت مقابلة عندنا في الكويت في جريدة الرأي بتاريخ 20 من مارس 2006م، الموافق 20 من صفر الخير 1427هـ مع احد شيوخنا الافاضل وكان فترة من الزمن عميداً لكلية الشريعة في جامعة الكويت وورد فيها من اجابته على سؤال وجه اليه حول الشرك: اما الطواف بالقبور فغير مشروع عند كل علماء المسلمين بمن فيهم الصوفية، واختلفوا هل هو حرام ام مكروه، لم يقل احد بأنه شرك الا بعض المعدودين على الاصابع ممن ينتسب الى العلم، فثارت ضجة في مقالات عديدة كتبها بعضهم من اساتذة الشريعة وغيرهم، تهاجم هذا الكلام وتشنع على صاحبه بل وتتهمه بالترويج للشرك، ولما كانت لكم في قلوبنا منزلة ولقولكم اجلال اردنا ان تقولوا كلمة الحق في بيان حكم الله في هذه المسألة علها ان تضع حداً لهذا الاختلاف الذي كان له اثر غير حميد.
الجواب
ينبغي ان نقدم اصولاً ثلاثة تجب مراعاتها عند الكلام في هذه المسألة واشباهها:
أولاً: الاصل في الافعال التي تصدر من المسلم ان تحمل على الاوجه التي لا تتعارض مع اصل التوحيد، ولا يجوز ان نبادر برميه بالكفر او الشرك، فإن اسلامه قرينة قوية توجب علينا الا نحمل افعاله على ما يقتضي الكفر، وتلك قاعدة عامة ينبغي على المسلمين، وقد عبر الامام مالك امام دار الهجرة رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله: »من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الايمان من وجه نحمل امره على الايمان«، ولنضرب لذلك مثلاً قوياً وآخر فعلياً.
فالمسلم يعتقد ان المسيح عليه السلام يحيي الموتى ولكن بإذن الله، وهو غير قادر على ذلك بنفسه وانما بقوة الله له، والنصراني يعتقد انه يحيي الموتى، ولكنه يعتقد ان ذلك بقوة ذاتية، وانه هو الله، او ابن الله، او احد اقانيم كما يعتقدون، وعلى هذا فإذا سمعنا مسلماً موحداً يقول: »انا اعتقد ان المسيح يحيي الموتى« ـ ونفس تلك المقالة قالها آخر مسيحي ـ فلا ينبغي ان نظن ان المسلم تنصر بهذه الكلمة، بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه للاسلام ولعقيدة التوحيد.
والمسلم يعتقد ايضا ان العبادة لا يجوز صرفها الا لله وحده، والمشرك يعتقد جواز صرفها لغير الله تعالى، فاذا رأينا مسلما يصدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها وجب حمل فعله على مايناسب اعتقاده كمسلم، لان من ثبت له عقد الاسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال. ولذلك لما سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبانـ نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك او الكفر، وبدهي ان معاذا رضي الله عنه ـ وهو اعلم الامة بالحلال والحرامـ لم يكن يجهل ان السجود عبادة وان العبادة لا يجوز صرفها لغير الله ، ولكن لما كان السجود يحتمل وجها آخر غير عبادة المسجود له لم يجز حمله على العبادة اذا صدر من المسلم او تكفيره بحال، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي:»الا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا:الا نسجد لك؟ فقال ؟لا . فلو اذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة، كماقد سجد اخوة يوسف عليه السلام ليوسف. وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به اصلا. بل يكون عاصيا، فليعرف ان هذا منهي عنه وكذلك الصلاة الى القبر« اهـ من معجم الشيوخ : ص .56
والإخلال بهذا الاصل الاصيل هو مسلك الخوارج، حيث وضح ابن عمر رضي الله عنهما ان هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين« علقه البخاري في صحيحه ووصله ابن جرير الطبري في »تهذيب الآثار« بسند صحيح.
ثانيا: هناك فارق كبير وبون شاسع ما بين الوسيلة والشرك. فالوسيلة مأمور بها شرعا في قوله تعالى:( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون)(المائدة:35)، واثنى سبحانه على من يتوسلون إليه في دعائهم فقال:(اولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا)(الإسراء:57). والوسيلة في اللغة: المنزلة، والوصلة، والقربة، فجماع معناها هو : التقرب الى اله تعالى بكل ما شرعه سبحانه ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الامكنة والازمنة والاشخاص والاحوال، فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والملتزم تعظيما لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الاماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الاجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الأخير تعظيما لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب الى الله تعالى بحب الانبياء والصالحين تعظيما لمن عظمه الله من الاشخاص. ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيما لما عظمه الله من الاحوال.. وهكذا وكل ذلك داخل في قوله تعالى :(ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب«(الحج:32).
اما الشرك فهو صرف شيء من انواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي الا لله تعالى، حتى لو كان ذلك بغرض التقرب الى الله كما قال تعالى:( والذين اتخذوا من دونه اولياء مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: 3) وانما قلنا »على الوجه الذي لا ينبغي الا لله تعالى« لاخراج كل ما خالف العبادة في مسماها وان وافقها في ظاهر اسمها، فالدعاء قد يكون عبادة للمدعو (ان يدعون من دونه إلا إناثا) (النساء: 117) وقد لا يكون (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) (النور: 63) والسؤال قد يكون عبادة للمسؤول (واسئلوا الله من فضله) (النور: 23)، وقد لا يكون »(للسائل والمحروم) (المعارج: 25) والاستعانة قد تكون عبادة للمستعان به (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة: 5)، (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا) (الاعراف: 128) وقد لا تكون (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة: 45)، والحب قد يكون عبادة للمحبوب وقد لا يكون كما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في قوله: »احبوا الله لما يغذوكم من نعمه، واحبوني بحب الله، واحبوا اهل بيتي لحبي« رواه الترمذي وصححه الحاكم.. وهكذا، اي ان الشرك انما يكون في التعظيم الذي هو كتعظيم الله تعالى كما قال تعالى: (فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون) (البقرة: 22) وكما قال سبحانه: (ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا تحبونهم كحب الله والذين امنوا اشدّ حبا لله) (البقرة: 165).
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين).. اطلعنا على الطلب الوارد الينا عبر الفاكس من الاساتذة محمد الفهد وبسام الهارون واحمد النصف واحمد العبيد وعبدالرحمن الكندري ـ المقيد برقم 1113 لسنة 2006م والمتضمن ما يأتي:
نشرت مقابلة عندنا في الكويت في جريدة الرأي بتاريخ 20 من مارس 2006م، الموافق 20 من صفر الخير 1427هـ مع احد شيوخنا الافاضل وكان فترة من الزمن عميداً لكلية الشريعة في جامعة الكويت وورد فيها من اجابته على سؤال وجه اليه حول الشرك: اما الطواف بالقبور فغير مشروع عند كل علماء المسلمين بمن فيهم الصوفية، واختلفوا هل هو حرام ام مكروه، لم يقل احد بأنه شرك الا بعض المعدودين على الاصابع ممن ينتسب الى العلم، فثارت ضجة في مقالات عديدة كتبها بعضهم من اساتذة الشريعة وغيرهم، تهاجم هذا الكلام وتشنع على صاحبه بل وتتهمه بالترويج للشرك، ولما كانت لكم في قلوبنا منزلة ولقولكم اجلال اردنا ان تقولوا كلمة الحق في بيان حكم الله في هذه المسألة علها ان تضع حداً لهذا الاختلاف الذي كان له اثر غير حميد.
الجواب
ينبغي ان نقدم اصولاً ثلاثة تجب مراعاتها عند الكلام في هذه المسألة واشباهها:
أولاً: الاصل في الافعال التي تصدر من المسلم ان تحمل على الاوجه التي لا تتعارض مع اصل التوحيد، ولا يجوز ان نبادر برميه بالكفر او الشرك، فإن اسلامه قرينة قوية توجب علينا الا نحمل افعاله على ما يقتضي الكفر، وتلك قاعدة عامة ينبغي على المسلمين، وقد عبر الامام مالك امام دار الهجرة رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله: »من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الايمان من وجه نحمل امره على الايمان«، ولنضرب لذلك مثلاً قوياً وآخر فعلياً.
فالمسلم يعتقد ان المسيح عليه السلام يحيي الموتى ولكن بإذن الله، وهو غير قادر على ذلك بنفسه وانما بقوة الله له، والنصراني يعتقد انه يحيي الموتى، ولكنه يعتقد ان ذلك بقوة ذاتية، وانه هو الله، او ابن الله، او احد اقانيم كما يعتقدون، وعلى هذا فإذا سمعنا مسلماً موحداً يقول: »انا اعتقد ان المسيح يحيي الموتى« ـ ونفس تلك المقالة قالها آخر مسيحي ـ فلا ينبغي ان نظن ان المسلم تنصر بهذه الكلمة، بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه للاسلام ولعقيدة التوحيد.
والمسلم يعتقد ايضا ان العبادة لا يجوز صرفها الا لله وحده، والمشرك يعتقد جواز صرفها لغير الله تعالى، فاذا رأينا مسلما يصدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها وجب حمل فعله على مايناسب اعتقاده كمسلم، لان من ثبت له عقد الاسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال. ولذلك لما سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيما رواه ابن ماجه وصححه ابن حبانـ نهاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، ولكنه لم يصف فعله هذا بالشرك او الكفر، وبدهي ان معاذا رضي الله عنه ـ وهو اعلم الامة بالحلال والحرامـ لم يكن يجهل ان السجود عبادة وان العبادة لا يجوز صرفها لغير الله ، ولكن لما كان السجود يحتمل وجها آخر غير عبادة المسجود له لم يجز حمله على العبادة اذا صدر من المسلم او تكفيره بحال، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي:»الا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا:الا نسجد لك؟ فقال ؟لا . فلو اذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة، كماقد سجد اخوة يوسف عليه السلام ليوسف. وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به اصلا. بل يكون عاصيا، فليعرف ان هذا منهي عنه وكذلك الصلاة الى القبر« اهـ من معجم الشيوخ : ص .56
والإخلال بهذا الاصل الاصيل هو مسلك الخوارج، حيث وضح ابن عمر رضي الله عنهما ان هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين« علقه البخاري في صحيحه ووصله ابن جرير الطبري في »تهذيب الآثار« بسند صحيح.
ثانيا: هناك فارق كبير وبون شاسع ما بين الوسيلة والشرك. فالوسيلة مأمور بها شرعا في قوله تعالى:( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون)(المائدة:35)، واثنى سبحانه على من يتوسلون إليه في دعائهم فقال:(اولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا)(الإسراء:57). والوسيلة في اللغة: المنزلة، والوصلة، والقربة، فجماع معناها هو : التقرب الى اله تعالى بكل ما شرعه سبحانه ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الامكنة والازمنة والاشخاص والاحوال، فيسعى المسلم مثلا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والملتزم تعظيما لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الاماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الاجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الأخير تعظيما لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب الى الله تعالى بحب الانبياء والصالحين تعظيما لمن عظمه الله من الاشخاص. ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيما لما عظمه الله من الاحوال.. وهكذا وكل ذلك داخل في قوله تعالى :(ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب«(الحج:32).
اما الشرك فهو صرف شيء من انواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي الا لله تعالى، حتى لو كان ذلك بغرض التقرب الى الله كما قال تعالى:( والذين اتخذوا من دونه اولياء مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: 3) وانما قلنا »على الوجه الذي لا ينبغي الا لله تعالى« لاخراج كل ما خالف العبادة في مسماها وان وافقها في ظاهر اسمها، فالدعاء قد يكون عبادة للمدعو (ان يدعون من دونه إلا إناثا) (النساء: 117) وقد لا يكون (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) (النور: 63) والسؤال قد يكون عبادة للمسؤول (واسئلوا الله من فضله) (النور: 23)، وقد لا يكون »(للسائل والمحروم) (المعارج: 25) والاستعانة قد تكون عبادة للمستعان به (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة: 5)، (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا) (الاعراف: 128) وقد لا تكون (واستعينوا بالصبر والصلاة) (البقرة: 45)، والحب قد يكون عبادة للمحبوب وقد لا يكون كما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في قوله: »احبوا الله لما يغذوكم من نعمه، واحبوني بحب الله، واحبوا اهل بيتي لحبي« رواه الترمذي وصححه الحاكم.. وهكذا، اي ان الشرك انما يكون في التعظيم الذي هو كتعظيم الله تعالى كما قال تعالى: (فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون) (البقرة: 22) وكما قال سبحانه: (ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا تحبونهم كحب الله والذين امنوا اشدّ حبا لله) (البقرة: 165).