هشام سويدان
12-21-2007, 06:05 AM
http://www.eyelash.ps/upload/uploads/5b51cc2a72.gif (http://www.eyelash.ps/upload)
الحمد لله خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً
أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
أحاط بكل شىء خبراً ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أعلى الناس منزلة وأعظمهم قدراً
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
هذه رسالة كتبتها عن صلة الرحم , وسيكون الكلام فيها عن النقاط التالية :
1- معنى صلة الرحم
2- حكم صلة الرحم
3- ما ورد بشأن صلة الرحم وقطعها
4- مَن الأرحام الذين تجب صلتهم ؟
5- كيفية الصلة
6- فوائد صلة الرحم
7- مظاهر عدم صلة الرحم
8- أسباب عدم صلة الرحم
9- الأمور المعينة على الصلة
أولاً : معنى صلة الرحم :
صلة الرحم تعنى الإحسان إلى الأقربين وإيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم
وقطيعة الرحم تعنى عدم الإحسان إلى الأقارب , وقيل بل هى الإساءة إليهم
وفيه فرق بين المعنيين فالمعنى الأول يرى أنه يلزم من نفى الصلة ثبوت القطيعة
والمعنى الثانى يرى أن هناك ثلاث درجات :
1- واصل وهو من يحسن إلى الأقارب
2- قاطع وهو من يسىء إليهم
3- لا واصل ولا قاطع وهو من لا يحسن ولا يسىء , وربما يسمى المكافئ
وهو الذى لا يحسن إلى أقاربه إلا إذا أحسنوا إليه , ولكنه لا يصل إلى درجة الإساءة إليهم
ثانياً : حكم صلة الرحم :
لا خلاف أن صلة الرحم واجبة فى الجملة , وقطيعتها معصية من كبائر الذنوب
وقد نقل الإتفاق على وجوب صلة الرحم وتحريم القطيعة القرطبى والقاضى عياض وغيرهما
وصلة الرحم عند الدخول فى تفصيلاتها يختلف حكمها بإختلاف قدرة الواصل وحاجة الموصول
وبإختلاف الشىء الذى يوصل به
أوضح هذا فأقول :
لو كان لإنسان غنى أخ فقير يحتاج للمساعدة فإن الأخ الغنى هنا يجب عليه أن يصل رحمه بإعطاء أخيه الفقير
فهنا الإعطاء أصبح من الصلة وهو واجب , بينما لو كان الأخ غنياً لا يحتاج إلى المال لأصبح الإعطاء غير واجب لكن الصلة بالأشياء الأخرى كالسلام والصلة بالكلام هى التى تصبح واجبة
إذن هنا راعينا حاجة الموصول
كذلك يجب أن تراعى قدرة الواصل فإن كان مقتدراً فإنه تجب عليه الصلة وإلا فلا
كذلك لا بد من الانتباه إلى الشىء الذى يوصل به فهناك أشياء تكون هى محل الوجوب وهناك أشياء أخرى يكون فعلها على سبيل الاستحباب
ففى المثال السابق نجد أن الأخ الفقير صلته تكون بإعطائه فالإعطاء هنا واجب بينما إذا كان غنياً فصلته لا تكون بإعطائه فالإعطاء يصبح مستحباُ وليس بواجب
وأيضاً أمر آخر وهو أن الوجوب يكون على الأقرب فمن بعده فمثلاً إذا كان الغنى له أخ فقير وعم فقير ولا يستطيع أن يقوم بحقهما جميعاً فهنا نقول أن الواجب صلة الأخ الفقير لأنه أقرب وتكون صلة العم على سبيل الاستحباب
أمر آخر يجب التنبيه عليه وهو أن تقصير الأقرب فى القيام بواجبه تجاه رحمه لا يعفى البعيد من المسؤولية فمثلاً لو إفترضنا أن هناك شخص غنى وله أخ فقير يحتاج إلى صلته ولهما عم غنى , فهنا صلة الأخ الفقير تجب على أخيه الغنى وتكون بالنسبة للعم مستحبة , ولكن لو إفترضنا أن الأخ الغنى لم يقم بواجبه وقطع رحمه , فإن العم لا يحق له أن يقول إن صلة هذا القريب على أخيه وقد قصر فلا أتحمل أنا المسؤولية , بل ينتقل الوجوب إلى العم وهكذا
ثالثاً : ما ورد بشأن صلة الرحم وقطعها :
أمر الله بالإحسان إلى ذوى القربى وهم الأرحام الذين يجب وصلهم فقال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) ( البقرة : 83 )
وقال تعالى : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ( البقرة : 177)
وقال تعالى : ( يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم ٌ) ( البقرة : 215 )
وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( لأنفال : 74 ـ 75 )
وقال تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) ( النساء : 36 )
وقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ( النحل : 90 )
وقال تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ) ( الإسراء : 27 )
وقال تعالى : (( فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه وأولئك هم المفلحون ))
كما أنه سبحانه عظم قدر الأرحام فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ( النساء : 1)
وقال سبحانه وتعالى : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) ( محمد : 23 )
وقال سبحانه وتعالى : ( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ) ( الرعد : 25 )
ووردت أحاديث كثيرة فيها الأمر بصلة الرحم وبيان ثواب الواصل والنهى عن قطيعة الرحم وبيان عقاب القاطع منها ما يلى :
1- عن أبى أيوب الأنصارى - رضى الله عنه - أن رجلاً قال للنبى صلى الله عليه وسلم : أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( تعبد الله،ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل الرحم ) البخارى -الفتح3( 1396 ) واللفظ له ، ومسلم ( 14 )
2- عن أنس - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله : ( إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق ، اللهم صل من وصلنى واقطع من قطعنى ، فيقول ـ تبارك وتعالى ـ : أنا الرحمن الرحيم ، و إنى شققت للرحم من إسمى ، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه ) الحديث له أصل فى البخارى – الفتح 10( 5988 ) والأدب المفرد ومجمع الزوائد ( 5/151 ) واللفظ له وقال : رواه البزار وإسناده حسن والترغيب والترهيب ( 3 / 340 ) وقال إسنادة حسن
3- عن أبى ذر - رضى الله عنه - أنه قال : ( أوصانى خليلى أن لا تأخذنى فى الله لومةُ لائم ، وأوصانى بصلة الرحم وإن أدبرت ) : ذكره فى المجمع وقال : رواه الطبرانى فى الصغير ( 2 / 48 ) حديث رقم ( 758 ) والكبير ( 2 / 265 ) ورجال الطبرانلا رجال الصحيح غير سلام بن المنذر وهو ثقه ( 8 / 154 )
4- عن عائشة_ رضلا الله عنها _ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلنلا وصله الله ، ومن قطعنلا قطعه الله ) البخارى - الفتح 10( 5989 ) ، ومسلم ( 2555 ) وهذا لفظه
5- عن أنس بن مالك_ رضى الله عنه _ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سرهُ أن يبسط له فى رزقه ، ويُنسأ له فى أثرة فليصل رحمه ) البخارى الفتح 10 ( 5986 ) ومسلم ( 2557 )
6- عن عبدا لله بن سلام _ رضى الله عنه _ قال : لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس قِبَلهُ
وقيل : قد قدم رسول لله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فجئت فى الناس لأنظُرَ فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شىء سمعتهُ تكلم به أن قال : ( يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ) الترمذى ( 2485 )، وابن ماجه ( 3251 ) ، واللفظ له ، وأحمد ( 5 / 451 ) ، وذكره الألبانى فى الصحيحة برقم (456 )
7- عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) البخارى - الفتح 10( 6138 ) واللفظ له ، ومسلم ( 47 )
8 ـ عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أعمال بنى آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم ) رواه أحمد وإسناده صحيح
9 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر وقاطع الرحم ) رواه أحمد
10 ـ وعن جبير بن مطعم ـ رضى الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يدخل الجنة قاطع )) أى قاطع رحم
الحمد لله خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً
أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
أحاط بكل شىء خبراً ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله أعلى الناس منزلة وأعظمهم قدراً
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
هذه رسالة كتبتها عن صلة الرحم , وسيكون الكلام فيها عن النقاط التالية :
1- معنى صلة الرحم
2- حكم صلة الرحم
3- ما ورد بشأن صلة الرحم وقطعها
4- مَن الأرحام الذين تجب صلتهم ؟
5- كيفية الصلة
6- فوائد صلة الرحم
7- مظاهر عدم صلة الرحم
8- أسباب عدم صلة الرحم
9- الأمور المعينة على الصلة
أولاً : معنى صلة الرحم :
صلة الرحم تعنى الإحسان إلى الأقربين وإيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم
وقطيعة الرحم تعنى عدم الإحسان إلى الأقارب , وقيل بل هى الإساءة إليهم
وفيه فرق بين المعنيين فالمعنى الأول يرى أنه يلزم من نفى الصلة ثبوت القطيعة
والمعنى الثانى يرى أن هناك ثلاث درجات :
1- واصل وهو من يحسن إلى الأقارب
2- قاطع وهو من يسىء إليهم
3- لا واصل ولا قاطع وهو من لا يحسن ولا يسىء , وربما يسمى المكافئ
وهو الذى لا يحسن إلى أقاربه إلا إذا أحسنوا إليه , ولكنه لا يصل إلى درجة الإساءة إليهم
ثانياً : حكم صلة الرحم :
لا خلاف أن صلة الرحم واجبة فى الجملة , وقطيعتها معصية من كبائر الذنوب
وقد نقل الإتفاق على وجوب صلة الرحم وتحريم القطيعة القرطبى والقاضى عياض وغيرهما
وصلة الرحم عند الدخول فى تفصيلاتها يختلف حكمها بإختلاف قدرة الواصل وحاجة الموصول
وبإختلاف الشىء الذى يوصل به
أوضح هذا فأقول :
لو كان لإنسان غنى أخ فقير يحتاج للمساعدة فإن الأخ الغنى هنا يجب عليه أن يصل رحمه بإعطاء أخيه الفقير
فهنا الإعطاء أصبح من الصلة وهو واجب , بينما لو كان الأخ غنياً لا يحتاج إلى المال لأصبح الإعطاء غير واجب لكن الصلة بالأشياء الأخرى كالسلام والصلة بالكلام هى التى تصبح واجبة
إذن هنا راعينا حاجة الموصول
كذلك يجب أن تراعى قدرة الواصل فإن كان مقتدراً فإنه تجب عليه الصلة وإلا فلا
كذلك لا بد من الانتباه إلى الشىء الذى يوصل به فهناك أشياء تكون هى محل الوجوب وهناك أشياء أخرى يكون فعلها على سبيل الاستحباب
ففى المثال السابق نجد أن الأخ الفقير صلته تكون بإعطائه فالإعطاء هنا واجب بينما إذا كان غنياً فصلته لا تكون بإعطائه فالإعطاء يصبح مستحباُ وليس بواجب
وأيضاً أمر آخر وهو أن الوجوب يكون على الأقرب فمن بعده فمثلاً إذا كان الغنى له أخ فقير وعم فقير ولا يستطيع أن يقوم بحقهما جميعاً فهنا نقول أن الواجب صلة الأخ الفقير لأنه أقرب وتكون صلة العم على سبيل الاستحباب
أمر آخر يجب التنبيه عليه وهو أن تقصير الأقرب فى القيام بواجبه تجاه رحمه لا يعفى البعيد من المسؤولية فمثلاً لو إفترضنا أن هناك شخص غنى وله أخ فقير يحتاج إلى صلته ولهما عم غنى , فهنا صلة الأخ الفقير تجب على أخيه الغنى وتكون بالنسبة للعم مستحبة , ولكن لو إفترضنا أن الأخ الغنى لم يقم بواجبه وقطع رحمه , فإن العم لا يحق له أن يقول إن صلة هذا القريب على أخيه وقد قصر فلا أتحمل أنا المسؤولية , بل ينتقل الوجوب إلى العم وهكذا
ثالثاً : ما ورد بشأن صلة الرحم وقطعها :
أمر الله بالإحسان إلى ذوى القربى وهم الأرحام الذين يجب وصلهم فقال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) ( البقرة : 83 )
وقال تعالى : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ( البقرة : 177)
وقال تعالى : ( يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم ٌ) ( البقرة : 215 )
وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( لأنفال : 74 ـ 75 )
وقال تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) ( النساء : 36 )
وقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ( النحل : 90 )
وقال تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ) ( الإسراء : 27 )
وقال تعالى : (( فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه وأولئك هم المفلحون ))
كما أنه سبحانه عظم قدر الأرحام فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ( النساء : 1)
وقال سبحانه وتعالى : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) ( محمد : 23 )
وقال سبحانه وتعالى : ( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ) ( الرعد : 25 )
ووردت أحاديث كثيرة فيها الأمر بصلة الرحم وبيان ثواب الواصل والنهى عن قطيعة الرحم وبيان عقاب القاطع منها ما يلى :
1- عن أبى أيوب الأنصارى - رضى الله عنه - أن رجلاً قال للنبى صلى الله عليه وسلم : أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( تعبد الله،ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل الرحم ) البخارى -الفتح3( 1396 ) واللفظ له ، ومسلم ( 14 )
2- عن أنس - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله : ( إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق ، اللهم صل من وصلنى واقطع من قطعنى ، فيقول ـ تبارك وتعالى ـ : أنا الرحمن الرحيم ، و إنى شققت للرحم من إسمى ، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه ) الحديث له أصل فى البخارى – الفتح 10( 5988 ) والأدب المفرد ومجمع الزوائد ( 5/151 ) واللفظ له وقال : رواه البزار وإسناده حسن والترغيب والترهيب ( 3 / 340 ) وقال إسنادة حسن
3- عن أبى ذر - رضى الله عنه - أنه قال : ( أوصانى خليلى أن لا تأخذنى فى الله لومةُ لائم ، وأوصانى بصلة الرحم وإن أدبرت ) : ذكره فى المجمع وقال : رواه الطبرانى فى الصغير ( 2 / 48 ) حديث رقم ( 758 ) والكبير ( 2 / 265 ) ورجال الطبرانلا رجال الصحيح غير سلام بن المنذر وهو ثقه ( 8 / 154 )
4- عن عائشة_ رضلا الله عنها _ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلنلا وصله الله ، ومن قطعنلا قطعه الله ) البخارى - الفتح 10( 5989 ) ، ومسلم ( 2555 ) وهذا لفظه
5- عن أنس بن مالك_ رضى الله عنه _ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سرهُ أن يبسط له فى رزقه ، ويُنسأ له فى أثرة فليصل رحمه ) البخارى الفتح 10 ( 5986 ) ومسلم ( 2557 )
6- عن عبدا لله بن سلام _ رضى الله عنه _ قال : لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس قِبَلهُ
وقيل : قد قدم رسول لله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً فجئت فى الناس لأنظُرَ فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شىء سمعتهُ تكلم به أن قال : ( يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ) الترمذى ( 2485 )، وابن ماجه ( 3251 ) ، واللفظ له ، وأحمد ( 5 / 451 ) ، وذكره الألبانى فى الصحيحة برقم (456 )
7- عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) البخارى - الفتح 10( 6138 ) واللفظ له ، ومسلم ( 47 )
8 ـ عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أعمال بنى آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم ) رواه أحمد وإسناده صحيح
9 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر وقاطع الرحم ) رواه أحمد
10 ـ وعن جبير بن مطعم ـ رضى الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يدخل الجنة قاطع )) أى قاطع رحم