فؤاد عبدالله الحمد
01-10-2006, 03:50 PM
كل عام وأنتم بخير وعساكم من عواده إن شاء الله.
بما أننا في أيام عيد مباركة ولله الحمد, فقد آثرت إلا أن أسوق لحضرتكم هذه القصة العجيبة والتي تتحدث عن شهيد من نوع خاص... شهيد العيد...
يحكى أن رجلأً كان يسير في الأسواق ليلة العيد في هذا الزحام شاردَ الذهن، نازحَ الفكر، متجهاً إلى مصلى العيد كحال بقية المسلمين, وإذا به يشهد أمراً عظيم!! رأى حشداً عظيماً من الناس قد احتشد حول دكان، فدفعه الفضول إلى معرفة الخبر، فأقبل يدفع الناس بكتفه تاره وبيده تارة أخرى، شاقّاً طريقه بيدَيه كلتيهما، واطأً أعقاب الناس وأقدامهم، حتى بلغ المشهد ونظر.. يقول صاحبنا :
نظرت فرأيت اثنين يختصمان ويعتركان، أما أحدهما فكان مسكينًا قميئًا أعزلَ عاجزًا، وأما الآخر فكان ضخمًا طوالاً كالحَ الوجْه، مفتولَ العضلات، وسخ الثوب.. قد حمل سكينًا في يده طويلة النصل، حديدية الشفرة، وهجَم بها على صاحبه والناس ينظرون ولا يُنكرون، وصاحبُه المسكين يصرخ ويتلفت تلفُّت المذعور، يطلب الغَوث ولا يُغيثه أحد، ويبتغي المهرب فيسد عليه الناس طريق الهرب.!!
وإني لأفكر ماذا أصنع؟؟ وإذا بالأول يذبحه- والله- أمامنا ذبحًا ويتركه يتخبَّط بدمه، ويولِّيه ظهرَه، ويمضي إلى دكانه متمهِّلاً فيعالج فيها شأنه على عادته، كأنه لم يرتكب جُرمًا ولم يأتِ الأمر النُّكر جهارًا!!
وكدت أهجم عليه وأسلمه إلى الشرطة، ثم ذكرت أن الشجاعة في مثل هذا الموطن تهوُّر وحماقَةٌ، وأن المجرم بيده السكين،!! يا روح ما بعدك روح!!
وطمعت أن يتحرك أحد الواقفين فيقدم عليه فأتبعه وأشد أزره فلا والله ما تحرك أحد منهم، ولا جرأَ على ذلك بل لقد تكلم واحد منهم، فلما رفع القاتل رأسه ونظر إليه رأيته يجزع منه ويفزع، ويقول له بصوت مضطرب متلجلج: "الله يسلم يديك".
وحِرت ماذا أعمل؟؟ أأبلغ الشرطة؟؟ أو أدعهم وأمضي إلى داري لا عليَّ ولا ليَ؟ ثم رأيت أن خير ما أفعل أن أكتب وصفَ ما رأيتُ، وأبعث به ليذاع ويعرفه الناس. وها أنذا أتهم هذا الرجل بالقتل، وأدعو الحكومة إلى القبض عليه حتى يعاقَب ويكونَ عبرةً لمن يعتبر، فالقاتل موجودٌ في دكانه يغدو إليها ويروح إلى بيته، والقصة صحيحة رأيتها بعيني رأسي، وأنا سالم العقل غير مجنون ولا معتوه، متيقظ غير نائم ولا حالم، صاحٍ غير مخدَّر ولا نعسان، ثم إني رأيتها اليلة البارحة.!
هذه هي الحادثة الفظيعة التي كتب الله أن تكون هي موضوع قصتي لقد سكت الجميع حتى إن أنسِباء القتيل قد ناموا عن دمه وقعدوا عن الثأرِ له، ولم يتقدَّم أحد منهم شاكيًا ولا مدعيًا"؛ لأن القاتل كما قالوا "عازم على ذبحهم كلهم إن قدر عليهم، وماضيه حافل بمثل هذه الجرائم".فما سر هذا السكوت؟!! لقد علمت السر بعدُ يا سادة
ذلك المسكين الشهيد كان خروفًا من خرفان الضحيَّة، وكان القاتل جزَّار الحارة، وأن الناس شاركوه في جُرمه، فاكلوا لحمَ الذبيح مشويًا ومقليًا ومطهيًا، وأكلت معهم، ونسيت من طيب اللحم هذا المشهد..
هذه هي سنَّة الحياة، يموت المسكين لنستمتع نحن بأكلةٍ طيبةٍ، فكلوا منه أنتم أيضًا هنيئًا واشربوا مريئًا، واشتغلوا بالأكل عن مطالبتي بالقصة. وكل عام وأنتم بخير وعساكم من عواده.
----------------
من كتابات الأمام العلامة الشيخ/ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى ـ مع بعض الإضافة والتعديل
بما أننا في أيام عيد مباركة ولله الحمد, فقد آثرت إلا أن أسوق لحضرتكم هذه القصة العجيبة والتي تتحدث عن شهيد من نوع خاص... شهيد العيد...
يحكى أن رجلأً كان يسير في الأسواق ليلة العيد في هذا الزحام شاردَ الذهن، نازحَ الفكر، متجهاً إلى مصلى العيد كحال بقية المسلمين, وإذا به يشهد أمراً عظيم!! رأى حشداً عظيماً من الناس قد احتشد حول دكان، فدفعه الفضول إلى معرفة الخبر، فأقبل يدفع الناس بكتفه تاره وبيده تارة أخرى، شاقّاً طريقه بيدَيه كلتيهما، واطأً أعقاب الناس وأقدامهم، حتى بلغ المشهد ونظر.. يقول صاحبنا :
نظرت فرأيت اثنين يختصمان ويعتركان، أما أحدهما فكان مسكينًا قميئًا أعزلَ عاجزًا، وأما الآخر فكان ضخمًا طوالاً كالحَ الوجْه، مفتولَ العضلات، وسخ الثوب.. قد حمل سكينًا في يده طويلة النصل، حديدية الشفرة، وهجَم بها على صاحبه والناس ينظرون ولا يُنكرون، وصاحبُه المسكين يصرخ ويتلفت تلفُّت المذعور، يطلب الغَوث ولا يُغيثه أحد، ويبتغي المهرب فيسد عليه الناس طريق الهرب.!!
وإني لأفكر ماذا أصنع؟؟ وإذا بالأول يذبحه- والله- أمامنا ذبحًا ويتركه يتخبَّط بدمه، ويولِّيه ظهرَه، ويمضي إلى دكانه متمهِّلاً فيعالج فيها شأنه على عادته، كأنه لم يرتكب جُرمًا ولم يأتِ الأمر النُّكر جهارًا!!
وكدت أهجم عليه وأسلمه إلى الشرطة، ثم ذكرت أن الشجاعة في مثل هذا الموطن تهوُّر وحماقَةٌ، وأن المجرم بيده السكين،!! يا روح ما بعدك روح!!
وطمعت أن يتحرك أحد الواقفين فيقدم عليه فأتبعه وأشد أزره فلا والله ما تحرك أحد منهم، ولا جرأَ على ذلك بل لقد تكلم واحد منهم، فلما رفع القاتل رأسه ونظر إليه رأيته يجزع منه ويفزع، ويقول له بصوت مضطرب متلجلج: "الله يسلم يديك".
وحِرت ماذا أعمل؟؟ أأبلغ الشرطة؟؟ أو أدعهم وأمضي إلى داري لا عليَّ ولا ليَ؟ ثم رأيت أن خير ما أفعل أن أكتب وصفَ ما رأيتُ، وأبعث به ليذاع ويعرفه الناس. وها أنذا أتهم هذا الرجل بالقتل، وأدعو الحكومة إلى القبض عليه حتى يعاقَب ويكونَ عبرةً لمن يعتبر، فالقاتل موجودٌ في دكانه يغدو إليها ويروح إلى بيته، والقصة صحيحة رأيتها بعيني رأسي، وأنا سالم العقل غير مجنون ولا معتوه، متيقظ غير نائم ولا حالم، صاحٍ غير مخدَّر ولا نعسان، ثم إني رأيتها اليلة البارحة.!
هذه هي الحادثة الفظيعة التي كتب الله أن تكون هي موضوع قصتي لقد سكت الجميع حتى إن أنسِباء القتيل قد ناموا عن دمه وقعدوا عن الثأرِ له، ولم يتقدَّم أحد منهم شاكيًا ولا مدعيًا"؛ لأن القاتل كما قالوا "عازم على ذبحهم كلهم إن قدر عليهم، وماضيه حافل بمثل هذه الجرائم".فما سر هذا السكوت؟!! لقد علمت السر بعدُ يا سادة
ذلك المسكين الشهيد كان خروفًا من خرفان الضحيَّة، وكان القاتل جزَّار الحارة، وأن الناس شاركوه في جُرمه، فاكلوا لحمَ الذبيح مشويًا ومقليًا ومطهيًا، وأكلت معهم، ونسيت من طيب اللحم هذا المشهد..
هذه هي سنَّة الحياة، يموت المسكين لنستمتع نحن بأكلةٍ طيبةٍ، فكلوا منه أنتم أيضًا هنيئًا واشربوا مريئًا، واشتغلوا بالأكل عن مطالبتي بالقصة. وكل عام وأنتم بخير وعساكم من عواده.
----------------
من كتابات الأمام العلامة الشيخ/ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى ـ مع بعض الإضافة والتعديل