PDA

View Full Version : لما تراءى لي حزنه



خديجة جيلالي
02-05-2008, 03:00 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



لما تراءى لي حزنه


عدت من عملي كعادتي متعبة، أجرّ قدميّ اللتين أثقلتهما زحمة الحافلات وصراعها، أتذكر في طريقي ما مرّ عليّ من يومي، فأبتسم مرّة وأغضب أخرى، وبين هذه وتلك يقطع حبل ذكرياتي صراخ طفل أو مزمار سيارة، لأعود بعدها وأنظر إلى خطواتي البطيئة مثلها مثل خطوات الأيام السابقة.
إلا أن هناك شيء مختلف اليوم، فعلى غير العادة الهواء اليوم معطر بعطر جميل...
- من أين يا ترى، فأنا لم أشتم مثل هذا العطر من قبل
زادت سرعة خطواتي ، لعلي أقترب من مصدره ، فكلما أسرعت كلما زادت الرائحة قوة وجمالا .... يا إلهي ، سأصل إلى البيت وأنا لم أعرف بعد ما سرّ هذه الرّائحة، وأخيرا أنا أمام الباب، ولكن... يا للسعادة، العطر يفوح من منزلنا، وليس هذا فحسب بل البيت كله مضيء، من أين أيضا يأتي هذا الضوء يا ترى.
- ولكن ماذا أفعل أمام الباب! يجب أن أدخل لأعرف كل شيء..
دخل، ورأيت.... نور يملأ كل أرجاء البيت، انتابتني سعادة عارمة، فبيتنا اليوم أجمل من كل بيوت حيّنا رغم بساطته. أسرعت وألقيت نظرة..
- من هذا الذي عندنا يا إلهي، لا أصدق إنه هو! صاحب النور والرائحة، نعم إنه .... "الشهيد"، يزور بيتنا!
لم تحملني قدماي المتعبتان من الفرح، فجلست من دون أن يراني أحد وبقيت أتأمل من بعيد وجه ذلك الشهيد ودقات قلبي تزداد كلما أبصرت النور الذي حوله. ولكن للحظة.... توقف كل شيء..
- ماذا أرى؟ ولكن ماذا أرى!! لم هذه الدموع ولم هذا الحزن الذي يبدو على وجهه؟ لماذا وهو الذي قد نال الشهادة ونال معها الجنة والخلود، أمعقول أن يبكي ويحزن! ..وفجأة توقف قلبي عن الخفقان وزالت السعادة وغادر الفرح وحل محلهما خوف شديد وقلق، فسكتت عن مخاطبة نفسي لأسمع، فلربما زال هذا الخوف والقلق، ويا ليتني ما سكتت وما سمعت، فبلهجة حادّة تكلم أخيرا..
- أهكذا، أهكذا حفظتم العهد بعدنا، أهذا ما فعلتموه بإرث تركناه لكم أمانة بعد أن دفعنا لأجله أرواحنا، ماذا فعلتم!! لماذا بعتم كل شيء وبثمن زهيد أيضا، لماذا قبلتم أن تعيشوا مذلولين، لماذا تخليتم عن كرامتكم، ما الذي أصابكم، أما أردتم أن تلحقوا بنا، أما عشقتم أن تدافعوا عن دينكم وأرضكم وعرضكم مثلنا، لماذا تظلمون أنفسكم وترفضون أن تكونوا معنا، لماذا!؟..
- يا إلهي... ماذا أرى وأسمع، ألهذا الحد وصل جُرمنا، ألهذه الدرجة بلغت سفالتنا. حتى أنت يا شهيد ظلمناك معنا ولم ندعك تهنأ، حملناك همنا وأنت الذي لم تُرد لنا إلا العيش بكرامة ....لا، لقد تعدينا كل الحدود، وتجاوزنا كل المعقول، لقد فاحت منا رائحة الذل والمهانة، إلى متى..؟
وانتابني غضب شديد وألم مميت، وما لبثت حتى استيقظت وصرخت بأعلى صوتي،.. غير معقول، لن نصمت، لن... فاجتمعت كل العائلة حولي وأنا أصرخ، حاولوا تهدئتي ولكن أنّى لهم أن يطفئوا البركان الخامد الذي انفجر فجأة في صدري
- دعــوني أخرج وأنادي بأعلى صوتي، أفيقوا.. ماذا أصابكم يا أمة محمد أين أنتم يا أمة الإسلام، الشهيد حزين لأجلكم يتألم ويبكي، وأنتم نائمون!! استفيقوا هبوا لنصرة دينكم هبوا لنيل الشهادة، فما بقي إلا القليل..
تجمع الناس حولي وكل علامات الاستغراب مرسومة على وجوههم، يسمعون كلمات ألهبت صدري يشاهدون سخطي، حتى سقطت منهارة أمام الجميع، ماعدت أستطيع الكلام من هول ما أصابني، ما عدت أستطيع غير رؤية نظراتهم تلفني من كل جهة، نظرات كلها حزن واستياء، فهدأ غضبي قليلا لرؤية ذلك، وقلت في نفسي الحمد لله، وجدت أخيرا آذانا صاغية، فكلامي لم يذهب سدى. ها أنا أراهم يلتفون ويتحدثون بجدية، أكيد أنهم يتفقون على كلمة واحدة، نعم فصورة ذلك الشهيد ستؤثر فيهم لا محالة.
وفجأة، عمّ الهدوء وسكت الجميع واقترب أكبرهم من والدي ومد يده إليه، فإذا بها تحمل شيئا..
نقود!! لم النقود؟
ابتسم وقال نأسف لأننا لم نعلم بحالها من قبل وإلا لكنا ساعدناك منذ زمن، على كل حال هذا كل ما يمكننا أن نقدمه لكم، وسندعو لها بالشفاء. وتفرق الجمع وانتهى كل شيء، وقفت وقدماي لا تحملانني طأطأت رأسي وعدت إلى غرفتي أمام دهشة واستغراب عائلتي التي لم تتجرأ على معرفة الذي أصابني، جلست في سريري وحينها فقط أدركت أنني وحدي من رآه، فأغمضت عينيّ وإذا بصورته تزورني ثانية لكن هذه المرّة أنا التي بكيت وحزنت وأنا أقول له
- آســـــفة....... لا ضمير لمن تنادي.

بقلمـــــــي المتـــــواضـع

التائبة لله
02-05-2008, 06:14 PM
يا الهي .. حتى الأموات علموا بأحوالنا و محالنا ..
حتى الشهداء الأطهار اشمئزوا من تواطؤنا و تراجعنا ..
يا رب .. ما هذا الحال الذي وصلنا إليه ..
هو من صنع أيدينا بكل تأكيد ..
و الطامة الكبرى أن النفوس باتت جوفاء ..
و الرؤوس خالية من النخوة ..
و الأجساد خاوية من الضمائر ..
ابتسم وقال نأسف لأننا لم نعلم بحالها من قبل وإلا لكنا ساعدناك منذ زمن،
لا حول و لا قوة الا بالله
أصبح من ينادي بحيا على الضمير بلا عقل
أختي الفاضلة ..
كم رائع ما خطته يمينك .. و كم مفجع ما قرأته في أواخر السطور ..
أردت الاقتباس .. لكن مرارة النهاية جعلتني أعيش صدمة ضميرية ..
لك مني كل الود و كل الاحترام على ما خطته يمينك لنا
بارك الله فيك

رشيد بوشارب
02-05-2008, 07:32 PM
الفاضلة خديجة جيلالي ، نص مؤثر ...بأسلوب رائع ، جزاك الله خيرا على ما خطته أناملك
تقبلي خالص التقدير

خديجة جيلالي
02-06-2008, 12:09 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هذا هو حالنا رغم رفضنا لذلك، وهذا حال ضمائرنا حتى ولو قلنا عكس ذلك
أختي العزيزة التائبة لله أسعدني مرورك، بارك الله فيك

asmaa alouat
02-06-2008, 12:58 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتابتك أختي خديجة دائما تشدني إليها بانسيابيتها ..والرقة في تبليغ المعنى ..

أختي خديجة سلمت اناملك الذ هبية ودمت للحق نصيرا ولمنتدانا فخرا .

أختك اسماء الواث

خديجة جيلالي
02-07-2008, 12:20 PM
الفاضلة خديجة جيلالي ، نص مؤثر ...بأسلوب رائع ، جزاك الله خيرا على ما خطته أناملك
تقبلي خالص التقدير

مشكور أخي الفاضل على المرور، فآراء أساتذتنا نعتز بها دائما
بارك الله فيك

حفيظة الدين
02-07-2008, 02:27 PM
مؤثر جدا ما خطته أناملك أختي
فأين نحن مما قام به الشهيد ... ؟؟؟ معه حق يغضب ... وما بناه هدمناه بصمتنا .. وخوفنا .. وضعفنا

جزاك الله خيرا أختي

خديجة جيلالي
02-08-2008, 01:46 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتابتك أختي خديجة دائما تشدني إليها بانسيابيتها ..والرقة في تبليغ المعنى ..

أختي خديجة سلمت اناملك الذ هبية ودمت للحق نصيرا ولمنتدانا فخرا .

أختك اسماء الواث


وأنا دائما أنتظر مرور قلمك الكريم على مواضيعي حتى تزداد بهاء وجمالا

نورت الموضوع بمرورك أختي الغالية أسماء بارك الله فيك

أم سراج
02-08-2008, 10:57 PM
أختي الغالية خديجة

بارك الله فيك على الكلمات البليغة جدا

اللهم اصلح حالنا وأحوالنا

دمت في رعاية الرحمن

آية الرحمان
02-09-2008, 02:01 PM
:300:


دعــوني أخرج وأنادي بأعلى صوتي، أفيقوا.. ماذا أصابكم يا أمة محمد أين أنتم يا أمة الإسلام، الشهيد حزين لأجلكم يتألم ويبكي، وأنتم نائمون!! استفيقوا هبوا لنصرة دينكم هبوا لنيل الشهادة، فما بقي إلا القليل


كلماتك مؤثرة جدا عزيزتي خديجةللأسف هذا هو حالنا اليوم نسأل الله أن نستفيق يوما بحال أحسن نفرح بها شهداءنا
بوركت يمناك أختي

جمال عباس
02-09-2008, 02:18 PM
أختي خديجة تقبلي مروري .. جميل ما خطت يدك الكريمة .. في أمان الله

ابن الوليد
02-09-2008, 07:59 PM
:300:

بارك الله فيك اختي الفاضلة خديجة

جميل ما خطت اناملك

جزاك ربي الجنة

خديجة جيلالي
02-10-2008, 02:16 PM
مؤثر جدا ما خطته أناملك أختي
فأين نحن مما قام به الشهيد ... ؟؟؟ معه حق يغضب ... وما بناه هدمناه بصمتنا .. وخوفنا .. وضعفنا





مشكورة أختي الغالية على الكلمات الصادقة
بارك الله فيك

خديجة جيلالي
02-10-2008, 10:46 PM
أختي الغالية خديجة

بارك الله فيك على الكلمات البليغة جدا

اللهم اصلح حالنا وأحوالنا

دمت في رعاية الرحمن

اللهم آمين

مشكورة أختي العزيزة أم سراج على المرور الجميل

ريم بدر الدين
02-11-2008, 09:58 AM
مدخل سردي جميل لابهاء النص
نشتم عطرا و نلمح نورا
اذا هو الشهيد يزور الدار لكن معاتبا عن أمانة ضيعت و كرامة انتهكت
طريقة السرد جميلة حيث أنها بأسلوب حكائي طرحت الفكرة و هي ليست ببعيدة عن أذهاننا : إعلان موت الضمير
لتكتشف بعدها البطلة أنها ترى بعين ثالثة لا يمتلكها الآخرون!
مفاجأة آخر النص بطريقة أوهنري ممتازة لكن حبذا لو توقفت عندها فهنا يصبح الصمت أبلغ من كل الكلام بحيث تتركين لعقل القارىء ان يستنبط الباقي
الحوار كان جيدا و معبرا عن الفكرة التي يراد إيصالها
ربما تحتاجين اكثر إلى التبحر في فن القص و لكن لا شك ان النص ينبىء عن قدرة قصية واضحة
اختي الكريمة خديجة
همسة : التم الاصح اجتمع
تحياتي لك

خديجة جيلالي
02-11-2008, 05:51 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عزيزتي آية الرحمان مشكورة على مرورك الجميل

خديجة جيلالي
02-12-2008, 03:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكرا أخي الفاضل جمال عباس على المرور

خديجة جيلالي
02-14-2008, 04:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أخي الفاضل ابن الوليد على المرور

خديجة جيلالي
02-16-2008, 04:53 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


مفاجأة آخر النص بطريقة أوهنري ممتازة لكن حبذا لو توقفت عندها فهنا يصبح الصمت أبلغ من كل الكلام بحيث تتركين لعقل القارىء ان يستنبط الباقي

في الحقيقة أن أول فكرة تبادرت لذهني أن أتوقف وأصمت، ولكني تراجعت لأضيف ما أضفته، وهذا لأن الأدب في نظري لديه عدة أهداف، هناك أدباء يحبون أن يدعوا القارئ دائما في حيرة من أمره في الأخير فيختارون النهايات المفتوحة والمشوقة، وهناك من يغلق النص مع إمكانية ترك المجال للقارئ ليفكر في نهاية أخرى، وبما أني لا أديبة ولا كاتبة، لم أرد أن يطغى عليّ التفكير الأدبي، فأردت أن أجعل القارئ يصل لما أردته أنا، أردت أن أكون أنانية في نهاية النص، حى لا يشطح القارئ بخياله بعيدا عن الفكرة التي جعلتني أساسا أكتب هذه القصة المتواضعة.

ربما تحتاجين اكثر إلى التبحر في فن القص

أكيد أختي الكريمة سأحاول أن أعمل بنصيحتك.

أما عن همستك فقد وصلت وأثمرت.

أختي الكريمة ريم بدر الدين أشكرك من كل قلبي على مرورك الناقد، فهذا أقصى ما كنت أتمناه، بارك الله فيك

alyasamina
03-29-2008, 09:28 PM
السلام عليكم وها انا اكتشف فيك اختي الحبيبة الكاتبة الواعدة المميزة .... سرني اسلوبك الخاص بك وهو مؤثر وهادف ... سعدت بصحبتك واستمتعت بقراءة ما خطت اناملك الرائعة ...

خديجة جيلالي
03-31-2008, 04:15 PM
السلام عليكم ورحمة الله برركاته

أختي العزيزة الياسمينة بارك الله فيك
شرفني مرورك على صفحتي وزادها تألقا

شكرا لك

تالا
03-31-2008, 05:22 PM
سلمت يداك بما نزفت في منتدانا الغالي

اعلم ان كل هذا غيرة على امه الاسلام

واتمنى ان يكون قد وصلهم النداء.

ودمت.

خديجة جيلالي
04-01-2008, 04:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


مشكورة أختي تالا على المرور الطيب
بارك الله فيك