PDA

View Full Version : نظرات صغيري الحزينة .. ..<< قصة قصيرة >>



asmaa alouat
03-05-2008, 05:36 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

...دخلت ذاك المنزل الريفي الصغير ..مازال كما هو منذ آخر زيارة لي ...باب خشبي قديم ...كراسي مهترئة هرب عنها لونها واختلطت الألوان ولم يعد مجال للتمييز بين الاحمر والاخضر ..وغرف منتشرة لا أبواب لها ..إلا من بعض الستائر التي تحاول إخفاء ما في داخلها ..

كل شيء كما هو ..إلا ان الظروف هذه المرة مختلفة ..والمنزل بعد ان كان صامتا إلا من صوت الصغير .وكلبه الاليف .هاهو اليوم على غير عادته يعج بالاصوات ..

ويمتلئ بالحاضرين .

الوجوه متشابهة ..نساء متشحات بالبياض ..ورجال معتمرين عمامات يلبسون جلابيب مختلفة ألوانها ...ومن بعض الغرف تسمع تلاوات قرآنية لم أتبين كلماتها بعد ان اختلطت بعويل النساء وبكائهن .
مددت رجلي وولجت الغرفة الرئيسية للبيت حيث تجلس النسوة ..حاولت جاهدة التماسك امام تطاول الأعين والنظرات التي اخترقت جمجمتي مصحوبة بصراخ تمنيت لو أنه يتوقف خارج أذني ولا يصل إلى طبلتها ..لا حول ولا قوة إلا بالله ..إنا لله وإنا إليه راجعون ..البقاء لله ..كلمات كررتها وانا أصافح النسوة.. يدي تسلم وعيني تبحث

بين الوجوه لعلي أجده ..وأملي نظري منه .أحضنه كمحاولة للتخفيف عنه ...تجولت يعيني يمنة ويسرة وفجأة تسمرت ..لقد كان عمر الصغير منزويا في إحدى زوايا الغرفة وحيدا ..وحزينا لكنه لم يكن يبكي كالبقية .كان فقط ينظر ويتجول بعينيه بين الحاضرين وكأنه يبحث عن شيء .وما إن لمحني حتى انطلق كالصاروخ مخترقا جموع النسوة .

حضنني بقوة .وتشبث بي بكلتا يديه مخافة ان ينتزعه من حضني أحدهم ..حاولت ان أهدئ من روعه مسحت على رأسه وقبلته .تمينت لحظتها ان أبكي .لكن غصة واقفة في حلقي من هول الصدمة منعت دموعي فخذلتني هذه المرة دون غيرها من المرات حين كانت تسبقني قبل ان أتكلم .

بقيت أحضنه للحظات ..إسترجعت خلالها شريط ذكرياتي مع هذه الأسرة قبل ست سنوات عندما كنت مكلفة ببحث عن الزواج المبكر في البوادي حيث كانت أسرة عمر من بين الأسر التي شملها البحث .

كانت الاسرة مكونة من الاب خالد ذو العشرين عاما ..عاملافي إحدي الضيعات الفلاحية .وسعاد الفتاة الصغيرة الجميلة في الخامسة عشر من عمرها .
وكان عمر مايزال رضيعا في شهره السادس .جذبتني شخصية الصغير وضحكاته البريئة .وأثر بي جهل الام بأمور التربية ورعاية الاطفال ..وهي التي مازالت بحاجة إلى التربية .وعدت نفسي كما وعدتهم بزيارتهم كلما سنحت الظروف ..

توطدت علاقتي بالصغير كثيرا بعد كثرة زياراتي ..تتبعت مراحل نموه لحظة بلحظة أحببت حبوه وتلعثمه في الكلام ..راقبت أسنانه وهي تنبت واحدا بعد الآخر كالنجوم تضيء ..وحتى الصغير إنجذب إلي بشكل غريب وكأن قلبه كان ينبؤه بان حياته ستستمر معي لاحقا .

تعلقه بي كان شبيها بتعلقه بأمه ..فأحيانا كان يناديني ..ماما خالتو ..وغالبا ما كان يرفض رحيلي فكنت أضطر إلى أخذه معي في بعض العطل وفي نهاية الأسبوع .

كبر الصغير وكبر معه حبه لي وحبي وولعي به .ورغم دراستي وأكوام الدروس كنت أخصص وقتا لزيارته والاهتمام به ..وكان آخر لقاء بيننا منذ شهر تقريبا بسبب خلاف بيني وبين أمه بعد ان وجدتها في موقف مشبوه مع بعض الشبان في سنها .يومها حاولت نصحها لكنها اعتبرت الامر تطفلا مني وهددتني إن كلمت زوجها بشيء ستحرمني من رؤية الصغير عمر .ففضلت السكوت ليس خوفا منها ولكن للستر وتجنبا للفضيحة .وحفاظا على اسرة هذا الصغير .

إنتبهت فجاة على يدين صغيرتين تهزان كتفي ..قطعت حبل أفكاري وذكرياتي ..ونظرت باهتمام إلى عمر .لقد كانت نظراته غريبة .هي مزيج من الحزن والألم والحيرة والضياع ..إرتجفت وحاولت ان أزيح بنظري عن هاتين الجمرتين المتقدتين لكن كلماته التي نفذت إلى قلبي وحطمت اوصاله جعلتني أعيد النظر إليه ..

.....لما قتل بابا ماما ؟؟؟ هل ماما شريرة ؟؟؟ ولما مات بابا بعدها ؟؟؟هل هو شرير ؟؟؟

لفظها وهو يلهث والدموع تتناثر من عينيه كشلال جارف ..لم ادر بما أجيب ولا ما أقول ..فهذه للجميع حقيقة ظاهرة ظهور الشمس في كبد السماء في يوم صيفي مشمس ..لقد قتلها انتقاما لشرفه ..ولكنه للاسف لم يصمد فقرر الرحيل الإختياري قبل ان يحين أجله ..انتقاما من نفسه بعد ان خذلته شريكته ..
لكن كيف لي ان أوصل هذه الحقيقة إلى هذا العقل الصغير البريء من هذا العالم القاسي براءة الذئب من دم يوسف .

هو لم يقتلها ..رددتها بصوت خافت مخافة ان يخونني لساني فينطق بالحقيقة المؤلمة ....هو كان ينوي السفر بعيدا فقرر ان يأخذها معه .. أتممت كلامي وأنا أحدق فيه محاولة إقناعه .

أجابني بلا تردد ...طيب لما لم يأخذاني معهما ؟؟

قلت.. ومن يبقى مع ماما خالتو ..تريد ان تتركني وتسافر بعيدا . نطقت الكلمة الاخيرة وأطلقت العنان لدموعي ..حضنت الصغير وخرجنا وأنا أحاول إبعاده عن هذا العالم الغريب عن أحاسيسه الصادقة الطاهرة النقية ....


بقلم اسماء الواث ...يومه الاربعاء..

حفيظة الدين
03-05-2008, 05:51 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

محزنة جدا هي القصة والممحزن أكثر أنها من صلب الواقع ... نعم هذا الواقع الآخر والذي لا نكاد نسمع عنه شيئا ... هناك أناس يتألمون ويتجرعون مرارة أخطائهم وأخطاء غيرهم قبلهم

نسأل الله اللطف والعافية والعقل

أختي الغالية بقدر ما تألمت بقدر ما استمتعت بأسلوبك المشوق والسلس
بارك الله فيك وجزاك ربي الجنة

أختك التي تحبك في الله

asmaa alouat
03-05-2008, 06:07 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اختي الغالية هذا هو الواقع حينما يصر ان يحفر اخدودا عميقا في قلوبنا ويترك ندوبا لا يمحيها الزمن .

اختي العزيزة حفيظة بارك الله فيك .

اختك اسماء الواث

رشيد بوشارب
03-06-2008, 01:10 AM
الفاضلة أسماء ، صدقا تفاجأت لطريقتك في عرض القصة ، أسلوب ساحر ، ومضمون من صلب الواقع الأليم ، قصة كلها أحاسيس ، وصدمات أيضا ...
جزاك الله خيرا على هذه التحفة الراقية
تقبلي خالص التقدير

asmaa alouat
03-06-2008, 02:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الكريم رشيد بوشارب بارك الله فيك .
موفق إن شاء الله

أختك اسماء الواث

asmaa alouat
03-06-2008, 08:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

:56: لا تبخلوا على القصة بردودكم وتشجيعاتكم


بارك الله فيكم :)

اختكم أسماء الواث

التائبة لله
03-06-2008, 08:29 PM
أي إحساس مرهف و صادق هذا الذي سرد لنا تفاصيل هذه الأقصوصة الرائعة ..
و أي معان تلك التي حملتها لنا سطورك ..
و كأنني كنت أجلس إلى جانبك لحظة احتضانك للطفل ..
أختي الكريمة .. كم رائع هو يراعك الرقيق ذاك
بارك الله فيك و جزاك الله خيرا

asmaa alouat
03-07-2008, 10:47 PM
أي إحساس مرهف و صادق هذا الذي سرد لنا تفاصيل هذه الأقصوصة الرائعة ..
و أي معان تلك التي حملتها لنا سطورك ..
و كأنني كنت أجلس إلى جانبك لحظة احتضانك للطفل ..
أختي الكريمة .. كم رائع هو يراعك الرقيق ذاك
بارك الله فيك و جزاك الله خيرا


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اختي الغالية كلماتك دافع ومحرك قوي لي بارك الله فيك .

جزاك الله خيرا .

اختك اسماء الواث

خديجة جيلالي
03-10-2008, 05:48 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

واقع يعيشه الكثير من براءتنا وفلذات أكبادنا، تتلاعب بهم أيدي الكبار، الذين كانوا من المفروض أن يعتنوا بهم

يتعرضون لشتى أنواع الضياع، والمحظوظ من يجد يدا حنونا تأخذ به لتنقذه من مستنقع الحياة

بارك الله فيك أختي الغالية أسماء، وبارك الله في قلمك القدير، قصة مؤثرة وحزينة، ولكن تخفي في طياتها كل الحقيقة

ouhssine
03-23-2008, 04:42 PM
اختي اسماء
وكاني اقرا بائعة الكبريت
سرد راق وقص رائع
دمت للبهاء...

asmaa alouat
03-30-2008, 09:35 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اختي الغالية خديجة بارك الله فيك .جزاك المولى الجنة .

إضافتك في صلب الوضوع .ما حرمنا الله من كلماتك وتشجيعاتك.

أختك اسماء الواث

alyasamina
03-30-2008, 10:02 PM
السلام عليكم كما عهدتك اخية قلم ذهبي يتصل بقلب رقيق .... عبارات واعدة ومشاعر دافئة .... اسعد باخوتك ايما سعادة .... واحب قراءة سردك المميز .... اسعدك الله حبيبتي في الله

asmaa alouat
04-04-2008, 11:19 PM
اختي اسماء
وكاني اقرا بائعة الكبريت
سرد راق وقص رائع
دمت للبهاء...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


بارك الله فيك .جزاك الله خيرا على المرور الطيب .

والكلمات المشجعة .

اختك اسماء الواث

أحمدالحارون
04-27-2011, 12:13 AM
شكر الله لكم أخيتى أسماء
سرد محكم وقصة تأخذنا لواقع أليم بتنا نألفه
تقديرى