PDA

View Full Version : أثر الإيمان في بناء الشخصية



meezan
05-28-2006, 12:26 AM
أثر الإيمان في بناء الشخصية
الأستاذ الدكتور التهامي نقرة

هذا المقال منقول من أعمال الملتقى الإسلامي المسيحي الرابع –تونس 21-26 أفريل 1986
والملتقى تحت عنوان "الحياة الروحية – مطلب يقتضي العصر تحقيقه-
وسوف أنقله لكم على حلقات متتالية
منهج العقيدة الإسلامية :
العقيدة هي اللبنة الأساسية في بناء الشخصية و عنها ينبثق الشعور و التطور و نمط السلوك و ليست مجرد معرفة ثقافية لما لها من وثيق الارتباط بالجوانب الفكرية و العاطفية و الخلقية التي تكيف نشاط الإنسان في شتى ميادين الحياة فرديا كان أم اجتماعيا حيث يعيش صاحب العقيدة معتقداته و يترجم عليها بأعماله في تصرفاته و في علاقته بربه و بالناس و بالكون الذي يعيش فيه.


و منشأ الاختلاف بين الناس في أنماط حياتهم و عقلياتهم و تصوراتهم هو اختلافهم في العقيدة التي شبوا و نشأوا عليها و تأثروا و عملوا بها .

و للعقيدة الإسلامية منهج متميز يقوم على التوحيد الخالص الذي دعا إليه كل المرسلين و يحترم طبائع الأشياء لأنه دين الفطرة التي فطر الناس عليها و لا يفصل بين العمل للدنيا و العمل للآخرة ولا بين العبادة و الأخلاق و لا بين الإيمان و صالح الأعمال .

فهي متصلة بنظام الإسلام الشامل الذي تنبني عليه النظرة الأخلاقية و الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و التشريعية و هي الأساس الفكري لعقلية المسلم و الأساس النفسي لسلوكه وهي منطلق السير و منبع المبادئ و مصدر القيم و مبعث الطاقات البشرية .

و لتأثير العقيدة في الحياة الإسلامية نراها تتخلل جميع القرآن و تحيط بجميع أحكام الإسلام أخلاقية كانت أم تشريعية لأنها إذا تجردت منها تعطل الجهاز المحرك عن حركته و أفقدته روحه و حيويته و قطعت شرايينه و أعصابه.

أما هذه الأحكام الإسلامية فتشمل العبادة التي تذكي شعلة العقيدة و تشعر المؤمن بموقعه من خالقه وتشمل الأخلاق التي تهذب النفس و قواعد السلوك التي تضبط خط السير و تحدد العلاقات و السمو الروحي الذي جعله الإسلام هدفا يسعى المسلم لبلوغه

كما تشمل النظام الاجتماعي الذي يتضمن أحكام الأسرة ووظيفة أفرادها و علاقات بعضهم ببعض و أسس التكافل و التضامن بين أفراد المجتمع و النظام الاقتصادي الذي يحدد طرق الكسب والإنفاق و مفهوم الملكية و قيودها و حقوق الناس وواجباتهم في شؤون المال و التصرف .

و النظام السياسي الذي يحدد العلاقة بين الراعي و الرعية و حقوق المواطنين في الدولة سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين و قواعد السلم والحرب و علاقة الدولة بغيرها من الدول .

فقد ارتبطت كل هذه الأحكام بالعقيدة ارتباط الروح بالجسد لتكون لها حياة عند التطبيق ولا تبقى أعمالا آلية أو طقوسا جامدة لا تثير المشاعر ولا توقظ الضمائر ذلك أن علوم الكون و الحياة و بالبحث المتواصل في ملكوت السماوات و الأرض لا تقل خطرا عن علوم الدين فالحاجز بينهما رقيق جدا بحسب سلامة القصد و نبل الغاية و علوم الحياة مساوية لعلوم الآخرة في خدمة هذا الدين و تجلية حقائقه و لكن مع الإيمان . قال الله تعالى :"قل انظروا ماذا في السماوات و الأرض وما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون" (يونس 1.1 ) .

فالحقيقة التي يستعرضها الإنسان لا تتحول من فكرة إلى شعور ولا يترجم عنها الشعور بالسلوك ولا تستقبلها الأجهزة التي تحولها إلى قوة و حرارة و نماء إلا بالإيمان. و الآيات الدالة على وحدانية الله و قدرته كثيرة مبثوثة في الكون معروضة للأبصار و البصائر في السماوات وفي الأرض و لكن يمر عليها التائهون الضالون صباح مساء فلا يرونها و لا يسمعون نداءها و لا يحسون إيقاعها العميق ولا ينتبهون إليها ولا يدركون مدلولها لان الإيمان الخالص يحتاج على يقظة دائمة تنفي عن القلب كل خالجة شيطانية و تذكر بكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض في حركتها و سكونها لتكون كلها لله خالصة دون سواه

"وكأين من آية في السماوات و الأرض يمرون عليها وهم عتها معرضون" (يوسف 105).

إن لحظة تأمل في مطلع الشمس و مغيبها, لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد, لحظة تأمل في الخضم الزاخر و النبع الروي و العين الفوارة, لحظة تأمل في النبقة النامية و البرعم الناعم و الزهرة المتفتحة و الحصيد الهشيم, لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء و السمك السابح في الماء و الدود السارب والنمل الدائب و سائر الحشود و الأمم من الحيوانات و الحشرات و الهوام, لحظة تأمل قي هدأة الليل يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب لكافية لارتعاشه بقشعريرة الإدراك الرهيب و التأثر المستجيب...
و قد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان قومه رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم و رحمة مما ينتظر المشركين.و الشرك أخفى من دبيب النمل و لكن الله العليم بقلوب البشر الخبير بطبائعهم و أحوالهم ينهي إليه أن حرصه على إيمانهم لن يسوق الكثرة إلى الإيمان ولا يجعلهم ينتفعون بدلائله المبثوثة في الآفاق و أن شأنهم في الإعراض عنها لعجيب وهي تبذل لهم بدون أجر و لا مقابل(سيد قطب :في ظلال القرآن) .

و ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ( يوسف 103 )
و ما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون ( يونس 101 )

فالتفكر في خلق السماوات والأرض و في أنفسنا كما طالبنا بذلك القرآن الكريم لا ينفع غير المؤمنين لأنه عبادة و عبادة الله منزلة لا يرقى أليها المفسدون و المجرمون و أحلاس الشهوات وعشاق العلو في الأرض والكبر على الخلق والمغرمون بحظوظ النفس ورغبات العاجلة والذاهلون وراء مطالب العيش الذين يعرفون المادة وحدها ويجهلون ما وراءها. ومنهم أولئك الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.......

aseel
05-28-2006, 03:12 AM
إن لحظة تأمل في مطلع الشمس و مغيبها, لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد, لحظة تأمل في الخضم الزاخر و النبع الروي و العين الفوارة, لحظة تأمل في النبقة النامية و البرعم الناعم و الزهرة المتفتحة و الحصيد الهشيم, لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء و السمك السابح في الماء و الدود السارب والنمل الدائب و سائر الحشود و الأمم من الحيوانات و الحشرات و الهوام, لحظة تأمل قي هدأة الليل يتسمع فيها القلب البشري إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب لكافية لارتعاشه بقشعريرة الإدراك الرهيب و التأثر المستجيب...


بمجرد قرائتي لجمال الاسلوب في هذه الفقرة قلت يشبه اسلوب سيد قطب رحمه الله
بارك الله بك على هذا الموضوع الممتاز وننتظر باقي الحلقات باذن الله جزاك الله خيرا

meezan
05-29-2006, 09:14 PM
شكرا أختي أصيل على مرورك الكريم وبورك فيك
فعلا امتاز هذا المقال بجمال الأسلوب وبساطة التعبير وجمالية العبارة والأهم من ذلك كله نبل الهدف وقيمة المقصد
وهو يذكر بالفعل بكتابات سيد قطب رحمه الله وقد استشهد به كاتب المقال في أكثر من موضع.
وبالمناسبة فإن الدكتور التهامي نقرة من أعلام أساتذة جامعة الزيتونة بتونس وله اسهامات عديدة في مجال
الفكر الديني والتربوي .
وفيما يلي الجزء الموالي من المقال



لقد صنعت عاد حضارة رائعة, وناهيك بمدينة شيدوها’ وبلغ من فخامتها أن القرآن وصفها بكونها " لم يخلق مثلها في البلاد" فعندما نتأمل قوله تعالى يخاطب عادا على لسان نبيهم هود عليه السلام :"أتبنون بكل ريع آية تعبثون, وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون, وإذا بطشتم بطشتم جبارين, فاتقوا الله وأطيعون, واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون, أمدكم بأنعام وبنين, وجنات وعيون، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم."(الشعراء 128-135)
فنحن نحس بأن تلك الحضارة تجمع بين الزراعة والصناعة والعمارة, وتتجلى عناصرها في هندسة المباني وإقامة المصانع وإنشاء المدن على نحو يثير الإعجاب ويسحر الألباب. وقد أشار القرآن إلى أنهم يفعلون ذلك للعبث وليس للاحتياج، وأنهم طغوا في الأرض، وبطشوا بطش الجبارين. ولما ارتفع صوت نبيهم داعيا إلى الله، مؤكدا أن الإيمان بالله وتقواه ، هما سر استمرار الحضارة وبقاء النعمة، أسكرتهم نشوة النعيم، وغمرتهم أمواج الترف فصمّوا عن النصح وقالوا لنبيهم في صفاقة: "سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين، إن هذا إلا خلق الأولين، ومانحن بمعذبين."(الشعراء136)
فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية، وأتى على حضارتهم من القواعد فجعلها حصيدا كأن لم تغن بالأمس، ولم يبق منها إلا ما يبعث التاريخ، ويجدد الذكرى، ويثير التأمل ويصبح عبرة للناس.



الإيمان والعمل الصالح والأمن:


فالعقيدة الإسلامية تقوم على أن الإيمان بالله أساس كل خلق كريم، وهو شهادة للإنسان بأنه ذو عقل سليم، يميز الخير من الشر، ويفرق بين الطيب والخبيث، والحق والباطل فهو بهذا العقل عرف الله فعبده، وعرف الأعمال الصالحة فسعى إليها. أما من لم يفتح له عقله طريقا إلى الله، فقد عمي عن الحقيقة الكبرى، وضل الطريق إليها، فكيف يمكن أن يهتدي إلى حق بعد هذا، وكيف يتعرف على خير بعد أن حاد عن الطريق الموجه إليه؟
فالله تعالى يقول:" مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون على شيء مما كسبوا."(ابراهيم18)
والحقيقة التي يؤكدها القرآن أن موازين القيم والأخلاق مرتبطة بميزان الله. فالكفر ظلمة وضلال، والإيمان نور وهداية، فلا إصلاح بغير عقيدة، ولا تربية بغير إيمان"ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور"(النور39)
وقد عجز لوط عليه السلام عن اجتثاث ما تمكّن في نفوس قومه من منكرات، لأن منشأها عقدة الكفر.
ويفيد التحليل النفسي للعادات السيئة التي تمكنت من أصحابها، أنها تبطل بمجرد اقتلاع العقدة، مثلما يزول مفعول الخطر الكهربائي بانقطاع التيار.
ويذكر الإيمان في القرآن متبوعا بعمل الصالحات كنتيجة له، لأن الإيمان الصادق هو صاحب السلطان الأعلى على القلب وعلى الإرادة التي تحرك الأعضاء في الأعمال، فإن نازعه في سلطانه طائف من الهوى، فإنه لا يلبث أن يقهره" إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون."(الأعراف 201) وإذا لم يكن للإيمان أثر في أخلاق الإنسان
و سلوكه وصحته النفسية، فذلك دليل على أنه ضعيف أو مزيف، وصاحبه ممّن يدّعون الإيمان بالقول لا بالعمل، دون أن يدخل قلوبهم ولا كان له سلطان على أرواحهم. وإذا قاموا بعبادات موروثة، فهي صورة بلا روح، لأنهم مشغولون عن الله وعن عظمته وجلاله "ومن الناس من يقول آمنا بالله و باليوم الآخر وما هم بمؤمنين"(البقرة 7)
وقد واجه إبراهيم قومه بحجة ألهمه الله إياها، وهي أن من يؤمن بالله ويخلص له، لا يخاف من دونه فهو أحق بالاطمئنان والأمن من الملحد المشرك.
وأكدت بعض الدراسات التربوية والأبحاث النفسية إن الإيمان بالله وقاية وعلاج من الأمراض النفسية، والاضطرابات العصبية، والانحرافات الخلقية التي تنشأ من عوامل القلق والضياع والفراغ، وأن من أهم أسباب الأمراض العضوية الحالة العامة التي يسيطر عليها الجهاز العصبي والحالة النفسية، حتى أضحى العلاج النفسي عن طريق الإيمان من وسائل العصر الحديث.
يقول ويلييم جيمس:" إنّ أعظم علاج للقلق النفسي والفراغ الروحي هو الإيمان". إذ لا شيء يستطيع أن يؤثر من الخارج تأثير الإيمان من الداخل، فكل قوة تتلاشى أمام قوته. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال :"إذا ساءتك سيّئتك، وسرّتك حسنتك فأنت مؤمن."(رواه أحمد)
ومن هنا كان المؤمنون أشد صبرا وثباتا في القتال من الجاحدين والملحدين، لأن صلتهم الإلهية بالإيمان هي خير ما يستمدون منه القوة والثبات في الحق، والقدرة على مقاومة الصعاب، واقتحام الأخطار، والصبر على الأذى، واستعذاب الألم الجسمي والنفسي في سبيل الله، إذ لا يثبت في الشّدائد والمحن ولا يقوى على مقاومة البغي والعدوان، إلآّ من كان مؤمنا صادق الإيمان بما يدعو إليه.
فإذا اتّخذت الأمّة الوسائل التي أمرت باتخاذها في قتال العدو، ودعت ربها أن يثبتها ويتم لها ما ليس في وسعها من أسباب النّصر، فإن الله يستجيب لها، لأنّ الإيمان يشعر صاحبه دوما بأنّه على حق، ومن جاهد على حق لا يخذل.
ولعل اقتران الإيمان بالأمن في القرآن المجيد باعتبار الثاني نتيجة أو جزء للأوّل، يكشف عن الفرق عمليا في الحياة بين من يملأ قلبه الإيمان، وبين من يعيش في فراغ. فهذه الخنساء لما قتل أخواها معاوية وصخر في الجاهلية حزنت عليهما حزنا شديدا وأخذت ترثيهما وتبكي عليهما ولا سيما على أخيها صخر حتى عميت.
ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام وفدت إليه الخنساء مع قومها وأنشدته من شعرها وأسلمت بين يديه هي وقومها، وكان لها أربع بنين، فلما سارا لمسلمون لفتح العراق جمعت بنيها الأربعة وحضتهم على القتال ونصرة الإسلام، فخاضوا معركة القادسية، واستشهدوا جميعا فلما جاءها النعي بمصرعهم لم تزد على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم في سبيل الله، وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
و أشدّ الناس حيرة و اضطرابا في الحياة غير المؤمنين، فهم في خوف دائم ممّا لا يخيف لأنهم يعلّقون حياتهم وكل آمالهم و كل ما يجري بالظروف و الصدف.
يقول جيمس في كتابه (الكون الغامض ): " و نحن إذ نقف على أرضنا نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا نراه مخيفا ومرعبا و هذه أبعاده الهائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها و يتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان...
و أخوف ما فيه أنه لا يعنى –كما يبدو – بحياة مثل حياتنا كأن عواطفنا و مطامعنا و أعمالنا و فنونا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه و خطته.و قد يكون من الحق أن نقول: بينه و بين حياتنا عداء قوي... هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف و إذا لم يكن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بأنه مصادفة (سيد قطب – في ظلال القرآن).
أما المؤمن فإنه يدرك ما بين الكون و الإنسان من صلات ووشائج و يحسّ يد الله في كل ما حوله فلا يشعر بالخوف و الضياع و لكن بالطمأنينة و الأنس إلى هذا الكون البديع و بالرهبة والجلال لخالقه المبدع فيلتقي الفن بالعقيدة والمتعة الحسية بالمتعة الروحية فالمؤمن يخاف الله وحده ولا يخاف سواه من مخلوقاته و إن راعته عظمتها أو قوتها لأن التدبير و التقدير بيد الله وحده.
و مما يزيده شعورا بالأمن ما يجده من عناية الله به .
فلقد كرم ابن آدم بالذات فحرم عليه الانحناء و السجود لغيره و كرّمه بالخلقة فمنحه صورة حسنة ليتقن عمله ومنحه العقل أساس التمييز و كرمه بالمسؤولية فحمله الأمانة و كلفه بالمهام العظام و سخر له ما في السماوات و ما في الأرض بالمعرفة و العلم . و كلاهما وسيلة لتحقيق هدف أسمى وهو الإيمان مصدر الوعي والتدبر و الشعور .

فالبصر بلا وعي والسمع بلا تدبر و الدين بلا شعور أشياء لا قيمة لها ولا جدوى كالعلم بدون إيمان ذلك أن ارتقاء الوسائل لا يغني عن ارتقاء الغايات.

إلى اللقاء مع الجزء القادم إنشاء الله

meezan
06-01-2006, 03:56 PM
السلام عليكم ورحمة الله
فيما يلي الجزء الموالي من المقال


SIZE="5"]
العلم و الإيمان:[/SIZE]

ألا يرتكب بالعلم –في السلم و الحرب - من اللاثام و المخازي ما عجزت عنه القرون الأولى لقصور وسائلها؟
ثم أية حرب هذه التي تشتها العلمانية على الدين و الإيمان في حماقة؟ و كيف يستطيع العقل أن يتصور نشوء الحياة و نبضها من قوة ميتة و نشوء الإبصار من قوة عمياء و نشوء السمع من قوة صماء؟
إن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال .
فإدا كانت هذه النواميس التي تسيطر على المادة جامدة لا تسمع ولا تبصر فكيف تهب لها الحياة و السمع والبصر

فمثل هذه البديهيات ما كانت لتصبح محورا للجدل و النقاش لولا قانون التعليل و قانون السببية في دنيا العلم و ما حققه علماء المادة من اكتشافات عجيبة و اختراعات مدهشة وقفت ببعض المغرورين منهم في طريق مسدود في حين أن الأديان السماوية كلها جعلت لحياة الإنسان معنى و جعلتها متصلة بحياة الكون في أوسع مداه .
إن العلم التجريبي الذي جعل لهم سلطانا على قوى الطبيعة هو الذي حبسهم في سجن المادة وصرفهم عن التأمل فيما وراءها وقطع صلتهم بأعماق وجودهم و سلبهم نعمة الإيمان.

و إن حاجة الإيمان إلى المهارة و الحنكة وإلى العلم و الذكاء لا يقل عن حاجته إلى مجاهدة النفس و صفاء السريرة و استقامة السلوك و طهارة القلب و قد انتهى الأمر بالمجتمعات الإسلامية في العصور الخوالي إلى نكوص عن العلم و تخلف عن موكبه فانفصل عنه الدين و سار أهله في دروب الجهالة و الخرافة حين زايلهم صفاء النظر و نور العقل .
و الأمة التي لا تبني حياتها و حضارتها على أساس من العلم و الإيمان أمة هزيلة. و قد حثّنا القرآن الكريم في أكثر من آية على طلب العلم. و كل علم نافع للدين والدنيا هوفي فرض الإسلام فرض كفاية إذ لم يوجد في الأمة من يتخصص فيه أمست آثمة ولا يعرف مثل هذا الأصل الاجتماعي في غير الإسلام . ومار تقت الأمم الحديثة إلا به فإن لكل علم متخصصين ينقطعون له وهم درجات في مدى تعمقهم و افتنانهم على مدار التاريخ الإنساني.
فالإسلام يفرض على المسلمين جميعا أن يسهموا في بناء صرح الحضارة الإنسانية بل أن يكون لهم دور طلائعي فيها. فلا يجوز لهم أن يكتموا عن غيرهم ما يتوصّلون إليه من علوم عملا بقوله صلى الله عليه و سلم : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (أخره الترمذي ).
ذلك أن العلم إن كان يهدف إلى إصلاح الإنسان و إسعاده و الرقي به ماديا و فكريا و روحيا فلا مبرر لكتمانه واحتكاره. و إن كان يهدف إلى تهيئة الوسائل التي تنفذ بها المآسي و الجرائم بقصد السيطرة والنفوذ و ترويع المستضعفين من الشعوب واستغلالهم بمختلف طرق الاستبداد السياسي والضغط الاقتصادي والنيل من حرية هذه الشعوب و كرامتها فذلك ما يفسر به اليوم تكتم المعسكرين الشرقي والغربي (تاريخ كتابة المقال) في المجال التكنولوجي و إسدال الستار عن الوسائل التي توصلوا بها لا رغبة في التفوق وحسب بل تنافسا على مناطق النفوذ والاستيلاء. إنهم يستغلون ثرواتنا الطبيعية و موادنا الأولية
و يحكمون الخطة كي نبقى تحت الحجر والتبعية فلا نتعلم من التقنيات ما يمكننا من الاستغناء عنهم وعن صناعتهم ولا أحسب أن دينا سماويا يمكن أن يلتقي بحال من العلوم الحديثة على هذه الصورة في عالم الآلة المدمرة التي لا يمسك زمامها دين أو خلق . فديننا الحنيف ليس منافسا للعلم ولا بديلا عنه بل هو يدعو إلى إنقاذه من عبث العلمانيين الذين عميت بصائرهم عن الحق: فجعلوا من التكنولوجيا قيمة مطلقة و سلاحا فتاكا يتحكمون به في مصير الشعوب و يمتلكون الرقاب و يتسلطون على الثروات.

و كلما قدم العلم أمثلة جديدة حية على إحكام نواميس الكون ودقة نظامه ازداد المؤمن إيمانا بعظمة الله و قدرته الباهرة .
ثم متى تعارض الإسلام مع العلم قديما حتى يتعارض معه حديثا؟
ألم يكن الخوارزمي وابن الهيثم و البيروني و أمثالهم من أعلام الفكر الإسلامي الذين أرسوا دعائم العلم التجريبي مثال السمو الخلقي والإيمان العميق بمنشئ الحياة، خالق الأكوان
وقد أخذ المسلمون يدركون من جديد أن الإيمان ليس مجرد تسلية لمن ظلموا واضطهدوا وحرموا واستسلموا لليأس بل هو يملك أن يقدم ماهو أكبر من ذلك للمؤمنين فيمنحهم الرشاد والاطمئنان و يحملهم على الأخذ بأسباب القوة المادية والقوة الروحية فلا يخذلها الجهل والفقر والتخلف العلمي ولا يطمس نورها بريق المادة لان الإيمان بغير قوة مادية تحميه يبقى فكرة جميلة وفلسفة محضة ربما انقلب الناس ضدها و تحولوا عنها .
ولولا هذه القوة المادية التي أنشأها العلم لما بقيت كلمة الله و لذهبت معالم هدايته. والميزان الصحيح الذي تعرف به مقومات الإيمان و مدى تأثيرها في تكوين شخصية المسلم في أوضاعها و أحوالها وأخلاقها و أعمالها و تصوراتها للقيم السائدة يتمثل في خاصية (الربانية ) التي هي من صنع الله وليست من صنع الإنسان فيستقيم على منهجها و يرجع إليها في كل ما يعن له من مشاعر و أفكارا و مواقف في مجرى حياته ليعرف الحق من الباطل والصحيح من الزائف .
ثم إن هذا التصور النابع من مصدر إلهي هو موافق للفطرة الإنسانية الملبّي لكل جوانب الإنسان المحقق لكل حاجاته وهو التصور الذي يقوم عليه أقوم منهج للحياة وأشمله واكثره توازنا واعتدالا .

إلى اللقاء

aseel
06-02-2006, 12:11 AM
يقول ويلييم جيمس:" إنّ أعظم علاج للقلق النفسي والفراغ الروحي هو الإيمان". إذ لا شيء يستطيع أن يؤثر من الخارج تأثير الإيمان من الداخل، فكل قوة تتلاشى أمام قوته



إن العلم التجريبي الذي جعل لهم سلطانا على قوى الطبيعة هو الذي حبسهم في سجن المادة وصرفهم عن التأمل فيما وراءها وقطع صلتهم بأعماق وجودهم و سلبهم نعمة الإيمان.

و إن حاجة الإيمان إلى المهارة و الحنكة وإلى العلم و الذكاء لا يقل عن حاجته إلى مجاهدة النفس و صفاء السريرة و استقامة السلوك و طهارة القلب و قد انتهى الأمر بالمجتمعات الإسلامية في العصور الخوالي إلى نكوص عن العلم و تخلف عن موكبه فانفصل عنه الدين و سار أهله في دروب الجهالة و الخرافة حين زايلهم صفاء النظر و نور العقل


جزاك الله خيرا مقال راااائع حقا