PDA

View Full Version : امرأة في قلبي ...



رشيد بوشارب
03-24-2008, 10:40 PM
امرأة في قلبي...


وسط محطة القطار تراءت لي من بعيد ، بدت عليها علامات التعب والارهاق ، كانت شاحبة اللون ، تمد بصرها في تثاقل هناك وهناك ، وكأنما تبحث عن شيء مفقود وضائع ، نظرت اليها بتمعن ، لم أجد سببا محددا لاهتمامي ، لم يكن فضولا ، ولكنه احساس غريب راودني ، أحسست بالرغبة الجامحة في الاقتراب منها والتعرف عليها ، كان الوقت ليلا ، وفي هذا الوقت بالذات تتأجج المشاعر ، الانسان لحظتها يكون مستعدا للبوح والفضفضة وتفريغ الهموم والمواجع ، كان ذلك مطلبا طبيعيا ، أملاه الفؤاد...وعمق الاحساس ...ولين القلب ...

حان موعد انطلاق القطار ، هرول المسافرون اتجاه الباب ، وكأنهم في سباق محموم ، تزاحم وتدافع ، وتراشق بالألسنة ، كنا قلة قليلة ، ولكن الهرولة كانت على أشدها ...
من بعيد كنت واقفا ، أتأمل حركاتها وسكناتها ، اقتربت منها بلا تردد ...من شدة اضطرابي لم ألق عليها التحية ، رفعت حقيبتها على كتفي ، بادرتني بالكلام قائلة : الله يرحم لك الوالدين ...
اخترت مقصورة فارغة ، وضعت حقيبتها في المكان المخصص لوضع الأمتعة وجلست ، شكرا لك : هكذا خاطبتي...
جلست قبالتها ، أخرجت من حقيبتي جريدتي اليومية ، ومدت هي بصرها الى النافذة، تتابع الأشجار والبيوت وخيوط الظلام ، بعد حين أخرجت من حقيبتها اليدوية كتيبا صغيرا ، من صورة غلافه عرفت أنه خاص بفنون الطبخ ، ولم أعرف صراحة علاقة ذلك بحالتها الراهنة ، أهو ترويح عن النفس ...؟ ربما...
قرأت الجريدة سريعا ، بامتعاض وعدم رضى أغلقتها ، صفحات كلها أخبار شوهاء ، اغتصاب واختلاس وحوادث هنا وهناك ، نظرت اليها من جديد تفرست في عيونها بشكل فاضح ، لمحتني وابتسمت ...قلت لها آسف حقا ، في خيالي صورة لامرأة عزيزة على قلبي ، تشبهك كثيرا ، لم تنطق بكلمة واحدة ، أحسست بضعف موقفي ، وتلونت بحمرة غير معتادة ، خجلا منها ...ومن نفسي...
فتحت حقيبتها من جديد ، أخرجت منه ألبوم صور ، بدت سعيدة جدا وهي تقلب الصفحة تلو الأخرى ، تفرست في وجهي وكأنها تريد التحقق من شيء معين ، ابتسمت ابتسامة عريضة ، سحبت من الألبوم صورة قديمة ، مدتني اياها قائلة ، ألست أنت ...قبل ربع قرن ...؟
تجمدت في مكاني ، اندفعت الدماء في شراييني كالنهر الجارف ، بدت علي سعادة غامرة ، نعم ، هذا أنا ...في صورة جماعية مع تلامذة الفصل ، وأنت معلمتي الرائعة ...التي كانت تحبنا جميعا ، مجتهدين وكسلاء...
نهضت من مقعدي ، صافحتها بشدة ، لم أستطع مقاومة مشاعري ، فانسحبت الدموع من عيوني ، لم أكن أعرف سببا لبكائي ، أمن حق الرجل أن يبكي ، نعم ...من حقه ذلك...
أكان ذلك بسبب هذه المصادفة الفريدة ، أم هي لحظة نادرة لاسترجاع ذكريات الطفولة ، أم هو وجع مفاجئ ، لحالة هذه المرأة العظيمة ، التي علمتني كيف أطوع القلم بين أناملي ، وعلمتني كيف يصبح الصبر أمام عوادي الزمن ، باعثا على الحياة ...نعم ، هذه هي المرأة التي انتشرت قصتها في أرجاء المدينة ، بعد فقدانها لزوجها وأبنائها الأربعة دفعة واحدة ، في حادثة مروعة على الطريق السيار قبل عشر سنوات...وهاهي الان ، برغم الفاجعة...برغم الحزن الذي يكتسح محياها ، مازالت واقفة كشجر الصفصاف...هذه هي المرأة نفسها العزيزة على قلبي ...
تمنيت ألا أصل الى الرباط العاصمة ، فبرغم الجو البارد ، أحسست داخل المقصورة بدفء غريب يسري في أوصالي ، تألقت ابتسامتها وهي تحكي بفخر عن تجربتها بسلك التعليم ، عن حبها للأطفال ، وعطفها عليهم ، قالت لي : أنتم تلامذة الأمس ، تختلفون عن تلامذة اليوم ، كل شيء تغير ، الانسان والشوارع والجدران والتراب ، قلت لها ، وأنتم لستم كمثل أساتذة اليوم ...قاطعتني قائلة غذا ستشرق الشمس بكم...نحن المتقاعدون ، لم يعد لنا من دور في الحياة...
تناولنا وجبة العشاء سويا ، وشربنا قهوتنا السوداء ، مر الوقت سريعا ، الى أن توقف بنا القطار بمحطة أكدال بالعاصمة الرباط ، حملت حقيبتي ...هممت بالنزول ، مددت لها يدي لتوديعها ، قالت لي ، انتبه لنفسك يابني ، رفعت لها رأسي علامة على الرضى ، اخترقت جموع الواقفين ، تقدمت الى شباك التذاكر ، سحبت تذكرة جديدة ، للتنقل الى الدار البيضاء حيث كانت مسافرة ، فتحت المقصورة ، نظرت الي باستغراب ، ضحكنا في نفس الآن ، قلت لها ، سأبلغك الى محطة الدار البيضاء ، وأعود على متن قطار آخر...


رشيد بوشارب
24/03/2008

حفيظة الدين
03-24-2008, 10:51 PM
ما أجمل فن القص لما تتربع على عرشه مثل هذه الهمسات وهذه المشاعر المتدفقة ...
ما أسعد المعلمة بتلميذها الذي عرفها بأحاسيسه قبل أن يعرف صورتها ...
وما أسعد التلميذ الذي عرفته معلمته بعد ربع قرن وقبل أن يعرفها...

هو صفاء القلوب وإخلاص النية وسلامة القلب .. يفضي إلى امتزاج غريب يبقى في القلوب حتى بعد مرور دهر طويل ...

تأثرت كثيرا بما قرأته وتمنيت أن تنشر هذه القصة في كل المدارس حتى يتعلم المعلمون ويتعلم التلاميذ كيف يجب أن يكونوا

أخي الفاضل دمت رفيقا للقلم ودام القلم بين أناملك
بارك الله فيك وجزاك الجنة

alyasamina
03-24-2008, 10:54 PM
السلام عليكم استاذي الفاضل اسلوب قصصي غاية في الروعة والجمال .... مليء بالوفاء والدفء بين التلميذ ومعلمته .... ولكن ليت هذا المعلم يعود كما كان وليت التلميذ يحترمه كما كان .... اقصوصتك علامة تناديهم

التائبة لله
03-25-2008, 10:12 AM
الحياة إنما هي محطات موزعة هنا و هناك ..
ربما نلتقي في أحدها بأناس يعلموننا أثمن معاني الحياة ..
و من أولاءالناس كان المعلمون ..
يفنون أنفسهم من أجل تربية الأجيال .. فيكونون في رسالتهم كالشمعة تذوب من أجل أن تنير للآخرين عتمات الطريق ..
ثم تمر السنون عليهم و يطوون في صفحة الأيام .. لا نملك منهم إلا الذكرى .. و الحنين إلى تلك المقاعد ..
أخي الفاضل ..
ارتبك قلمي أمام هذه الروعة المتجلية بين صدى الذكرى و صدق الإخلاص
دام حبر قلمك و لك منا كل الامتنان على هذا الإبداع
جزاك الله خيرا

صقر العروبة
03-25-2008, 10:58 AM
شكرعلى الموضوع الرائع
http://up.qatarw.com/u/files/z3zq7levzafhtb1f1k5r.gif (http://up.qatarw.com/u/)

رشيد بوشارب
03-25-2008, 11:46 AM
الفاضلة حفيظة الدين ، اضافة مؤثرة ومعبرة ، جزاك الله خيرا على المتابعة القيمة
تقبلي خالص التقدير

رشيد بوشارب
03-26-2008, 12:04 AM
الفاضلة الياسمينة ، جزاك الله خيرا على العبارات الكريمة
تقبلي خالص التقدير

afamya
03-26-2008, 12:45 AM
تمر الايام عجالة كلمح البصر .....تنتزع منا اجمل اللحظات ....ثم تقذفنا الى المجهول

لنتجرع مرارة الحنين الى ما فقدناه من سويعات اختطفناها من الزمن اختطافا....فكان

الزمن اشد ايلاما من حد السيف على العنق ....فلا ينالنا منه الا الذكريات ....التي تأخذنا

معها الى روضة من رياض الجنة .

naglaa
03-26-2008, 12:58 AM
قصة رائعة اعجبنى الجزء الاول منها لما به من تساؤل وانتظار



اما الجزء الاخير احزننى لاننى احب النهايات السعيدة....



لكننى لا استطيع غير ان اقول ... ما شاء الله



فكأننى أقرأ لاحدى كتاب القصة المشاهير


بارك الله فيك


* * *


* * *

خديجة جيلالي
03-26-2008, 05:57 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قصة جميلة جدا ومؤثرة أخي الفاضل، وتحمل من الوفاء والمعاني النبيلة الكثير
بارك الله فيك وأدام قلمك المميز في المنتدى

رشيد بوشارب
03-27-2008, 11:43 AM
الفاضلة التائبة ، ما أروع اضافتك ، جزاك اله كل خير
تقبلي خالص التقدير

Samya
03-27-2008, 04:06 PM
السلام عليكم
أخي الفاضل ما أروع قصتك هذه ..........تحمل في طياتها من المعاني القيمة ما لا يمكن عده يكفي أن قصتك علمتني
سطرا في الحب الحقيقي آخر في الإخلاص
الغريب هو أنني أقرأ قصتك هذه وأنا على متن القطار متجهة نحو مدينة الرباط و عندما وقعت عيناي على "الرباط أكدال" ,,,,,,,,ظننت أنني قد وصلت فهممت بالنهوض,,,,,,,,,,
وهذا إن دل على شيء ,فهو مدى تأثري بالقصة
عموما أخي الفاضل أتمنى لك التوفيق والسداد من الإله سبحانه وتعالى
وجزاك الله كل خير
والسلام

جمال عباس
03-29-2008, 05:07 PM
أخي الكريم ........ أسلوب جميل ومميز ........... وفقك الله ......... وزادك ألقاً وابداعاً !!!!!!!!!!!!1

رشيد بوشارب
03-29-2008, 09:22 PM
أخي الفاضل نعيم ، جزاك الله خيرا على المرور الطيب
تقبل خالص التقدير

عزالدين قاسو
03-29-2008, 10:23 PM
سبحان الله ... الله على القصة المذهلة والمشوقة كثيرررررررراً. أخي الفاضل والله كُنت صادقاً في شعورك وحدسك تجاه معلمتك الفاضلة . وإعلم أنا الحدس أو الشعور الذي إنتابك تجاه تلك المراة في الأونة الأولة لا يأتي من فراغ بل هو نتاج الحب والتقدير الصادق الذي تكنه للمعلمتك , فرغم مرور سنوات عديدة من القطيعة بقى ذلك الحب للمعلمتك فسبحان الله.
أخي الفاضل حقاً هناك أناس كتب لهم الخلود في ذاكرتنا , أناس لن نستطيع نسيانهم أبداً , أناس متميزون حقاً ونادرون أيضاً , بالله عليك من يستطيع نسيان معلمته أو معلمه ... , من يستطيع نسيان رفيق الدرب , من يستطيع نسيان الذكريات الجميلة من أيام الطفولة مروراً بأيام الدراسة إلى أيامنا هذه؟ أه ... أه ... أه على الأيام ماأحلاها اناس جادون ..أناس طمحون.. الله يجمعنا بهم جمعياً....
أخي الفاضل ذكرتني قصتك بشخص عزيز علي شخص أحبه في الله حباً شديداً وأقدره خير تقدير , فكان متواضعاً دائماً , مسامحاً والله كان حقاً متميزاً , لكن الضروف لم تشاء أن تبقينا معاً لكنه رغم البعد ورغم مرور الأيام أقول إنه سيبقى خالداً في فكري , وستبقى كلماته الحكيمة ترن في أذني , وسوف أعمل من أجل أن نلتقي يوماً , فإن لم يكن هنا في الدنياء كان هناك في الفردوس الاعلى. أخي الفاضل مأجور إن شاء الله , موضوعك شيق جداً فهو أعادنا إلى ذكريات الماضي , فإن شاء الله يكون لك ثقل في ميزان حسناتك يوم القيمة .
تقبل مروري هذا والسلام .

رشيد بوشارب
03-30-2008, 04:24 PM
الفاضلة أفاميا ، اضافة رائعة ، جزاك الله كل خير
تقبلي خالص التقدير

خديجة المحبة
03-30-2008, 11:03 PM
أستاذي الفاضل
قرأت لك هذه القصة قبل أسبوع ، وقرأتها اليوم . وسأقرأها غذا وكل يوم
لأني اكنشفت فيها مشاعر جياشة . فعلا كلماتك كلها مشاعر وأحاسيس ، أمتعك الله أستاذي

خديجة المحبة

رشيد بوشارب
03-31-2008, 02:56 PM
الفاضلة نجلاء ، اضافة طيبة ، جزاك الله خيرا
تقبلي خالص التقدير

رشيد بوشارب
03-31-2008, 05:59 PM
الفاضلة خديجة ، جزاك الله خيرا على الاضافة الطيبة والكريمة
تقبلي خالص التقدير

تالا
03-31-2008, 07:54 PM
لسي بالجديد عليك دائما مميز

دمت بحفظ الله ورعايته..........

رشيد بوشارب
03-31-2008, 11:08 PM
السلام عليكم
أخي الفاضل ما أروع قصتك هذه ..........تحمل في طياتها من المعاني القيمة ما لا يمكن عده يكفي أن قصتك علمتني
سطرا في الحب الحقيقي آخر في الإخلاص
الغريب هو أنني أقرأ قصتك هذه وأنا على متن القطار متجهة نحو مدينة الرباط و عندما وقعت عيناي على "الرباط أكدال" ,,,,,,,,ظننت أنني قد وصلت فهممت بالنهوض,,,,,,,,,,
وهذا إن دل على شيء ,فهو مدى تأثري بالقصة
الفاضلة سامية ، سعدت جدا بمرورك ، وباعجابك بالقصة ، جزاك الله كل خير
تقبلي خالص التقدير

رشيد بوشارب
04-01-2008, 10:34 PM
أخي الفاضل جمال عباس ، جزاك الله خيرا على الاضافة الطيبة
تقبل خالص التقدير

رشيد بوشارب
04-03-2008, 01:36 PM
أخي الفاضل عز الدين قاسو ، اضافتك رائعة جدا ، جزاك الله خيرا
تقبل خالص التقدير

رشيد بوشارب
04-04-2008, 01:44 PM
الفاضلة خديجة المحبة ، جزاك الله خيرا على المرور الطيب
تقبلي خالص التقدير

خديجة المحبة
04-06-2008, 05:39 PM
ما أروع هذه القصة استاذي ..كل يوم اعيد قراءتها وهي تستحق بما تحمله من مشاعر واحاسيس رومانسية

رشيد بوشارب
04-07-2008, 12:17 AM
الفاضلة تالا ، جزاك الله خيرا على المرور الكريم
تقبلي خالص التقدير