سرمد طه حميد
06-05-2006, 06:29 AM
:)
رب الاسرة ربان السفينة
حكاية فصولها وشخوصها من مسرح الحياة / من مجلة الحوار
العدد45 مايس 2006 حررتها للمجلة هيفاء محمد علي
ليس من وصف أدق من وصف الـ(ربان)يمكن أن يوصف به رب الاسرة ، فالأسرة سفينة تمخر لجج بحر الحياة، ولابد لهذه السفينة من ربان يسير بها نحو شاطئ الامان والسلام،وإلا فأن صخور الضفاف الوعرة لهذه السفينة بالمرصاد. وإذا ما غاب ربان هذه السفينة عن رشده ووعيه،فأن المرأة الصالحة هي الامل الوحيد المعقود على نجاة السفينة بربانها..
هذا المعنى نحاول أن نجسده من خلال هذه الحكاية الواقعية التي تدور فصولها على لسان صاحبها ، عسى أن يتحقق منها الأعتبار..
لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أول اولادي ..ما زلت أذكر تلك الليلة..بقيت إلى آخر الليل مع الشلة في أحدى الاستراحات..كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ..بل بالغيبة والتعليقات المحرمة..كنت أنا الذي أتولى في الغالب إضحاكهم..وغيبة الناس..وهم يضحكون.
أذكر ليلتها أني أضحكتهم كثيراً كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد.بأمكاني تغير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه أجل كنت أسخر من هذا وذاك.
لم يسلم أحد مني حتى أصحابي ..صار بعض الناس يتجنبني كي يسلم من لساني ،أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته يتسول في السوق..وألادهى أني وضعت قدمي أمامه فتعثر وسقط يتلفت برأسه لايدري ما يقول..وأنطلقت ضحكتي تدوي في السوق.
عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة ووجدت زوجتي في انتظاري ..كانت في حالة يرثى لها .. قالت بصوت متهدج : راشد أين كنت ؟
قلت ساخراً :في المريخ عند أصحابي بالطبع. كان الاعياء ظاهراً عليها..
قالت والعبرة تخنقها راشد أنا متعبة جداً الظاهر أن موعد ولادتي صارت وشيكاً.
سقطت دمعة صامتة على خدها أحسست أني أهملت زوجتي ..كان المفروض أن أهتم بها وأقلل من سهراتي وخاصة أنها في شهرها التاسع.
حملتها إلى المستشفى بسرعة دخلت غرفة الولادة صارت تقاسي ألالام ساعات طوال كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر ولكن الولادة تعسرت ، فأنتظرت طويلاً حتى تعبت فذهبت إلى البيت وتركت رقم هاتفي عندهم ليبشروني ، بعد ساعة أتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم ذهبت إلى المستشفى فوراً ..أول ما رأني أسأل عن غرفتها طلبوا مني مراجعة الطبيبة التي أشرفت على توليدها..
صرخت بهم : أي طبيبة ؟! المهم أن أرى أبني سالم.
قالوا أولاً راجع الطبيبة ، دخلت على الطبيبة كلمتني عن المصائب والرضى بالأقدار ثم قالت : ولدك به تشوه شديد في عينه ويبدوا أنه فاقد للبصر ، خفضت رأسي وأنا أدفع عبراتي تذكرت ذلك المتسول ألاعمى الذي دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس ، سبحان الله كما تدين تدان.
بقيت واجماً قليلاً لاأدري ماذا أقول ثم تذكرت زوجتي وولدي فشكرت الطبيبة على لطفها ومضيت لأرى زوجتي ، لم تكن زوجتي حزينة أو آيسة كانت مؤمنة بقضاء الله راضية طالما نصحتني أن أكف عن الأستهزاء بالناس كانت تردد دائما لا تغتب الناس. خرجنا من المستشفى وخرج سالم معنا . في الحقيقة لم أكن أهتم به كثيراً أعتبرته غير موجود في المنزل حين يشتد بكائه أهرب إلى الصالة لأنام فيها ..كانت زوجتي تهتم به كثيراً وتحبه كثيراً ، أما أنا فلم أكن أكرهه ، ولكنني لم أتمكن من أن أحبه .
كبر سالم .وبدأ يحبوا كانت حبوته غريبة ..قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي فأكتشفنا أنه أعرج..!!
أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر أنجبت بعده زوجتي عمر وخالداً مرت السنوات وكبر سالم وكبر أخواه ، كنت لاأحب الجلوس في البيت دائماً مع أصحابي في الحقيقة كنت كاللعبة في أيديهم.
لم تيئس زوجتي من أصلاحي كانت تدعو لي دائماً بالهداية، ولم تغضب من تصرفاتي الطائشة لكنها كانت تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم وأهتمامي بباقي أخوته .
كبر سالم وكبر معه همي..لم امانع حين طلبت زوجتي تسجيله في إحدى المدارس الخاصة بالمعاقين..لم أكن أشعر بمرور السنوات..أيامي سواء ..عمل ونوم وطعام وسهر.
ذات يوم جمعة ، أستيقضت الساعة الحادية عشر ظهراً ومايزال الوقت مبكراً بالنسبة لي ، كنت مدعواً إلى وليمة ، لبست وتعطرت وهممت بالخروج.
مررت بصالة المنزل فأستوقفني منظر سالم ، كان يبكي بحرقة. إنها المرة الاولى التي أنتبهُ فيها إلى سالم يبكي منذ كان طفلاً..عشر سنوات مضت لم ألتفت إليه..
حاولت أن أتجاهله فلم أحتمل ..كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في الغرفة ,ألتفت ثم أقتربت منه، قلت :
سالم لماذا تبكي ؟
حين سمع صوتي توقف عن البكاء فلما شعر بقربي ،بدأ يتحسس ما حوله بيديه الصغيرتين ما به ياترى ؟!
أكتشفت أنه يحاول الأبتعاد عني !! وكأنه يقول:
آلأن أحسست بي ؟ أين أنت منذ عشر سنوات !؟
تبعته كان قد دخل إلى غرفته..رفض في البداية ان يخبرني سبب بكائه، حاولت التلطف معه..بدأ سالم يبين سبب بكائه، وأنا أستمع إليه وأنتفض
، أتدري ماالسبب !! تأخر عليه أخوه عمر ، الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد..ولأنها صلاة جمعة ، خاف ألا يجد مكاناً في الصف الأول . نادى عمر ونادى والدته ولكن لا مجيب فبكى ، اخذت أنظر إلى الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين، لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه وضعت يدي على فمه وقلت:
لذلك بكيت يا سالم .
قال : نعم - نسيت أصحابي ، ونسيت الوليمة وقلت
سالم لا تحزن ، هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟ قال :
أكيد عمر ..ولكنه يتأخر دائماً .
قلت : لا ..بل أنا سأذهب بك.........دهش سالم..ولم يصدق ،ظن أني أسخر منه أستعبر ثم بكى ، مسحت دموعه بيدي وأمسكت يده، أردت أن اوصله بالسيارة،رفض قائلاً:
المسجد قريب.. أريد أن أخطو إلى المسجد-أي والله قال لي ذلك .... لا أذكر متى كانت آخر مرة دخلت فيها المسجد، لكنها المرة الأولى التي اشعر فيها بالخوف والندم على ما فرطته طوال السنوات الماضية...كان المسجد مليئاً بالمصلين ، إل أني وجدت مكاناً لسالم في الصف الاول استمعنا لخطبة الجمعة معا وصلى بجانبي..بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه..
بعد أنتهاء الصلاة طلب مني سالم مصحفاً..أستغربت !! كيف سيقرأ وهو أعمى ؟ كدت أن أتجاهل طلبه، لكني جاملته خوفاً من جرح مشاعره..ناولته المصحف..طلب مني أن أفتح المصحف على سورة الكهف.
أخذت أقلب الصفحات تارة وانظر في الفهرس حتى وجدتها، أخذ مني المصحف ثم وضعه أمامه وبدأ في قراءة السورة. وعيناه مغمضتان يالله !! أنه يحفظ سورة الكهف كاملة خجلت من نفسي ، أمسكت مصحفاً أحسست برعشة في أوصالي ..قرأت وقرأت .ودعوت الله أن يغفر لي ويهديني ، لم أستطع الاحتمال ...فبدأت
أبكي كالأطفال ، كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة خجلت منهم فحاولت ان أكتم بكائي ، تحول البكاء إلى نشيج وشهيق ، لم أشعر إلا بيد صغيرة تلتمس وجهي ثم تمسح عني دموعي...
أنه سالم !! ضممته إلى صدري..نظرت إليه قلت في نفسي
لست أنت الاعمى بل انا ألأعمى ، حين أنسقت وراء فساق يجرونني إلى النار.
عدنا إلى المنزل، كانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم ، لكن قلقها تحول إلى دموع حين علمت أني صليت الجمعة مع سالم. من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد،هجرت رفاق السوء وأصبحت لي رفقة خيرة عرفتها في المسجد، ذقت طعم الايمان معهم،عرفت منهم أشياء ألهتني عن الدنيا.
ختمت القرآن عدة مرات في شهر..رطبت لساني بالذكر لعل الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من الناس ..أحسست أني أكثر قرباً من أسرتي أختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي ، الابتسامة ما عادت تفارق وجه أبني سالم ، من يراه يظنه ملك الدنيا وما فيها .
حمدت الله كثيراً على نعمه ، ذات يوم قرر أصحابي الصالحون أن يتوجهوا إلى أحد المناطق البعيدة للدعوة ، ترددت في الذهاب أستخرت الله وأستشرت زوجتي . توقعت أنها سترفض لكن حدث العكس ، فرحت كثيراً كانت تراني في السابق أسافر دون إستشارتها فسقاً وفجوراً
توجهت إلى سالم ...أخبرته أني مسافر فضمني بذراعيه الصغيرتين مودعاً
، تغيبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف، كنت خلال تلك الفترة أتصل كلما سنحت لي الفرصة بزوجتي واحدث ابنائي. أشتقت إليهم كثير
اً آ آ آه كم أشتقت إلى سالم !! تمنيت سماع صوته..هو الوحيد الذي لم يحدثني منذ سافرت ، إما أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم.
كلما حدثت زوجتي عن شوقي إليه كانت تضحك فرحاً وبشراً ، إلا أخر مرة هاتفتها فيها ، لم أسمع ضحكتها المتوقعة، تغير صوتها ، قلت لها أبلغي سلامي لسالم ، فقالت
: إن شاء الله...وسكتت.
أخيراً عدت إلى المنزل ، طرقت الباب ، تمنيت أن يفتح لي سالم ، لكن فوجئت بأبني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره ، حملته بين ذراعي وهو يصرخ بابا...بابا .. لاأدري لماذا أنقبض صدري حين دخلت البيت، أستعذت بالله من الشيطان الرجيم أقبلت إليَّ زوجتي ..كان وجهها متغيراً. كأنها تتصنع الفرح.
تأملتها جيداً ثم سألتها : ما بك ؟ قالت :
لا شيء ، فجاءة تذكرت سالما فقلت أين سالم ؟
خفضت رأسها ، لم تجب..سقطت دمعات حارة على خديها، صرخت بها :
سالم ! أين سالم ؟ لم أسمه حينها سوى صوت أبني خالد يقول بلغته
...(ثالم لاح الجنة) عند الله
لم تتحمل زوجتي الموقف. أجهشت بالبكاء كادت أن تسقط على الارض فخرجت من الغرفة، عرفت بعدها أن سالمم أصابته حمى قبل موعد مجيئي بأسبوعين فأخذته زوجتي إلى المستشفى فأشتدت عليه الحمى ولم تفارقه حتى فارقت روحه جسده ......
إذا ضاقت عليك الارض بما رحبت وضاقت عليك نفسك بما حملت فأهتف..... يالله ،
كأن سالم كان رسالة سماوية ربانية موجهة إلى رجل كان سادراً في غيه ، لاهياً عن أسرته وبيته وقبل كل ذلك ربه ، وما ان وصلت الرسالة إلى المرسل إليه رحل الرسول إلى من أرسله.
رب الاسرة ربان السفينة
حكاية فصولها وشخوصها من مسرح الحياة / من مجلة الحوار
العدد45 مايس 2006 حررتها للمجلة هيفاء محمد علي
ليس من وصف أدق من وصف الـ(ربان)يمكن أن يوصف به رب الاسرة ، فالأسرة سفينة تمخر لجج بحر الحياة، ولابد لهذه السفينة من ربان يسير بها نحو شاطئ الامان والسلام،وإلا فأن صخور الضفاف الوعرة لهذه السفينة بالمرصاد. وإذا ما غاب ربان هذه السفينة عن رشده ووعيه،فأن المرأة الصالحة هي الامل الوحيد المعقود على نجاة السفينة بربانها..
هذا المعنى نحاول أن نجسده من خلال هذه الحكاية الواقعية التي تدور فصولها على لسان صاحبها ، عسى أن يتحقق منها الأعتبار..
لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت زوجتي أول اولادي ..ما زلت أذكر تلك الليلة..بقيت إلى آخر الليل مع الشلة في أحدى الاستراحات..كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ..بل بالغيبة والتعليقات المحرمة..كنت أنا الذي أتولى في الغالب إضحاكهم..وغيبة الناس..وهم يضحكون.
أذكر ليلتها أني أضحكتهم كثيراً كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد.بأمكاني تغير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه أجل كنت أسخر من هذا وذاك.
لم يسلم أحد مني حتى أصحابي ..صار بعض الناس يتجنبني كي يسلم من لساني ،أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته يتسول في السوق..وألادهى أني وضعت قدمي أمامه فتعثر وسقط يتلفت برأسه لايدري ما يقول..وأنطلقت ضحكتي تدوي في السوق.
عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة ووجدت زوجتي في انتظاري ..كانت في حالة يرثى لها .. قالت بصوت متهدج : راشد أين كنت ؟
قلت ساخراً :في المريخ عند أصحابي بالطبع. كان الاعياء ظاهراً عليها..
قالت والعبرة تخنقها راشد أنا متعبة جداً الظاهر أن موعد ولادتي صارت وشيكاً.
سقطت دمعة صامتة على خدها أحسست أني أهملت زوجتي ..كان المفروض أن أهتم بها وأقلل من سهراتي وخاصة أنها في شهرها التاسع.
حملتها إلى المستشفى بسرعة دخلت غرفة الولادة صارت تقاسي ألالام ساعات طوال كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر ولكن الولادة تعسرت ، فأنتظرت طويلاً حتى تعبت فذهبت إلى البيت وتركت رقم هاتفي عندهم ليبشروني ، بعد ساعة أتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم ذهبت إلى المستشفى فوراً ..أول ما رأني أسأل عن غرفتها طلبوا مني مراجعة الطبيبة التي أشرفت على توليدها..
صرخت بهم : أي طبيبة ؟! المهم أن أرى أبني سالم.
قالوا أولاً راجع الطبيبة ، دخلت على الطبيبة كلمتني عن المصائب والرضى بالأقدار ثم قالت : ولدك به تشوه شديد في عينه ويبدوا أنه فاقد للبصر ، خفضت رأسي وأنا أدفع عبراتي تذكرت ذلك المتسول ألاعمى الذي دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس ، سبحان الله كما تدين تدان.
بقيت واجماً قليلاً لاأدري ماذا أقول ثم تذكرت زوجتي وولدي فشكرت الطبيبة على لطفها ومضيت لأرى زوجتي ، لم تكن زوجتي حزينة أو آيسة كانت مؤمنة بقضاء الله راضية طالما نصحتني أن أكف عن الأستهزاء بالناس كانت تردد دائما لا تغتب الناس. خرجنا من المستشفى وخرج سالم معنا . في الحقيقة لم أكن أهتم به كثيراً أعتبرته غير موجود في المنزل حين يشتد بكائه أهرب إلى الصالة لأنام فيها ..كانت زوجتي تهتم به كثيراً وتحبه كثيراً ، أما أنا فلم أكن أكرهه ، ولكنني لم أتمكن من أن أحبه .
كبر سالم .وبدأ يحبوا كانت حبوته غريبة ..قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي فأكتشفنا أنه أعرج..!!
أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر أنجبت بعده زوجتي عمر وخالداً مرت السنوات وكبر سالم وكبر أخواه ، كنت لاأحب الجلوس في البيت دائماً مع أصحابي في الحقيقة كنت كاللعبة في أيديهم.
لم تيئس زوجتي من أصلاحي كانت تدعو لي دائماً بالهداية، ولم تغضب من تصرفاتي الطائشة لكنها كانت تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم وأهتمامي بباقي أخوته .
كبر سالم وكبر معه همي..لم امانع حين طلبت زوجتي تسجيله في إحدى المدارس الخاصة بالمعاقين..لم أكن أشعر بمرور السنوات..أيامي سواء ..عمل ونوم وطعام وسهر.
ذات يوم جمعة ، أستيقضت الساعة الحادية عشر ظهراً ومايزال الوقت مبكراً بالنسبة لي ، كنت مدعواً إلى وليمة ، لبست وتعطرت وهممت بالخروج.
مررت بصالة المنزل فأستوقفني منظر سالم ، كان يبكي بحرقة. إنها المرة الاولى التي أنتبهُ فيها إلى سالم يبكي منذ كان طفلاً..عشر سنوات مضت لم ألتفت إليه..
حاولت أن أتجاهله فلم أحتمل ..كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في الغرفة ,ألتفت ثم أقتربت منه، قلت :
سالم لماذا تبكي ؟
حين سمع صوتي توقف عن البكاء فلما شعر بقربي ،بدأ يتحسس ما حوله بيديه الصغيرتين ما به ياترى ؟!
أكتشفت أنه يحاول الأبتعاد عني !! وكأنه يقول:
آلأن أحسست بي ؟ أين أنت منذ عشر سنوات !؟
تبعته كان قد دخل إلى غرفته..رفض في البداية ان يخبرني سبب بكائه، حاولت التلطف معه..بدأ سالم يبين سبب بكائه، وأنا أستمع إليه وأنتفض
، أتدري ماالسبب !! تأخر عليه أخوه عمر ، الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد..ولأنها صلاة جمعة ، خاف ألا يجد مكاناً في الصف الأول . نادى عمر ونادى والدته ولكن لا مجيب فبكى ، اخذت أنظر إلى الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين، لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه وضعت يدي على فمه وقلت:
لذلك بكيت يا سالم .
قال : نعم - نسيت أصحابي ، ونسيت الوليمة وقلت
سالم لا تحزن ، هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟ قال :
أكيد عمر ..ولكنه يتأخر دائماً .
قلت : لا ..بل أنا سأذهب بك.........دهش سالم..ولم يصدق ،ظن أني أسخر منه أستعبر ثم بكى ، مسحت دموعه بيدي وأمسكت يده، أردت أن اوصله بالسيارة،رفض قائلاً:
المسجد قريب.. أريد أن أخطو إلى المسجد-أي والله قال لي ذلك .... لا أذكر متى كانت آخر مرة دخلت فيها المسجد، لكنها المرة الأولى التي اشعر فيها بالخوف والندم على ما فرطته طوال السنوات الماضية...كان المسجد مليئاً بالمصلين ، إل أني وجدت مكاناً لسالم في الصف الاول استمعنا لخطبة الجمعة معا وصلى بجانبي..بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه..
بعد أنتهاء الصلاة طلب مني سالم مصحفاً..أستغربت !! كيف سيقرأ وهو أعمى ؟ كدت أن أتجاهل طلبه، لكني جاملته خوفاً من جرح مشاعره..ناولته المصحف..طلب مني أن أفتح المصحف على سورة الكهف.
أخذت أقلب الصفحات تارة وانظر في الفهرس حتى وجدتها، أخذ مني المصحف ثم وضعه أمامه وبدأ في قراءة السورة. وعيناه مغمضتان يالله !! أنه يحفظ سورة الكهف كاملة خجلت من نفسي ، أمسكت مصحفاً أحسست برعشة في أوصالي ..قرأت وقرأت .ودعوت الله أن يغفر لي ويهديني ، لم أستطع الاحتمال ...فبدأت
أبكي كالأطفال ، كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة خجلت منهم فحاولت ان أكتم بكائي ، تحول البكاء إلى نشيج وشهيق ، لم أشعر إلا بيد صغيرة تلتمس وجهي ثم تمسح عني دموعي...
أنه سالم !! ضممته إلى صدري..نظرت إليه قلت في نفسي
لست أنت الاعمى بل انا ألأعمى ، حين أنسقت وراء فساق يجرونني إلى النار.
عدنا إلى المنزل، كانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم ، لكن قلقها تحول إلى دموع حين علمت أني صليت الجمعة مع سالم. من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد،هجرت رفاق السوء وأصبحت لي رفقة خيرة عرفتها في المسجد، ذقت طعم الايمان معهم،عرفت منهم أشياء ألهتني عن الدنيا.
ختمت القرآن عدة مرات في شهر..رطبت لساني بالذكر لعل الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من الناس ..أحسست أني أكثر قرباً من أسرتي أختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي ، الابتسامة ما عادت تفارق وجه أبني سالم ، من يراه يظنه ملك الدنيا وما فيها .
حمدت الله كثيراً على نعمه ، ذات يوم قرر أصحابي الصالحون أن يتوجهوا إلى أحد المناطق البعيدة للدعوة ، ترددت في الذهاب أستخرت الله وأستشرت زوجتي . توقعت أنها سترفض لكن حدث العكس ، فرحت كثيراً كانت تراني في السابق أسافر دون إستشارتها فسقاً وفجوراً
توجهت إلى سالم ...أخبرته أني مسافر فضمني بذراعيه الصغيرتين مودعاً
، تغيبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف، كنت خلال تلك الفترة أتصل كلما سنحت لي الفرصة بزوجتي واحدث ابنائي. أشتقت إليهم كثير
اً آ آ آه كم أشتقت إلى سالم !! تمنيت سماع صوته..هو الوحيد الذي لم يحدثني منذ سافرت ، إما أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم.
كلما حدثت زوجتي عن شوقي إليه كانت تضحك فرحاً وبشراً ، إلا أخر مرة هاتفتها فيها ، لم أسمع ضحكتها المتوقعة، تغير صوتها ، قلت لها أبلغي سلامي لسالم ، فقالت
: إن شاء الله...وسكتت.
أخيراً عدت إلى المنزل ، طرقت الباب ، تمنيت أن يفتح لي سالم ، لكن فوجئت بأبني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره ، حملته بين ذراعي وهو يصرخ بابا...بابا .. لاأدري لماذا أنقبض صدري حين دخلت البيت، أستعذت بالله من الشيطان الرجيم أقبلت إليَّ زوجتي ..كان وجهها متغيراً. كأنها تتصنع الفرح.
تأملتها جيداً ثم سألتها : ما بك ؟ قالت :
لا شيء ، فجاءة تذكرت سالما فقلت أين سالم ؟
خفضت رأسها ، لم تجب..سقطت دمعات حارة على خديها، صرخت بها :
سالم ! أين سالم ؟ لم أسمه حينها سوى صوت أبني خالد يقول بلغته
...(ثالم لاح الجنة) عند الله
لم تتحمل زوجتي الموقف. أجهشت بالبكاء كادت أن تسقط على الارض فخرجت من الغرفة، عرفت بعدها أن سالمم أصابته حمى قبل موعد مجيئي بأسبوعين فأخذته زوجتي إلى المستشفى فأشتدت عليه الحمى ولم تفارقه حتى فارقت روحه جسده ......
إذا ضاقت عليك الارض بما رحبت وضاقت عليك نفسك بما حملت فأهتف..... يالله ،
كأن سالم كان رسالة سماوية ربانية موجهة إلى رجل كان سادراً في غيه ، لاهياً عن أسرته وبيته وقبل كل ذلك ربه ، وما ان وصلت الرسالة إلى المرسل إليه رحل الرسول إلى من أرسله.