هبه علي مصر
06-19-2006, 09:17 AM
[
عندي مشكلة قديمة مع "عمرو خالد" حسمتها بأنني لا يمكن أن أحكم عليه إلا إذا قابلته شخصياً واستمعت إليه عن قرب بعيداً عن الكاميرات التي صار خبيراً في التعامل معها وبعيداً عن جو الروحانيات والإيمانيات وقال الله وقال الرسول إذ يتهمه البعض أحيانا بأن "هو ده أخره".. قال الله وقال الرسول وكلمتين عن الحجاب وكام كلمة عن التوبة والأخلاق وخلاص.
لكن يبدو أن "عمرو خالد" لديه دائماً الجديد الذي يطرحه مستغلاً "كاريزما" راح ينميها ويستفيد منها في حشد الناس حوله.. ولذلك تراه بعيداً عن الدخول في أي معارك ولا يكون فعلاً بقدر ما يكون رد فعل هادئ ومتزن بعيداً عن التصريحات الساخنة ومعاداة زملائه من الدعاة الجدد الذين راح بعضهم يحاربونه بالفعل وبأوراق مكشوفة. لذلك ترى جملة "عمرو" الأثيرة هي "أنا بجمع وما أفرقش".
المهم أنني راقبت "عمرو" جيداً في يوم إجراء هذا الحديث ورأيت كيف يتعامل مع الناس في العمل وما إذا كان تلقائيًا أم أنه يرتدي "ماسك" فقط عندما يظهر على الشاشة مبتسماً هادئاً.. ثم امتد الحوار لأرافقه في سيارته وأرى كيف يتعامل مع الناس في الشارع ويقف لهم بسيارته خصيصاً كي يصافحهم ويداعبهم أحياناً وكيف أنه أصبح "نجما" تتهافت عليه الناس خاصة – وهذا هو الجديد – الأطفال دون الثانية عشرة والذين يصافحونه بود ويلاعبونه.
كنت قد تعمدت ألا أصطحب معى أي كاميرا حتى لا يفسر البعض مثل هذه التصرفات على أنها لزوم الظهور الإعلامي و"صور يا مصور" وكل هذه "الحركات" ولفت نظري أنه يعلم كيف يتحدث عما يريد ويحاول عدم الخوض في أراء خاصة بأشخاص حتى ان هاجموه سألت "عمرو" عن الجديد خاصة أن بعض منتقديه يرونه "اتحرق" خلاص أو كان موضة وانتهت فابتسم وقال: تعودت على مثل هذا الهجوم من قبل مغادرتي لمصر وأتعامل معه حاليا على أنه من مفردات حياتي وفي برنامجي اليومي ودعنى أقول لك إن الناس لم تتفق على شىء.. ولا حتى أتفقوا على ربنا.. عايزاهم يتفقوا عليا..
كلمنا إذن عن مبادرتك الجديدة
هي مبادرة نابعة من الجانب الاجتماعي لأسرنا المصرية والعربية والمجتمعات، وكما عملت من قبل في الجانب التنموي، في صناع الحياة والجانب الروحاني في الدروس وعلى خطى الحبيب فالضلع الثالث للمثلث هو الجانب الاجتماعي
اسمح لي أقاطعك.. مالك أنت ومال الجانب الاجتماعي.. أنت داعية ولست أستاذ علم اجتماع؟
وهو المجتمع المحيط بالداعية ده ألا يؤثر فيه أو يتأثر به الداعية.. الداعية ركن أساسي من أركان قيام مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولذلك عندما لاحظت انهياراً في قيم مجتمعاتنا وأسرنا للأسف الشديد كان من الواجب على أن أتحرك.
لم تجبني.. أنت لست أستاذ علم اجتماع حتى تتكلم عن انهيار القيم وما إلى ذلك يعني سينظر الكثيرون لمبادرتك عن القيم على أنها "كلام في الواسع" من الذي تسمع عنه دائماً وجاء من شخص غير متخصص؟
قد تكون محقاً في بعض كلامك لكن لا أعتقد أن الكلام عن القيم كلام في الوسع فهناك حالة من الانهيار الشديد في القيم الأخلاقية للمجتمع كله أضف إلى ذلك غياب القدوة على المستويات مما يزيد من المصيبة.
المصيبة اللي هي إيه
المصيبة إن إحنا ما عندناش منظومة قيم.. قل لي ما الذي تحاول وزارتا الإعلام أو الثقافة غرسه في المجتمع الآن.. دور في البرامج عن القيم أو في الدراما أو حتى في الصحافة والأعمال الأدبية.
تقصد أنه لم يعد هناك قيم تدعو إليها وسائل الإعلام؟
القيمة الوحيدة الموجودة الآن هي "اللي معاه قرش يساوي قرش".. طب بالذمة هل هذه هي القيمة التي سنغرسها في أبنائنا.
تفتكر إن ده دور مين بالضبط. دورك أنت؟
مش لوحدي.. في الأول هناك الأسرة.. أنت لو لاحظت الحيوانات ستجد أنها تأخذ وقتاً قصيراً لكي تعتمد على نفسها بينما يحتاج الإنسان إلى سنوات وسنوات.. وكأن الله سبحانه وتعالى أخر سن البلوغ لكي تقوم الأسرة بدورها وتؤسس القيم.
هل ستفعل ذلك بالدين والتدين؟
دعنى أكون صريحاً معك.. الدين موجود وسيظل موجوداً بإذن الله لكن المشكلة فيمن يقدمون قيم هذا الدين وكيف يقدمونها وكيف يفهمها الناس ويتعاملون معها، هناك من يقول إن المتدينين عددهم يزيد ومع ذلك فالأخلاق في انحسار، لذلك أنا أرى أن غياب القدوة أدى إلى تأخير الفهم، وإلى الفهم الخاطىء للدين والتعامل معه على أنه مجرد عبادات وليس أخلاقًا.
لكن مش معقول يكون ما عندناش قيم خالص لو ده قصدك؟
أنا قلت ليست لدينا منظومة قيم نغرسها في الناس وتكبر مع ولادهم يعنى مثلا في الخمسينيات والستينيات بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذه الفترة من تاريخ مصر كانت هناك قي م مثل إلغاء الطبقيه مثلا وبالتالي بغض النظر عن الكلام ده صح أو غلط كانت هناك قيمة موجودة في الأفلام والمسلسلات ..ولو تفتكر "رد قلبي" يعني كان هناك حشد للإعلام لتوجيه القيمة ديه ..لكن الآن مفيش حد عارف حاجة المسلسلات كلها بتقول أي كلام والآباء يساعدون أبنائهم على مبدأ الفهلوه وأنت لا تساوي شيئاً إلا بشهادتك ..صدقني نحن نعاني عشوائية رهيبة في قيمنا وأخلاقنا أخطر من كل العشوائيات الموجودة في البلد.
هل تدعي أن عندك منظومة قيم تستطيع أن تقدمها للمجتمع الفترة القادمة ..هل هذا هو مشروعك؟
برضه مش لوحدي بص ..أنا حاقولك على حاجه بحاول انتهجها في الفترة القادمة وهي محاولة تنمية المجتمع المدني من خلال منظومة القيم دي.
البعض سيرى أن اتجاهك لهذه الخطوة هي محاولة للاندماج والعودة بقوة للمجتمع المصري من أبواب خلفية بعيداً عن الدعوة والدروس؟
مين قال ده ..صناع الحياة قدمته وانهيته وأنا خارج مصر، و"على خطى الحبيب" كان أول ما رجعت مصر وحالياً أحضر لبرنامج رمضان القادم عن " أسماء الله الحسني " وفي كل الحالات أنا أحاول أن أخدم بلدي علي كل المستويات .
لكن عندما تأتي وتحدثني عن قيم وأخلاق ومثاليات أعتقد أن البعض سينظر لك علي أنك " بتدن في مالطة"؟
- إنا مش لوحدي
معايا الناس
- برضه مش لوحدهم ... هو أصلاً الموضوع محتاج لإخلاص ولمنهج علمي اتبعناه من سنتين
طيب واشتغلت إزاي بمنهج علمي؟
- أقولك .. إحنا جينا ونظرنا إلي ما حولنا من انهيار قيم ووصلنا لنتيجة مهمة كلنا عارفينها وهو أن إحنا نحتاج لمنظومة قيم .
أنتو مين؟
- إحنا دي شاملة أساتذة جامعة وعلماء دين وكتاب دراما بقالنا سنتين بنشتغل شغل علمي عشان نضع منظومة للقيم اللي يجب غرسها في المجتمع
أنت تكلمني الآن عن جهد علمي منظم؟
- بالضبط كان موجود 25 أستاذاً جامعياً من مصر فقط بخلاف أساتذة الوطن العربي وجلسنا نتباحث ونتناقش في القيم التي تصلح الاسره
وازاي تم حل هذه المشكلة؟
-عن طريق حاجتين .. الأولي أن جهدنا هو جهد جماعي من عقول مختلفة.. يعني تلاقي أستاذ علم الاجتماع بتاع جامعة الأزهر مع أستاذ علم الاجتماع بتاع الجامعة الأمريكية وهذا هو التخصص اللي كنت بتسألني عنه وفي نفس الوقت عملنا بحث ميداني واستقبلنا الآلاف من المشاكل علي موقعي علي الأنترنت تحدثنا بكده عن المشكلات والأهم أننا ذهبنا إلي مكتبات البحث العلمي وشفنا اللي اتعمل في العشر سنوات الأخيرة من أبحاث عن الأسرة وجلس العلماء علي مائدة مستديرة يناقشون كل ذلك وخرجوا بتوصيات.
أنت تتحدث عن مشروع كبيرالمفترض أن تقوم به حكومات؟
- هذا المشروع للأسرة المصرية .. يعني مسلمين ومسيحيين بخطاب عصري يتفق مع ما وصلنا إليه من تقدم وفي الوقت نفسه يحافظ علي قيمنا وديننا وموروثاتنا.
طب والتمويل؟
- التمويل كان من مؤسسة "رايت ستارت" التي أرأس مجلس أمنائها في بريطانيا.
وليه رايت ستارت؟
- يعني خلينا نكون صرحاء مثل هذا الجهد لا يقابل في بدايته بأي أرتياح في مصر وإنما بشكوك وتعطيل وروتين وكانت هناك العديد من العراقيل التي ستواجهنا نتيجة مشاكل كثيرة نعلمها جميعا.
لكن اعتقد أن المشاكل ستبدأ خصوصاً مع شك البعض في نواياك أحيانا؟
- والله أنا أقدم هذا الجهد مجاناً للمجتمع والوطن العربي لكي ينتشر الموضوع والباب مفتوح للجميع عشان خاطر بلدنا.
لكنك ستواجه صعوبات وأنت تعرف ذلك؟
- مش بالدرجة التي يتخيلها البعض .. موضوع القيم كان من الممكن إنه يكون صعب لو فيه منظومة قيم موجودة وإحنا جايين نواجهها بقيم تانية .. إنما مفيش حاجة أصلا "يضحك" .. وبعدين إحنا بنتكلم عن احترام العمل وقيمة الوقت.. وحتي تقدير الأطفال وإعطائهم حريتهم وإشعارهم بأنهم محترمون.. خلينا واقعيين بلدنا مليان مشاكل وبالطبع لن يحل مشروعنا هذه المشاكل في غمضة عين.. الموضوع فقط محتاج لوقت
شايف نفسك متسامح؟
- والله أنا انداس عليا كتير لكن عمري ما شلت من حد أبداً .. أستطيع أن أقول لك أسماء الذين آذوني وكيف رأيت أذيتهم لي بنفسي ومع ذلك أنا فخور أن عمري ما دعيت عليهم وأقابلهم دون حقد أو ضغائن، لأني مؤمن أن التدين بدون تربية ليس له قيمة
إذا كنت ستقدم برنامجاً عن الأسرة كلمنا عن تربيتك لابنك علي
أتعامل مع ابني علي بنظرية الأب الصديق.. آخذ رأيه رغم سنه الصغير " 4 سنوات" وأشاوره في بعض الأشياء وأحاول أن أصنع منه إنساناً حراً لأن من أكبر مشاكل التربية في مصر للأسف الشديد هي تربية الأبناء علي القهر.. فيطلع الابن ناقماً علي عيلته وعلي المجتمع وعلي ولاده من بعده ويغرس فيهم نفس القيم اللي اتغرست فيه.
بتربيه علي الإبداع .. شايف إن الإبداع مهم في حياة الأطفال وللا مجرد التدين كفاية؟
تاني أرجع أقول إن التدين ممكن يكون سطحي ويجب أن تسير معه بالتربية السليمة.. أنا يحضرني قصة عن النبي عليه – الصلاة والسلام – حيث كان يجلس وسط مجموعة من الصحابة في حر شديد .. وجاء رجل من الأعراب بماء؛ وكان أول شخص علي يمين النبي طفل عنده 8 سنوات .. طبعاً في الحالات دي عندنا دلوقتي تلاقي الواحد راح شارب وموزع علي اللي حواليه والواد في الآخر "يضحك" لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال له " أتأذن لي أن أبدأ بالكبار " يعني بيستأذنه مع أنه طفل صغير.. فرد عليه الغلام قائلاً " لا أوثر بنصيبي منك أحد " فقال النبي لكبار الصحابه " هذا حقه..فأذنوا لي سأبدأ به " هي دي التربية.. حواديت قبل النوم تربية.
أنت إذن تنظر للعشرين سنة القادمة؟
- بالظبط وبالقيم اللي احنا بنتكلم فيها.. لما سألنا الشباب في استفتاء شارك فيه 700 ألف شاب عن حلمه لبلده بعد عشرين سنة كانت أعلي نسبة ردود حل مشكلة البطالة ووحدة بلدنا .. ولغاية دلوقتي صعبان عليا بعض الردود زي شاب قال "عايز اشتغل عشان احترم نفسي" وشاب آخر بعت رسالة وقعها ب " مواطن ميت" .. الناس دي لازم بتغرس فيهم قيم مختلفة مش قيم إنك ما تساويش حاجة من غير شهادة أمال فين العمل الحرفي والمهن المحترمة .. فين التعليم المهني.. كل ده موجود لكن القيم التي تربينا عليها تقول إن التعليم المهني بتاع الفاشلين وإن أصحاب التعليم العالي هم الأفضل
لهذا تحولت الثانوية العامة مثلا إلي بعبع في البيوت المصرية
ليه من وجهة نظرك؟
- لأنه للأسف الشديد المدرسين وأولياء الأمور بل المدارس نفسها أصبحوا يشجعون الغش .. والنتيجة هي العمارات اللي بتقع والحرامية اللي بتنهب وبتهرب بفلوس البلد واللي غرقوا العبارة. الغش قضية كبيرة تقدر تحدد منها شكل مجتمعنا وشكل بلدنا ازاي بعد عشرين سنة .
أنت ترى السبب الأساسي الأسرة؟
- كلنا أسباب بشكل أو بآخر فين القيم الصحيحة.. فين الدعاة اللي يتكلموا عن ده إنت أصبحت ترى الآباء والأمهات والأبناء يعتبرون المدرس الذي لا يساعد أولادهم علي الغش علي أنه معقد نفسيا وتجدهم يدعون عليه ليل نهار.
عندي مشكلة قديمة مع "عمرو خالد" حسمتها بأنني لا يمكن أن أحكم عليه إلا إذا قابلته شخصياً واستمعت إليه عن قرب بعيداً عن الكاميرات التي صار خبيراً في التعامل معها وبعيداً عن جو الروحانيات والإيمانيات وقال الله وقال الرسول إذ يتهمه البعض أحيانا بأن "هو ده أخره".. قال الله وقال الرسول وكلمتين عن الحجاب وكام كلمة عن التوبة والأخلاق وخلاص.
لكن يبدو أن "عمرو خالد" لديه دائماً الجديد الذي يطرحه مستغلاً "كاريزما" راح ينميها ويستفيد منها في حشد الناس حوله.. ولذلك تراه بعيداً عن الدخول في أي معارك ولا يكون فعلاً بقدر ما يكون رد فعل هادئ ومتزن بعيداً عن التصريحات الساخنة ومعاداة زملائه من الدعاة الجدد الذين راح بعضهم يحاربونه بالفعل وبأوراق مكشوفة. لذلك ترى جملة "عمرو" الأثيرة هي "أنا بجمع وما أفرقش".
المهم أنني راقبت "عمرو" جيداً في يوم إجراء هذا الحديث ورأيت كيف يتعامل مع الناس في العمل وما إذا كان تلقائيًا أم أنه يرتدي "ماسك" فقط عندما يظهر على الشاشة مبتسماً هادئاً.. ثم امتد الحوار لأرافقه في سيارته وأرى كيف يتعامل مع الناس في الشارع ويقف لهم بسيارته خصيصاً كي يصافحهم ويداعبهم أحياناً وكيف أنه أصبح "نجما" تتهافت عليه الناس خاصة – وهذا هو الجديد – الأطفال دون الثانية عشرة والذين يصافحونه بود ويلاعبونه.
كنت قد تعمدت ألا أصطحب معى أي كاميرا حتى لا يفسر البعض مثل هذه التصرفات على أنها لزوم الظهور الإعلامي و"صور يا مصور" وكل هذه "الحركات" ولفت نظري أنه يعلم كيف يتحدث عما يريد ويحاول عدم الخوض في أراء خاصة بأشخاص حتى ان هاجموه سألت "عمرو" عن الجديد خاصة أن بعض منتقديه يرونه "اتحرق" خلاص أو كان موضة وانتهت فابتسم وقال: تعودت على مثل هذا الهجوم من قبل مغادرتي لمصر وأتعامل معه حاليا على أنه من مفردات حياتي وفي برنامجي اليومي ودعنى أقول لك إن الناس لم تتفق على شىء.. ولا حتى أتفقوا على ربنا.. عايزاهم يتفقوا عليا..
كلمنا إذن عن مبادرتك الجديدة
هي مبادرة نابعة من الجانب الاجتماعي لأسرنا المصرية والعربية والمجتمعات، وكما عملت من قبل في الجانب التنموي، في صناع الحياة والجانب الروحاني في الدروس وعلى خطى الحبيب فالضلع الثالث للمثلث هو الجانب الاجتماعي
اسمح لي أقاطعك.. مالك أنت ومال الجانب الاجتماعي.. أنت داعية ولست أستاذ علم اجتماع؟
وهو المجتمع المحيط بالداعية ده ألا يؤثر فيه أو يتأثر به الداعية.. الداعية ركن أساسي من أركان قيام مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولذلك عندما لاحظت انهياراً في قيم مجتمعاتنا وأسرنا للأسف الشديد كان من الواجب على أن أتحرك.
لم تجبني.. أنت لست أستاذ علم اجتماع حتى تتكلم عن انهيار القيم وما إلى ذلك يعني سينظر الكثيرون لمبادرتك عن القيم على أنها "كلام في الواسع" من الذي تسمع عنه دائماً وجاء من شخص غير متخصص؟
قد تكون محقاً في بعض كلامك لكن لا أعتقد أن الكلام عن القيم كلام في الوسع فهناك حالة من الانهيار الشديد في القيم الأخلاقية للمجتمع كله أضف إلى ذلك غياب القدوة على المستويات مما يزيد من المصيبة.
المصيبة اللي هي إيه
المصيبة إن إحنا ما عندناش منظومة قيم.. قل لي ما الذي تحاول وزارتا الإعلام أو الثقافة غرسه في المجتمع الآن.. دور في البرامج عن القيم أو في الدراما أو حتى في الصحافة والأعمال الأدبية.
تقصد أنه لم يعد هناك قيم تدعو إليها وسائل الإعلام؟
القيمة الوحيدة الموجودة الآن هي "اللي معاه قرش يساوي قرش".. طب بالذمة هل هذه هي القيمة التي سنغرسها في أبنائنا.
تفتكر إن ده دور مين بالضبط. دورك أنت؟
مش لوحدي.. في الأول هناك الأسرة.. أنت لو لاحظت الحيوانات ستجد أنها تأخذ وقتاً قصيراً لكي تعتمد على نفسها بينما يحتاج الإنسان إلى سنوات وسنوات.. وكأن الله سبحانه وتعالى أخر سن البلوغ لكي تقوم الأسرة بدورها وتؤسس القيم.
هل ستفعل ذلك بالدين والتدين؟
دعنى أكون صريحاً معك.. الدين موجود وسيظل موجوداً بإذن الله لكن المشكلة فيمن يقدمون قيم هذا الدين وكيف يقدمونها وكيف يفهمها الناس ويتعاملون معها، هناك من يقول إن المتدينين عددهم يزيد ومع ذلك فالأخلاق في انحسار، لذلك أنا أرى أن غياب القدوة أدى إلى تأخير الفهم، وإلى الفهم الخاطىء للدين والتعامل معه على أنه مجرد عبادات وليس أخلاقًا.
لكن مش معقول يكون ما عندناش قيم خالص لو ده قصدك؟
أنا قلت ليست لدينا منظومة قيم نغرسها في الناس وتكبر مع ولادهم يعنى مثلا في الخمسينيات والستينيات بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع هذه الفترة من تاريخ مصر كانت هناك قي م مثل إلغاء الطبقيه مثلا وبالتالي بغض النظر عن الكلام ده صح أو غلط كانت هناك قيمة موجودة في الأفلام والمسلسلات ..ولو تفتكر "رد قلبي" يعني كان هناك حشد للإعلام لتوجيه القيمة ديه ..لكن الآن مفيش حد عارف حاجة المسلسلات كلها بتقول أي كلام والآباء يساعدون أبنائهم على مبدأ الفهلوه وأنت لا تساوي شيئاً إلا بشهادتك ..صدقني نحن نعاني عشوائية رهيبة في قيمنا وأخلاقنا أخطر من كل العشوائيات الموجودة في البلد.
هل تدعي أن عندك منظومة قيم تستطيع أن تقدمها للمجتمع الفترة القادمة ..هل هذا هو مشروعك؟
برضه مش لوحدي بص ..أنا حاقولك على حاجه بحاول انتهجها في الفترة القادمة وهي محاولة تنمية المجتمع المدني من خلال منظومة القيم دي.
البعض سيرى أن اتجاهك لهذه الخطوة هي محاولة للاندماج والعودة بقوة للمجتمع المصري من أبواب خلفية بعيداً عن الدعوة والدروس؟
مين قال ده ..صناع الحياة قدمته وانهيته وأنا خارج مصر، و"على خطى الحبيب" كان أول ما رجعت مصر وحالياً أحضر لبرنامج رمضان القادم عن " أسماء الله الحسني " وفي كل الحالات أنا أحاول أن أخدم بلدي علي كل المستويات .
لكن عندما تأتي وتحدثني عن قيم وأخلاق ومثاليات أعتقد أن البعض سينظر لك علي أنك " بتدن في مالطة"؟
- إنا مش لوحدي
معايا الناس
- برضه مش لوحدهم ... هو أصلاً الموضوع محتاج لإخلاص ولمنهج علمي اتبعناه من سنتين
طيب واشتغلت إزاي بمنهج علمي؟
- أقولك .. إحنا جينا ونظرنا إلي ما حولنا من انهيار قيم ووصلنا لنتيجة مهمة كلنا عارفينها وهو أن إحنا نحتاج لمنظومة قيم .
أنتو مين؟
- إحنا دي شاملة أساتذة جامعة وعلماء دين وكتاب دراما بقالنا سنتين بنشتغل شغل علمي عشان نضع منظومة للقيم اللي يجب غرسها في المجتمع
أنت تكلمني الآن عن جهد علمي منظم؟
- بالضبط كان موجود 25 أستاذاً جامعياً من مصر فقط بخلاف أساتذة الوطن العربي وجلسنا نتباحث ونتناقش في القيم التي تصلح الاسره
وازاي تم حل هذه المشكلة؟
-عن طريق حاجتين .. الأولي أن جهدنا هو جهد جماعي من عقول مختلفة.. يعني تلاقي أستاذ علم الاجتماع بتاع جامعة الأزهر مع أستاذ علم الاجتماع بتاع الجامعة الأمريكية وهذا هو التخصص اللي كنت بتسألني عنه وفي نفس الوقت عملنا بحث ميداني واستقبلنا الآلاف من المشاكل علي موقعي علي الأنترنت تحدثنا بكده عن المشكلات والأهم أننا ذهبنا إلي مكتبات البحث العلمي وشفنا اللي اتعمل في العشر سنوات الأخيرة من أبحاث عن الأسرة وجلس العلماء علي مائدة مستديرة يناقشون كل ذلك وخرجوا بتوصيات.
أنت تتحدث عن مشروع كبيرالمفترض أن تقوم به حكومات؟
- هذا المشروع للأسرة المصرية .. يعني مسلمين ومسيحيين بخطاب عصري يتفق مع ما وصلنا إليه من تقدم وفي الوقت نفسه يحافظ علي قيمنا وديننا وموروثاتنا.
طب والتمويل؟
- التمويل كان من مؤسسة "رايت ستارت" التي أرأس مجلس أمنائها في بريطانيا.
وليه رايت ستارت؟
- يعني خلينا نكون صرحاء مثل هذا الجهد لا يقابل في بدايته بأي أرتياح في مصر وإنما بشكوك وتعطيل وروتين وكانت هناك العديد من العراقيل التي ستواجهنا نتيجة مشاكل كثيرة نعلمها جميعا.
لكن اعتقد أن المشاكل ستبدأ خصوصاً مع شك البعض في نواياك أحيانا؟
- والله أنا أقدم هذا الجهد مجاناً للمجتمع والوطن العربي لكي ينتشر الموضوع والباب مفتوح للجميع عشان خاطر بلدنا.
لكنك ستواجه صعوبات وأنت تعرف ذلك؟
- مش بالدرجة التي يتخيلها البعض .. موضوع القيم كان من الممكن إنه يكون صعب لو فيه منظومة قيم موجودة وإحنا جايين نواجهها بقيم تانية .. إنما مفيش حاجة أصلا "يضحك" .. وبعدين إحنا بنتكلم عن احترام العمل وقيمة الوقت.. وحتي تقدير الأطفال وإعطائهم حريتهم وإشعارهم بأنهم محترمون.. خلينا واقعيين بلدنا مليان مشاكل وبالطبع لن يحل مشروعنا هذه المشاكل في غمضة عين.. الموضوع فقط محتاج لوقت
شايف نفسك متسامح؟
- والله أنا انداس عليا كتير لكن عمري ما شلت من حد أبداً .. أستطيع أن أقول لك أسماء الذين آذوني وكيف رأيت أذيتهم لي بنفسي ومع ذلك أنا فخور أن عمري ما دعيت عليهم وأقابلهم دون حقد أو ضغائن، لأني مؤمن أن التدين بدون تربية ليس له قيمة
إذا كنت ستقدم برنامجاً عن الأسرة كلمنا عن تربيتك لابنك علي
أتعامل مع ابني علي بنظرية الأب الصديق.. آخذ رأيه رغم سنه الصغير " 4 سنوات" وأشاوره في بعض الأشياء وأحاول أن أصنع منه إنساناً حراً لأن من أكبر مشاكل التربية في مصر للأسف الشديد هي تربية الأبناء علي القهر.. فيطلع الابن ناقماً علي عيلته وعلي المجتمع وعلي ولاده من بعده ويغرس فيهم نفس القيم اللي اتغرست فيه.
بتربيه علي الإبداع .. شايف إن الإبداع مهم في حياة الأطفال وللا مجرد التدين كفاية؟
تاني أرجع أقول إن التدين ممكن يكون سطحي ويجب أن تسير معه بالتربية السليمة.. أنا يحضرني قصة عن النبي عليه – الصلاة والسلام – حيث كان يجلس وسط مجموعة من الصحابة في حر شديد .. وجاء رجل من الأعراب بماء؛ وكان أول شخص علي يمين النبي طفل عنده 8 سنوات .. طبعاً في الحالات دي عندنا دلوقتي تلاقي الواحد راح شارب وموزع علي اللي حواليه والواد في الآخر "يضحك" لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال له " أتأذن لي أن أبدأ بالكبار " يعني بيستأذنه مع أنه طفل صغير.. فرد عليه الغلام قائلاً " لا أوثر بنصيبي منك أحد " فقال النبي لكبار الصحابه " هذا حقه..فأذنوا لي سأبدأ به " هي دي التربية.. حواديت قبل النوم تربية.
أنت إذن تنظر للعشرين سنة القادمة؟
- بالظبط وبالقيم اللي احنا بنتكلم فيها.. لما سألنا الشباب في استفتاء شارك فيه 700 ألف شاب عن حلمه لبلده بعد عشرين سنة كانت أعلي نسبة ردود حل مشكلة البطالة ووحدة بلدنا .. ولغاية دلوقتي صعبان عليا بعض الردود زي شاب قال "عايز اشتغل عشان احترم نفسي" وشاب آخر بعت رسالة وقعها ب " مواطن ميت" .. الناس دي لازم بتغرس فيهم قيم مختلفة مش قيم إنك ما تساويش حاجة من غير شهادة أمال فين العمل الحرفي والمهن المحترمة .. فين التعليم المهني.. كل ده موجود لكن القيم التي تربينا عليها تقول إن التعليم المهني بتاع الفاشلين وإن أصحاب التعليم العالي هم الأفضل
لهذا تحولت الثانوية العامة مثلا إلي بعبع في البيوت المصرية
ليه من وجهة نظرك؟
- لأنه للأسف الشديد المدرسين وأولياء الأمور بل المدارس نفسها أصبحوا يشجعون الغش .. والنتيجة هي العمارات اللي بتقع والحرامية اللي بتنهب وبتهرب بفلوس البلد واللي غرقوا العبارة. الغش قضية كبيرة تقدر تحدد منها شكل مجتمعنا وشكل بلدنا ازاي بعد عشرين سنة .
أنت ترى السبب الأساسي الأسرة؟
- كلنا أسباب بشكل أو بآخر فين القيم الصحيحة.. فين الدعاة اللي يتكلموا عن ده إنت أصبحت ترى الآباء والأمهات والأبناء يعتبرون المدرس الذي لا يساعد أولادهم علي الغش علي أنه معقد نفسيا وتجدهم يدعون عليه ليل نهار.