Photon
06-26-2009, 01:55 AM
نص كلمة رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" يوم الخميس 25-6-2009
[ 25/06/2009 - 08:23 م ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
آل عمران: 137 - 140
شعبنا الفلسطيني العظيم ..
أمتنا العربية والإسلامية العظيمة..
أيها الحضور الكريم ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
فكم هو مؤلم أن يكون هناك مِنْ بيننا: فلسطينيين وعرباً ومسلمين مَنْ يحصر خياراته في حالة الترقب والانتظار، وكأن الخلاص سيأتي عبر خطابٍ هنا وخطاب هناك، في حين أن خلاص الأمة فيها وعندها وبإرادتها، فإذا حزمت أمرها فلا شيء يمكنه أن يقف في وجهها.
إننا لسنا أصحاب حق وقضية عادلة فحسب، ولسنا أصحاب الأرض الحقيقيين فحسب، بل نحن متجذرون منذ ستة آلاف عام في هذه الأرض المباركة، أرض الرسل والرسالات، والإسراء والمعراج، أرض المقدسات الإسلامية والمسيحية .. المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة المهد وكنيسة القيامة .
ونحن مَنْ قدّم للعالم والبشرية العلم والحضارة والثقافة والقيم الإنسانية النبيلة .. قيم العدل والحرية والمساواة والرحمة والتسامح، وقيم التفاعل بين الحضارات وليس الصدام بينها.
فهل خلاصنا اليوم بات محصوراً في تلمس تغيير في اللغة الأمريكية، أو بحث عن فتات مسموم على مائدة المحتل اللئيم الإسرائيلي؟!
لقد جاءت إدارة أمريكية جديدة، وحصل تغيير في لغتها تجاه المنطقة .. ولكنّ السؤال: من أحدث هذا التغيير؟
إنه الصمود العنيد لشعوب المنطقة الحية حين قاومت في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان ورفضت المحتلين وإملاءات الغزاة، فأحبطت سياسة الإدارة السابقة ومحافظيها القدامى والجدد، وحوّلت مغامراتها في الهيمنة والحروب الاستباقية إلى فشل ذريع وغرق في أوحال المنطقة وأزمات متلاحقة، مما دفع الناخب الأمريكي إلى خيار التغيير لحماية مصالحه.
وليس من أحدث أو أسهم في ذلك التغيير أولئك الذين قبلوا سياسة الإدارة السابقة وتساوقوا معها وبشّروا بها، ولو استمعت شعوب المنطقة لهم لنجحت سياسة بوش والمحافظين الجد، ولكانت أوضاع منطقتنا في حالة من السوء لا يمكن تصورها.
إننا نلمس تغييراً في النبرة والخطاب الأمريكي تجاه المنطقة وتجاه العالم الإسلامي، كما بدا في خطاب الرئيس أوباما في القاهرة، ونحن رحبنا بذلك، ونقدّر أي تغيير تقديراً موضوعياً، ولكننا لا نُسحر بالخطابات، فمفعول اللغة مؤقت وعابر، بل نبحث عن التغيير في السياسات على الأرض، وهذا هو معيار الحكم لدينا على المواقف والتغييرات.
إنّ المطلوب من قادة الدول العظمى والأكثر أهمية، هو الأفعال الحازمة، والمواقف الحاسمة، والمبادرات الجادة التي تعيد الحق لأصحابه، وتنهي الاحتلال غير المشروع، وليس المطلوب مجرد خطابات تبدي النوايا والوعود.
إن قدرة أي إدارة أمريكية على كبح جماح إسرائيل، وإيجاد حل حقيقي لإنهاء الاحتلال، لن تتحقق قبل كبح جماح النفوذ الصهيوني في مؤسسة القرار الأمريكي، وقبل تخليص السياسة الخارجية الأمريكية من أعباء التدخلات الإسرائيلية وأولوياتها المستنزفة والمورِّطة.
ومن يتابع التاريخ يعلم أن الرئيس أيزنهاور لم يقو على إلزام إسرائيل بالانسحاب من سيناء بعد العدوان على مصر عام 1956 إلا بعد أن تمرد على النفوذ الصهيوني في واشنطن.
إن الحديث الأمريكي اليوم عن تجميد الاستيطان وعن الدولة الفلسطينية أمر جيد، لكنه ليس جديداً، كما أنه ليس كافياً، فالأهم هو مدى الاستجابة لحقوق شعبنا، وحقيقة الدولة الفلسطينية وحدودها وسيادتها. لذلك فإن موقف إدارة أوباما بالنسبة لنا ما زال تحت الاختبار.
بعد خطاب أوباما، خطب نتنياهو، وأكّد عملياً استمرار توسيع المستوطنات، ونطق بكلمة الدولة الفلسطينية ولكن بعد أن أفرغها من مضمونها الحقيقي فهي مجرد حكم ذاتي تحت مسمى دولة، وأسقط حق شعبنا في القدس والسيادة على أرضه، ورفض عودة اللاجئين إلى ديارهم في فلسطين، بل دعا إلى حل قضيتهم حيث هم، أي بالتوطين خارج فلسطين، وهذا هو الموقف التقليدي له ولحزبه "الليكود" حول ما يسمى بالوطن البديل في الأردن.
ومع ذلك لم نسمع نقداً أمريكياً ولا أوروبياً لهذا الخطاب، بل ترحيباً واعتباره إيجابياً وخطوة إلى الأمام!!
فهل هذا هو المعنى المقصود بالتغيير الذي بشر به الرئيس أوباما في خطاباته؟
وأين هو التغيير في السياسات؟ أم أن الأمر ينحصر في حدود تغيير اللغة؟
وهل تريد إدارة أوباما بالفعل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي حتى خطوط الرابع من حزيران 1967، أم أن المطلوب مجرد استئناف المفاوضات وإطلاق ما يسمى بعملية السلام، ولتستريح أمريكا بعدها ويستريح العالم من صداع المنطقة؟ وكأَنّ المهم عندهم أن تكون هناك لعبة في المنطقة تشغل الناس وطبخة حصى لا يرجى منها شيء؟!
وإذا كان المفاوض الفلسطيني لم يستطع – طوال عامين من المفاوضات - الوصول إلى اتفاق مع أولمرت وليفني ولا حتى إنجاز ورقة مبادئ، وفشل من قبل مع كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فهل سينجح مع نتنياهو؟ وكم سيحتاج من الوقت المهدور حتى يصل لحظة الحقيقة؟!
إن الغرب (أوروبا وأمريكا) يتحمل مسؤولية كبيرة عن التطرف والعناد الإسرائيلي، فلولا كل هذا الدعم المتواصل سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لإسرائيل، لما وضعت نفسها فوق القانون والقرارات الدولية والمعايير الإنسانية.
نحن وإن رحبنا بالتغيير في لغة أوباما، لكننا بكل وضوح لم نتجاوز هذا الحد طالما بقي التغيير في حدود اللغة.
وحتى في إطار اللغة، هناك مشكلة، فقد تحدث أوباما باستفاضة عن معاناة اليهود ومحرقتهم في أوروبا، بينما تجاهَلَ الحديث عن معاناتنا وعن محرقة إسرائيل المتواصلة منذ عقود ضد شعبنا الفلسطيني، وآخر فصولها حربها البشعة والهولوكوست الحقيقي الذي ارتكبته قبل شهور قليلة ضد شعبنا في قطاع غزة، على الرغم من فظاعة ما حواه من قتل ومجازر أبادت مئات المدنيين الأبرياء، وقضت على عائلات بأكملها كعائلة (السمّوني)، إضافة إلى تدمير المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات، ومقرات المؤسسات الدولية، واستعمال واسع للأسلحة المحرّمة مثل اليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض الحارق؟!
وأية عدالة يمكن لأوباما أن يتفهمها في تعويض اليهود بوطن قومي مصطنع من خلال سرقة الوطن الفلسطيني وتدميره، ليعيش نصف شعبنا مذبوحاً تحت الاحتلال، ونصفه الآخر لاجئاً في مخيمات الشتات؟!
منذ مائة عام، وبفعل جرائم الحركة الصهيونية وإسرائيل، ومن ساندها من دول الغرب الكبرى خاصة بريطانيا والولايات المتحدة، ما زال شعبنا الفلسطيني – يا سيد أوباما – يعاني من كل أشكال الظلم والقهر: الاحتلال والاغتيال والاعتقال، والمجازر كدير ياسين وقبية وصبرا وشاتيلا ومخيم جنين وغزة، إضافة إلى تهويد القدس وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهدم المنازل والأحياء الفلسطينية في القدس وغيرها، وتهجير أهلها منها، وسرقة أراضي الضفة الغربية وملئها بالمستوطنات، وتقطيع أوصالها بالجدار والطرق الالتفافية ومئات الحواجز، فضلاً عن عشرات السجون الإسرائيلية التي تضم قرابة اثني عشر ألفاً من أبناء شعبنا رجالاً ونساءً وأطفالاً.
وما زالت غزة تعاني من جريمة الحصار وإغلاق المعابر وتأخير الإعمار، ويسقط جرّاء ذلك مئات الضحايا من الأطفال والنساء والمرضى، كالطفل فراس المظلوم، ورغم ذلك ما زال العالم يتفرج على هذه الجريمة الوحشية، بل ويتواطأ كثيرون على استمرارها تحت ذرائع واهية تناقض القيم الإنسانية والقيم التي يدّعيها العالم الحر!!
إن توازن اللغة ومصداقيتها أمر مهم، لكن الأهم والذي نطالب به هو مصداقية الأفعال، وهي تبدأ بإعمار غزة، ورفع الحصار عنها، ورفع الظلم والضغط الأمني عن الضفة، وترك المصالحة الفلسطينية تأخذ طريقها دون شروط أو تدخلات خارجية، وتنتهي بمساعدة الشعب الفلسطيني على التخلص من الاحتلال واستعادة حقوقه، ليقرر مصيره بنفسه ويعيش حراً في وطنه ككل شعوب العالم.
إذاً حتى على صعيد اللغة، هناك حاجة إلى الكثير من التوازن في إدراك جذور الصراع ورؤية الجرائم الإسرائيلية بحق شعبنا، حتى يكتسب خطاب إدارة أوباما مصداقية حقيقية.
جماهير شعبنا وأمتنا ...
أيها الحضور الكريم ...
أما خطاب نتنياهو فشديد الوضوح، وليس غامضاً كما قال البعض؟ ونحن لم نفاجأ به، وكنا ندرك أنه سيحافظ على جوهر الخطاب الصهيوني التقليدي الرافض للحقوق الفلسطينية، ولكنه سيعمل على إظهار الانسجام مع ما طرحه أوباما من خلال التلاعب بالألفاظ، وهو ما حصل.
والآن وبعد أن انقشع الغبار، وتبخرت الأوهام التي علّقها البعض وهم في حالة الترقب والانتظار، وفي ظل التطرف الإسرائيلي المتزايد ضد شعبنا وحقوقه ومقدساته، لابد أن نضع النقاط على الحروف حول الموقف الفلسطيني:
1- إننا نرفض الموقف الإسرائيلي الذي عبّر عنه نتنياهو حول الحقوق الفلسطينية جملة وتفصيلاً، خاصة ما تعلق بموضوعات القدس، وحق عودة اللاجئين، والاستيطان، والتطبيع مع العرب، ورؤيته للدولة الفلسطينية وأرضها وحدودها، واشتراطها منزوعة السلاح. فهذه الدولة التي تحدث عنها نتنياهو والمسيطر عليها براً وبحراً وجواً، هي كيان مسخ وسجن كبير للاعتقال والمعاناة، وليست وطناً يصلح لشعب عظيم.
2- نؤكد على رفضنا لما يسمى بيهودية إسرائيل، ونحذر من أي تساهل فلسطيني أو عربي إزاءها، لأنها تعني إلغاء حق ستة ملايين لاجئ فلسطيني في العودة إلى ديارهم، وتهجير أهلنا في مناطق 48 عن مدنهم وقراهم.
إن دعوة قادة العدو إلى يهودية إسرائيل، هي دعوة عنصرية لا تختلف عن الدعوات الفاشية الإيطالية والنازية الهتلرية التي رفضها العالم وتجاوزها الزمان.
3- على الإدارة الأمريكية والرباعية الدولية أن تدرك أن غالبية قوى شعبنا وجماهيره لا تشتري الأوهام والوعود، ولا تكترث بإطلاق عملية التفاوض، فالتفاوض في ظل الموقف الإسرائيلي القائم عملية عبثية لا طائل من ورائها.
والشيء الوحيد الذي يقنع هذه القوى والجماهير الفلسطينية ومن ورائها الأمة العربية والإسلامية، هو توفر إرادة وجهد أمريكي ودولي حقيقي ينصب على إنهاء الاحتلال ورفع الظلم عن شعبنا وتمكينه من حق تقرير المصير وإنجاز حقوقه الوطنية. وعندما تبادر إدارة أوباما إلى ذلك فإننا وقوى شعبنا سنكون مستعدين للتعاون معها ومع أي جهد دولي وإقليمي يصب في هذا المسار.
4- قضية فلسطين ليست قضية حكم ذاتي وسلطة وعلم ونشيد وأجهزة أمنية وأموال من المانحين. قضية فلسطين هي قضية وطن وهوية وحرية وتاريخ وسيادة على الأرض، وهي كذلك القدس وحق العودة. والأرض عندنا أهم من السلطة، والتحرير قبل الدولة.
ولذلك فإن البرنامج الذي يمثل الحد الأدنى لشعبنا، وقبلناه في وثيقة الوفاق الوطني كبرنامج سياسي مشترك لمجمل القوى الفلسطينية، هو: قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 بعد انسحاب قوات الاحتلال وإزالة جميع المستوطنات منها، وإنجاز حق العودة.
إن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجّروا منها عام 1948، هو حق وطني عام وحق فردي يملكه بشكل شخصي خمسة ملايين لاجئ، ولا يستطيع أي قائد أو مفاوض التفريط فيه أو التنازل عنه.
[ 25/06/2009 - 08:23 م ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
آل عمران: 137 - 140
شعبنا الفلسطيني العظيم ..
أمتنا العربية والإسلامية العظيمة..
أيها الحضور الكريم ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
فكم هو مؤلم أن يكون هناك مِنْ بيننا: فلسطينيين وعرباً ومسلمين مَنْ يحصر خياراته في حالة الترقب والانتظار، وكأن الخلاص سيأتي عبر خطابٍ هنا وخطاب هناك، في حين أن خلاص الأمة فيها وعندها وبإرادتها، فإذا حزمت أمرها فلا شيء يمكنه أن يقف في وجهها.
إننا لسنا أصحاب حق وقضية عادلة فحسب، ولسنا أصحاب الأرض الحقيقيين فحسب، بل نحن متجذرون منذ ستة آلاف عام في هذه الأرض المباركة، أرض الرسل والرسالات، والإسراء والمعراج، أرض المقدسات الإسلامية والمسيحية .. المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة المهد وكنيسة القيامة .
ونحن مَنْ قدّم للعالم والبشرية العلم والحضارة والثقافة والقيم الإنسانية النبيلة .. قيم العدل والحرية والمساواة والرحمة والتسامح، وقيم التفاعل بين الحضارات وليس الصدام بينها.
فهل خلاصنا اليوم بات محصوراً في تلمس تغيير في اللغة الأمريكية، أو بحث عن فتات مسموم على مائدة المحتل اللئيم الإسرائيلي؟!
لقد جاءت إدارة أمريكية جديدة، وحصل تغيير في لغتها تجاه المنطقة .. ولكنّ السؤال: من أحدث هذا التغيير؟
إنه الصمود العنيد لشعوب المنطقة الحية حين قاومت في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان ورفضت المحتلين وإملاءات الغزاة، فأحبطت سياسة الإدارة السابقة ومحافظيها القدامى والجدد، وحوّلت مغامراتها في الهيمنة والحروب الاستباقية إلى فشل ذريع وغرق في أوحال المنطقة وأزمات متلاحقة، مما دفع الناخب الأمريكي إلى خيار التغيير لحماية مصالحه.
وليس من أحدث أو أسهم في ذلك التغيير أولئك الذين قبلوا سياسة الإدارة السابقة وتساوقوا معها وبشّروا بها، ولو استمعت شعوب المنطقة لهم لنجحت سياسة بوش والمحافظين الجد، ولكانت أوضاع منطقتنا في حالة من السوء لا يمكن تصورها.
إننا نلمس تغييراً في النبرة والخطاب الأمريكي تجاه المنطقة وتجاه العالم الإسلامي، كما بدا في خطاب الرئيس أوباما في القاهرة، ونحن رحبنا بذلك، ونقدّر أي تغيير تقديراً موضوعياً، ولكننا لا نُسحر بالخطابات، فمفعول اللغة مؤقت وعابر، بل نبحث عن التغيير في السياسات على الأرض، وهذا هو معيار الحكم لدينا على المواقف والتغييرات.
إنّ المطلوب من قادة الدول العظمى والأكثر أهمية، هو الأفعال الحازمة، والمواقف الحاسمة، والمبادرات الجادة التي تعيد الحق لأصحابه، وتنهي الاحتلال غير المشروع، وليس المطلوب مجرد خطابات تبدي النوايا والوعود.
إن قدرة أي إدارة أمريكية على كبح جماح إسرائيل، وإيجاد حل حقيقي لإنهاء الاحتلال، لن تتحقق قبل كبح جماح النفوذ الصهيوني في مؤسسة القرار الأمريكي، وقبل تخليص السياسة الخارجية الأمريكية من أعباء التدخلات الإسرائيلية وأولوياتها المستنزفة والمورِّطة.
ومن يتابع التاريخ يعلم أن الرئيس أيزنهاور لم يقو على إلزام إسرائيل بالانسحاب من سيناء بعد العدوان على مصر عام 1956 إلا بعد أن تمرد على النفوذ الصهيوني في واشنطن.
إن الحديث الأمريكي اليوم عن تجميد الاستيطان وعن الدولة الفلسطينية أمر جيد، لكنه ليس جديداً، كما أنه ليس كافياً، فالأهم هو مدى الاستجابة لحقوق شعبنا، وحقيقة الدولة الفلسطينية وحدودها وسيادتها. لذلك فإن موقف إدارة أوباما بالنسبة لنا ما زال تحت الاختبار.
بعد خطاب أوباما، خطب نتنياهو، وأكّد عملياً استمرار توسيع المستوطنات، ونطق بكلمة الدولة الفلسطينية ولكن بعد أن أفرغها من مضمونها الحقيقي فهي مجرد حكم ذاتي تحت مسمى دولة، وأسقط حق شعبنا في القدس والسيادة على أرضه، ورفض عودة اللاجئين إلى ديارهم في فلسطين، بل دعا إلى حل قضيتهم حيث هم، أي بالتوطين خارج فلسطين، وهذا هو الموقف التقليدي له ولحزبه "الليكود" حول ما يسمى بالوطن البديل في الأردن.
ومع ذلك لم نسمع نقداً أمريكياً ولا أوروبياً لهذا الخطاب، بل ترحيباً واعتباره إيجابياً وخطوة إلى الأمام!!
فهل هذا هو المعنى المقصود بالتغيير الذي بشر به الرئيس أوباما في خطاباته؟
وأين هو التغيير في السياسات؟ أم أن الأمر ينحصر في حدود تغيير اللغة؟
وهل تريد إدارة أوباما بالفعل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي حتى خطوط الرابع من حزيران 1967، أم أن المطلوب مجرد استئناف المفاوضات وإطلاق ما يسمى بعملية السلام، ولتستريح أمريكا بعدها ويستريح العالم من صداع المنطقة؟ وكأَنّ المهم عندهم أن تكون هناك لعبة في المنطقة تشغل الناس وطبخة حصى لا يرجى منها شيء؟!
وإذا كان المفاوض الفلسطيني لم يستطع – طوال عامين من المفاوضات - الوصول إلى اتفاق مع أولمرت وليفني ولا حتى إنجاز ورقة مبادئ، وفشل من قبل مع كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فهل سينجح مع نتنياهو؟ وكم سيحتاج من الوقت المهدور حتى يصل لحظة الحقيقة؟!
إن الغرب (أوروبا وأمريكا) يتحمل مسؤولية كبيرة عن التطرف والعناد الإسرائيلي، فلولا كل هذا الدعم المتواصل سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لإسرائيل، لما وضعت نفسها فوق القانون والقرارات الدولية والمعايير الإنسانية.
نحن وإن رحبنا بالتغيير في لغة أوباما، لكننا بكل وضوح لم نتجاوز هذا الحد طالما بقي التغيير في حدود اللغة.
وحتى في إطار اللغة، هناك مشكلة، فقد تحدث أوباما باستفاضة عن معاناة اليهود ومحرقتهم في أوروبا، بينما تجاهَلَ الحديث عن معاناتنا وعن محرقة إسرائيل المتواصلة منذ عقود ضد شعبنا الفلسطيني، وآخر فصولها حربها البشعة والهولوكوست الحقيقي الذي ارتكبته قبل شهور قليلة ضد شعبنا في قطاع غزة، على الرغم من فظاعة ما حواه من قتل ومجازر أبادت مئات المدنيين الأبرياء، وقضت على عائلات بأكملها كعائلة (السمّوني)، إضافة إلى تدمير المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات، ومقرات المؤسسات الدولية، واستعمال واسع للأسلحة المحرّمة مثل اليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض الحارق؟!
وأية عدالة يمكن لأوباما أن يتفهمها في تعويض اليهود بوطن قومي مصطنع من خلال سرقة الوطن الفلسطيني وتدميره، ليعيش نصف شعبنا مذبوحاً تحت الاحتلال، ونصفه الآخر لاجئاً في مخيمات الشتات؟!
منذ مائة عام، وبفعل جرائم الحركة الصهيونية وإسرائيل، ومن ساندها من دول الغرب الكبرى خاصة بريطانيا والولايات المتحدة، ما زال شعبنا الفلسطيني – يا سيد أوباما – يعاني من كل أشكال الظلم والقهر: الاحتلال والاغتيال والاعتقال، والمجازر كدير ياسين وقبية وصبرا وشاتيلا ومخيم جنين وغزة، إضافة إلى تهويد القدس وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهدم المنازل والأحياء الفلسطينية في القدس وغيرها، وتهجير أهلها منها، وسرقة أراضي الضفة الغربية وملئها بالمستوطنات، وتقطيع أوصالها بالجدار والطرق الالتفافية ومئات الحواجز، فضلاً عن عشرات السجون الإسرائيلية التي تضم قرابة اثني عشر ألفاً من أبناء شعبنا رجالاً ونساءً وأطفالاً.
وما زالت غزة تعاني من جريمة الحصار وإغلاق المعابر وتأخير الإعمار، ويسقط جرّاء ذلك مئات الضحايا من الأطفال والنساء والمرضى، كالطفل فراس المظلوم، ورغم ذلك ما زال العالم يتفرج على هذه الجريمة الوحشية، بل ويتواطأ كثيرون على استمرارها تحت ذرائع واهية تناقض القيم الإنسانية والقيم التي يدّعيها العالم الحر!!
إن توازن اللغة ومصداقيتها أمر مهم، لكن الأهم والذي نطالب به هو مصداقية الأفعال، وهي تبدأ بإعمار غزة، ورفع الحصار عنها، ورفع الظلم والضغط الأمني عن الضفة، وترك المصالحة الفلسطينية تأخذ طريقها دون شروط أو تدخلات خارجية، وتنتهي بمساعدة الشعب الفلسطيني على التخلص من الاحتلال واستعادة حقوقه، ليقرر مصيره بنفسه ويعيش حراً في وطنه ككل شعوب العالم.
إذاً حتى على صعيد اللغة، هناك حاجة إلى الكثير من التوازن في إدراك جذور الصراع ورؤية الجرائم الإسرائيلية بحق شعبنا، حتى يكتسب خطاب إدارة أوباما مصداقية حقيقية.
جماهير شعبنا وأمتنا ...
أيها الحضور الكريم ...
أما خطاب نتنياهو فشديد الوضوح، وليس غامضاً كما قال البعض؟ ونحن لم نفاجأ به، وكنا ندرك أنه سيحافظ على جوهر الخطاب الصهيوني التقليدي الرافض للحقوق الفلسطينية، ولكنه سيعمل على إظهار الانسجام مع ما طرحه أوباما من خلال التلاعب بالألفاظ، وهو ما حصل.
والآن وبعد أن انقشع الغبار، وتبخرت الأوهام التي علّقها البعض وهم في حالة الترقب والانتظار، وفي ظل التطرف الإسرائيلي المتزايد ضد شعبنا وحقوقه ومقدساته، لابد أن نضع النقاط على الحروف حول الموقف الفلسطيني:
1- إننا نرفض الموقف الإسرائيلي الذي عبّر عنه نتنياهو حول الحقوق الفلسطينية جملة وتفصيلاً، خاصة ما تعلق بموضوعات القدس، وحق عودة اللاجئين، والاستيطان، والتطبيع مع العرب، ورؤيته للدولة الفلسطينية وأرضها وحدودها، واشتراطها منزوعة السلاح. فهذه الدولة التي تحدث عنها نتنياهو والمسيطر عليها براً وبحراً وجواً، هي كيان مسخ وسجن كبير للاعتقال والمعاناة، وليست وطناً يصلح لشعب عظيم.
2- نؤكد على رفضنا لما يسمى بيهودية إسرائيل، ونحذر من أي تساهل فلسطيني أو عربي إزاءها، لأنها تعني إلغاء حق ستة ملايين لاجئ فلسطيني في العودة إلى ديارهم، وتهجير أهلنا في مناطق 48 عن مدنهم وقراهم.
إن دعوة قادة العدو إلى يهودية إسرائيل، هي دعوة عنصرية لا تختلف عن الدعوات الفاشية الإيطالية والنازية الهتلرية التي رفضها العالم وتجاوزها الزمان.
3- على الإدارة الأمريكية والرباعية الدولية أن تدرك أن غالبية قوى شعبنا وجماهيره لا تشتري الأوهام والوعود، ولا تكترث بإطلاق عملية التفاوض، فالتفاوض في ظل الموقف الإسرائيلي القائم عملية عبثية لا طائل من ورائها.
والشيء الوحيد الذي يقنع هذه القوى والجماهير الفلسطينية ومن ورائها الأمة العربية والإسلامية، هو توفر إرادة وجهد أمريكي ودولي حقيقي ينصب على إنهاء الاحتلال ورفع الظلم عن شعبنا وتمكينه من حق تقرير المصير وإنجاز حقوقه الوطنية. وعندما تبادر إدارة أوباما إلى ذلك فإننا وقوى شعبنا سنكون مستعدين للتعاون معها ومع أي جهد دولي وإقليمي يصب في هذا المسار.
4- قضية فلسطين ليست قضية حكم ذاتي وسلطة وعلم ونشيد وأجهزة أمنية وأموال من المانحين. قضية فلسطين هي قضية وطن وهوية وحرية وتاريخ وسيادة على الأرض، وهي كذلك القدس وحق العودة. والأرض عندنا أهم من السلطة، والتحرير قبل الدولة.
ولذلك فإن البرنامج الذي يمثل الحد الأدنى لشعبنا، وقبلناه في وثيقة الوفاق الوطني كبرنامج سياسي مشترك لمجمل القوى الفلسطينية، هو: قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 بعد انسحاب قوات الاحتلال وإزالة جميع المستوطنات منها، وإنجاز حق العودة.
إن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجّروا منها عام 1948، هو حق وطني عام وحق فردي يملكه بشكل شخصي خمسة ملايين لاجئ، ولا يستطيع أي قائد أو مفاوض التفريط فيه أو التنازل عنه.