Taraneem
12-27-2009, 09:34 AM
القرار من فوق من عند الرجال
وهي "بنت" كانت كل القرارات؛ السليمة والرديئة، المنصفة والمجحفة، كانت تصدر من عند أبيها، فإذا ما أرادت أمها المسكينة أن تتخلص من مهاترات بناتها، وإلحاحاتهم، ونقاشاتهم، أرعبتهم بأن القرار صدر من هناك "أبوكم رفض الموضوع " " أبوكم يشوف إن الموضوع يتأجّل" .. " إذا وافق أبوكم توكلوا على الله ..".. " خلي أبوكم يوافق أول .. وبعدين تناقشوا في التفاصيل" .. وعندما مات "أبوهم" جميعاً .. (حتى أمهم كانت تنعته دوماً "أبونا" ).. ظنت البنات أن المسائل ستأخذ وضعاً مغايراً، وأن بالإمكان اختبار كل فنون الاتصال ومهارات التفاوض في مناقشة القرارات، وأن الرعب الذي كان يكتنفهنّ من مجرد العبور بجوار مجلس الرجال الكبير (غرفة الذعر) التي تحرص أمهم كل يوم على أن تبخره بالعود والطيب وأن تتأكد بنفسها من نظافته، بعد كل حين، حتى لو لم يطرق بابهم سوى ضيف واحد في الشهر، سيتلاشى، لكن بدل "أبوكم" جاء "أخوكم" واستجابت البنات على مضض لكل القرارات التي تصدر من "أخوكم" وكانت هذه المرة أكثر طيشاً وعنفاً واستبداداً وفي أحيانٍ كثيرة ابتزازاً "خدمة مقابل كل قرار" .. وحجم الخدمة لابد أن يتآزر مع حجم القرار .. "ذهاب للسوق مقابل تجديد اشتراك أوربت.. سهرة عرس صديقات مقابل تركيب خدمة dsl .. مع سداد رسوم ستة شهور.. تمشية للسوبر ماركت القريب مقابل مائدة حافلة له ولأصدقائه مع الحلا طبعاً .. ". وبالمناسبة، "أخوهم" هذا لا تتصورونه رجلاً برجاحة المناضل الهندي المهاتما غاندي، ولا بحجم الملاكم "مايك تايسون"،ولا بحكمة الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، بل هو طالب في الثانوية، وأصغر من البنات جميعاً. مازال مكان شاربيه مخضراً، ووجه يغزوه "حب الشباب" والحفر من أثر فحولة قادمة بقوة آخذة في التفتق قبل أوانها.. وأخواته الكبار اللاتي يدير حياتهنّ على النحو الذي يريد، كنّ حتى وقت كبير يغيّرن له ملابسه الداخلية، ويتولين شؤون إطعامه وهو رضيع...
عندما تزوجت "البنت" حلمت بأنها بالزواج ستتحلل قليلاً من مسألة الوصاية لكاملة، وستتحقق الشراكة التي قرأت عنها كثيراً (في كتب الخيال العلمي) في أسمى معانيها، لكنها اكتشفت مع الوقت أنها تزوجت "هيئة عليا كل مهمتها في الحياة هو إصدار القرارات"!! فهو وإن كان عاطلاً، أو أن راتبه لا يصل لربع راتبها، أو كانت هي وليّة نعمته هو وعياله، وإن كان بلا شهادة، أو بلا وعي، أو مغزلجياً، أو "صايعاً" أو "حق حريم"، لا يحسن إدارة حياته، ولا علاقته بربه.. .. إلا أنه في الأول والأخير هو صاحب القرار .. وحتى عندما يسافر فإنه لا ينسى أن يوصي ابنه الصغير "في مجلس الرجال الكبير" وهو يهدد بسبابته "الله الله لا أوصيك على أمك وأخواتك .. تراك إنت المسؤول عنهم"..
وظنت "الزوجة" أن في الوظيفة الشأن يختلف تماماً. عندما كانت تأتيها إلى المكتب مراجعة تسأل عن طلب تعيين تقدمت به، كانت ترد عليها بانكسار "والله قرارات التعيين من فوق من عند الرجال، مالنا دخل فيها .. لكن نقول إن شاء الله" وإذا ما سألتها مراجعة أخرى عن نقل وظيفتها، أجابتها "النقل والله من عند الرجال" و حين تسألها ثالثة عن الموافقة على طلب إجازة تقدمت بها لأكثر من أسبوع تجيب: "والله إحنا ننتظر لأن القرار لا زم يصدر من عند الرجال". ذات يوم ردت عليها إحدى المراجعات بغضب عارم واستخفاف: "مادامت كل القرارات من عند الرجال أجل ليش مطلعينكم من بيوتكم ومفلتين وراكم عيالكم، ورازّينكم هنا؟!! لا تلومونا يوم نختصر الطريق ونراجع على طول إدارة "الرجال" ما دام ما عندكم سالفة!!" حينها شكت لأختها الدكتورة أستاذة الجامعة "على سن ورمح" عن سخرية المراجعات منها، فأجابتها: الوضع لدينا لا يختلف!! فقرارات التعين، والتحويل، وقبول الطالبات، وإقرار الخطط البحثية، وتحديد لجان المناقشين، وموعد المناقشة، والترقيات، ونظام الإجازات، وحل المنازعات بين الموظفات، وحتى صرف مكتب لموظفة، أو تشغيل جهاز، أو إصلاح لمبة محروقة، كله من عند الرجال!! أختهم الثالثة مديرة المدرسة "على سن ورمح أيضاً" علّقت: يحصل أن أرفض تحويل طالبة إلى المدرسة لعدم وجود مقعد فارغ، أو أرفض قبول إجازة معلمة لعدم وجود من يغطي حصصها، أو أطلب تحويل معلمة لعمل إداري لعدم كفاءتها في التدريس، أو غيرها من قرارات قيل لي في البدء بأنها من صلاحياتي، لكني أتفاجأ في اليوم الثاني بالأم ومعها قرار التحويل، و المعلمة ومعها قرار الموافقة على الإجازة التي كنت رفضتها، والمعلمة الأخرى ومعها قرار رفض التحويل لإدارية ، يقذفن به في وجهي، معتمد وموقّع من فوق من عند الرجال!! الحقيقة أني مع الوقت بدأت أستثمر هذا الناحية لصالحي، عندما أريد أن أريّح رأسي من صداع اعتراضات المدرسات على القرارات أو الأوامر، أفزعهنّ فوراً بعبارة "ترى القرار جاي من فوق من عند الرجال ما لنا دخل فيه" عندها فقط يصيبهنّ خرس جماعي. أشرس المعلمات، وأشدهنّ سلاطة، لا تقوى على المعارضة، وتسلّم بالقرار مثل الأقدار !!
أدركت "البنت" أن "أباها" و "أخاها" و "زوجها" و "ابنها" كانوا بانتظارها في الوظيفة، في البنك، والمدرسة، والجامعة، والمطار، والمستشفى، وكافة قطاعات الإدارات، والمؤسسات، والهيئات، والشارع، وفي الحياة بأسرها، وأن مجلس الرجال الكبير الذي تجري فيه طبخة القرارات الملزمة في البيت لا يختلف كثيراً عن غرف اجتماعات إدارات قسم الرجال، تهطل عليهنّ القرارات مثل الأقدار التي لا تقبل النقاش ولا المراجعة، ولا المساءلة، يكفي أنها جاءت من سمائهم "من فوق" من عند الرجال...
د.أميرة علي الزهراني
محاضرة بجامعة الامير سلطان
ولها عمود اسبوعي في مجلة اليمامة
وهي "بنت" كانت كل القرارات؛ السليمة والرديئة، المنصفة والمجحفة، كانت تصدر من عند أبيها، فإذا ما أرادت أمها المسكينة أن تتخلص من مهاترات بناتها، وإلحاحاتهم، ونقاشاتهم، أرعبتهم بأن القرار صدر من هناك "أبوكم رفض الموضوع " " أبوكم يشوف إن الموضوع يتأجّل" .. " إذا وافق أبوكم توكلوا على الله ..".. " خلي أبوكم يوافق أول .. وبعدين تناقشوا في التفاصيل" .. وعندما مات "أبوهم" جميعاً .. (حتى أمهم كانت تنعته دوماً "أبونا" ).. ظنت البنات أن المسائل ستأخذ وضعاً مغايراً، وأن بالإمكان اختبار كل فنون الاتصال ومهارات التفاوض في مناقشة القرارات، وأن الرعب الذي كان يكتنفهنّ من مجرد العبور بجوار مجلس الرجال الكبير (غرفة الذعر) التي تحرص أمهم كل يوم على أن تبخره بالعود والطيب وأن تتأكد بنفسها من نظافته، بعد كل حين، حتى لو لم يطرق بابهم سوى ضيف واحد في الشهر، سيتلاشى، لكن بدل "أبوكم" جاء "أخوكم" واستجابت البنات على مضض لكل القرارات التي تصدر من "أخوكم" وكانت هذه المرة أكثر طيشاً وعنفاً واستبداداً وفي أحيانٍ كثيرة ابتزازاً "خدمة مقابل كل قرار" .. وحجم الخدمة لابد أن يتآزر مع حجم القرار .. "ذهاب للسوق مقابل تجديد اشتراك أوربت.. سهرة عرس صديقات مقابل تركيب خدمة dsl .. مع سداد رسوم ستة شهور.. تمشية للسوبر ماركت القريب مقابل مائدة حافلة له ولأصدقائه مع الحلا طبعاً .. ". وبالمناسبة، "أخوهم" هذا لا تتصورونه رجلاً برجاحة المناضل الهندي المهاتما غاندي، ولا بحجم الملاكم "مايك تايسون"،ولا بحكمة الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، بل هو طالب في الثانوية، وأصغر من البنات جميعاً. مازال مكان شاربيه مخضراً، ووجه يغزوه "حب الشباب" والحفر من أثر فحولة قادمة بقوة آخذة في التفتق قبل أوانها.. وأخواته الكبار اللاتي يدير حياتهنّ على النحو الذي يريد، كنّ حتى وقت كبير يغيّرن له ملابسه الداخلية، ويتولين شؤون إطعامه وهو رضيع...
عندما تزوجت "البنت" حلمت بأنها بالزواج ستتحلل قليلاً من مسألة الوصاية لكاملة، وستتحقق الشراكة التي قرأت عنها كثيراً (في كتب الخيال العلمي) في أسمى معانيها، لكنها اكتشفت مع الوقت أنها تزوجت "هيئة عليا كل مهمتها في الحياة هو إصدار القرارات"!! فهو وإن كان عاطلاً، أو أن راتبه لا يصل لربع راتبها، أو كانت هي وليّة نعمته هو وعياله، وإن كان بلا شهادة، أو بلا وعي، أو مغزلجياً، أو "صايعاً" أو "حق حريم"، لا يحسن إدارة حياته، ولا علاقته بربه.. .. إلا أنه في الأول والأخير هو صاحب القرار .. وحتى عندما يسافر فإنه لا ينسى أن يوصي ابنه الصغير "في مجلس الرجال الكبير" وهو يهدد بسبابته "الله الله لا أوصيك على أمك وأخواتك .. تراك إنت المسؤول عنهم"..
وظنت "الزوجة" أن في الوظيفة الشأن يختلف تماماً. عندما كانت تأتيها إلى المكتب مراجعة تسأل عن طلب تعيين تقدمت به، كانت ترد عليها بانكسار "والله قرارات التعيين من فوق من عند الرجال، مالنا دخل فيها .. لكن نقول إن شاء الله" وإذا ما سألتها مراجعة أخرى عن نقل وظيفتها، أجابتها "النقل والله من عند الرجال" و حين تسألها ثالثة عن الموافقة على طلب إجازة تقدمت بها لأكثر من أسبوع تجيب: "والله إحنا ننتظر لأن القرار لا زم يصدر من عند الرجال". ذات يوم ردت عليها إحدى المراجعات بغضب عارم واستخفاف: "مادامت كل القرارات من عند الرجال أجل ليش مطلعينكم من بيوتكم ومفلتين وراكم عيالكم، ورازّينكم هنا؟!! لا تلومونا يوم نختصر الطريق ونراجع على طول إدارة "الرجال" ما دام ما عندكم سالفة!!" حينها شكت لأختها الدكتورة أستاذة الجامعة "على سن ورمح" عن سخرية المراجعات منها، فأجابتها: الوضع لدينا لا يختلف!! فقرارات التعين، والتحويل، وقبول الطالبات، وإقرار الخطط البحثية، وتحديد لجان المناقشين، وموعد المناقشة، والترقيات، ونظام الإجازات، وحل المنازعات بين الموظفات، وحتى صرف مكتب لموظفة، أو تشغيل جهاز، أو إصلاح لمبة محروقة، كله من عند الرجال!! أختهم الثالثة مديرة المدرسة "على سن ورمح أيضاً" علّقت: يحصل أن أرفض تحويل طالبة إلى المدرسة لعدم وجود مقعد فارغ، أو أرفض قبول إجازة معلمة لعدم وجود من يغطي حصصها، أو أطلب تحويل معلمة لعمل إداري لعدم كفاءتها في التدريس، أو غيرها من قرارات قيل لي في البدء بأنها من صلاحياتي، لكني أتفاجأ في اليوم الثاني بالأم ومعها قرار التحويل، و المعلمة ومعها قرار الموافقة على الإجازة التي كنت رفضتها، والمعلمة الأخرى ومعها قرار رفض التحويل لإدارية ، يقذفن به في وجهي، معتمد وموقّع من فوق من عند الرجال!! الحقيقة أني مع الوقت بدأت أستثمر هذا الناحية لصالحي، عندما أريد أن أريّح رأسي من صداع اعتراضات المدرسات على القرارات أو الأوامر، أفزعهنّ فوراً بعبارة "ترى القرار جاي من فوق من عند الرجال ما لنا دخل فيه" عندها فقط يصيبهنّ خرس جماعي. أشرس المعلمات، وأشدهنّ سلاطة، لا تقوى على المعارضة، وتسلّم بالقرار مثل الأقدار !!
أدركت "البنت" أن "أباها" و "أخاها" و "زوجها" و "ابنها" كانوا بانتظارها في الوظيفة، في البنك، والمدرسة، والجامعة، والمطار، والمستشفى، وكافة قطاعات الإدارات، والمؤسسات، والهيئات، والشارع، وفي الحياة بأسرها، وأن مجلس الرجال الكبير الذي تجري فيه طبخة القرارات الملزمة في البيت لا يختلف كثيراً عن غرف اجتماعات إدارات قسم الرجال، تهطل عليهنّ القرارات مثل الأقدار التي لا تقبل النقاش ولا المراجعة، ولا المساءلة، يكفي أنها جاءت من سمائهم "من فوق" من عند الرجال...
د.أميرة علي الزهراني
محاضرة بجامعة الامير سلطان
ولها عمود اسبوعي في مجلة اليمامة