PDA

View Full Version : ( منار والصيف )



علاء سعد حسن
07-16-2006, 12:53 PM
( منار والصيف )

في لهفة وشوق تنتظر منار القرار ..
همسات تدور في مختلف أرجاء البيت ..
تخمينات وتطلعات ..
محادثات سرية تدور في غرفة الأب والأم ..
ضغوط الأم تتزايد يقويها إلحاح الأبناء ..
التكهانات تدور كلها حول إجابة سؤال واحد
: هل تنجح الأم في جعل صيفنا دوليا أم تفرض مشغوليات الأب أن يظل محليا للعام الثالث على التوالي ؟
اخيرا جاء القرار ..
هتف سعود ومرام ومنار وهم يتراقصون حول الأم في دائرة بهيجة ( دولي .. دولي ) قبل أن أن يطبع كل منهم قبلة سعيدة على خديها المتوردين ..
فيصل وحده لم يكن مبتهجا للقرار ..
وحده كان قد طلب من أبيه أن يجعل هذا الصيف محليا ..
في شوق أن يؤدي عمرة الصيفية هذا العام ..
منذ عدة سنوات وهو مشتاق إلى أنوار الحرم وزيارة المدينة ..
وعده الأب خيرا ..
لكن كفة الدولي رجحت هذه المرة ..
لمح أبو سعود الحزن في وجه فيصل ، فقال له مخففا
: أعوضها لك في رمضان يا ( أبو الشباب ) لكن لا تزعل علي ..
ابتسامة مغتصبة ترددت على شفتي فيصل أجابت الأب في حياء وحرج من كثرة الإلحاح ..

تتذكر منار صيف العام الماضي قضته في أبها ..
جميلة هي أبها ، وجوها لطيف جدا ، وعلى الرغم من روعة المشاهد والمزارات واستمتاعها ( بالتليفريك ) والملاهي العملاقة والخضرة الواسعة ، إلا أن متعتها ظلت ناقصة تؤرقها إجابة لسؤال لابد سيواجهها في بداية عامها الدراسي الخامس في مدرستها الإبتدائية
: إلى أين سافرت في الإجازة يا منار ؟
كل الصديقات قضين الصيف بين سوريا ولبنان ومصر والمغرب وماليزيا وسنغافورة ومنهن محظوظات قضينه في أوربا أو أمريكا ..
تبقى هي من بينهن أجازتها محلية وليست على المستوى الدولي كما يتندر دائما شقيقها الأكبر سعود..
هذا العام ستتيه عليهن فصيفها دولي في لبنان في حضن الجبل وأسواق وملاهي بيروت ، وشواطئ البحر المتوسط ..
سألها فيصل مغتاظا هل تفرق كثيرا خضرة لبنان عن خضرة ( أبها ) ؟
أجابتة دون تردد : طبعا هذه ( أبها ).. وتلك لبنان ..
وانطلقت تركض من أمامه كأن باب النقاش قد اغلق ، ولا مجال أن يعكر صفو فرحتها بعقله الكبير أو كما تقول مرام : بفلسفته الزائدة ..
هي لا تعرف معنى كلمة فلسفة .. لكنها دائما تسمعها من مرام وسعود وهما يسخران من كل ما ينطق به فيصل ..
ولكن هل يمكن أن يكون كل كلام فيصل خطأ ؟
أيكون هذا وهو أكبر منها ومن مرام و.. وأكثرهم جميعا تفوقا في دراسته الجامعية وحفظا للقرآن واهتماما بالإنترنت ؟ !
لا يا ( عبيطة ) .. هو أكبرنا عقلا .. عقله أكبر حتى من سعود وأحيانا من ماما نفسها ، لكن عيبه الوحيد أنه لا يحب الفرفشة كثيرا .. يأخذ الحياة كلها بجدية شديدة ..
دعك من فيصل الآن ، واعقدي صفقة سرية مع كل من سعود ومرام تضمني بها الخروج الدائم مع كل منهما مقابل ألا تتطفلين على مقابلاتهما ومحادثاتهما .. أو تخرجين برفقتهما معا على أن نتقرق جميعا بعد الفندق بمسافة مناسبة ..

هذه هي الصفقة الوحيدة التي تضمن النزهة الدائمة والتعرف على خفايا المصيف ..
تعرف مقدما ما سيقوله سعود ساخرا : وهل أأتمنك على سر وأنت .....
ستقسم له برب الكعبة أنها لن تفتح فمها هذا الصيف ..

هي تعرف فيما يفكر سعود .. منذ يتجهون إلى المطار ، سيودع الثوب و( الشماغ ) ولن يرتدي إلا ( الشورت القصير والتيشيرت ) .. قد يضطر أحيانا لارتداء البنطال( الجينز ) ..
أبوها أيضا يخلع الثوب والغترة والعقال خلفه قبل السفر ، لكنه في أغلب الأحيان يلتزم بالبدلة الكاملة ورابطة العنق الأنيقة .. او يستبدلهما بقميص وبنطال واسع ..
أما فيصل فلم تره أبدا بالشورت القصير .. تخيلت موقفا فضحكت منه بشدة قبل أن تطبق شفتاها بقوة حتى لا يسمعها احد تضحك على نفسها ..
احتلت صورة سعود مكان صورة فيصل في المشهد السابق ، ورأته وهو يسرح وراء فتيات لبنان .. بنات أبها بعبائاتهن السوداوات لم يسلمن منه ، فكيف ببنات لبنان ؟!
الصيف الدولي عنده هو أن يجمع أكبر عدد ممكن من أرقام هواتف الفتيات ، وأن يجالسهن وأن يفعل أشاياء كثيرة ، تدرك أنها خطأ ولكن يبدو أنها ممتعة كعادة المغامرات دائما ..

تعرف أن مرام تهفو إلى الصيف الدولي لتتخلص من قيد العباءة السوداء والبرقع الأسود .. تتعجب .. لماذا تضجر مرام من البرقع مع أنه يزيدها جمالا !!!..
وجهها في الواقع ليس جميلا بسمرته الطبيعية ، لكن عينيها وحاجبيها يبرزان في تألق أسفل البرقع الذي يبرز الجمال بانتقائية شديدة !!!
تشعر رغم حداثة سنها أن جمال البنت السعودية يكمن في ...
لن تكمل ، هي تفضل ألا تفكر في هذه الأمور الكبيرة على سنها حتى لا تتعرض لعقاب الأم أو تقريع فيصل ..

تتوقع من الآن كيف ستبدو مرام عندما ستخرج من حمام الطائرة بعد لحظات من إقلاعها .. تعرف أنها لن تميزها من بنات لبنان .. متعتها عكس متعة سعود ، فهي تنتظر ان تجمع أكبر عدد من أرقام الهواتف التي ستلقى إليها ، فلن تكون هي البادئة بإلقاء الأرقام ..
أمها أيضا ستتخفف من قيد العباءة وربما أبرزت خصلات كثيرة من الشعر من تحت غطاء شفاف للرأس .. تبدو أمها في تلك السفريات أشبه بالمرأة الهندية في الساري

فيصل شقيق طيب لكن إرضاءه صعب ، ولن يكون راضيا عن حال الأسرة في صيفها الدولي .. عليها من الآن أن تفكر في كل الطرق التي تجعلها تتحاشى نظراته وانتقاداته فيها ..


لأول مرة تشعر منار أن الأسرة كلها تلتف كلها حول قناتي الجزيرة والعربية لمتابعة الأخبار
.. ليست أول مرة ..
لكن هذه هي ثاني مرة ..
فهي تذكر المرة الأولى الآن ، كان ذلك عندما حاربت أمريكا العراق ..
لكن ما سر هذا الاهتمام بالأخبار والسياسة هذه المرة ، وهم منهمكون في الإعداد للسفر !!!


الحزن يخيم على الجميع ، حتى فيصل الذي كانت تعبيرات وجهه تتأرجح بين الألم والأمل ..

اسرائيل تقصف كل شبر في لبنان ..
يووه هل هذا وقته ؟

لماذا لم تؤجل إسرائيل قصفها للبنان شهر واحد ؟
الآن سيعود الصيف محليا ، وربما ألغى الأب فكرة الإجازة من أصلها ..
الأصوات تعالى : حزب الله هو السبب في تلك النكبة . .
تمتمت لنفسها : لعنة الله على ( حزب الله ) فهو السبب في إلغاء السفر للبنان ..

استمر الجدال الحاد : بل الصهاينة هم سبب كل البلاوي ..
حماس وحزب الله يغردان خارج السرب .. المصلحة تقتضي عكس ذلك .. الجميع سلم ، فماذا يريدان بعد ذلك ؟
المنطقة كلها تدخل في حرب بسبب التهور والمغامرات غير المحسوبة ..

تعجبت منار في جوف صمتها : مغامرات !
لم تكن تعرف إلا أن المغامرات شيء لذيذ ومثير على طريقة سعود ومرام .. أما أن يكون لحماس وحزب الله مغامرات فهذا أمر مدهش ..

حزب الله يدافع عن شرفنا جميعا ..
هذه شعارات ليس إلا ..
لم يعد الزمن صالحا للحديث عن هذه المهاترات ..

تطور الموقف لأول مرة في حياة الأسرة ..
تشنج فيصل أمام استفزازات سعود المتكررة وسخرية مرام اللاذعة ، وحزن الأم ، وصمت الأب ، وتطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي بين فيصل وسعود .. واضطر الأب إلى التدخل العنيف ..
تكهرب الجو وفسد كل شيء ..
كلمات كثيرة سمعتها منار في هذه الليلة الحالكة ولم تفهم معظمها ..
هذا ليس زمن الأيدولوجيا .. برجماتية سياسية .. البحث عن المصالح .. الولاء والبراء .. مذبلة التاريخ .. الصمت العربي .. الكيل بمكياليين .......

لم تفهم منار مما يجري أمامها أو تسمعه بأذنيها إلا شيئا واحدا أن رحلة لبنان قد ألغيت وأن صيفها هذا العام محلي كذلك ..
هتفت من أعماقها ناقمة على إسرائيل وحزب الله وعلى الحرب والسياسة .. ولكن ظل سؤال يكبر في رأسها دون أن تجرؤ على التفوه به وسط هذه الأجواء العاصفة :
هل ستبقى لبنان صالحة للمصيف في العام القادم ؟

‏الاحد‏، 16‏ تموز‏، 2006
‏12:28 م