PDA

View Full Version : فن كتابة المقالة للدكتور راتب النابلسي



هيام فوزي
01-01-2010, 10:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

أعزائي المشاهدين أسعدتم مساء و أهلاً بكم و مرحباً ، الكائنات البحرية تعد الحياة في البحر مسرفة إسرافاً أبعد من كل خيال ، سواء في وفرتها أو في تنوعها أو في قدمها أو غرابتها أو جمالها أو شراستها بغير تعقل و بما ليس له نظير آخر في الطبيعة ، و تتراوح الكائنات البحرية من ملايين بلايين الكائنات الميكروئية التي تجوب البحر في المياه الزرقاء إلى حيتان المحيط المتجمد الجنوبي الذي يبلغ طول الواحد منها ثلاثين متراً ، و يزن مائة و ثلاثين طناً ، و تشتمل هذه الكائنات على أجمل الأنواع التي لم تَجُد الطبيعة بمثلها كتلك الأسماك الرائعة الفضية و كتلك الحيوانات التي تتفتح كالزهور ، و كتلك الشعب المرجانية المتلألئة ، و كتلك الديدان التي يبلغ طول الواحد منها سبعة و عشرين متراً ، و كتلك الأسماك التي تتلون بأحد ثمانية ألوان ، فإذا وقفنا عند الحوت و هو أكبر الكائنات البحرية و أكبر الكائنات البرية أيضاً ، فيحتاج الحوت الواحد إلى أربعة أطنان من السمك تدخل معدته حتى يشعر بالشبع ، و يحتاج وليده إلى ثلاثمائة كيلو من الحليب في الرضعة الواحدة ، و يتدفق من جسم الحوت في أثناء صيده ثمانية أطنان من الدم و فيه خمسة و عشرون طناً من الدهن ، و خمسون طناً من اللحم ، و عشرون طناً من العظام ، و تزن أعضاؤه الداخلية ثلاثة أطنان و لسانه طنين و نصف ، و يستخرج من الحوت ما يزيد عن مائة و عشرين برميلاً من الزيت ، وقد استطاع حوت واحد أن يجر سفينة ثمانية ساعات و نصف بسرعة تزيد عن خمس عقد في الساعة و السفينة تُعمل محركاتها بأقصى سرعة باتجاه معاكس لسيره .

أخوتي المشاهدين :

استمعتم قبل قليل إلى مقالة علمية عن الكائنات البحرية مأخوذة من مجموعة علمية عنوانها " لايف " أردت أن أستهل بها هذا اللقاء عن فن المقالة ، موضوع اللقاء فن المقالة، لتكون تجسيداً و متكئاً للأفكار النظرية المتعلقة بهذا الموضوع .

بادئ ذي بدء سأعرض عليكم مخططاً للموضوع و بعدها ننتقل إلى الحديث عن فقراته فقرة فقرة .

المخطط هو كما يلي :

المقالة : أولاً سوف نتحدث عن تعريفها و بعدها ننتقل إلى أهميتها و كيف أنها فن عصري ، بعدها نتحدث عن عناصرها و عناصر المقالة تتألف من المادة و الأسلوب و الخطة .

فالمادة هناك تعريف لها و هناك حديث عن شروطها ، و بعض الشواهد .

و الأسلوب فيه عناصر ثلاثة : الوضوح و القوة و الجمال .

و في الخطة مقدمة و عرض و خاتمة .

يا إخوتنا الطلاب و يا أعزاءنا المشاهدين :

جواب سؤال التعبير الأدبي في امتحان الشهادة الثانوية يشبه أن يكون مقالة أدبية متواضعة لشاب مغمور هو أنت أيها الطالب ، لذلك فقرات هذا الدرس و هذا اللقاء هي نفسها فقرات أصول كتابة موضوع في التعبير الأدبي ، الحديث عن فن المقالة عن تعريفها و عن مقوماتها هو حديث يشبه الحديث عن أصول كتابة مقالة أدبية أي جواب سؤال التعبير في الامتحان .

فالمقالة كما يعرفها إدموند جونسون و لنخرج قليلاً عن تعريف الكتاب: المقالة كما يعرفها إدموند جونسون فن من الفنون الأدبية و هي قطعة إنشائية ذات طول معتدل تكتب نثراً و تلم بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلة سريعة و لا تعنى إلا بالناحية التي تمس الكاتب عن قرب .

هذا التعريف تعريف إدموند جونسون فماذا عن تعريف الكتاب المقرر؟

تعريف الكتاب المقرر المقالة قطعة من النثر معتدلة الطول تعالج موضوعاً ما معالجة سريعة من وجهة نظر كاتبها ، سوف أشرح لكم هذا التعريف بالتفصيل و سوف أقف عند الكلمات التي تحتها خط في هذا التعريف .

فكلمة تعالج موضوعاً ما هنا جاءت عامة هي موضوعاً ما ، في التعريف تعني أن المقالة من أكثر الفنون الأدبية استيعاباً و شمولاً لشتى الموضوعات ، فموضوعات كالتضخم النقدي و أساليب الإعلان و التخدير بالإبر لا يمكن أن تحملها أجنحة الشعر ، و لا حوادث القصة ، و لا حوار المسرحية ، و المقالة وحدها تتقبل مثل هذه الموضوعات و أية موضوعات أخرى ، و تجيد توضيحها و تحسن عرضها ، إذاً الفن الأدبي الذي يتسع لأي موضوع يخطر في خاطر كاتبه هو فن المقالة ، إذاً تعالج موضوعاً ما ، و لكن هذه المعالجة ليست معالجة متأنية كالبحث العلمي إنها معالجة سريعة ، فكلمة معالجة سريعة في التعريف تعني أن كاتب المقالة ما زاد عن أنه شجّر تأملات أو تصورات أو مشاهدات تغلب عليها العفوية و السرعة ، فلو كانت المعالجة متأنية إذ جُمعت الحقائق و محصت و صنفت و اعتمد على الإحصاء و التجربة و المتابعة لعدَّ هذا العمل بحثاً علمياً و ليس مقالة أدبية ، فلو قرأت في مجلة علمية أن طيور البلاكبورد تطير في الخريف إلى شاطئ المحيط الأطلسي و من هناك تقوم برحلة جوية لا تصدق ، ما هي هذه الرحلة ؟ تقوم برحلة جوية لا تصدق فوق البحار في اتجاه أمريكا الجنوبية مجتازة مسافة أربعة آلاف كيلو متر بلا توقف خلال ست و ثمانين ساعة على ارتفاع يزيد عن ستة آلاف متر ، لو قرأت هذه الفقرة في مجلة علمية لعرفت أن هذه الأسطر قد كلفت العلماء سنوات طويلة من الملاحظة و المتابعة ، إذاً هذه الفقرة هي جزء من بحث علمي و ليس مقالة أدبية .

و أما كلمة من وجهة نظر كاتبها تعني أن المقالة تعبر عن ذات كاتبها أكثر مما تعبر عن موضوعها لأن كاتب المقالة يرى الأشياء من خلال ذاته و ما يعتمل فيها من مشاعر و انفعالات ، استمعوا معي إلى مي زيادة تتحدث عن طائرها :

" طائر صغير أحببته شهوراً طوالا ، غرد لكآبتي فأطربها ، ناجى وحشتي فآنسها ، غنى لقلبي فأرقصه ، نادم وحدتي فملأها ألحانا "

و الآن ننتقل إلى الفقرة الثانية من المخطط و هي أهمية المقالة ، و إذا شئت أن ألخص لكم كل ما سوف أقوله عن أهمية المقالة فالمقالة فن عصري .

يا إخوتنا المشاهدين و يا طلابنا الأعزاء :

كتب على غلاف إحدى المجلات ذات الطبعات الدولية كُتب هكذا : أكثر من مائة مليون يقرؤون هذه المجلة في مائة و ثمانين بلداً في العالم و بخمسة عشر لغة ، فما سر هذا الإقبال الشديد على مطالعة المقالات المنوعة في الصحف و المجلات ، في كل أقطار العالم ؟

إن السر يكمن في طبيعة العصر و طبيعة حياة الإنسان في هذا العصر، في هذا العصر التي طغت فيه المادة على القيم ، و نما العقل على حساب القلب ، و تعقدت أنماط الحياة ، و كثرت متطلباتها ، و استهلك كسب الرزق معظم الوقت ، و اختصر كل شيء حتى اختصرت الشهور في ساعات ، و السنون في أيام ، و ظهرت الحاجة ملحة إلى مطالعات سريعة خفيفة ، فتطلع الناس إلى الصحف و المجلات و استهوتهم الكتيبات و الدوريات و كأن الناس أرادوا أن يختصروا البحر في قارورة و البستان في باقة و ضياء الشمس في بارقة و هزيم الرعد في أغرودة ، و بحثوا عن فن أدبي يدور معهم أينما داروا و يرافقهم حيثما ساروا ، و يكون معهم في حلهم و ترحالهم و أحزانهم و أفراحهم ، في لهوهم و جدهم ، يعبر عن نشاطهم العقلي و عن اضطرابهم النفسي ، لذلك اختصرت الكتب في مقالات فجاءت بلسماً شافياً لمرض العصر و دواء لضيق الوقت فكانت المقالة من أوسع الفنون الأدبية انتشاراً لأنها أقلها تعقيداً و أشدها وضوحاً و أكثرها استيعاباً لشتى الموضوعات و أيسرها مؤونة على الكاتب و أسهلها هضماً على القارئ ، هذه هي الأسباب التي جعلت من المقالة من أوسع الفنون الأدبية انتشاراً و من أكثرها تلبية لحاجات العصر و لحاجات الإنسان العصري الذي يعيشها .و الآن ننتقل إلى العنصر الثالث من عناصر الخطة و هي عناصر المقالة ، و عناصر المقالة كما شاهدتم قبل قليل هي المادة و الأسلوب و الخطة .

فالمادة هي مجموعة الأفكار ـ الآن تعريفها ـ و الآراء و الحقائق و المعارف و النظريات و التأملات و التصورات و المشاهدات و التجارب و الأحاسيس و المشاعر و الخبرات التي تنطوي عليها المقالة ، تنوع التعريف بتنوع الموضوعات ، و هذا عن تعريف مادة المقالة فماذا عن شروطها ؟

الآن شروط المقالة : يجب أن تكون المادة واضحة لا لبس فيها و لا غموض ، و أن تكون بعيدة عن التناقض بين المقدمات و النتائج ، فيها من العمق ما يجتذب القارئ و فيها من التركيز ما لا يجعل من قراءتها هدراً للوقت ، و فيها وفاء بالغرض بحيث لا يصاب قارئها بخيبة أمل ، و أن يكون فيها من الطرافة و الجدة بحيث تبتعد عن الهزيل من الرأي، و الشائع من المعرفة ، و السوقي من الفكر ، و فيها من الإمتاع بحيث تكون مطالعتها ترويحاً للنفس أكثر مما تكون عبئاً عليها ، أن تكون المادة واضحة و صحيحة و عميقة و مركزة و وافية للغرض طريفة و ممتعة هذه شروط المادة في المقالة حتى تكون مادة قيمة يقبل عليها القارئ بنهم و شغف .

يقول أحد الكتاب إن مهمة الكاتب ليست في إضعاف النفوس بل في تحريك الرؤوس و كل كاتب لا يثير في الناس رأياً أو فكراً أو مغزى يدفعهم إلى التطور أو النهوض أو السمو على أنفسهم و لا يحرك فيهم غير المشاعر السطحية العابثة و لا يقر فيهم غير الاطمئنان الرخيص و لا يوحي إلا بالإحساس المبتذل و لا يمنحهم غير الراحة الفارغة و لا يغمرهم إلا في التسلية و الملذات السخيفة التي لا تكون فيهم شخصية و لا تثقف فيهم ذهناً و لا تربي فيهم رأياً لهو كاتب يقضي على نمو الشعب و تطور المجتمع هذه الكلمة لأحد الكتّاب يتحدث فيها عن مهمة الكاتب في مضمون المقالة أي في مادتها ، يجب أن تحرك الرؤوس لا أن تضعف النفوس ، يجب أن تثير المثل العليا لا الغرائز السفلى .

و العنصر الثاني في فن المقالة هو الأسلوب : و الأسلوب قبل أن نتحدث عن شروط الأسلوب ، الأسلوب في التعريف هو الصياغة اللغوية و الأدبية لمادة المقالة أو هو القالب الأدبي الذي تصب فيه أفكارها ، و مع أن الكتّاب تختلف أساليبهم بحسب تنوع ثقافتهم و تباين أمزجتهم و تعدد طرائق تفكيرهم و تفاوتهم في قدراتهم التعبيرية و أساليبهم التصويرية و مع ذلك فلا بد من حد أدنى من الخصائص الأسلوبية حتى يصح انتماء المقالة إلى فنون الأدب .

لابد في أسلوب المقالة من الوضوح ، الوضوح كما شاهدتم في المخطط ، الوضوح لقصد الإفهام ، و القوة لقصد التأثير ، و الجمال لقصد الإمتاع ، لابد من الفهم ، و لابد من التأثر ، و لابد من الاستمتاع، فكل شرط من شروط الأسلوب يحقق غرضاً من أغراض الأسلوب ، الوضوح للفهم ، و القوة للتأثير ، و الجمال للإمتاع ، فماذا عن الوضوح وضوح الأسلوب في المقالة ؟ لابد في أسلوب المقالة من الوضوح بقصد الإفهام ، فالوضوح في التفكير أساس الوضوح في التعبير هذه حقيقة مسلم بها ، الوضوح في التفكير أساس الوضوح في التعبير ، مادامت الأفكار واضحة وضوحاً جداً في ذهن الكاتب فلابد أن تأتي أفكاره و أساليبه واضحة كذلك ، و معرفة الفروق الدقيقة بين المترادفات ثم استعمال الكلمة ذات المعنى الدقيق في مكانها المناسب فكلمة لمح كما تشاهدون و لاح و حدج و حدق و حملق و شخص و رنا و استشف و استشرف كل هذه الكلمات تعني النظر، و لكن لكل كلمة معنى دقيقاً جداً يتحدث عن حالة من حالات النظر ، فلمح شيء ظهر ، إنسان نظر ثم أعرض ، بينما لاح شيء ظهر و اختفى ، و أما حدج فهو الحديث و المستمع ممتلئ بالمحبة ، و أما حدق حينما تكبر حدقة العين فهذا هو التحديق ، و أما حملق حينما يظهر حملاق العين و هو باطن الجفن فهذا معنى كلمة حملق ، و أما شخص مع الخوف ، و أما رنا نظر مع السرور، بينما استشف نظر مع التفحص بالأصابع ، و استشرف نظر مع التمطي في الأرجل ، فإذا عرف الكاتب المعاني الدقيقة جداً للكلمات أمكنه أن يستخدمها في مكانها الصحيح و بهذا يسهم استخدام الكلمة بالمعنى الدقيق في توضيح المعنى ، المعنى الواضح يسهم في توضيح الأسلوب و معرفة الفروق الدقيقة بين المترادفات تسهم أيضاً في توضيح الأسلوب و في ذلك معرفة العلاقات في التراكيب و تحديدها تحديداً دقيقاً و عدم الوقوع في اللبس أي احتمال تركيب معنيين في وقت واحد هذا يسهم أيضاً في توضيح أسلوب المقالة .

فالعبارة يسمح مثلاً لو قال أحدهم يسمح ببيع العلف لفلان ، قد يفهم من هذه العبارة أنها سخرية أو استهزاء أو تقريع فكأن فلان حيوان ، بينما يقال يسمح لفلان ببيع العلف فهذه عبارة واضحة محددة ، لا يمكن أن تحتمل معنى آخر ما أراده الكاتب ، فتحديد المعنى من قبل الكاتب عن طريق دقة الصياغة هو الذي يسهم أيضاً في وضوح الأسلوب في المقالة .

كما أن الإكثار من الطباق يزيد المعنى وضوحاً و قديماً قالوا بضدها تتميز الأشياء ، و كذلك المقابلة و المقابلة كما تعرفون تشابك طباقين أو أكثر ، فالمطابقة كالحر و القر ، و الجود و الشح ، و الطيش و الحلم ، إيراد المعاني المتعاكسة في النص من شأنه أن يوضح المعنى توضيحاً جيداً ، أما استخدام الصور بعامة و الصور البيانية بخاصة فهو شيء أساسي في توضيح أسلوب المقالة ، مثال ذلك ، يقول أحد الكتاب معرفاً الأدب : الأدب اليوم عصا بيد الإنسانية بها تسير لا مروداً تكحل به عينيها شبه الأدب بالعصا التي تستعين الإنسانية بها و ليست مروداً و المرود هو ميل الكحل ، ليست مروداً تكحل به عينيها و هو نور براق يفتح الأبصار ، و ليس حلية بديعة ساكنة فوق الصدور .

و الآن ننتقل إلى العنصر الثاني في الأسلوب و هو القوة ، قوة الأسلوب تعني أن هذا الأسلوب شديد التأثير فإذا كان وضوح الأسلوب يحدث عند القارئ قناعة فإن قوة الأسلوب قد تحدث عند القارئ موقفاً ، و الموقف هو أن تقف باتجاه هدف معين و تتحرك نحوه ، إذا كانت العبارات الواضحة تُحدث قناعة فإن قوة الأسلوب تُحدث موقفاً عند القارئ ، و تأتي قوة الأسلوب من حيوية الأفكار و دقتها ، و متانة الجمل و روعتها ، و كذلك تسهم في قوة الأسلوب الكلمات الموحية و العبارات الغنية و الصور الرائعة و التقديم و التأخير و الإيجاز و الإطناب و الخبر و الإنشاء و التأكيد و الإسناد و الفصل و الوصل و كل هذه الكلمات عنوانات لموضوعات مرت بكم في البلاغة و لاسيما في علم المعاني ، مثال ذلك: إذا أردنا أن نعيش سعداء حقاً فما علينا إلا أن نراقب القمح في نموه و الأزهار في تفتحها و نستنشق النسيم العليل و لنقرأ و لنفكر و لنشارك تايلر في إحساسه إذ يقول سلبني اللصوص ما سلبوا و لكنهم تركوا لي الشمس مشرقة و القمر منيراً و المياه الفضية الأدين و زوجة مخلصة تسهر على مصالحي و تربية أطفالي و رفقاء يشدون أزري و يأخذون بيدي في كربي فماذا سلبني اللصوص بعد ذلك؟ لاشيء فها هو ثغري باسم و قلبي ضاحك و ضميري نقي طاهر .

و أما الجمال في الأسلوب و هو العنصر الثالث في الأسلوب الجمال من أجل الإمتاع فهو شيء أساسي أيضاً في الأسلوب حينما يملك الكاتب الذوق الأدبي المرهف و الأذن الموسيقية و القدرات البيانية يستطيع عندئذ أن يتحاشى الكلمات الخشنة و الجمل المتنافرة و الجرس الرتيب ، و حينما يواءم بين الألفاظ و المعاني و يستوحي من خياله الصور المعبرة يكون أسلوبه جميلاً ، لأضرب لكم مثالاً : يقول أحد الكتاب البرج العاجي الخلقي هو السمو عن المطامع المادية و المآرب الشخصية فليس من حق مفكر اليوم أن ينأى بفكره عن معضلات زمانه و لكن من واجبه أن ينأى بخلقه عن مباذل عصره و سقطاته، البرج العاجي عندي هو الصفاء الفكري و النقاء الخلقي و هو الصخرة التي ينبغي أن يعيش فوقها الكاتب ، مرتفعاً عن بحر الدنايا الذي يغمر أهل عصره لا خير عندي من المفكر الذي لا يعطي من شخصه مثلاً أعلى لكل شيء نبيل رفيع جميل .

و أما العنصر الأخير في المقالة فهو الخطة ، و الخطة كما سوف تعرفون مقدمة و عرض و خاتمة ، و يسميها بعضهم الأسلوب الخفيف و هي المنهج العقلي الذي تسير عليه المقالة ، فإذا اجتمعت للكاتب أفكار و آراء يريد بثها للقراء و كان له من الأسلوب ما يستطيع أن تشرق فيه معانيه وجب ألا يهجم على الموضوع من غير أن يهيء له الخطة التي يدفع في سبلها موضوعه ، و الخطة تتألف من مقدمة و عرض و خاتمة. فالمقدمة هي المدخل إلى الموضوع ، و تمهيد لعرض آراء الكاتب ، و يجب أن تكون أفكار مقدمته بديهية مسلماً بها و لا تحتاج إلى برهان و أن تكون شديدة الاتصال بالموضوع ، و أن تكون موجزة و مركزة و مشرقة ، و أما العرض فهو صلب الموضوع و هو الأصل في المقالة و فيه تعرض أفكار الكاتب عرضاً صحيحاً ، وافياً متوازناً مترابطاً متسلسلاً و يستحسن أن يمثل الكاتب لكل فكرة و يربطها بسابقتها و يذكر أهميتها و يشرحها و يعللها و يوازنها مع غيرها و يذكر أصلها و تطورها و يدعمها بشاهد أدبي أو تاريخي .

هذه طريقة عرض الأفكار و يفضل أن تعرض كل فكرة رئيسة في فقرة خاصة ، و في الخاتمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب في العرض و يجب أن تكون واضحة صريحة حازمة .

إخوتي المشاهدين :

أرجو لكم التوفيق و النجاح في شتى الميادين و إلى لقاء آخر و السلام عليكمسم .

رحيق الشهادة
01-02-2010, 12:28 AM
ماذا عسى أقول مقالة جميلة في أسلوب رائع وأفكار .طبعا سوف تكون الكتابة مدهشة.حفظك الله يا شيخي على هذ الكلام .وربي يبارك فيك...جزاك المولى عنا كل خير.... بوركتي عزيزتي أم سلمة على النقل الرئع والمفيد.دوما الجواهر في صندوقك .مبددددددددعة.لك شكري وحبي غاليتي

هيام فوزي
01-02-2010, 09:57 AM
ماذا عسى أقول مقالة جميلة في أسلوب رائع وأفكار .طبعا سوف تكون الكتابة مدهشة.حفظك الله يا شيخي على هذ الكلام .وربي يبارك فيك...جزاك المولى عنا كل خير.... بوركتي عزيزتي أم سلمة على النقل الرئع والمفيد.دوما الجواهر في صندوقك .مبددددددددعة.لك شكري وحبي غاليتي


أختي وحبيبتي في الله رحيق

شكرا لك علي مرورك الطيب ...وأدعوا معك ان يبارك ربي في شيخنا الجليل د / راتب النابلسي

وشكرا لكلماتك الرقيقة والطيبة مثلك

جزاك ربي الجنة ومرافقة الحبيب صلى الله عليه وسلم

هيام فوزي
01-03-2010, 11:31 PM
فن كتابة المقالماجد بن محمد الحماد

كثيراً ما نقرأ الجرائد اليومية ونتصفحها وتشدنا بعض المقالات اليومية لبعض الكتاب البارزين الذين يتناولون العديد من المواضيع المتنوعة، والمستهدفة، والبعض الآخر منها يكون فكاهياً لخلق جانب من المرح والفكاهة لدى القارئ. وكل كاتب له طريقته الخاصة في صياغته وتنسيق العبارات والجمل في الموضوع.

إن الكاتب الناجح هو الذي يلفت أنظار القراء في مقاله ويشدهم إلى نهايته، فبعض المقالات تجذبك طريقة الاسلوب وسرد الموضوع بشكل منسق وجميل والبعض الآخر طويلة مملة في قراءتها ولا تحتوي على شيء جديد، ومن أهم تلك الأمور التي تجعلك كاتباً متميزاً هي بوجهة نظري الآتي:

@ تناول قضية اجتماعية جديدة لم يتم طرحها من قبل! بمعنى ابحث عن كل ما هو جديد من قبل فكل جديد ملفت وحاول البعد عن الأمور المكررة والروتينية.

@ تطرق إلى مواضيع تهم مصلحة المجتمع ككل وحاول أن تبتعد عن المواضيع المطروحة والتي سبق التطرق لها.

@ تجنب تكرار الجمل والاقتباس في كتابة المقال واجعل من مقالك واضحاً وهادفاً للقارئ.

@ البعد عن الجمل غير المفهومة أو المبهمة أو التي تكون مختصة إلى فئة معينة من الناس.

@ حاول ذكر بعض المواقف الصريحة إن وجدت ضمن نطاق الموضوع لدعم قوة المقال.

@ الاهتمام بالمقدمة في كتابة المقال وأيضاً في الختام لأن مفتاح نجاح المقال يكون دائماً بطريقة البدء فيه وفي طريقة الانتهاء.

@ تجنب الأخطاء الاملائية قدر المستطاع لأن شرط نجاح المقال خلوه من الخطأ.

@ مراعاة قواعد اللغة العربية في تنسيق الجمل والعبارات.

وأخيراً اتمنى انني وفقت في ذكر كل ما يهم في فن كتابة المقال والله الموفق.

هيام فوزي
01-03-2010, 11:35 PM
تعريف المقال
هو عمل أدبي نثري قصير نسبيا، يقوم الكاتب من خلاله بطرح ومناقشة فكرة معينة من وجهة نظره الشخصية، وعليه فإن نصوص المقالات تكون خاضعة للأحكام الشخصية لكتابها. وتعارف الادباء على المقال لا يتعاطى الخيال ، بل يطرح أفكارا واقعية تلمس صلب الحياة.
اتساع المساحة التي يستطيع كاتب المقال ان يغطيها جعلت من الصعب دراسة محاور مواضيع المقالات، الا أن النقاد الادبيين خرجوا بثلاثة محاور رئيسية
- المحور الشخصي، بحيث يتمحور المقال حول تجارب الكاتب الشخصية.
- المحور الواقعي، وفيه يكون المقال طرحا ومناقشة لأوضاع واقعية من الحياة العامة.
- المحور الفكري ، وفيه يحاول الكاتب الولوج في العالم غير الملموس والتعمق في خبايا النفس

كيف تبدأ بالكتابة
قبل البدء بكتابة المقال يجب علىالكاتب أن يحدد الهدف الذي يسعى لأجله . فهل هو :
1- تعريف القارىء بحقائق عن شخص، مكان ، حدث، ...
2- تعريف القارىء بآلية معينة لإتمام مهمة معينة
3- اقناع القارىء بوجهة نظر تخص في موضوع يعلم القارى عنه مسبقا
4- ان يعلم القارىء عن مفهوم جديد لمعلومة قديمة

ايجاد موضوع للكتابة

اشكال أقع فيه أنا وكل الكتاب الجدد، هو الرغبة في استمرارية الكتابة في حين أن المواضيع المؤهلة للكتابة فيها قليلة وتشح أحيانا، أجد الحل في ذلك بأن أبقي دفترا للأفكار قريبا مني، أدون فيه أفكارا تظهر بين اللحظة والاخرى وتصلح لكتابة مقال حولها. وعادة ما تبرز هذه الافكار عند مشاهدة الأخبار او تصفح الجرائد، او مراقبة الناس في المجتمع ، حيث أن العادات الاجتماعية و الاعراف السائدة تكون أحيانا واجهات للكثير من الافكار المتضاربة، التي تصلح للنقاش والطرح.

عندما تجلس للكتابة ، استعرض رؤوس الاقلام التي كتبتها في الدفتر بشكل افرادي، وقيم كل منها كموضوع مقال من حيث: هل لديك معرفة كافية بهذا الموضوع؟ هل تستطيع الحصول على معلومات اضافية عنه؟ ماذا سيكون الهدف من المقال اذا كتبت في هذا الموضوع بالذات؟ وكيف ستتدرج في أفكار المقال لتصل لهذا الهدف؟
وعادة ما تكون المفاضلة بين المواضيع المطروحة على أساس زخم المعلومات التي تمتلكها حول الموضوع.
لا تكتب في موضوع لاتعرف عنه الا القليل، او أن يدور موضوعك حول فكرة واحدة تعيد صياغتها بأشكال متعددة.
عندما تقرر في أي موضوع ستكتب، ضع على ورقة ، او في ذهنك، الاسلوب الذي ستتبعه لبلوغ الهدف المراد من الموضوع. هل سيكون اسلوبك سرديا متتابعا، ام أسلوب تعداد متتال، أم اسلوب تحليلي متعمق؟
وبديهي أن نقول ان الاسلوب يتبع الهدف :
اذا كان الهدف هو الاقناع بوجهة نظر الكاتب فيجب سرد الحجج الداعمة لوجهة نظره بشكل متتابع ومقنع.
اذا كان الهدف التعريف بشخص ما او مكان ما فيجب تعداد المعلومات المتوفرة لدى الكاتب عن هذا الشخص او المكان بعد تصنيفها بشكل منظم ومنطقي.
اما ان كان الهدف هو توضيح آلية يتم بها حدث معين فيجب على الكاتب تقسيم خطوات هذه الآلية الى أقسام ، وان تعذر ذلك فليستخدم التدرج البسيط مثل أولا ..ثانيا.. وأخيرا.

يجب أن تكوّن جملة لأطروحة الموضوع، والمقصود بها جملة تحتوي في معناها ملخصا لموضوع المقال. وعادة ما توجد هذه الجملة في الفقرة الاولى في المقال.
فمثلا في مقال الاستاذ جابر حبيب جابر بتاريخ اليوم ، وعنوانه " نهاية الزرقاوي أم نهايةالعقل المضلل؟" أتت جملة الأطروحة الثانية في الفقرة الاولى.

الفقرة الاولى في المقال هي المقدمة له، أي أنها تحتوي معلومات يستطيع القارىء من خلالها أن يعرف ما هو الموضوع المطروح في هذا المقال

هيام فوزي
01-25-2010, 04:02 PM
كيف تكتب مقالاً جيداً

من مقال للكاتب Craig Lock
ترجمه بتصرف: رمضان أبوغالية


أ
عجبني هذا المقال لإيجازه وطرقه للموضوع مباشرةً فباشرت ترجمته، فالحاجة ظاهرة لمثل هذه المقالات التي تطور مهارات الكتابة وتدفع المتهيبين للإقدام .

أولاً : إبحث وادرس بعناية موضوع المقال .

* فكر فيه من كل جوانبه بعناية، ماذا تريد أن تقول وكيف ستقول ذلك من خلال الكتابة .
* الأمر الجوهري في كتابة المقال الجيد هو البساطة مع ( لمسة غير عادية )
* اسعى دائماً للوضوح والبساطة في كتابتك

كيف يجب أن يكون طول مقالك :

للكتابة في الجرائد والمجلات الشعبية يتراوح عدد الكلمات بين 500 و700 كلمة أو بين الصفحة والصفحتين .
فمن الأفضل كتابة مقال في 1000 كلمة يقدم معلومات مفيدة من مقال طويل يحتوي على 3000 كلمة من اللغو الذي لا تخرج منه بشيء .

* دائماً حاول أن تضع نفسك مكان القارئ.
* بعد الإنتهاء من الكتابة أعد قراءة مقالك عدة مرات .

* نسق مقالك بتغيير بعض الكلمات والتعبيرات التي تشعر أنها غير مناسبة أو ركيكة أو أن غيرها أفضل .
* تأكد بأن مقالك يمكن قراءته بسرعة ويسر .

* إذا كان مقالك طويلاً فإن القاريء لن يتمكن من التركيزلفترة طويلة وسيمل ويتوقف عن القراءة .
* افحص الجمل والمقاطع بعناية للتأكد من أن الكلمات والجمل تنساب بشكل طبيعي وتلقائي ولاتحاول توليد المفردات والجمل توليداً قيصرياً كأعجابك ببعض الكلمات والتركيبات فتقحمها إقحاماً في غير مواضعها .
* يجب أن يتناول المقطع فكرة واحدة تطور من خلال جملة أو عدة جمل تقدم بشكل منطقي النقاط التي تحاول أن تطرحها .
* حاول دائماً أن تكون المعاني التي تقصدها واضحة، ولا تدخل القارئ في تخمينات لما تعنيه.
* تأكد من سلامة التراكيب والقواعد النحوية .
* احرص على الكلمات الأولى من مقالك فهي التي تجدب القاريء أو تصرفه .
* مهمتك كالبائع ، إغراء القراء بالقراءة أكثر، أي أن تجعل قارئك يريد أن يقرأ أكثرفأكثر.
* طور موضوع المقال بشكل منطقي وخطط بعناية لما تريد أن تقول .
* دون قائمة بالنقاط الأساسية ثم انتقل من نقطة إلى أخرى حيث تقود كلها بالنهاية إلى خلاصة.

مثال :
عندما تكتب مقالاً مثلاً حول تنامي استخدام الكومبيوتر المنزلي ، تحدث عن أربعة أو خمس نقاط:

1) الأسعار.
2) من يشتريها.
3) كيفية استخدامها.
4) التأثيرات المستقبلية.

* في مقال صغير كل نقطة من هذه النقاط تكون مقطعاً، وفي مقال أطول تطور هذه النقاط .
* رتب هذه النقاط ترتيباً منطقياً.
* يمكنك تضمين نقاط فرعية من كل نقطة ففي هذه المقال المتعلق بالكومبيوتر المنزلي ، يمكن أن يشمل : معالج الكلمات ،، ألعاب الحاسوب ، حسابات ، العمل المدرسي.

مكونات المقال الأساسية

المقدمة : وهي التي تقدم فيها للقارئ موضوع المقال .

لب المقال : وهو الذي يشمل أغلب المقال وهو يؤدي بدوره إلى الخلاصة .

الخلاصة : تجد فيها خلاصة كل النقاط المذكورة سابقاً .

وكما أشرت فإن العنوان والكلمات الأولى من المقال تكتسي أهمية خاصة لشد انتباه القارئ .

إن مفتاح كتابة المقال الجيد تكمن في التخطيط الجيد ، تجميع المادة ، والتفكيرالواضح . إمض وقتاً كافياً للتفكير قبل أن تخط سواداً في بياض وابحث عن الأفكار الملهمة .

هيام فوزي
01-25-2010, 04:08 PM
كيف تكتب مقالاً أدبيا ؟


كنت متردداً في بداية مقالي هذا .. هل أكون مباشراً في الطرح ، وألقي فكرة المقال بلا مقدمة ، أو أن استجيب لانتفاضة القلب عندما أتحدث عن (الأدب) ، أو أكتب ؟ !

نعم ! يهتز القلب ، وتأخذ النفس من النشوة راحةً طارفة ؛ فبيني وبينه -الأدب - شجون وأطوار وساعات أنس خلت من ضواغط الحياة المزعجة .. فمهلاً بني قومي ؛ فمهلاً بني قومي !

ففي تلك الساعات تأرجح القلب في اللاشعور التي تجلل القلب الهدؤ، وتسيِّر معاني الجمال في فؤادي كمشية الحسناء من بيت جارتها (مر السحابة لا ريث و لا عجل ) ...!

الأدب : كالنجوم ؛ كلمات الليل الناعسة التي تصل العاشقين، وتورق السرور، والأنس في عيون المنادمين..! كأنه زهور بجانب الغدير مصطفة حول معين استشعار الجمال المنشود ..! تتطاير منه أحزان العمر، والأتراح السالفة ، ويجتمع شتات القلب، وتصبح الحياة أروع من بيضة ناصعة في روضة خضراء غناء ...!.

* أريد في البداية أن نورد وصف المقال الذي أجمله أستاذنا الكبير د. حسين بن علي بن محمد . قال: (ولعلنا نستطيع أن نجمل وصف المقالة فيما يلي :

1- قطعة نثرية محدودة الطول .

2- ينبغي أن تكون متسمة بالأصالة ، بمعنى التعبير عن الذات .

3- تقدم فكرة ، أو موضوعا ، أو قضية جديرة بالمناقشة .

4- يبرز فيها الانفعال الوجداني .

5- تحمل الإقناع ، والإمتاع .

6- عباراتها واضحة ، منتقاة .

7- فيها دقة الملاحظة ، و خفة الروح ) [1]

اختيار العنوان

* كيف تختار عنوان مقالاتك ؟

* أما اختيار العنوان ، وطريقة استجلابه ؛ فهو من العوامل التي لها التقدمة في سبيل نجاح المقال .

فعنوان المقال الأدبي تأخذه من تلك المواقف المؤثرة ،أو المناظرالتي وضعت فيك رغبة للتعبيرعن اعتلاجات نفسك ، وتداعياتها تجاه ما رأيت .

فمثلاً: كنتَ متكأً على كثيب من الرمل ،تحت صفاء السماء ، والنفس هادئة؛ فقد ابتعدت عن كدر الحياة الممل ، تحس بأنك سعيد ، ونفسك مطمئنة.. ثم رأيت سحابة تسير لوحدها في علياء السماء تظهر السكينة ، والهدؤ كما النفس التي بين جوانحك . .

بيضاء ممردة .. كقلبك الغض الذي بتر علائق الحزن ، وأصبحت سلافة الضيق، والضنك فيه خائرةً أمام الطبيعة الوارفة ؛ فأخذت نفَسَك تساؤلاتٌ شتى : ما وجه الشبه بيني ، وبين هذه السحابة ؟ وهل كان لقاؤنا صدفة من غير موعد مضروب، أو حكمة إلاهية أرادت اجتماعنا في مثل هذه الساعة ؟! يا ترى هل تحس هذه السحابة بمثل ما أحس به اللحظة... ؟!

وبعد الكم من الأسئلة المتلاحقة ؛ ستجد نفسك مجبراً على رقم مشاعرك ،و اعتلاجات نفسك بمداد أسود ، على ورق أبيض ، وتحت نور القمر ! لتظل ذكرى خالدة ، وتستعيد من خلالها ذكرياتك المؤنسة .

ونهايةً أقول: الفكرة الأدبية ، وعنوانها ؛ لا تتكلف ، ولا تصطنع ، ولكن هي هاجس الأديب في الخلوة، والجلوة ، وشغله وقت فراغه ، وقضيته حين يتأمل ، ويتفكر . . وزاده الطبيعة الخلابة والنظرة المتأملة . . وهكذا يخرج الأديب بالفكرة الأدبية، والعنوان الأدبي المتميز .

صياغة العنوان

بعد أن تحيط علماً بفكرة مقالك، وسر التأثير الذي دفعك لحكاية أحاديث النفس تجاه ما رأيت من طبيعة أخاذة ، وتطلعات مرضية ؛ تأتي الخطوة التي بعدها :

كيف تصيغ عنواناً لمقالك ؟

أقول :

* بعد أن فهمت فكرتك جيداً ضع أقرب العناوين التي تفرضها نفسك عليك ؛ لكي لا تتكلف العنوان

فتفسد على نفسك ، وتضيق على عقول المتأملين فيه؛ فإذا أردنا أن نعمل لهذا مثالاً؛ فلنقترح عنواناً لمنظر (السحابة) السابق ؛ فنقول مثلاً :

(أنا والسحابة، أو قلب كالسحابة ،أو في معزل عن أعين الرقباء، أو أيتها السحابة ...) أو مايمليه ذوق الأديب ، ونظرته المتأملة، المهم : أن لا تتكلف العنوان ، وتكد خاطرك من أجله ويحكي في نفس الوقت فكرة المقال الأساسية ؛ لأنه سيكون بعد ذلك بدايةً لوضع أفكار مقالك ونقاطه ؛ فلا بد من العناية بفكرته ، وصياغته .

ما علاقة العنوان بفقرات المقال ؟ !

أقول :

* العلاقة وثيقة متأكدة ؛ فلن يشار إلى مقالك أنه متسلسل الأفكار ، وواضح في مقصده ، وفحواه وبنيته محكمة متماسكة ؛ إلا إذا ارتبطت فقرات المقال بعنوانه ، ووضعت الأفكار من خلال إعادة النظر ، والتأمل فيه .

وابتكار الأفكار مما يمليه – العنوان - على الأديب ؛ نختار من العناوين - السابقة - (قلب كالسحابة) .. اختار الكاتب- مثلاً- هذا العنوان ، وبدأ بعد ذلك يتدبر فيه ويتفكر ، ويدير خاطره فيه ؛ فيقول :

* يا ترى ما وجه الشبه بين خلوة قلبي ، وهدؤ نفسي في تلك الساعة ، وتلك السحابة الطارفة ؟ ! ثم إلى أين تسير تلك السحابة ، وكيف نهايتها ،وهل القلب سائر على خطاها : في مسيرتها ونهايتها ؟! وهل ممكن أن تكون الصدفة هي التي جمعت القلب بهذه السحابة، أو أن هذه حال المخلوقات التي تشابهت ظروفها لا بد لها أن تلتقي ؟!

ونهايةً :

* هل سينسى القلب بعد الفراق هذه السحابة ، ويا ترى هل من الممكن أن يكون لقاء آخر في المستقبل المنتظر ... أو يكون هذا أول لقاء ، وآخر لقاء...؟!. وبعد هذا بإمكان الأديب من خلال هذه الأفكار أن ينطلق من ذلك العنوان إلى نهايته بلا مشقة ، ولا عنت .

بداية المقالة

إن من أهم ما يقال تحت هذه النقطة ؛ ما يلي :

* أن تكون البداية ممهدة للفكرة ، وما يريده الكاتب ؛ فلا يصح دخول الكاتب مباشرة إلى صلب الفكرة ؛ ومن المقدمات التي تورد تحت هذه الفقرة المهمة ؛ مقدمة

* (المنفلوطي) في مقالته (مناجاة القمر)[2]:

(أيها الكوكب المطل من علياء سمائه ، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد جمان ؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه ؟ وهذه النيرات حور وولدان ؟ أم فص من ماس يتلألأ ؟ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار ؟ أم مرآة صافية ؟ وهذه الهالة الدائرة بك إطار ؟ أم عين ثرة ثجاجة ؟ وهذه الأشعة جداول تتدفق ؟ أو تنور مسجور ؟ وهذه الكواكب شرر يتألق ؟!) لا حظ - أخي القارئ - أن مقدمته هذه ممهدة ، ولم يدخل في صلب الفكرة بعد ، والمتأمل في المقالة سيعرف ذلك جيداً .

- واعلم- أخي القارئ - أن مما يزيد المقدمة أهمية :

* أن المتكلمين عن المقدمات في المقالات الأدبية ، أو الخطب ، أو ما أُعِدَّ للإلقاء ، أو غيره ؛ يقولون :

* إن المقدمة هي أصعب ما يواجه المعبر ، أو الكاتب ، أو الملقي عندما يريد أن يؤدي رسالته .

* المقدمة الممهدة للفكرة هي التي تصنع لمسة الجمال ، والتأثير في المقال الأدبي ؛ ولن تصل إلى إجادتها ، أو غيرها من عناصر المقالة إلا بالدربة ، وكثرة المراس .[3]

مضمون المقال

لن أقف عند الأفكار، وترتيبها ، وبنية المقال، وأهمية تسلسل النقاط ؛ لأنها من البدهيات والأسس التي لزاماً على الكاتب أن يكون قد عقل أهميتها ، وعنده القدرة على الوصول إليها .

أقول : مما ينبغي الإشارة إليه قولاً لأحد العلماء ـ المتقدمين ـ سيختصر على الكاتب كثيراً من القول في معرفة الألفاظ التي يجب أن يستعملها عند الكتابة ، يحاول التعرف عليها ،والوصول إليها ؛ يقول :

- هناك ألفاطاً يعرفها الناس ،ويتداولونها ؛ فلا ينبغي للكاتب أن يستعملها ؛ لأنها

مبتذلة ؛ وهناك ألفاظ لا يعرفونها ..غريبة .. وحشية ؛ فلا يسوغ للكاتب

أن يستعملها؛ وهناك ألفاظ يعرفها الناس ولكنهم لا يستعملونها ؛ لأن فيها رفعة، وفصاحة فلا يستعملونها لأن لغة التفاهم التي يريدونها بينهم في مُجريات حياتهم أبسط منها ؛ فهذه هي التي تستعملها - أيها الكاتب - ويكون لها ثقل ، وإكبار في أذن السامع . أ. هـ .

فلا تنقع أدبك في أوحال العامية ،ولا ترتفع ، وتبالغ حتى تصل الغريب الوحشي ، وتخرج عن حيِّز الفصاحة ، والبلاغة .

وستصل إلى هذه الألفاظ التي أرادها صاحب المقولة السابقة؛ من كثرة المطالعة في كتب الأدب المشهود لها بالذروة السامقة في عالم الأدب ، وبتميزها في حكم النقاد، ومن الأمثلة على مثل هذه الألفاظ ما استخدمه (المنفلوطي) في (مناجاة القمر) : (تشرف ، جمان ، الهالة ، ثجاجة وهادها، ونجادها ..) وغيرها مما ملئت به كتب الأدب ؛ والتي نصحنا بقراءتها أستاذتنا والعالمون في هذا المجال : ممن هم مرجع في هذا الضمار [4]؛ كما يلي:

- (وحي القلم) لـ (مصطفى بن صادق الرافعيّ) ؛ ويقول أستاذنا الدكتور : (عبد الله بن سليم الرشيد) : أنه قال - الرافعيّ - قبل موته ، أو في آخر حياته عن (وحي القلم) : (أنه روح من روح الله) وكتاب (على السَّفُّود - نظرات في ديوان العقاد) : أنه رجس من عمل الشيطان ) للقسوة التي انتهجها - رحمه الله - في كتابه على العقاد .

* والكتاب الآخر للعالم الكبير (محمود بن محمد شاكر) - رحمه الله -فقد قال عنه أستاذنا د. ( حبيب بن معلا اللويحق ) :

* (أنه من الكتب التي بلغت الذروة في المقالة عموماً ، وهو مفيد جداً لمن يقرأه) .

* ثم إن من الكتب التي تعين طالب الأدب عموماً القراءة في شعر (عمر أبو ريشة) ، وخاصة في امتلاك الصورة الفنية ، و الاستخدمات الراقية للألفاظ ؛ وقد سألت أستاذنا ، الدكتور: (عبدالله بن سليم الرشيد) بعمل دراسة على شاعر ؛ فأشار علي بـ (عمر أبو ريشة) وسأستفيد كثيرً !. والقراءة في شعر الدكتور : (عبد الله بن سليم الرشيد ) ، وكان آخر ديوان له ـ حفظه الله ـ (حروف من لغة الشمس ) ، وقد قال الدكتور : ( حبيب بن معلا ) عن الدكتور (عبدالله بن سليم الرشيد ) :

- إن أطال الله بعمره فسيكون من أفضل الشعراء السعوديين ، وأنه يملك أداة التصوير ببراعة تسر الناظرين ، والسامعين .

- ثم لا أجد لطالب المقالة بداً إلا أن يعيد النظر مراراً ، وتكراراً في كلٍّ من (مقامات الحريري) بشرح (أبي العباس أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي) و(البيان والتبيين)

- (الجاجظ) تحقيق (عبد السلام هارون) .

- الرجوع إلى المعاجم اللغوية ضروري لطالب الأدب ، وامتلاك سحر القول ؛ لكي يكون عوناً للوصول إلى ما يحب الله - جل وعلا - ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن أجل هذه المعاجم والموسوعات ( لسان العرب ) لـ (ابن منظور) ؛ فمن خلال هذه المطالعات حاول جاهداً أن تختزن ما يمر بك من أمثال عربية ساحرة ، أو صور بارعة ، أو ألفاظ ، وتصريفات ملفتة لتكون عدتك في هذا المضمار ؛ كما يحب الله ، ورسوله .

- وهناك فكرة [5]طرحها أحد المتكلمين عن أصول الحوار ، وعلم الكلام - من المتـأخرين - يقول :

- هناك بعض الأفكار تحتاج في التعبير عنها إلى الجمل القصيرة ، وبعضها إلى الجمل المتوسطة وبعضها إلى الجمل الطويلة التي تحتاج إلى نفس طويل ؛ فلن تجد الكاتب يستعمل فيها الفواصل غير المنقوطة [6]، وبعضها يكفي الكاتب استشهاد ببيت شعري ، أو مثل من الأمثال العربية ويؤدي فكرته ، ومراده من غير نقص ؛ لهذا على الكاتب ؛لكي يكون دقيقاً في تعبيره أن يحدد ما المناسب لفكرته ؛ للتعبير عنها . . هل الجمل القصيرة ، ذات الفواصل غير المنقوطة ، أو المتوسطة

أو الطويلة ، ويراعى في كلٍّ علامات الترقيم ، وسلامات الجمل من الخطأ النحوي (6)

أو الصرفي ، أو البنائي . مثال للفكرة التي تحتاج إلى التعبير عنها إلى الجمل القصيرة ؛ قول ( المنفلوطي ) في (مناجاة القمر) :

ـ (أيها القمر : إنك أنرت الأرض ، ووهاده ونجادها ، وسهلها ووعرها ، وعامرها

وغامرها ...) ، والمتوسطة قوله :

ـ ( فهل لك أن تشرق في نفسي ظلمتها ، وتبدد ما أظلمها من سحب الهموم ،والأحزان ) .

وعموماً : كتب الأدب زاخرة بمثل هذا ، وأكثر ؛ ولكن نقب عنها بقراءة ناقدة ، وستستفيد كثيراً.

ـ التنويع في استخدام المؤثرات داخل المقالة :

وذلك باستخدام الأساليب الإنشائية من نداء، واستفهام، وأمر، ونهي ، ونفي ، وتعجب ! .

- فمثال النداء : قول (المنفلوطي) :

- (أيها الكوكب المطل من علياء السماء . . أيها القمر المنير :

إن بيني وبينك شبهاً ، واتصالاً) .

- ومثال الاستفهام الذي يبعث التفاعل مع المقالة الأدبية : قوله :

- (وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك ؟!)

- ومثال الأمر : قوله :

- (قف قليلاً ، لا تغب عني) إلى غير ذلك مما ستجده بكثرة ، ووضوح في كتب (الأدب ، وكتب النقاد الأدبيين) ، وانصح - حقيقة - لمن أراد التمكن من إعمال الأساليب الإنشائية في مقالته قراءة كتاب (الأساليب الإنشائية) لـ (عبد السلام هارون) .

- هنا ك ـ أيضاً ـ تنويع من نوع آخر ألا وهو :

- ومن المؤثرات التي لها النصيب الأكبر تأثيراً على القراء ، والمطالعين :

التصويرات الأدبية، والتعبيرات التأملية ، واستعمال أضرب الجمال الطبيعي، واستخدام الصورة الحالمة؛ للوصول إلى أعظم أداة يستعين بها الكاتب للتأثير في القراء ، وحتى النقاد .

ومثال هذه التصويرات قول (المنفلوطي) :

- ( أيها الكوكب المطل من علياء سمائه أنت عروس تشرف من نافذة قصرها ،وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان ؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه ؟ وهذه النيرات حور وولدان ؟ أم فص من ماس يتلألأ ؟ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار ؟ أم مرآة صافية ..) .

- واختم بهذا التحذير الذي أخذناه مشافهة من أستاذنا، وأخينا د : (حبيب بن معلا اللويحق )؛ حيث قال :

- إياك يا كاتب المقالة من النبرة الخطابية في مقالك الأدبي . أ. هـ

نعم ! اكتب بهدؤ ، ويسر كأنك على ظهر زورق ،تسير على نهر راكد ، والبدر مكتمل أمام عينيك ، وهدؤ الليل الدجوجي يملأ مسامعك ؛ كأنك ماضٍ إليه :سفر اللاعودة إلى عالم النور، والصفاء .. دون أن تدفن مجدافك في ماء النهر ذي الأسراب الطيعة ...!

نهاية المقال

لا بد أن يختم بطريقة توحي للقارئ أن الكاتب قد أدى رسالته المنتظرة منه في مكتوبه .

ولكن الفكرة التي يجب أن ينتبه إليها الكاتب في خاتمة المقالة :

ـ أن لايضيف فكرة جديدة تحتاج إلى تعبير ، وبسط ؛ إنما هي خاتمة ، ووداع تودع به القارئ لمقالك فلا تطرح الجديد الذي يحتاج إلى بسط ، وتناول أكثر . . واقرأ إن شئت خاتمة المنفلوطي في (مناجاة القمر) :

(أيها القمر المنير: ما لي أراك تنحدر قليلاً قليلاً إلى مغربك كأنك تريد أن تفارقني، وما لي أرى نورك الساطع قد أخذ في الانقباض شيئاً فشيئاً ، وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك ؟ قف قليلاً، لا تغب عني، لا تفارقني ، لا تتركني وحيداً؛ فإني لا أعرف غيرك ، ولا آنس بمخلوقٍ سواك .

آه ، لقد طلع الفجر، ففارقني مؤنسي ،وارتحل عني صديقي ، فمتى تنقضي وحشة النهار، ويقبل إليّ أنس الظلام !!) .

في هذه الخاتمة عامل (المنفلوطي) القمر بما هو أهله ؛ فعادته الأفول، ومن اللازم أن يكون آخر عهد بين الكاتب ، والقمر؛ فجعل توديعه، وأفوله آخر المقال، وخاتمته ؛ فكل نهاية مقال أدبي يجسدها الكاتب، ويصوغها تكون بحسب فكرة المقال نفسه، و الأطراف، والأفكار التي صنعها الكاتب في مقاله الأدبي .

وفي النهاية : أتوجه إلى الواحد جل ، وعلا ، من خلق الأرض ، والسماء ، وعلى العرش استوى ! فأقول :

- اللهم ربي لك الحمد؛ كبرتنا من صغر، وأطعمتنا من جوع ، وكسوتنا من عري، وهديتنا من ضلالة ، وعلمتنا من جهل .. لك الحمد حتى ترضى ، ولك الحمد إذا رضيت ، ولك الحمد بعد الرضى .. اللهم اجعل هذا العمل – القاصر- خالصاً لوجهك الكريم ، وتقبله مني برحمتك يا أرحم الراحمين ، وانفع به من يقرأه ممن أراد عزاً ، ورفعة لهذه الأمة يا رب العالمين .

اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، واغفر لنا برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله ، وصحبه ، ومن اقتفى الأثر ، واتبع السنة إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيراً



منقووووووووووووووووووووووووول