أفراح الأمة
04-12-2010, 12:29 PM
موعد تحرك الجنين معجزة علمية
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1270813370baby-06.jpg
صورة ثلاثية الأبعاد لجنين في بطن أمه صورت بالأمواج الصوتية فتبارك الله أحسن الخالقين
د. محمد دودح
المستشار العلمي بالهيئة العالمية
للإعجاز العلمي في القرآن والسنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد: فجوابا على السؤال عن موعد نفخ الروح؛ هل هو طِبِّيًا كما قال علماء الأمة الأجلاء بعد 120 يوما, أم هو كما يقول به البعض اليوم بعد 40 يوما, وهل يجوز الإجهاض قبله؟, أقول مستعينًا بعلام الغُيوب سائلهُ تعالى الرشاد والتوفيق والسداد:
(أولا) موعد تحرك الجنين في القرآن الكريم: وفق المصطلحات الوصفية في القرآن الكريم وعلم الأجنة يمر الإنسان بجملة أطوار تكوينية:
(أولا): النطفة الأمشاج؛ أي المختلطة العناصر الوراثية من الجنسين, وتتكون عند الإخصاب fertilization في الثلث الخارجي لقناة الرحم بتلقيح حوين منوي يحتوي على نصف عدد الفتائل الوراثية في خلية كل بشر للبويضة التي تحتوي على النصف الآخر, فتتكون أول خلية بشرية Zygot تحتوى على كامل الفتائل الوراثية (23 زوجا), ورغم تضاعف عدد الخلايا خلال الانتقال وحتى الغرس بالرحم في نهاية الأسبوع الأول يظل الكائن الحديث الخلق بهيئة نطفة (قطيرة ماء) كروية الشكل بالكاد ترى بالعين المجردة.
(ثانيا): العلق وتكوين الجنين Embryo, وفي هذا الطور الذي يستمر حتى نهاية الأسبوع الثالث يماثل الجنين العلقة leech؛ في الشكل الطولي كالدودة والعيش في سائل والتعلق والتغذي على دماء كائن آخر وانعدام عمل الجهاز الدوري.
(ثالثا) المضغة, وفي تلك المرحلة منذ بداية الأسبوع الرابع وحتى نهاية السادس يكون الجنين بالفعل كتلة معتبرة كالمضغة؛ أي بحجم وهيئة ما يُمكن أن يمضغ وتظهر عليه انبعاجات وعلامات الأسنان نتيجة لتكوين أوليات الفقرات والأعضاء.
(رابعا): العظام والعضلات, وتكوين أوليات الهيكل معلم بارز في تاريخ الكائن البشري حيث تبدأ الهيئة البشرية في الاتضاح مع تكون العظام في الأسبوع السابع وتتضح أكثر مع تنامي العضلات في الثامن؛ وبنهايته تتكامل جميع أوليات الأعضاء وتنتهي المرحلة الجنينية Embryonic Stage التي تبدأ مع بدء طور العلق الذي يمثل البداية الفعلية لتكوين الجنين بالرحم.
(خامسا) مرحلة الحُمَيل fetus؛ وتبدأ هذه المرحلة مع بدء الأسبوع التاسع وتستمر حتى الولادة بعد حوالي 266 يوما منذ تخصيب البويضة, وتسمى بالمرحلة الحميلية Fetal Stage, وتتصف بالنمو وتعديل الهيئة وبدء وظائف الأعضاء في العمل, ومن الأحداث المهمة فيها اتضاح مظاهر الذكورة في الشهر الثالث نتيجة لإفراز هرمون الذكورة وإلا بقي المظهر الموحد في الجنسين حتى تتضح الأنوثة في الرابع, وتتضح للأم حركة الجنين الإرادية بنهاية أربعة أشهر علامة أكيدة على الحياة الواعية.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1270812213220px-human_embryo_-_approximately_8_weeks_estimat (http://quran-m.com/firas/ar_photo/1270812400800px-human_embryo_-_approximately_8_weeks_estimat)
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1270812191220px-tubal_pregnancy_with_embryo.jpg (http://quran-m.com/firas/ar_photo/1270812285562px-tubal_pregnancy_with_embryo.jpg)
صورة للجنين في طور العلق أضغط على الصور لتكبيرها
وتعجب أن يصف القرآن قبل اكتشاف المجهر أطوار الجنين في منظومة دلالية تتكامل بلا اختلاف رغم تعدد المواضع, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون: 12-14, وفي مقابل دلالة حرف (الفاء) في التعبير (فخلقنا, فكسونا) على الترتيب والتعقيب بغير مُهلة فإن الأداة (ثم) تقتضي المُهلة؛ فتفيد تأخر مظاهر تكون إدراكه واتضاح حركته الإرادية بمدة أكبر نسبيا في مرحلة لاحقة تلت مرحلة تخليق أوليات الأعضاء التي انتهت باكتمال أوليات الهيكل العظمي والعضلات, والثابت علميا بالفعل أنه قريب الشهرين تكون كل أوليات الأعضاء قد اكتملت بينما يتأخر اتضاح حركة الجنين إلى أربعة أشهر؛ وأنه يمكن رصد انتظام دوري للحركة يعكس وجود فترات منتظمة من النوم واليقظة علامة على بدء المخ أداء وظائفه, قال ابن كثير المتوفى سنة 774 هـ في تفسيره (ج5ص466): "(ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي: ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار (خَلْقًا آخَرَ)؛ ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب".
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28و29]؛ نقل الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ في روح المعاني عن أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ تفسيره للتعبير بالنفخ بقوله (ج14ص36): "عَبَّرَ (عن إيقاد الوعي والحركة) بالنفخ الذي يكون سببًا.. لاشتعال الحطب", وفسر الألوسي مضمون المَثَل بقوله (ج23ص225): "نفخ الروح فيه.. إعطائه قوة العلم والعمل", وبعبارة أخرى: نشأة الوظائف الإدراكية وبدء الحركة الإرادية, والأصل في دلالة لفظ (النفخ) في بادية العرب زمن التنزيل هو دفع هواء النَّفّس ليشتعل الحطب وتتأجج النيران؛ وكَأَنَّ روحًا من الفم أوقدته وبثت في ذلك الحطب المُهَيَّأ للاشتعال حركة وحياة, فاستعيرت صورة (النفخ) لبث الملكات العقلية والحركة الإرادية في الجنين؛ وكأن الوعي والحركة اشتعال ما يلبث أن يتضاعف توقده ويتجلى تأججه, وهو من روائع التمثيل ودقيق التعبير المطابق للواقع في القرآن الكريم.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1270812555656.jpg
تأجج نيران موقد الحطب بالنفخ وتحرك ألسنة اللهب مشهد معلوم في بيئة العرب.
وعبارة النيسابوري المتوفى سنة 728 هـ في غرائب القرآن (ج4ص484): "ليس ثَمَّ نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل.., ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: (روحي) للتشريف والتكريم مثل (ناقة الله) و(بيت الله)", وعبارة أبي السعود المتوفى سنة 951هـ في إرشاد العقل السليم (ج5ص74): "(فإذا سويته) أي صورته بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية.. (و) سويت أجزاء بدنه.., (ونفخت فيه من روحي).. إنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة (الواعية)", وهكذا أيد الكثير من المفسرين أن تعبير (نفخ الروح) تمثيل للمعنوي بحسي بغرض بيان بث الحياة الواعية والحركة الإرادية؛ منهم النسفي المتوفى سنة 710 هـ في مدارك التنزيل (ج2ص241), وأبو حيان المتوفى سنة 745 هـ في البحر المحيط (7ج ص192), والخطيب الشربيني المتوفى سنة 977 هـ في السراج المنير (ج3ص440), والشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ في فتح القدير (ج4ص632), والجاوي المتوفى سنة 1316 هـ في التفسير المنير (ج3ص42), وقولهم بالتمثيل لبث الروح بمشهد النفخ المحسوس في الحطب يعني تفويض طبيعة الروح كأمر غيبي لعلام الغيوب.
وتتعدد في القرآن الكريم معاني لفظ (الروح) وتُبَيِّن القرائن المعنى اللائق الموافق للمقام؛ وقد يرد لوصف نعمة نفيسة, وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]؛ قال الرازي المتوفى سنة 606 هـ في تفسيره (ج5ص447): "جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب.. وُصف بأنه روح، والمراد من قوله (مِنْه) التشريف والتفضيل؛ كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.., (وقيل أيضا): روح منه؛ أي: رحمة منه, (كما) قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ﴾ [المجادلة : 22]؛ أي برحمة منه"، ووُصِفَ القرآن كذلك بالروح على سبيل التمثيل بالمعهود الذهني الشائع في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52], قال الراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502هـ في مفردات ألفاظ القرآن (ج1ص421): "سُمِّيَ القرآن روحًا.., لكون القرآن سببًا للحياة الأخروية", وقد وُهِبَ الإنسان نعمة نفيسة كذلك هي العقل؛ فنشأت المَلَكَات العقلية وهو جنين وتحرك إراديًا بعد التهيؤ بتكون الأعضاء, وفي قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: 7-9]؛ قد تَلَاَزم (نفخ الروح) كتعبير عن الحركة والوعي مع بدء نشاط الوظائف الإدراكية والإرادية على سبيل التفسير كمعلم بارز في تاريخ الجنين, وأبرز معالم الوعي نشأة وظائف أجهزة السمع والبصر والجهاز العاطفي Limbic System وأبرز معالم الإرادة اتضاح الحركة الإرادية دليلا على بث الحياة الواعية, والالتفات من الحديث بضمير الغيبة (نسله, وسواه, ونفخ فيه) إلى ضمير الخطاب (وجعل لكم) يناسب تلك النقلة الواسعة.
وقد رصدت أجهزة الموجات فوق الصوتية حديثًا بعض حركات إرادية للجنين كمص الأصبع ابتداء من الأسبوع السادس عشر؛ ويمكن في وقت مبكر رصد بعض حركات فردية للعضلات قبل الحركة الإرادية المنسقة بين الجهاز العصبي والعضلي, وبعد الأسبوع السابع عشر (أربعة أشهر) تكون الحركات الإرادية قد اتضحت تماما نتيجة للنشاط الإرادي للجهاز العصبي, قال ابن القيم المتوفى سنة 751 هـ في كتابه التبيان في أقسام القرآن (ج1ص218): "فإن قيل: الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا؟؛ قيل: كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات, ولم تكن حركة نموه وإغتذائه بالإرادة, فلما نُفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه", وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين المتوفى سنة 1421 هـ في تفسيره (ج34ص4): "والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها..؛ قال تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: 85], فينفخ الملك الروح في هذا الجنين فيبدأ يتحرك، لأن نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، (و)بعد أن تنتفخ فيه الروح يكون آدمياً يتحرك". وعند أهل الكتاب كذلك ما يوافق أن التمثيل بالنفخ كناية عن بث الحياة الواعية للجنين, وتفسير العبارة (تكوين 2: 7): "نفخ في أنفه نسمة حياة"؛ في قاموس الكتاب المقدس: "قد أوجد الله فيه العواطف الخلقية والميول الروحية والقوى العقلية.., ولا يُراد بنسمة الحياة هذه عملية التنفس الطبيعي فحسب؛ وإنما المُراد منها هو أن الله أعطاه تلك القوى العقلية والروحية مقترنة بالنفس الحية", و"الروح هي العقل.. خلق الله الإنسان بإعطاء حياة للجسد الذي صوره ثم بخلق روح عاقلة وهبها للإنسان". ويمكن للجنين سماع الأصوات وتتضح حركته الإرادية للأم كذلك بعد أربعة أشهر؛ أي بعد الأسبوع السابع عشر من بدء الحمل, وتستطيع صاحبة الخبرة متكررة الحمل Multipara أن تستشعر الحركة مبكرا في الأسبوع السادس عشر, ويتفق هذا مع الاحتياط بتحديد أكبر مدة لعدة المتوفى عنها زوجها استبراءً للرحم بعد اتضاح كل علامات الحمل؛ خاصة شعور الحامل بحركة الجنين Quickening, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234], والأصل ألا يقع وقاع إلا في طهر امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222], ويبدأ الطهر بعد أربعة (2-6) أيام حيض, وطول الدورة الشهرية أربعة (3-5) أسابيع ويقع التبويض منتصفها, وقابلية البويضة للإخصاب لا تتجاوز يوم, ولذا لا يقع الحمل غالبا إلا بعد حوالي عشرة أيام في الطهر, وإذن يكون موعد اتضاح حركة الجنين بعد أربعة أشهر منذ نشأته؛ قال ابن عاشور (ج1ص667): "جعل الله عدة الوفاة منوطة بالأمد الذي يتحرك في مثله الجنين تحركاً بيناً"؛ وهو الواقع بالفعل, قال أستاذ الأجنة د. كيث مور في كتابه أطوار خلق الإنسان The Developing Human (ص9): يُتَوَقَّع الوضع بعد 147 (+ أو- 15) يوماً منذ اتضاح حركة الجنين، ومدة الحمل منذ الإخصاب 266 يوما (38 أسبوعا), فتكون المدة قبل حركته: 266 - 147 = 119 يومًا, وبإضافة يوم الحركة يكون موعد اتضاح حركة الجنين حول: 120 يوما؛ أي أربعة أشهر, فعدة الوفاة إذن قائمة على العلم بأن موعد التبويض منتصف الدورة؛ وهو ما لا يتيسر لأَحَدٍ معرفته زمن التنزيل إلا بوحي.
(ثانيا) الجمع بين الروايات: أيدت جملة روايات تفسيرية ما ورد في القرآن من أطوار خلق الإنسان؛ بينما كان السائد منذ عهد أرسطو Aristotle في القرن الرابع ق.م. أن الجنين يُخلق كاملا ابتداء من دم الحيض بلا أطوار نتيجة للتحفيز بالمني, وبعد اكتشاف المجهر تصور داليمباتيوس Dalempatius قبل بداية القرن الثامن عشر بعام أن الإنسان يُخلق كاملا في رأس الحوين المنوي, ومن المأثور الذي خلى من تحديد المدة وحافظ على ترتيب الأطوار ما رواه البخاري في الصحِيحِ عَنْ أَبِى النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِى كَامِلٍ عَنْ حَمَّادٍ: "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: "َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ أَىْ رَبِّ نُطْفَةً أَىْ رَبِّ عَلَقَةً أَىْ رَبِّ مُضْغَةً, فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهَا قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى, أَشَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ, فَمَا الرِّزْقُ, فَمَا الأَجَلُ, فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ", وبالفعل تظهر معالم الذكورة في الشهر الثالث بعد اكتمال أوليات الأعضاء؛ وإلا استمر الجنين بهيئة النفس الواحدة في الجنسين Indifferent Stage حتى تتضح الأنوثة في الرابع.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/12708127626598.jpg
تتضح الهيئة البشرية تماما ويبدأ تميز علامات الذكورة بعد انتهاء الأسبوع الثامن من الحمل.
ومن المأثور الذي حدد مدة توافق بداية اتضاح الهيئة الإنسانية ما أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي عن حذيفة بن أسيد قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: (إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة)", وفي رواية: "إذا وقعت النطفة في الرحم ومضى عليها خمس وأربعون ليلة؛ قال الملك: يا رب أذكر أم أنثى؟", وفي رواية أخرى: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان, فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟؛ فيكتبان, فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص", والتردد بين وأربعين وحتى خمس وأربعين يمكن حمله على أن المراد فترة تختلف من حمل لآخر في تلك الحدود, وفي رواية أخرى: "إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟, فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك, ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك..", وذكر الحديث.
قال القرطبي المتوفى سنة 671 هـ في تفسيره (ج12ص9): "نسبة الخلق والتصوير للمَلَك نسبة مجازية لا حقيقية.., ألا تَرَاهُ سبحانه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم), وقال: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين), وقال: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة).., إلى غير ذلك من الآيات؛ مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين, وهكذا القول في قوله (ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح)..؛ فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره.., (و)لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما, وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس.., وعليه يعول فيما يُحتاج إليه من الأحكام.., وذلك لتيقنه (أي نفخ الروح) بحركة الجنين في الجوف, وقد قيل إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر, وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل", وقال الشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ في تفسيره (ج1ص376): "ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين.. يتحرك في الغالب", وقال البيضاوي المتوفى سنة 691 هـ في تفسيره (ج1ص527): "المقتضى لهذا التقدير أن الجنين في غالب الأمر يتحرك", وقال ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ في دقائق التفسير (ج1ص27): "ينفخ فيه من الروح بعد مضي أربعة أشهر", وفي رسائله (ج6ص103): "النفخ.. يكون بعد مضي أربعة أشهر", وقال ابن عاشور المتوفى سنة 1393هـ في تفسيره (ج1ص667): "فما بين استقرار النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر", والقول إذن بأن نفخ الروح لا يقع بعد أربعة أشهر من عمر الجنين وإنما بعد أول أربعين, وأنه اكتشاف علمي حديث؛ لا يستند لأصل علمي صحيح ولا تحليل دلالي مطابق لنصوص الوحي, وفيه اعتراض على ما توارثه الأئمة جيلا بعد جيل وأيده العلم الحديث من اتضاح الحركة الإرادية للجنين في أربعة أشهر كعلامة محسوسة للتغير المعبر عنه بنفخ الروح, وأما دفع توهم امتداد أطوار التخليق لأربعة أشهر فقول صحيح؛ لاكتمال جميع أوليات الأعضاء عند نهاية ثمانية أسابيع بيقين.
ويُمكن تأويل الروايات التي يُتَوَهَّم توزيعها الأربعة أشهر على أطوار ثلاث لكل منها أربعين يومًا بوجهٍ يُطَابق الواقع, في رواية البخاري عن عبد الله بن مسعود: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق؛ قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً يؤمر بأربع كلمات, ويقال له: اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)", وفي رواية مسلم عن عبد الله ابن مسعود أيضا بزيادة (في ذلك): "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق؛ قال: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح.."؛ يستقيم حمل (جمع الخلق) تمثيلاً على التنادي واجتماع الأجزاء لتكوين الأعضاء؛ فيتكون كل طور (مثل ذلك) الجمع فيتغير الشكل سريعًا في مرحلة تخليق الأعضاء خاصة, ومثله التعبير عن الاحتشاد يوم البعث بالجمع والتنادي في التعبير: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: 7], و﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: 9], و﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: 32], فلم يتبق حينئذ في الرواية ما يَعُود إليه التعبير (في ذلك) إلا الزمن (أربعين يوما), فالثلاث أطوار إذن (نطفة, علقة, مضغة) تقع في نفس الستة أسابيع قبل تكون العظام واللحم؛ خاصة لعدم ذكر للنطفة وبيان منحها كل الأربعين, فلو أن الأربعين للنطفة وحدها ولكل من الطورين الآخرين مدة مستقلة مثلها لذكرت بالاسم بيانًا لاستمرارها في كل الأربعين.
وفي رواية عن ابن مسعودٍ: "إنَّ النطفةَ إذا استقرَّت في الرَّحمِ تكونُ أربعينَ ليلةً ثم تكونُ علقةً أربعينَ ليلةً ثمَّ تكون مضغة أربعين ليلة ثم تكونُ عظاماً أربعين ليلةً ثم يكسو الله العظامَ لحماً", قال ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هـ في جامع العلوم والحكم (ج6ص8): "رواية الإمام أحمد (هذه) تدلُّ على أنَّ الجنين لا يُكسى اللَّحمَ إلاَّ بعد مئةٍ وستِّين يوماً, وهذه غلطٌ بلا ريبَ فإنَّه بعد مئة وعشرينَ يوماً يُنفخُ فيه الرُّوحُ بلا ريب.., وعلي بنُ زيدٍ هو ابنُ جُدْعان لا يحتجُّ به, وقد ورد في حديث حذيفة بن أسيدٍ (إذا مرّ بالنُّطفة سنتان وأربعونَ ليلةً..) ما يدلُّ على خلقِ اللَّحمِ والعِظام في أوَّلِ الأربعين الثانية. وبالإضافة إذن لإمكان التأويل إلى وجه مطابق للواقع المؤكد طبيًا بيقين؛ فإن رواية حذيفة بن أسيد تؤكد صريحًا وقوع كل الأطوار الثلاث الأولى (نطفة وعلقة ومضغة) في الستة أسابيع الأولى (42 ليلة) وتكون العظام واللحم ابتداء من الأسبوع السابع: "إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها..", وبذلك يُمكن الجمع بين الروايات الصحيحة السند بوجه يستقيم مع الواقع؛ فيزول توهم التعارض وتتألق دلائل النبوة الخاتمة.
(ثالثا) الإجهاض المتعمد هدم لمشروع الوليد:
لو وُضِعَ الأساس لمشروع عمارة متعددة الأدوار؛ فلم يكن سوى أساس الدور الأول والأعمدة بلا جدران, وجاء أحدهم وأطاح بالأعمدة وهدم الأساس متعمدًا؛ ألا تناله عقوبة ويلزمه التعويض!, وكلما زاد البناء وتعددت الأدوار؛ ألا تتضاعف العقوبة ويزداد التعويض!, هكذا رأي جمهور الفقهاء أنه كلما تقدمت أطوار تخليق جنين الإنسان تضاعفت العقوبة وزاد التعويض لهدم مشروح الوليد ومنع بلوغه الكمال بالاعتداء عليه وتعمد الإجهاض Abortion بغير اضطرار, والضرورة تقدر بقدرها, ولا يُدرك الإجهاض إذا وقع بعد أسبوعين من وقوع الحمل لأنه يُشتبه غالبا مع الحيض التالي, وقد لا يُدرك الحمل كذلك إلا بعد مرور موعد الحيض التالي بفترة معتبرة فيكون الجنين قد تجاوز طور النطفة والعلقة, وهذا يعني أن الإجهاض لا يُتَبَيَّن غالبا إلا والسِّقط قد أصبح مضغة أو أكثر تقدما؛ مما يضيق أكثر على أعذار الإجهاض. ويُجمع العلماء على تحريم الإجهاض المتعمد بعد مائةٍ وعشرين يومًا مِن بدءِ الحمل حيث تبلغ شدة المنع ذروتها باتضاح حركة الجنين, وفي كتاب القوانين الفقهية لابن جزي المتوفى سنة 741 هـ (ص212): "إذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح؛ فإنه قتل نفس إجماعاً", وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين المتوفى سنة 1421 هـ (رحمهم الله تعالى جميعا) في لقاءات الباب المفتوح: "إسقاط الجنين إن كان بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إسقاطه بأي حال من الأحوال.., (و) قبل أن تنفخ فيه الروح لا شك أنه يختلف بحسب بلوغ الجنين؛ فهو أول ما يكون نطفة أهون ثم إذا كان علقة صار إسقاطه أشد، ثم إذا كان مضغة صار إسقاطه أشد". فكما تَرَى؛ الأصل هو منع الإجهاض في أي طور كان الجنين والضرورة استثناء, والمنع مع التيقن من حركته أولى؛ سواء كانت الحركة مُرَاد التعبير "نفخ الروح" تمثيلا أو علامة عليه, وموعدها في الشريعة والطب لا خلاف عليه, ومدة أربعة أشهر لنفخ الروح وتحرك الجنين أساسها عدة الوفاة القطعي الثبوت والدلالة, وروايات الأربعين تفسير وتفصيل, ومجمل القول أن معالجة وهم امتداد أطوار التخليق الثلاث الأولى لأربعة أشهر تتطلب الجمع بين الروايات والترجيح في ضوء الحقائق العلمية؛ وليس بالتشكيك في موعد الحركة الإرادية الثابت بالوحي والموافق للواقع, ومعارضة قول بإباحة الإجهاض قبل أربعة أشهر ليس عذرًا؛ لأن الأصل هو المنع المتزايد الشدة بتقدم الأطوار إلى حد التحريم, والله تعالى أعلم.
يستقبل المؤلف تعليقاتكم على المقال على الإيميل التالي
الدكتور محمد دودح
mdoudah@hotmail.com (mdoudah@hotmail.com)
المراجع العلمية:
1. The Developing Human, Keith L. Moore, Fourth ed.,1988, Saunders Comp., Toronto, P: 7-11, 14. 2. Obstetrics and Gynaecology for Postgraduates, Charles Whitfield, 5th ed., 1995. 3. Obstetrics and Gynaecology, Tim Chard, 4th ed., 1995. 4. Medical Embryology, Jan Langman, 4th ed., 1981. 5. Human Male Fertility and Semen Analysis, Glover, Barratt, Tyler, Hennessey, 1990.
المراجع الدينية:
( ترقيم المكتبة الشاملة) 1. صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. 2. صحيح مسلم المتوفى سنة 261 هـ. 3. سنن البيهقي المتوفى سنة 458 هـ. 4. مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502 هـ 5. تفسير الرازي المتوفى سنة 606 هـ. 6. تفسير القرطبي المتوفى سنة 671 هـ. 7. تفسير البيضاوي المتوفى سنة 691 هـ. 8. تفسير النسفي المتوفى سنة 710 هـ. 9. دقائق التفسير لابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ. 10. رسائل ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ. 11. تفسير النيسابوري المتوفى سنة 728 هـ. 12. القوانين الفقهية لابن جزي المتوفى سنة 741 هـ. 13. تفسير أبي حيان الأندلسي المتوفى سنة 745 هـ. 14. التفسير القيم لابن القيم المتوفى سنة 751هـ. 15. التبيان في أقسام القرآن لابن القيم المتوفى سنة 751 هـ. 16. تفسير ابن كثير المتوفى سنة 774 هـ. 17. جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هـ. 18. فتح الباري لابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ. 19. تفسير أبي السعود المتوفى سنة 951 هـ. 20. تفسير الخطيب الشربيني المتوفى سنة 977 هـ. 21. تفسير الشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ. 22. تفسير الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ. 23. التفسير المنير لمحمد بن عمر نووي الجاوي المتوفى سنة 1316 هـ. 24. لقاءات الباب المفتوح لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين المتوفى سنة 1421 هـ. 25. قاموس الكتاب المقدس.
أفراح الأمة
04-15-2010, 12:22 PM
الإعجاز العلمي في شجرة الزيتون
http://www.quran-m.com/firas/ar_photo/1257709867300px-olivenb_auml_ume_umbrien.jpg
صورة لشجر الزيتون المبارك
د. رمضان مصري هلال
الأستاذ بجامعة كفر الشيخ
مقدمة: شجرة الزيتون شجرة مباركة أقسم الله تبارك وتعالى بها حين قال " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ " (التين: 1-3) كما اشار الله تبارك وتعالى إلى فوائد تلك الشجرة بقوله " وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ " ( المؤمنون: 20 ).
ورد ذكر الزيتون في القرآن الكريم سبع مرات، منها أربع مرات بلفظ الزيتون وهي: " وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ " ( الأنعام: 99 ).
" وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " ( الأنعام: 141 ). " يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " ( النحل:11 ).
" وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ " ( التين: 1 ). ووردت مرة واحدة بلفظ زيتونا في سورة عبس: " وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا " و مرة واحدة بلفظ زيتونة في سورة ( النور: 35 ) " يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ "، و مرة واحدة بلفظ يدل على أن المقصود هو شجرة الزيتون " وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ " في سورة ( المؤمنون: 20 ). إنها الشجرة المباركة التي ضرب الله بها المثل لنوره وقال تعالى في سورة ( النور –35 ) " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " وفي تفسير " المنتخب " جاء تفسير هذه الآية الكريمة أن الله مصدر النور في السماوات والأرض، فهو منورهما بكل نور حسي نراه ونسير فيه، وبكل نور معنوي، كنور الحق والعدل، والعلم والفضيلة، والهدى والإيمان، وبالشواهد والآثار التي أودعها مخلوقاته، وبكل ما يدل على وجود الله ويدعو إلى الإيمان به سبحانه، ومثل نوره العظيم وأدلته الباهرة في الوضوح، كمثل نور مصباح شديد التوهج وضع في فجوة من حائط تساعد على تجميع نوره ووفرة إضاءته، وقد وضع المصباح في قارورة صافية لامعة لمعان كوكب مشرق، يتلألأ كالدر ويستمد المصباح وقوده من شجرة كثيرة البركات، طيبة التربة والموقع، هي شجرة الزيتون المغروسة في مكان معتدل متوسط فلا هي شرقية فتحرم حرارة الشمس آخر النهار، ولا هي غربية فتحرمها أول النهار، يكاد زيت هذه الشجرة يضيء لشدة صفاؤه يضيء، ولم لم تمسسه نار المصباح، فهذه العوامل كلها تزيد المصباح إضاءة، ونوراً على نور.
منشأ الزيتون: اختلفت الآراء بشأن موطنها الأصلي على وجه التحديد، وأحدث الآراء تقول أن شجرة الزيتون نشأت أصلا في فلسطين ومنها انتشرت إلى سوريا وتركيا وإيران شمالا، ثم إلى الجنوب عن طريق التجارة إلى أسبانيا وإيطاليا. وقد اهتم الفينيقيون بشجرة الزيتون فقاموا بزراعتها ونشرها في معظم دول البحر المتوسط، كذلك اهتم بها المسلمون وأدخلوا زراعتها في شمال أفريقيا وأسبانيا والبرتغال. هذا ويوجد حوالي 98 % من أشجار الزيتون في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ويوجد حوالي 850 مليون شجرة زيتون في العالم ( الجمعية العالمية لزيت الزيتون (http://www.internationaloliveoil.org/) ) 1994 م. أما الإنتاج العالمي للزيتون يقدر بحوالي 11.5 مليون طن متري.
وشجرة الزيتون لها مكانتها في قلوب الناس منذ القدم فقد ورد ذكرها في الكتب المقدسة، وقال موسى عليه السلام فيها: " لا تقطفوا شجرة الزيتون حتى آخر حبة، بل اتركوا عليها بعض ثمارها ليأكل منها الناس والطيور و الحيوانات البرية. وفي الكتاب المقدس " ان نوحا عليه السلام عندما رست به السفينة على جبل أرت، ,اطلق الحمامة عادت إليه وفي فمها غصن زيتون أخضر ".
http://www.quran-m.com/firas/ar_photo/1257710182180px-tafelneuolive4.jpg
الشكل يبين غصن شجرة الزيتون والثمار والزهر
شجرة الزيتون مستديمة الخضرة والشجرة بأوراقها الرفيعة الجميلة المنتظمة الترتيب على الأفرع، وهي تنمو على سطوح الجبال الرملية والصخرية قليلة العمق، وفي الوديان والسهول، ومناطق البادية وهي من أهم أشجار الاستزراع في الأراضي الصحراوية المستصلحة، وتمتاز بمقاومتها للحر والبرد والجفاف والملوحة، وهى توفر الغذاء والمأوى للعديد من الطيور، وتعمل على تثبيت التربة ومنع انجرافها، وهي أشجار معمرة ولذلك تمثل زراعة الزيتون عملا متوارثا بين الأجداد والأحفاد. تستمر في العطاء لمدة طويلة، تعطي عاما وتتوقف عن العطاء العام التالي. ولأشجار الزيتون أهمية كبرى من حيث تدعيم اقتصاديات كثير من الدول المنتجة له، ويسهم بجزء كبير في الاقتصاد القومي لتلك الدول، ولها الكثير من الاستخدامات حيث يستفاد بالأوراق بعد جني المحصول في تغذية حيوانات المزرعة، ويستعمل الخشب ونوى الثمار في مختلف الصناعات الخشبية. حبوب اللقاح في الزيتون خفيفة، غزيرة تحملها الرياح بكميات كبيرة وتنشرها في مساحات واسعة. وصدق الحق تبارك وتعالى حيث يقول:
" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " ( الحجر: 22 ).
وتشير هذه الآية الكريمة إلى إعجاز علمي أشار إليه القرآن الكريم فمنذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان وفى وقت لم يعرف فيه البشر شيئا عن علاقة الرياح بالجمع بين الشحنات الموجبة والشحنات السالبة أشار القرآن الكريم إلى دور الرياح في تكون قطرات المطر وكذلك في نقل حبوب اللقاح لتلقيح النباتات ذات التلقيح الخلطي وهذه الحقائق لم يتوصل إليها العلماء إلا بعد جهود مضنية في مختلف فروع المعرفة لتكشف لنا جانبا من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم. وتتميز شجرة الزيتون بعدة صفات منها طول العمر، وقدرتها على النمو في أفقر الأراضي أي أنها ترضى بالقليل وتعطي الكثير، كما أنها تجدد نفسها بنفسها حيث لا تفنى ولا تزول فإذا جف الساق خرجت من الجذر خلفات تجدد الشجرة وأن خشبها من أفضل أنواع الأخشاب من حيث قلة إصابته بالسوس، وعند حرقه تنبعث منه رائحة طيبة. و أن كل جزء من شجرة الزيتون مبارك فيه: الزيت، الأوراق، الثمار، نوى الثمار وجميع أجزاء الشجرة لها استعمالات عديدة.
مكونات ثمرة الزيتون:
يحتوي ( 100) جرام من الزيتون الأخضر على 132 سعر حراري، 1.5 جرام بروتين و 13.5 جرام دهن، 4 جرام كربوهيدرات، 1.25 جرام ألياف، 90 ملليجرام كالسيوم، 17 ملليجرام فوسفور، 2 ملليجرام حديد، 2400 ملليجرام صوديوم، 55 ملليجرام بوتاسيوم، 22 ملليجرام مغنسيوم، 300 وحدة دولية من فيتامين أ وأثار من الزنك والنياسين وفيتامين ب1، فيتامين ب2. الرطوبة والزيت يكونان 85- 90 % من وزن اللب بينما الباقي يمثل مواد عضوية ومعادن، والسكريات الأحادية هي الجلوكوز والملتوز والزيلوز والجالاكتوز والأرابينوز.
http://www.quran-m.com/firas/ar_photo/1257710630200px-olive.jpg
صورة لثمار الزيتون
وفي بعض الأصناف يوجد منها مانيتول Mannitol ورامنوز Ramnose. واللب غني بالبوتاسيوم كما يوجد كميات صغيرة من الأحماض العضوية مثل الستريك والماليك والاكساليك والمالونيك والفيوماريك والطرطريك واللاكتيك. (كما يوجد بعض المركبات الفينولية كأحماض الكافييك وحمض الفيوليك. والمركب الأساسي هو الأوليوروبيين Oleuropein وهو المسؤل عن الطعم المر في الزيتون غير الناضج. ومنتجات أكسدة الأوليوروبيين والمركبات الفنولية الأخرى تعطي اللون الأسود للثمرة. والجلد واللب والبذرة تحتوي على أجزاء مختلفة من الدهن والأحماض الدهنية والستيرولات وثلاثي تربينات الكحولات وثنائي الكحولات والأيدروكربونات. والجلد يحتوي على كميات مختلفة من الأريثروديول Erythrodiol وآثار من اليووفوال Uvaol وحمض الأوليانويك Oleanoic acidوآثار من حمض اليوروسوليك Ursolic acid والدهيدات الأوليانويك Oleanoic aldehydes. والاستيرولات في البذرة وزيت الحبة يتميز بوجود استرالاوسترونOestrone ester ( 8 ميكرو جرام / 100 مل زيت ) ويوجد 56 مركبا طيارا في الأوراق والأزهار والغلاف الخارجي والوسطي لصنفي لوكا Lucca والميشين Mission. صفات زيت الزيتون: وزيت الزيتون يتألف كيميائيا من مواد دهنية وانزيمات – وفيتامينات ( أ، ب، ج، د، هـ ) ومواد ملونة ( كلورفيل – زنثوفيل )، وكميات ضئيلة من العناصر المعدنية ( حديد – ماغنسيوم – كالسيوم ). ولحامض اللينوليك وحامض الارشيرك أهمية في عملية التمثيل الغذائي في الجسم، ولحامض الأرشيرك أهمية في تنظيم ضربات القلب وضغط الدم، وسلامة وكفاءة وظائف الجهاز العصبي المركزي.
درجات الزيت:
1- زيت درجة أولى ويسمى الزيت الفاخر وهو الذي يؤخذ من لب الثمار دون البذور، لا تزيد نسبة الحموضة فيه عن 0.6 %، يستعمل في الأغراض الطبية فقط.
2- زيت الدرجة الثانية ويسمى الزيت الممتاز، يؤخذ من لب الثمار الناضجة وغير تامة النضج بعد استبعاد البذور، لا تزيد نسبة الحموضة فيه عن 2 % ويستعمل هذا الزيت في الطعام.
3- زيت الدرجة الثالثة ويسمى الزيت الجيد، يؤخذ من لب الثمرة دون بذرتها، نسبة الحموضة تتراوح من 2-3 %، يستمل في الطعام.
4- زيت الدرجة الرابعة ويسمى زيت التجميل، يؤخذ من بقايا لب الثمرة مع مجروش النواة، تصل فيه نسبة الحموضة من 4 % ويستعمل في صناعة الصابون ولا يستعمل في الطعام.
5- زيت الدرجة الخامسة يؤخذ من الثمار الجافة و المهشمة و من البذور و تصل نسبة الحموضة إلي 5 % و يستعمل في صناعة الصابون و لا يستعمل في الطعام
زيت الزيتون... أسرار وإعجاز
: الزيتون وزيته كلاهما ذكر في القرآن الكريم وحظي بمكانة كبيرة ففي سورة النور وصف الحق تبارك وتعالى زيت الزيتون بالصفاء والجودة فهو من الشفافية بذاته , حتى ليكاد يضيء ولم لم تمسسه نار. واشار المولى سبحانه وتعالى إلى فوائد شجرة الزيتون فى قوله تعالى " وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ".. وفى تفسير الظلال " وهي من أكثر الشجر فائدة بزيتها وطعامها وخشبها. وأقرب منابتها من بلاد العرب طور سيناء. عند الوادي المقدس المذكور في القرآن. لهذا ذكر المنبت على وجه خاص، وهي تنبت هناك من الماء الذي أسكن في الأرض وعليه تعيش ".
جاء في تفسير الخازن " تنبت بالدهن" أي تنبت وفيها الدهن وقيل تنبت بثمرة الدهن وهو الزيت " وصبغ للآكلين " الصبغ الإدام الذي يكون مع الخبز ويصبغ به، جعل الله تعالى في هذه الشجرة المباركة إداما وهو الزيتون ودهنا وهو الزيت.
وروى الترمذي وابن ماجه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ائتدموا بالزيت، وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " [ أخرجه ابن ماجة ورجالة ثقات وصححه الحاكم ].
وقال ابن عباس: في الزيتونة منافع، يسرج بالزيت، وهو إدام ودهان ودباغ، ووقود يوقد بحطبه وتفله، وليس فيه شيء وإلا وفيه منفعة، حتى الرماد يغسل به الابرسيم.. وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة ؛ ومنهم إبراهيم، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قال: ( اللهم بارك في الزيت و الزيتون ).
http://www.quran-m.com/firas/ar_photo/12577128452k8_olive_oil.jpg
زيت الزيتون زيت مبارك
وعن معاذ: أنه استاك بقضيب زيتون وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [ نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيب الفم ويذهب الحفر، هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي ]. وهو أكثر إدام أهل الشام والمغرب ويصطبغون به، ويستعملونه في صبيحتهم ويستصبحون به، ويداوي به أدواء الجوف والقروح والجراحات، وفي منافع كثيرة: روى الإمام أحمد عتمالك بن ربيعة الساعدى الأنصارى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ".
وقد أمرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى أن نأكل من زيت تلك الشجرة المباركة وأن ندهن به ونحاول هنا بعون الله وتوفيقه على أن نلقى الضوء على فوائد تناول زيت الزيتون والدهان به من الناحية العلمية لكي يتبين لنا تلك الحقائق والمعجزات في تلك الأحاديث النبوية الشريفة والتي ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدث بها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا لولا أنه يحدث بما أوحى إليه المولى تبارك وتعالى وصدق الحق في سورة النجم ( آية 3- 4 ) " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ".
يعتبر زيت الزيتون أفضل مادة دهنية لمعالجة أمراض القلب وتصلب الشرايين، له أثر فعال في الوقاية من الحموضة وقرحة المعدة، وله تأثير إيجابي على مرضى السكر، وعلاج للذين يعانون من السمنة المفرطة، وزيت الزيتون يساعد الجسم على تحمل الضغوط النفسية والإرهاق، ويزيد من مناعة الجسم ضد الأمراض، ويقوي الشرايين والأوعية الدموية.
وزيت الزيتون يقوي المعدة ويحسن لون الوجه ويندي البشرة ويبطيء الشيب فهو يستخدم لإزالة تجعد ات الوجه والرقبة و في إزالة تشققات الأيدي والأرجل ويحمي الجسم من أشعة الشمس.
وفي الطب الشعبي يستعمل زيت الزيتون لمعالجة الجروح والحروق، وتليين الجلد وتخفيف آلام الروماتيزم عند دلكه على موضع الألم. وأيضا يستخدم في معالجة قشرة الرأس، ومنع تساقط الشعر بعد خلطه مع الكبريت وتدليك فروة الرأس بالخليط. زيت الزيتون ملطف وملين ومدر للصفراء ومفتت للحصى، ومفيد لمرضى السكري، ويمكن إضافة عصير الليمون إليه. وإذا مضغت أوراق الزيتون أفاد في علاج التهاب اللثة والحلق وإذا دق وضمد بمائه أو عصارته نفع في حالات الجروح والقروح والدمامل وذلك لاحتوائه على المادة القابضة المطهرة.
زيت الزيتون والكولسترول:
يحتوي على فيتامين هـ ( E ) المعروف بدوره المضاد للأكسدة وكذلك مركبات " البولي فينول " وبذلك يقي من حدوث تصلب الشرايين وترجع الفوائد الصحية لزيت الزيتون إلى غناه بالأحماض الدهنية اللامشبعة الوحيدة وعلى غناه بمضادات الأكسدة، وقد بينت نتائج الأبحاث أن زيت الزيتون يخفض مستوى الكولسترول الكلي والكولسترول الضار، دون أن يؤثر سلبا على الكولسترول المفيد.
وقد وجد الباحثون أن زيت الزيتون البكر يحتوي على كمية جيدة من مركبات البولي فينول التي تمنع التأكسد الذاتي للزيت وتحافظ على ثباته، كما أنها تمنع أكسدة الكولسترول الضار في أنابيب الاختبار وبالتالي يمكنها أن تقي من حدوث تصلب الشرايين, كذلك من خطر المركبات السامة للخلايا مثل " البيروكسايذر " وغيرها من المواد الضارة. زيت الزيتون والأمراض الجلدية: روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه فيه شفاء من سبعين داء منها الجزام".
استعمل زيت الزيتون قديما في علاج الأمراض الجلدية مثل الجرب ؛ وهناك قصائد شعرية عربية تذكر استعمال زيت الزيتون مع الكبريت في مقاومة جرب الإبل في الجزيرة العربية. وتشير الأبحاث العلمية أن الدهان بزيت الزيتون ربما يقي من حدوث سرطان الجلد القتامي كما أن استعمال مزيج مكون من زيت الزيتون مع قليل من شمع عسل النحل بعد الخلط جيدا في حمام مائي على نار هادئة واستعماله بعد أن يبرد لدهان البقع الجلدية والشامات الرقيقة وكذلك البواسير، وقد وجد أن استعمال كميات متساوية من زيت الزيتون والجلسرين مع بضع قطرات من عصير الليمون ودهان الجلد مع التدليك يؤدي إلى نعومة البشرة وإزالة الخشونة وتشققات اليدين والقدمين. واستعمال زيت الزيتون لتدليك فروة الرأس يؤدي إلى إزالة القشرة وتقوية الشعر وغزارته ويصبح أملس ناعما حريرياً لامعا كما أظهرت نتائج الأبحاث أن وضع زيت الزيتون على الرأس لعدة ساعات يقتل القمل الموجود عليه. أما بالنسبة للحروق السطحية البسيطة فإن استعمال مزيج بياض بيضة واحدة مع ملعقتين من زيت زيتون دهانا موضعيا بدون تدليك يؤدي إلى شفاء هذه الإصابات بإذن الله تعالى.
تأثير زيت الزيتون على ضغط الدم:
أثبتت الدراسات العلمية أن لزيت الزيتون تأثير مفيد جداً لمرضى القلب وارتفاع ضغط الدم حيث أن الأشخاص الذين يتناولون زيت الزيتون بانتظام ضمن الوجبات الغذائية اليومية يكون مستوى ضغط الدم عندهم طبيعياً.
زيت الزيتون والسرطان:
أظهرت العديد من الدراسات أن هناك تناسبا عكسيا بين تناول زيت الزيتون وبين حدوث عدد من السرطانات، حيث وجد أن هناك علاقة وثيقة بين تناول زيت الزيتون و انخفاض معدل حدوث سرطان الثدي والمعدة. وأن تناول الزيت يقي من عدد كبير من السرطانات مثل سرطان القولون، سرطان الرحم وسرطان المبيض. وتشير الإحصاءات أن استعمال زيت الزيتون في الغذاء يخفض الإصابة بسرطان الثدي 35 %. وتعتبر أسبانيا أقل البلاد في إصابة سرطان الثدي لدى النساء.
زيت الزيتون والجهاز الهضمي:
إن تناول زيت الزيتون باستمرار في الوجبات الغذائية، يساعد في تنشيط وظائف الكبد وزيادة إفراز العصارة الصفراوية من المرارة وكذلك إلى تلطيف الغشاء المخاطي المبطن للأمعاء، كما يؤدي إلى تفتيت حصوات الكلى والمرارة والحالب. وتشير الأبحاث العلمية أن الزيوت غير المشبعة ( زيت الزيتون , دوار الشمس وزيت السمك ) تمنع نمو الجراثيم المسئولة عن حالات عديدة من القرحة المعدية. كما أن تناول مزيج مكون من معلقة كبيرة من زيت الزيتون مع عصير الليمون صباحا على الريق يؤدي إلى التخلص من بعض أنواع الديدان التي تعيش في الجهاز الهضمي. يقول عنه ابن الجوزية: " جميع أصنافه مللينة للبشرة وتبطيء الشيب وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار، ويشد اللثة وورقه ينفع من الحمرة والنملة والقروح الوسخة والشري ويمنع العرق ".
وجاء في تذكرة داود:" ….. يسمن البدن ويحسن الألوان ويصفي الأخلاط وينعم البشرة ومطلق الزيت إذا شرب بالماء الحار سكن المغص والقولنج وفتح السدد وأخرج الدود وأدر وفتت الحصى وأصلح الكلى والاحتقان به يسكن المفاصل والنسا وأوجاع الظهر ويمنع سقوطه ويقطع العفن ويشد الأعضاء والاكتحال به يقلع البياض ويحد البصر وينفع من الجرب … " وعلى ذلك فإن زيت الزيتون هو أفضل الزيوت النباتية على الإطلاق لما خصه المولى عز وجل من خواص عديدة فهو يساعد في خفض ضغط الدم وانقاص المعدل الكلي للكولسترول في الدم بحوالي 13 %، وتناوله يحمي القلب من أمراض انسداد الشرايين.
وقد ثبت بالتحليل الدقيق للثمرة وزيتها احتوائهما على مركبات كيميائية تمنع تخثر الدم. وهذه الآيات المباركات التي ذكر فيها الحق تبارك وتعالى الزيتون وأقسم به – وهو الغني عن القسم، وما أثبتته نتائج الأبحاث العلمية الدقيقة، ويشهد بها غير المسلمين قبل علماء المسلمين – وقد أراد المولى سبحانه وتعالى المحيط ببواطن الأمور أن تكون هذه الإشارات العلمية في كتابه الكريم وبما علمه رسوله الكريم. مما يدل دلالة واضحة لا لبث فيها و لاغموض أن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين، ويشهد للرسول الخاتم فالحمد لله على نعمة القرآن والإسلام، والحمد لله الذي أرسل لنا خير الأنام، خاتم الأنبياء والمرسلين وإمام الغر المحجلين والحمد لله من قبل ومن بعد وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أفراح الأمة
04-26-2010, 12:37 PM
وفي أنفسكم أفلا تبصرون - اليـــد
http://quran-m.com/firas/ar_photo/127176465612.jpg
شكل يقارن بين اليد البشرية وبعض ايدي الحيوانات
الدكتور منصور أبوشريعة العبادي
من السهل جدا على الإنسان العاقل غير الجاحد مهما بلغ مستوى تعليمه أن يوقن بأن اليد البشرية لا بد وأنها قد صممت من قبل صانع عليم خبير سبحانه وتعالى وذلك فقط من خلال معرفة الوظائف العجيبة التي تقوم بها هذه اليد وخاصة عند مقارنتها مع أيادي بقية الحيوانات. ولكن هذا اليقين لا بد وأن يزداد أضعافا مضاعفة لدى الإنسان المتعلم الذي يمكنه أن يفهم تركيب اليد والطرق التي تعمل من خلالها لكي تقوم بأداء وظائفها.
ومن المعروف لمن يقومون بتصنيع الأجهزة والمعدات أن أول خطوات التصنيع هو تحديد الوظيفة أو الوظائف التي سيقوم بها الجهاز ومن ثم القيام بوضع التصميم الأمثل الذي سيصنع على أساسه هذا الجهاز وذلك بعد تحديد الشروط والقيود على مواصفاته كالحجم والكلفة وكمية الطاقة المستهلكة والعمر التشغيلي والشكل الخارجي وغيرها الكثير.
وسيتبين للقارئ في هذه المقالة أن اليد البشرية هي معجزة من معجزات الخالق سبحانه وتعالى ولا يمكن في مثل المقالة القصيرة أن نبين جميع وجوه الإعجاز فيها وأنا على يقين أن عدة مجلدات لا تكفي لشرح تفصيلات تركيب اليد إذا ما كتبت من قبل المختصين كل في مجال تخصصه. فالذي يدرس شكل اليد الخارجي فقط سيجد أن هذا الشكل هو الشكل الأمثل والأجمل والذي يدرس تركيب عظامها بأشكالها وأبعادها وموادها يجد إبداعا في التصميم لا يمكن لأحد أن يعدل عليه وكذلك لمن يدرس مفاصلها وطرق ربطها وعضلاتها وطرق تثبيتها وجلدها وما فيه من مستقبلات حسية وأعصابها وشرايينها وأوردتها وطرق تمديدها.
وأما الذين يقومون بدراسة الطرق التي تقوم بها مراكز الحركة في الدماغ للتحكم بهذه اليد فإنهم يقفون عاجزين عن فهم أسرار البرامج المخزنة فيها والمسؤولة عن كل حركة من حركات اليد. ولا زال العلماء بمختلف تخصصاتهم الطبية والهندسية يعملون جاهدين على كشف أسرار تركيب اليد لا لكي يشكروا من قام بتصميمها سبحانه بل لكي يقوموا بتصنيع أيدي بنفس القدرات لمعدات مصانعهم وروبوتاتهم (الإنسان الآلي).
ومن السهل على القارئ مع وجود الإنترنت أن يتأكد بنفسه من الكم الهائل من الأبحاث والدراسات العلمية التي يجريها العلماء والمهندسون على هذه اليد البشرية لكشف أسرار عملها. وسنبدأ أولا بشرح الوظائف والقدرات التي تقوم بها اليد البشرية ومن ثم نقوم بشرح مبسط لتركيب مكوناتها والآليات التي تستخدمها للقيام بهذه الوظائف المعقدة.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/127176497813.jpg لقد تم تصميم الأجزاء المختلفة لليد بحيث يمكنها القيام بوظائف عديدة ومعقدة وغاية في التباين بحيث يكاد يكون من المستحيل الجمع بينها في جهاز واحد.
إن أول وأهم قدرات اليد هو إمكانية وصولها إلى أي موضع على سطح جسم الإنسان كالوصول إلى الفم لتمكينه من أكل طعامه وشرب شرابه والوصول إلى بقية الأعضاء لحكها أو لغسلها أو لعلاجها.
فالإنسان هو الوحيد الذي كرمه الله عز وجل من أن يلتقط طعامه بفمه مباشرة كما تفعل بقية الحيوانات وكرمه سبحانه بأن مكنه من أن يغسل كامل جسمه بالماء ليخلصه من الأوساخ التي تخرج منها أو تقع عليه من الخارج. واليد قادرة كذلك على سحب ودفع الأجسام وكذلك حملها على ظهره أو كتفه أو رأسه.
وهي قادرة كذلك على قذف الأجسام كالحجارة مثلا لمسافات بعيدة وذلك لاصطياد الحيوانات والطيور أو للدفاع عن نفسه عند تعرضه للخطر من قبل الحيوانات المفترسة أو من قبل أعدائه من البشر. وهي قادرة على إمساك والتقاط مختلف الأجسام التي تتراوح في أحجامها من حبات الرمل وبذور النباتات إلى قطع الصخور وجذوع الأشجار.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/127176499814.jpg ولقد زود الله سبحانه وتعالى جلد رؤوس الأصابع بمستقبلات حسية من مختلف الأنواع وبكثافة عالية تمكن الإنسان من معرفة مختلف خصائص الأشياء التي تمسك بها من حيث الصلابة والليونة والخشونة والنعومة واليبوسة والرطوبة والسخونة والبرودة والثقل والخفة.
وقد استخدم الإنسان هذه الأيدي الماهرة لتحضير وأكل طعامه وخياطة وارتداء ملابسه وغسل جميع أجزاء جسمه وتصنيع ما يلزمه من أدوات ومعدات لزراعة الأرض وبناء السكن وصناعة السلاح وإلى غير ذلك من مستلزمات الحياة. أما الاستخدامات التي تظهر البراعة العالية لليد فهي الكتابة والرسم والنحت حيث يمكن لليد الإمساك بالقلم في وضعية معينة وتحريك رأسه في مختلف الاتجاهات بدقة عالية لكي يتمكن من كتابة الأحرف والكلمات ومختلف أنواع الرسومات وصدق الله العظيم القائل " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) "، القلم 1-5.
إن تصميم اليد التي تقوم بكل هذه الوظائف المعقدة يتطلب، لو أوكل الأمر إلى البشر، وضع تصاميم متعددة ومختلفة ومعقدة لما سيكون عليه تركيب اليد ومن ثم يتم اختيار التصميم الأفضل والذي في الغالب لن يكون الأمثل لقصور علم وقدرة البشر. ففي هذه التصاميم يجب أن يحدد طول اليد وعدد مفاصلها واتجاه حركاتها وأبعاد وأشكال عظامها وكذلك عدد وأماكن وأشكال العضلات التي تحرك العظام وكذلك شكل كف اليد وعدد أصابعها وأطوالها واتجاه حركاتها وغير ذلك من التفصيلات.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/127176524115.jpgإن أبسط طريقة لإثبات أن اليد البشرية قد صممها الله سبحانه وتعالى على أكمل وجه هو الطلب من العلماء المشتغلين في هذا المجال اقتراح أي تعديل على مكوناتها لتكون أفضل مما هي عليه كتغير طولها الكلي أو أطوال عظامها أو زيادة أو تقليل عدد مفاصلها أو زيادة عدد الأصابع أو تقليلها أو زيادة أطوال الأصابع أو تقليلها أو غير ذلك.
ونحن كمسلمين موقنون أنه لا يمكن لأحد مهما بلغ علمه أن يجد عيبا واحدا في تصميم هذه اليد العجيبة أو في أي مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى لقوله عز وجل "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)" تبارك.
إن أهم ما يميز اليد البشرية هو عدد مفاصلها واتجاهات حركتها فعدد المفاصل الواقعة بين الكتف وأطراف الأصابع هو ستة مفاصل ما عدا في الإبهام حيث يوجد خمسة مفاصل بين طرفه وطرف الكتف وبهذا يوجد في اليد سبعة عشر مفصلا. ولكل مفصل من هذه المفاصل تركيبه الخاص الذي يسمح بحركته في اتجاهات وزوايا محددة. فمفصل الكتف يسمح بتحريك عضد اليد في مستويين متعامدين وبزاويتين كبيرتين قد تصلان إلى 180 درجة مما يجعلها قادرة للوصول إلى أي مكان على الجسم. أما مفصل الكوع فيسمح بحركة ساعد اليد في مستوى واحد على امتداد العضد ويمكن ثنيه باتجاه العضد بزاوية تصل إلى 145 درجة هذا إلى جانب إمكانية تدويره بزاوية قد تصل إلى http://quran-m.com/firas/ar_photo/127176501516.jpg180 درجة مما يساعد على قلب كف اليد من اتجاه إلى الاتجاه المعاكس .
أما مفصل الرسغ فيسمح بحركة كف اليد في مستويين متعامدين حيث يمكن تحريك الكف يمينا وشمالا بزاوية تبلغ 50 درجة وإلى الأعلى والأسفل بزاوية تبلغ 120 درجة. أما التعديل الأكثر أهمية فهو الذي تم إجراؤه على كف اليد بحيث أصبحت قادرة على القيام بمهام مختلفة تمكن الإنسان من خلالها استغلال كثير من خيرات هذه الأرض. ولو أن يد الإنسان بقيت على الهيئة التي هي عليها أيدي بقية الحيوانات لما تمكن من تصنيع أيّ شيء مهما بلغت قدرات عقله.
فكف اليد هو الآلة التي تقوم بتنفيذ الأفكار التي يولدها العقل فما الذي يمكن أن يعمله حمار له عقل إنسان في غياب مثل هذه اليد؟! وتتميز كف اليد البشرية بكبر مساحة باطنها مما مكنها من الإمساك بأجسام أكبر حجما. ويبلغ عدد الأصابع فيها خمسة أصابع بثلاثة مفاصل لأربعة منها ومفصلين للإبهام وقد تم وضع الأربعة في مستوى واحد بينما وضع الإصبع الخامس وهو الإبهام في وضع يمكنه فيه مواجه بقية الأصابع.
ويمكن تحريك الأصابع الأربعة المتجاورة في مستوى واحد من خلال ثني كل من سلامياتها الثلاث بزاوية تصل إلى 90 درجة مما يمكن كف اليد من الإمساك بالأشياء بشكل بالغ السهولة. ويمكن كذلك إبعاد أو فرد هذه الأصابع الأربعة عن بعضها مما يزيد من مساحة سطحها وتمكينها من التعامل مع الأجسام الكبيرة. أما إصبع الإبهام فيعتبر اللاعب الأكبر في تحديد مهارات اليد فبدونه تصبح اليد البشرية مشابهة لأيدي القرود في قدراتها. ويتميز الإبهام على بقية أصابع اليد بأنه موضوع في مواجهة بقية الأصابع بحيث يمكنه ملامسة أي جزئ من هذه الأصابع سواء من الداخل أو من الخارج. وعلى خلاف أمشاط الأصابع الأربع التي تتحرك مجتمعة فإن مشط الإبهام يتحرك لوحده من مفصل الرسغ في مستويين اثنين متعامدين. فالمستوى الأول هو مستوى الكف حيث يمكن للإبهام أن يكون بموازاة الأصابع الأربع أو يبتعد عنها بزاوية قد تصل إلى تسعين درجة. أما المستوى الثاني فهو عامودي على مستوى الكف حيث يمكن للإبهام عمل زاوية قائمة مع هذا المستوى.
وعلى الرغم من أن الإبهام له سلاميتان بخلاف الأصابع الأخرى التي لها ثلاث سلاميات إلا أن التحكم بحركة هاتان السلاميتان أكثر دقة من التحكم ببقية السلاميات. تتكون اليد البشرية من ثلاثة أجزاء رئيسية وهي العضد والساعد والكف حيث يبلغ معدل طول العضد عند الرجال 32 سم وعند النساء 27 سم وطول الساعد عند الرجال 29 سم وعند النساء 25 سم وطول الكف عند الرجال 19 سم وعند النساء 17 سم.
ويتكون العضد من عظمة واحدة تسمى عظمة العضد بينما يتكون الساعد من عظمتين تسميان الكعبرة والزند ويتكون الكف مع مفصل الرسغ من سبعة وعشرين عظمة. وعادة ما يعتبر العلماء عظمتي الترقوة ولوح الكتف من عظام اليد وذلك لأن العضلات المحركة للذراع مثبتة عليها.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1271764849220px-scheme_human_hand_bones-en.svg
شكل يوضح عظام اليد مع الرسغ
وقد تم تصميم كل عظمة من هذه العظام بطريقة بالغة الإتقان من حيث أبعادها وشكل أسطحها لكي يتم تثبيت مختلف أنواع العضلات عليها. وترتبط هذه العظام مع بعضها البعض بسبعة عشر مفصلا من أنواع مختلفة تسمح في حركة هذه العظام إما في اتجاه واحد أو اتجاهين أو ثلاثة اتجاهات أو بشكل دوراني.
ويتم تحريك عظام اليد حول مفاصلها من خلال عدد كبير من العضلات المثبتة على هذه العظام وعلى شكل طبقات بسبب كثرتها. ويتم التحكم بهذه العضلات باستخدام الأعصاب القادمة من مراكز الحركة في الدماغ أو من خلال العقد العصبية.
ويتم تغذية عظام وعضلات اليد من خلال الشرايين والأوردة والتي تم اختيار مساراتها وكذلك مسارات الأعصاب بشكل متقن بين عضلات ومفاصل لضمان عدم تعرضها للتلف أو القطع أثناء قيام اليد بحركاتها المختلفة أو من الخارج.
وعلى الرغم من أن كل مكون من مكونات اليد فيه من إعجاز التصميم ما فيه إلا أن الإعجاز يتجلى في تصميم مفاصلها من حيث عدة اعتبارات. فالاعتبار الأول هو http://quran-m.com/firas/ar_photo/12717649280012.jpgاختيار المفصل المناسب لكل نوع من أنواع الحركة المراد إجراؤها في المكان المناسب فلو ترك الأمر للصدفة لتصمم هذه اليد كما يدعي المبطلون لوضعت مفاصل في غير أماكنها ولما تحركت اليد بهذه الطريقة البديعة.
أما الثاني فهو اختيار نوع خاص من العظام عند المفصل ليتحمل الاحتكاك المستمر بين العظام ومن السخف أن يعتقد أي إنسان عاقل أن الصدفة تأبه كثيرا لتآكل عظام المفاصل.
ومن الاعتبارات الأخرى الطريقة التي تم بها ربط العظام عند المفصل والطريقة التي تم بها تزييت المفاصل لحمايتها من التآكل والطرق التي تم بها تثبيت العضلات على العظام لتحريكها في الاتجاهات المختلفة.
وتستخدم اليد وكذلك بقية عظام الجسم ستة أنواع مختلفة من المفاصل وهي موجودة في مفاصل الكتف والكوع والرسغ والأصابع. ونبدأ بمفصل الكتف الذي يربط عظمة العضد بعظمة لوح الكتف وهو من النوع المسمى بالمفصل الكروي الحقي (Ball and socket joint) وهذا النوع من المفاصل يسمح بحركة عظمة العضد في جميع الاتجاهات مع إمكانية تدويرها مما يمكن الشخص من تحريك ذراعه إلى الأمام والخلف والأعلى والأسفل والجوانب كما شرحنا سابقا.
ولو حصل أن تم اختيار مفصلا من غير هذا النوع في هذا المكان لما كان مجال حركة اليد بهذا الاتساع. أما الكوع فيتكون من مفصلين أولهما من النوع المسمى بالمفصل الرزي (Hinge joint) وهو يربط عظمة العضد مع عظمة الزند ويسمح بحركة الساعد في مستوى واحد فقط حيث يتم مد الساعد أو ثنيه بالنسبة للعضد.
وأما المفصل الآخر في الكوع فهو من النوع المسمى المفصل المداري (Pivot joint) وهو يسمح بحركة عظمة الكعبرة بشكل دوراني حول عظمة الزند مما يمكن تدوير كف اليد بمقدار 180 درجة.
أما مفصل الرسغ فهو من أعقد المفاصل تركيبا وهو يربط ما بين عظمتي الساعد مع عظام الأمشاط للأصابع الخمس وهو من النوع المنزلق (gliding joint) ويتكون من ثماني عظمات صغيرة مرتبة في صفين وتسمح بتحريك كف اليد في مستويين متعامدين وتحريك الإبهام في مستويين متعامدين كذلك.
وأما مفاصل الأصابع فهي من نوعين النوع الأول يسمى المفصل السرجي (saddle joints) والثاني يسمى المفصل اللقمي (condyloid joints) وهي تسمح بحركة الأصابع في مستوى واحد كالثني والمد مع إمكانية فرد الأصابع عن بعضها البعض.
ويغطي سطوح العظام المتلامسة عند المفاصل غضاريف (Articular Cartilage) تسمى الغضاريف الزجاجية (Hyaline Cartilage) وهي شبه شفافة بيضاء اللون تميل للزرقة وذات لمعان.
ولهذه الغضاريف خصائص عجيبة لا يجمع بينها إلا مصمم لا حدود لعلمه وقدرته سبحانه فقد صممها لتحقق متطلبات كثيرة لكي تقوم بالوظائف التي تقوم بها.
فسطحها أولا في غاية النعومة أو الملاسة لم يتمكن البشر من تصنيع أجسام بنفس الدرجة من الملاسة إلا في العصر الحديث وهذه الخاصية هي التي تسمح بحركة العظام فوق بعضها البعض بأقل احتكاك ممكن.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1271768416020.jpgأما الخاصية الثانية فهي أنها عالية المرونة أي أنها قابل للإنضغاط وذلك لكي تقوم بامتصاص الصدمات المتكررة التي تتعرض لها مفاصل اليد. أما الخاصية الثالثة فهي في غاية المتانة رغم أنها طبقة رقيقة لا تتجاوز عدة ملليمترات ولذلك فإنها تتحمل ضغوط ميكانيكية عالية لعشرات السنوات دون أن تتمزق. أما الخاصية الرابعة فهي أنها تخلو من الشرايين والأعصاب ويتم تغذية خلاياها من السائل المحيط بها من خلال الانتشار.
ومن لطف الله عز وجل بالإنسان وبقية مخلوقاته أن هذه الطبقة الغضروفية يمكن أن تصلح نفسها إذا ما أصابها أي عطب نتيجة الاستخدام المتواصل لليد على مدى عمر الإنسان.
وينم تحقيق هذه المواصفات العجيبة للغضروف باستخدام تراكيب معقدة من حيث نوع المواد المستخدمة وطرق تشكيلها حيث تتكون من عدة طبقات من شبكات معقدة من الألياف المختلفة والتي أهمها ألياف الكولاجين.
إن الغضاريف مهما بلغت نعومة سطحها لا يمكنها منع الاحتكاك تماما ولذا فقد أبدع الله سبحانه وتعالى طريقة مكملة للتقليل من الاحتكاك وهي استخدام سائل لتزييت سطوح هذه الغضاريف يطلق عليه اسم السائل المصلي أو الزلالي (Synovial fluid).
ويكون هذا السائل طبقة بالغة الرقة على سطح الغضروف لا تتجاوز 50 ميكروميتر تقوم إلى جانب تزييت المفصل بتوفير الغذاء والأكسجين للغضروف الذي يخلو كما أسلفنا من الشرايين.
وللحفاظ على هذا السائل الثمين يتم إحاطة كامل المفصل بألياف قوية بيضاء اللون محكمة الإغلاق لتكون ما يسمى بحافظة أو كبسولة المفصل (joint capsule).
ويبطن ألياف المحفظة الغشاء المصلي (Synovial membrane) الذي يتكون من خلايا طلائية إفرازية تفرز السائل المصلي الذي يغطي جميع أجزاء العظام في داخل المحفظة.
كما تقوم الحافظة إلى جانب الحفاظ على السائل المصلي بربط عظام المفصل ببعضها إلى جانب الأربطة والعضلات لضمان قوة المفاصل والحيلولة دون خلعها.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1271768500025.jpg ,ويوجد في الحافظة أيضا أكياس صغيرة تدعى البورصة تعمل كعازل يحول دون احتكاك العظام فيما بينها أو مع الروابط أو الأوتار أو الجلد. ويتجلى الإبداع في تصميم اليد في الطرق المستخدمة في ربط عظام المفاصل ببعضها البعض في غياب البراغي والصواميل التي يستخدمها البشر لربط الأجزاء المتحركة في آلاتهم ومعداتهم.
وتوجد ثلاثة مستويات من الربط في المفاصل أولها ألياف المحفظة حيث يتم تثبيت أطراف الألياف على كامل محيط كل من العظميين المكونين للمفصل.
أما المستوى الثاني فهو باستخدام الأربطة الليفية (fibrous ligaments) وهي عبارة عن حزم منفصلة من النسيج الليفي تثبت أطرافها على عظمتي المفصل خارج المحفظة.
وتختلف الأربطة عن ألياف المحفظة بأنها موضوعة في أماكن محددة حول المفصل وبأطوال محسوبة بدقة بالغة حيث تعمل هذه الأربطة إلى جانب وظيفة الربط على تحديد حركة المفاصل في الاتجاهات المختلفة.
فهذه الأربطة لا تسمح لعظام المفصل بالحركة إلا في الاتجاهات المحددة لها وكذلك ضمن المدى المسموح به وتمنع تجاوزها الحد الأعلى لزاوية حركتها.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1271768563022.jpg وتتميز ألياف الأربطة بمتانتها العالية وبوجود درجة من المرونة تسمح بزيادة طولها قليلا عن الحد المسموح به وذلك لكي لا تنقطع في حالة تعرض المفصل لضغط خارجي.
وتعتبر العضلات المحركات التي تقوم بتحريك عظام اليد حول مفاصلها ويتم ذلك من خلال انقباض خلايا العضلات فيقصر طولها عن حالها وهي في حالة الانبساط. ولكي يتم تحريك إحدى عظمات اليد حول مفصلها فإنه يلزم تثبيت أحد طرفي العضلة المحركة له على العظم المقابل والطرف الآخر على العظم القابل للحركة حول المفصل.
ويلزم لتحريك أي عظمة مفصلية في مستوى واحد عضلتان أحدهما تقوم بشد العظمة في الاتجاه المطلوب بينما تقوم الثانية بشده في الاتجاه المعاكس.
فعلى سبيل المثال يوجد عضلتان على عظمة العضد تقومان بثني وبسط ساعد اليد حول مفصل الكوع حيث تم تثبيت الأطراف الثابتة للعضلتين عند أعلى عظمة العضد وعظمة لوح الكتف بينما تم تثبيت الأطراف المتحركة على عظمتي الزند والكعبرة كما واضح من الشكل المرفق.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/12717685980123.jpgويتم تثبيت أطراف العضلات على العظام باستخدام الأوتار (Tendons) وهي عبارة عن ألياف دقيقة بيضاء اللون بالغة المتانة ولكنها ليست مرنة كالأربطة.
وترتبط الأوتار بأطراف العضلات بعد أن يستدق رأسها وهي تقوم مقام الأسلاك في الآلات الحديثة حيث تقوم بإيصال قوة شد العضلة إلى مسافات بعيدة كما هو الحال مع العضلات الموجودة على الساعد وتقوم بتحريك الأصابع من خلال الأوتار.
وبما أن مفصل الكتف يقوم بتحريك العضد بما يتصل به من عظام اليد في جميع الاتجاهات وكذلك تدويره فإنه يحتاج إلى أكبر عدد من العضلات وكذلك أقواها.
ويبلغ عدد هذه العضلات ستة عضلات تم تثبيتها بإحكام على جميع وجوه عظمة اللوح وكذلك على عظمة الترقوة ولهذا السبب تم تصميم شكل لوح الكتف بهذه المساحة الواسعة لسطحه لكي يتسع لهذا العدد من العضلات المحركة للعضد وكذلك الساعد.
أما مفصل الكوع فيتم تحريكه من خلال أربع عضلات قوية تستند على عظمة العضد وتقوم بتحريك عظمتي الساعد في مستوى واحد وكذلك تدوير الساعد وبالتالي تدوير كف اليد.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/12717686471321.jpg أما مفصل الرسغ فيتم تحريكه من خلال العضلات المثبتة على الساعد حيث يلزم أربع عضلات لتحريكه في مستويين.
أما مفاصل أصابع اليد الأربعة عشر فيتم تحريكها من خلال خمسة وثلاثون عضلة مثبت على الساعد عشرين عضلة والبقية في الكف وذلك لحكمة بالغة لا يمكن أن ينتبه إليها البشر بسهولة.
فلو وضعت هذه العضلات بأكملها في كف اليد لكانت أضخم بكثير مما عليه ولما كانت الكف بهذه الرشاقة والقوة عند قيامها بأداء وظائفها.
ويتم نقل قوة شد العضلات المثبتة على الساعد إلى الأصابع باستخدام أوتار طويلة ودقيقة لا تحتل حيزا كبيرا في كف اليد كما هو واضح من الشكل المرفق.
على الرغم من التعقيد البالغ لتصميم عظام ومفاصل وعضلات اليد إلا أن هذا التعقيد لا يكاد يذكر مع التعقيد الموجود في الطرق المستخدمة للتحكم بحركة اليد من خلال تحريك عضلاتها المختلفة.
وسنبدأ أولا بشرح الطريقة التي يتم بها التحكم بحركة العضلة الواحدة ثم نشرح لاحقا طرق التحكم بعضلات اليد مجتمعة لتمكن اليد من القيام بمهمة معينة.
لكي تتمكن العضلة من تحريك العظمة بزوايا مختلفة ضمن المدى المسموح به فإن يلزم تصميمها بحيث يمكنها أن تتقلص بأطوال مختلفة.
وقد تم ذلك بطريقة بارعة من خلال تقسيم ألياف العضلة إلى مجموعات يطلق عليها اسم وحدة التحريك (Motor Unit) كل مجموعة تحتوي على عدد من الألياف ويتم التحكم بكل مجموعة بليف عصبي واحد يتفرع ليتصل بكل ألياف المجموعة وعندما يرسل العصبون بنبضاته إلى الوحدة فإن جميع أليافها تتقلص بنفس الوقت وبنفس المقدار.
وبما أن العضلة تتكون من آلاف الوحدات فإنه يمكن تفليص كامل العضلة بالطول المطلوب من خلال إرسال نبضات تحكم لعدد محدد من الوحدات يتناسب مع الطول المطلوب.
ويمكن تحديد عدد الأعصاب اللازمة للتحكم بعضلات اليد المختلفة من خلال تحديد عدد وحدات التحريك الموجودة في هذه العضلات.
ويتم التحكم بعضلات اليد من خلال الأعصاب الموجودة في خمسة جذور (Roots) تتفرع من الحبل الشوكي أربعة منها تخرج من بين فقرات العنق الأخيرة والخامس من الفقرة الصدرية الأولى.
ويتم إعادة ترتيب الألياف ألعصبية الموجودة هذه الجذور الخمسة في المشبك (brachial plexus) لتخرج في ثلاث حزم تسمى الجذوع (Trunks) وينقسم كل جذع إلى قسمين (Division) لتعود لتتحد مع بقية الأقسام بعد أن تسير مسافة قصيرة لتخرج على شكل ثلاث حزم تسمى الحبال (Cords) والتي تبدأ بالتفرع تدريجيا لترتبط بمختلف عضلات اليد.
إن عملية إعادة ترتيب الألياف العصبية في المشبك عملية بالغة التعقيد لا يمكن للبشر مهما بلغت إمكانياتهم أن يقوموا بها. فكل جذر من الجذور الخمس يحتوي على مئات الآلاف من الألياف العصبية بعضها حسية وبعضها حركية ويجب أن يذهب كل ليف من هذه الألياف إلى مكان محدد في اليد ولهذا يلزم تجميع الألياف الذاهبة إلى منطقة معينة في اليد مع بعضها ولفها في حبل واحد لإيصالها بطريقة آمنة إلى المنطقة المعنية لتبدأ بالتفرع إلى أماكنها في تلك المنطقة.
http://quran-m.com/firas/ar_photo/1271765271546.jpg
شكل يوضح المساحة التي تشغلها اليد في منطقة الحركة الإرادية في قشرة الدماغ
تقع المراكز العصبية المسؤولة عن الحركات الإرادية في الجزء الخلفي من فص المخ الأمامي وهي تغطي مساحة واسعة منه. ويتبين لنا من الشكل المرفق كيف أن اليد بذراعها وبأصابعها الخمس تحتل مساحة كبيرة من المساحة الكلية المخصصة للحركات الإرادية في الجسم.
ولا يدرك أكثر الناس حجم العمليات والمعالجات التي تجري في مراكز الحركة في الدماغ وكذلك كمية المعلومات الذاهبة والقادمة بين اليد والدماغ عند القيام بتحريك اليد لأداء مهمة معينة مهما بلغت بساطتها.
فمعظم الناس يعتقد أن جميع خطوات عملية تحريك أيديهم وأرجلهم وألسنتهم إنما تتم بشكل كامل تحت سيطرتهم وهي ليست كذلك أبدا حيث أن جميع الخطوات تتم بشكل غير إرادي ما عدا الخطوة الأولى وهي خطوة تحديد نوع الحركة ووقت ابتدائها.
فعندما ينوي الشخص تحريك يده في وضعية ما فإن هنالك برنامجا ضخما مخزن في مركز الحركة الرئيسي والمراكز المساعدة له يلزم تشغيله ليحدد سلسلة النبضات العصبية التي يجب أن ترسل لمختلف عضلات اليد وبتزامن منقطع النظير.
فعندما ينوي الشخص الإمساك بكوب من الماء ليشرب منه فإن يلزم تحريك جميع عضلات اليد لنقلها من وضعها التي كانت فيه إلى موضع الكوب فتقوم بالإمساك به ثم نقله إلى فمه.
وخلال هذه الفترة الزمنية يتم إرسال مئات الملايين من لإشارات العصبية من الدماغ لعضلات اليد ومن عضلات اليد إلى الدماغ تحدد العضلات المراد تحريكها ومقدار شدها في كل لحظة زمنية.
وكيف للإنسان أن يعطي سلسلة الأوامر لتحريك يده وهو يجهل أصلا تركيب يده وكم فيها من عضلات ومفاصل وألياف عصبية وغير ذلك وحتى لو علم ذلك فإنه لا حول له ولا قوة في فعل ذلك.
ويتضح ذلك جليا إذا ما أصاب أعصاب اليد أي خلل أو قطع فالشخص المصاب يعطي الأوامر لدماغه لتحريك يده ولكن اليد لا تستجيب أبدا لعدم وصول الإشارات من الدماغ إلى عضلات اليد.
إن عملية تحريك اليد للقيام بمهمة معينة لا تتم فقط من خلال إرسال الإشارات الكهربائية من الدماغ إلى عضلات اليد بل تحتاج لتغذية راجعة من اليد إلى الدماغ تحدد وضعية المفاصل المختلفة ومقدار شد العضلات في كل لحظة زمنية.
ويتم ذلك من خلال استخدام عدد كبير من المستقبلات الحسية (sensory receptors) التي يتم زرعها في داخل المفاصل والعضلات والأربطة والأوتار والتي تقوم بإرسال إشارات كهربائية إلى الدماغ أو الحبل الشوكي تحدد وضع كل من هذه المكونات في كل لحظة زمنية.
والمستقبلات الحسية المصممة خصيصا للقيام بهذه المهمة هي من نوع المستقبلات الميكانيكية (mechanoreceptors) والتي تستجيب لحركات العضلات والمفاصل والتي توجد بأشكال مختلفة حسب نوع المكون الموجودة فيه كالمغزل العضلي (muscle spindle) الموجود في العضلات و (Golgi tendon organ) الموجود في الأوتار. ويعتبر المغزل العضلي من أشهر المستقبلات الميكانيكية المستخدمة في اليد والذي يتم زرعه في بطن العضلة من خلال لفه عدة لفات حول بعض الألياف العضلية الداخلية.
إن حجم العمليات العصبية التي يجريها الدماغ لكي يمكن اليد من أداء وظائفها بكل سهولة لا يدرك تعقيدها إلا المهندسون الذين يعملون في مجال تصنيع الروبوتات أو الأطباء والمهندسون الطبييون الذين يعالجون مرضى أصيبوا بعاهات في أيديهم أو في أعصابها أو في مراكز الحركة وذلك من خلال تركيب أطراف صناعية لهم. فمهندسي التحكم بالروبوتات يعتبرون اليد البشرية النموذج الأمثل الذين ويسعون جاهدين لصنع أيدي لروبوتاتهم تحاكي ولو بشكل جزئي قدرات اليد البشرية.
ولكي يتمكن المهندسون من تقليد اليد البشرية فقد قاموا في مراكز أبحاثهم بدراسات معمقة وكثيرة لهذه اليد المعجزة حاولوا خلالها كشف أسرارها المختلفة.
وقد انصبت جهود بعضهم على دراسة الجانب الميكانيكي من حيث تركيب العظام والعضلات والمفاصل وبعضهم على دراسة الأعصاب المحركة والمستقبلات الحسية من حيث أنواعها وطرق عملها وطرق توزيعها في اليد وبعضهم على دراسة البرامج الضخمة المخزنة في الدماغ والعمل على محاكاتها باستخدام الحواسيب العملاقة.
ويبين المخطط المرفق مدى التعقيد الموجود في النماذج التي يقوم المهندسون بوضعها لتمثيل عمل اليد البشرية حيث يلزم أنواع معقدة من المتحكمات بوجود التغذية
http://quran-m.com/firas/ar_photo/127176884604565.jpg
لقد تمكن المهندسون من تصنيع أنواع مختلفة من الأيدي لروبوتاتهم ولكن قدراتها لا زالت بعيدة كل البعد عن قدرات اليد البشرية
الراجعة.
لقد تمكن المهندسون من تصنيع أنواع مختلفة من الأيدي لروبوتاتهم ولكن قدراتها لا زالت بعيدة كل البعد عن قدرات اليد البشرية وذلك باعتراف المنصفون منهم حيث يقول أحدهم معلقا على قدرات اليد الصناعية التي قام بتطويرها: (إن تصميمنا لا يملك القدرات الخارقة لليد البشرية من حيث القوة والقدرات ولكنها أقرب إلى اليد البشرية من أي يد صناعية أخرى مشغلة ذاتيا ولها نفس وزن اليد البشرية) ("Our design does not have superhuman strength or capability, but it is closer in terms of function and power to a human arm than any previous prosthetic device that is self-powered and weighs about the same as a natural arm," said researcher Michael Goldfarb, a roboticist at Vanderbilt University in Nashville. ).
ومرة أخرى أريد أن أذكر القارئ بنعمة الله عليه بتزويده بهذه الأيدي الماهرة وعليه أن يتذكر أنه عندما يقوم بتحريك يده بحركة مهما بلغت بساطتها فإن برامج ضخمة يتم تنفيذها في الدماغ ويتم تراسل ملايين النبضات الكهربائية بين اليد والدماغ.
فلو أن شخصا أراد أن يحك أرنبة أنفه برأس إصبعه أو أي جزء من جسمه وهو مغلق عينيه فما عليه إلا أن يعطى الأمر لدماغه بفعل ذلك ومن ثم تقوم المراكز المسؤولة بتنفيذ برامج معقدة لتنفيذ هذه الحركة التي تبدو بسيطة لمن لا يدرك أبعادها.
فعلى الدماغ أولا أن يحدد وضعية اليد الابتدائية ويتم الحصول على هذه المعلومات من المخيخ والذي سبق له أن حصل عليها من المستقبلات الحسية الموجودة في اليد ومن ثم يحدد الوضعية النهائية لليد وهي أرنبة الأنف وعلى ضوء هذه المعلومات يقوم الدماغ بتحديد سلسلة النبضات العصبية المرسلة إلى مختلف عضلات اليد المختلفة
لتحركها بتسلسل محدد لكي تصل إلى هدفها المحدد وصدق الله العظيم القائل "وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)" ابراهيم.
Powered by vBulletin® Version 4.1.10 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.