PDA

View Full Version : عين على الأقصى



رحيق الشهادة
04-29-2010, 11:52 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عين على الأقصى


الصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


ملخص تنفيذي:


تصدر مؤسسة القدس الدولية تقريراً دورياً يرصد الاعتداءات على المسجد الأقصى وتطور خطوات الاحتلال الصهيوني تجاهه، ويعدّ هذا التقرير الثالث في هذه السلسلة، وهو يوثّق الاعتداءات في الفترة بين 21/8/2008 وحتى 21/8/2009، ويحاول تناول مشروع تهويد المسجد بمقاربةٍ شاملة تناقشه من ثلاثة جوانب، فيبدأ أولاً بتطور فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى على المستوى السياسي والديني والقانونيّ، وينتقل ثانياً إلى مناقشة تفصيلية لكل أعمال الحفر والإنشاءات والمصادرة تحت المسجد وفي محيطه، ويناقش مسارها وتطورها على مدى سنوات التوثيق، ويكشف عن تفاصيلها ومراميها استناداً على أحدث ما يتوفر من معلومات، حيث يسعى الاحتلال إلى تأسيس مدينةٍ يهوديةٍ تحت المسجد وفي محيطه يكون هو في مركزها، ويخلق بنيةً تحتية متكاملة للوجود اليهودي في المسجد ومحيطه، ويتناول ثالثاً تحقيق الوجود اليهودي البشري والفعليّ داخل المسجد الأقصى، ومحاولات التدخل في إدارته، فيرصد اقتحامات وتصريحات الشخصيات الرسمية، والمتطرفين اليهود، والأجهزة الأمنية، ويستقرئ مسار ومآلات كلّ منها، ويلمس معالم تكامل الأدوار بين هذه الأطراف المتفقة على تحقيق الهدف ذاته، تقسيم المسجد بين اليهود والمسلمين في أقرب فرصةٍ ممكنة، كما يرصد المنع الدائم لترميم مرافق المسجد، وتجلياته خلال فترة التقرير، والتقييد المستمرّ لحركة موظّفي الأوقاف، الذين يُشكلون العصب التنفيذي لهذه الدائرة، بغرض شلّ عمل الدائرة ومنعها من أداء مهامّها، تمهيداً لتحجيم أعمالها وصلاحياتها، ونزع الحصرية الإسلامية عن المسجد لصالح سلطة الآثار الإسرائيلية، وأخيراً يرصد التحكم في الدخول للمسجد، ومحاولة الاحتلال تغيير قواعد السيطرة على أحد أبوابه، وتقييد حركة المصلين بحسب مناطق تواجدهم، وبحسب أعمارهم، بشكلٍ جعل عدد المصلين يهبط إلى مستوياتٍ غير مسبوقة في أيام الجمعة التي تزامنت مع العدوان على غزة، لكن أعداد المصلين تتراوح بين مدٍّ وجزر، فهي وصلت في رمضان إلى مئات الآلاف، في مؤشّرٍ عمليٍّ واضح على عجز القبضة الأمنية للاحتلال أمام الزحف البشريّ الهائل للمصلين إلى الأقصى في جمع شهر رمضان، وفي ليلة السابع والعشرين منه .

رحيق الشهادة
04-29-2010, 11:52 PM
ااااولاً: تطوّر فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى:

1. الموقف السياسي:

تجاوز المشروع الصهيوني اليوم مرحلة محاولة إثبات وجود الهيكل تحت الأقصى، بعد أن فشل في إثباتِ ذلك علمياً، وأعلنت بعثاته الآثارية ذلك صراحةً، وانتقل إلى خلق هذا الوجود (أورشليم المقدّسة) من خلال مسارين أساسيّين: تثبيت "حقّ اليهود بالصلاة في جبل الهيكل"، وخلق آثار "أورشليم المقدّسة" في هذا الجبل، بغضّ النظر عن ثبوت مزاعم هذه الأحقية أو بطلانها.

لقد كان التطوّر السياسيّ الأبرز خلال الفترة التي يُغطّيها التقرير وصول زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو إلى سدّة الحكم في دولة الاحتلال إثر انتخابات برلمانيّة فاز فيها تحالف اليمين في شهر آذار مارس من عام 2009. وتولّي نتنياهو لرئاسة الوزراء يعني عودة التبنّي السياسي الرسميّ والمعلن لفكرة "السماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى". كما يعني منح مشروع "خلق العاصمة اليهوديّة المقدّسة" زخمًا قويًّا كون نتنياهو من أشدّ المؤيدين لهذا المشروع.

وصول نتنياهو إلى رئاسة الوزراء جاءت في ظروفٍ مؤاتية فيما يخصّ فكرة "أحقية اليهود في جبل الهيكل"، فالأجواء في دولة الاحتلال اليوم تدفع في مجملها باتجاه إنهاء مشروع بناء "المدينة اليهوديّة المقدسة" بأقرب وقتٍ ممكن، وتقسيم المسجد الأقصى وتثبيت "الأحقية اليهودية" فيه كأمرٍ واقع. يترافق ذلك مع تجاهلٍ عربيّ وإسلاميّ رسميّ وفتورٍ شعبيّ، وتراجع ٍ في قدرة الفلسطينيين على مواجهة إجراءات الاحتلال بسبب انقسامهم الداخليّ، وإهمال السلطة الفلسطينيّة لملفّ القدس.

ويتزامن ذلك كلّه مع ظهور رؤيةٍ أميركيّة جديدة تتعامل مع قضية القدس من منظور المدينة المتعدّدة أو العاصمة الدينيّة المفتوحة لجميع الأديان والتي تُسيّر مقدساتها إدارة أمميّة مشتركة، على مبدأ "السماح لأتباع الأديان الثلاثة بالوصول إلى مقدّساتهم". وقد وجد هذا الطرح الأمريكيّ من يتحمّس له على المستوى العربي الرسمي على الفور دون تقدير أبعاده ونتائجه، ونحن نعتقد أن هذا الطرح إذا ما نُفّذ فلن يُشكّل أكثر من إعادة إنتاجٍ للرؤية الإسرائيلية للقدس والمعروضة في مخطط "أورشليم أولاً" ولكن تحت مظلة الشرعيّة الدولية هذه المرّة، خصوصاً أن النظام الرسمي العربي والإسلامي عاجز عن فرض آرائه في المجتمع الدولي ببنيته الحالية في ظل حالة التشرذم والانقسام، وبالتالي فلن يكون قادرًا على فرض آرائه في الإدارة الأمّمية المشتركة للمدينة. كما نرى أن القبول بهذا الطرح سيشكّل خسارةً لنقطة القوة العربية والإسلامية الوحيدة في قضية القدس، وهي الحق العربيّ والإسلاميّ الناصع غير القابل للجدل في مدينة القدس والمؤيَّد بالقانون الدولي، علاوةً على أن محاولة فرض مثل هذه الرؤية ستكون كفيلةً بنقل الصراع على القدس من صراعٍ مع المحتلّ إلى صراعٍ مع الداخل العربي والإسلامي، خصوصاً أن هذه الرؤية جوبهت بإجماعٍ علمائيٍّ على رفضها، كما أنها غير قابلةٍ للتطبيق عملياً، وستضيع في متاهة التفاصيل.

2. الموقف الديني:

لم تعد مسألة الصلاة في "جبل الهيكل" دعوةً تحملها مجموعةٌ صغيرةٌ من الحاخامات المتموّلين من أثرياء اليهود والمسيحيين الصهاينة، فهي بعد أن كانت موضع رفضٍ مطلق عام 1967، وأصبحت موضع تأييدٍ من أقليةٍ معزولةٍ بعدها، أضحت اليوم تياراً كبيراً، حيث بدأت تتّسع جبهة المنادين بمنح اليهود "الحقّ بالصلاة في المسجد الأقصى" منذ العام 2000، وهي تواصل اليوم توسّعها، والملاحظ أنّ التغيّرات في هذا الموقف الدينيّ تلازمت دوماً مع التغيّرات التي كانت تطرأ على الموقف السياسيّ من تواجد اليهود في "جبل الهيكل".

في نهاية شهر آب / أغسطس من عام 2008 وبالتزامن مع ذكرى "خراب الهيكل" لدى اليهود شهدت الأوساط الدينيّة في دولة الاحتلال تصاعدًا جديدًا للجدل حول "حقّ اليهود في الصلاة في جبل الهيكل" بين معسكري اليهود المتديّنين غير الوطنيّين، أو غير الصهاينة "الحريديم"، وعلى رأسه الحاخامات عوفاديا يوسف، وشالوم إلياهو وحاييم كيفنسكي، واليهود المتديّنين الوطنيّن أو الصهاينة وعلى رأسه الحاخام موشيه تندلر، وذلك على أثر زيارة الأخير للمسجد الأقصى في تمّوز / يوليو 2008 في جولةٍ مصوّر ودعوته اليهود لزيارة المكان. فقد ردّ الحاخامات الثلاثة على هذه الزيارة بإرسال رسالةً إلى حاخام "الحائط الغربيّ والأماكن المقدسة" يُطالبونه فيها بتجديد المنع الدينيّ لدخول اليهود إلى المسجد الأقصى " جبل الهيكل " وجعله شاملاً لكلّ اليهود، حتى لا "تدنّس طهارة الجبل"، معتبرين أنّ دخول اليهود إلى "قدس الأقداس" وإن كان دون من قصد يُعدّ أكبر الحرمات في التشريع اليهوديّ.

وفي حين أنّ المعسكر الأوّل يملك ما يُقارب عشرين نائبًا في برلمان الاحتلال إلاّ أنّ تأثير المعسكر الثاني على الحكومة أكبر، وهو يُدير معظم شؤون "الأماكن اليهوديّة المقدّسة" في القدس أي حائط البراق والحفريات والكنس المحيطة به و "مدينة داود" وغيرها من المواقع . ويعود ذلك في نظرنا إلى كون المعسكر الثاني - المؤيّد لصلاة اليهود في "جبل الهيكل"- أكثر تنظيمًا ويتمتّع بتمويلٍ كبير من الأثرياء اليهود والمسيحيين الصهاينة في الولايات المتحدة، في حين أنّ المعسكر الأوّل يعتمد في تمويله على الدعم المحلي ودعم دولة الاحتلال. بعيداً عن هذا الجدل، تابعت جمعيّة "أمناء جبل الهيكل" وعدد من الجمعيّات الممثالة الأصغر حجماً نشاطها لبناء مكوّنات "الهيكل" اليهوديّ وتحضير مستلزماته وأزيائه.

وكانت نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة (يديعوت أحرنوت) العبريّة في 30/7/2009 قاطعةً في إظهار غلبة المؤيدين لـ "إقامة الهيكل" في المجتمع الصهيونيّ اليوم، حيث ظهر تأييد حوالي 64% من سكان دولة الاحتلال لإعادة بناء "الهيكل الثالث". وقد كان اليهود المتدينون بطبيعة الحال الأكثر تأييداً لهذه الفكرة إذ بلغت نسبة المؤيدين بينهم حوالي 98,5% ، فيما بلغت نسبة التأييد بين اليهود العلمانيّين حوالي 47%، أمّا بين الجمهور العام (أي الذين لا يُعرّفون أنفسهم كمتدينين أو علمانيّين) فقد بلغت النسبة حوالي 91%.

3. الموقف القانوني:

فور سيطرة الاحتلال على المسجد الأقصى عام 1967، أصدر برلمانه قانوناً سُمّي بقانون "الحفاظ على الأماكن المقدّسة"، مُنع بموجبه اليهود من دخول المسجد، وقد حاولت الجماعات المتطرّفة الطعن بهذا القانون لكنها لم تُفلح. وقد بدأ الموقف القانونيّ بالتغيرّ بشكلٍ متزامن تقريبًا مع الموقفين السياسيّ والدينيّ، ففي عام 1993 أصدرت المحكمة العليا في دولة الاحتلال قراراً اعتبر أنّ "جبل الهيكل" هو أقدس مقدّسات اليهود، وهو "قلب دولة إسرائيل وجزءٌ لا يتجزّأ من أراضيها"؛ ما يعني أنّه خاضعٌ لقانونها الذي يضمن لكلّ المواطنين حريّة العبادة وحريّة الوصول للأماكن المقدّسة دون تمييز.

وقد عادت المحكمة لتؤكّد قرارها وتطوّره في 23/6/2003 عندما سمحت لليهود بزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه معتبرةً ذلك "حقاً طبيعيّاً" لهم، وأخيراً أصدرت في شهر تشرين الأوّل / أكتوبر 2005 قراراً يسمح لجماعة "أمناء الهيكل" بالصلاة في المسجد الأقصى بين الساعة السابعة مساءً والتاسعة صباحاً، حين يكون عدد المصلّين المسلمين في الأقصى قليلاً.

لم تشهد الفترة التي يُغطّيها تقريرنا هذا تطوّرًا نوعيّاً على المستوى القانونيّ، فقد ظلّ الوضع القائم كما هو، فاليهود من الناحية القانونيّة مسموحٌ لهم بالدخول إلى المسجد والصلاة فيه فرادى أو في مجموعاتٍ صغيرة، وبالصلاة في مجموعاتٍ كبيرة لكن في أوقاتٍ محددة . وقد ظلّت شرطة الاحتلال تمنع المجموعات الكبيرة من الدخول وأداء طقوس صلاةٍ علنيّة في أوقات وجود المصلين المسلمين، وذلك منعًا لحدوث أيّ ردّة فعلٍ تقود المنطقة للاشتعال.

وما دام الموقف السياسي يتطوّر باتجاه توفير كل مستلزمات تثبيت "الأحقية اليهودية في جبل الهيكل"، ويرافقه ذلك تطور الموقف الديني والعمل الدؤوب للمنظمات اليهودية المتطرفة لخلق إشكالاتٍ وسوابق مع شرطة الاحتلال ترفعها للمحكمة لحملها على استصدار قراراتٍ جديدة تزيد من تثبيت حضور اليهود في المسجد، فإن تطور قرارات المحاكم تجاه التواجد اليهودي في الأقصى غير مستبعدٍ، بل يكاد يكون حتمياً.



يتبع ان شاء الله