PDA

View Full Version : دموع الشموع



أحمدالحارون
06-28-2010, 04:45 AM
دموع الشموع
انتبهت أشجانُ من نومها مذعورةً, صوتُ ارتطام وجلبة بالخارج, نورُ الغرفةِ قضى نحبه بقيلولة التيار, تحسستْ وقع الأصواتِ, مناشرُ الغسيل تصطك وتذروها الرياح, زخاتُ المطر تطرق النوافذ كمن يعاقب.
تأففتْ قائلة: وليلة ممطرة طويلة...نهضتْ متساقلة الأعطاف, تتحسس هدى أقدامها مستعينة بيديها, بالكاد استطاعت أن تنير شمعتها, ألقتْ نظرة على صغيريها...أكرم و رماح, الصغير يضمُّ صدرُهُ أقدامَه منكمشاً, أتراه البرد أتى عليه ؟ أم احتياجه لأبيه وحنانه المسلوب؟ تمددتْ بجانبه ...أشعرته قربها وحنانها, أحكمتْ غطاءه, انتبه الصغير لشذا أنفاسها, وبلا قصدٍ طوقتْ ذراعُه عنقها, راحتْ تعبثُ بخصلات شعره, تحاول منحه أماناً تفتقده, وحين استغرق فى نومه ....أزاحتْ يده برفق وانسلتْ إلى مضجعها, لفها القهر والبردُ, خاصم النوم مقلتيها, اتخذتْ زند الأرق وسادةً, أسندتْ السريرَ إلى ظهرها, تمنتْ أن يكون لقلبها وعينها أفواه لتصيحَ من فرط ما تحمل من آلامٍ, ضرب النومُ ستاراً بينه وبين مآقيها, أرختْ الجفونَ وراحتْ تقلبُ سنواتِ عمرها, شعرت بانصهار الحياة من جبينها بفعل مجتمع لا يرحم, خيطُ الليل يلفظها فى هوة الوحدة, وأنين الدمع يكسو محياها, دمعاتٌ تتدلى من رموشٍ ذابلة, كأن الكلَّ يعلن حداداً على وأدِ أنوثة هذا الجسد, يرتعش أنفها ويضطربُ عرنينُها متخلياً عن بعض الكرامة ليشارك فى تأبين مشاعرها, لا تسمع أشجان إلا هديراً بداخلها كمدِّ البحر وجزره.
لقد خرجتْ من سنوات الجامعة منكسرة الفؤاد على تجربة قاسية, لكن سرعان ما وافقتْ على زيجةٍ جديدةٍ, ظنتْ أنها قد تنسيها وترمم ما انكسر من مشاعرها, لكنها أفاقت سريعاً على زوج لا يرى إلا ذاته, لا يعيرُ لمشاعرها انتباها, ولا يمنحُ حساسيتها المفرطة التفاتة, أتى على ما بقى لديها من أنقاض تجربة مضتْ, رمى بأنوثتها فى هوة عميقة, شفافية وجدانها لديه ضربا من التصنع, وقف حجر عثرة فى طريق طموحها, أغلق كل الأبواب المشرعة فى فضاءات نفسها, أرادها ألا تعمل فأذعنتْ,
بدلاً من شدِّ أزرها لتكمل دراستها العليا...هدد ووعد ورفض باصرار,
وبمرور الأيام زادتْ دائرة الصمتِ بينهما اتساعاً, وتكاد من قطرها تنفرجُ.
كانتْ بجواره ...لكن بينهما من السدود والحواجز ما لا يأملُ تسلقه, تجمدتْ مشاعرها نحوه, علا صوته بألفاظٍ نابية تأففتْ منها جدران غرفتها, كان الأولادُ شهودا على سياطِ كلماته, عقد ونصفٌ من الزمان تحملتْ جبروته وقسوته, أنانيته المفرطه عجزتْ قواها بصددها وخارتْ, وكل ذلك من أجل ولديها....وها هى توشكُ أن تخسرهما, ومقبلة هى على فقد ذاتها إن استمرت معه, صارت المهدئات قرينتها, وبقية من ثقة تكاد تنفك عنها, تأثر الولدان سلباً فى تحصيلهما, شحذتْ كل أسلحتها كأنثى, واستدعتْ قواها التى تخلت عنها لسنوات, وكان قرار الانفصال حفاظا على ولديها, وبرغم ألمه وبرغم اهتزاز أركانها, جاهدتْ أن تبدو متماسكة, أفرغت كل رغباتِ الدنيا من ذاتها, تحاول غسل أدران سنواتٍ عجافٍ, شعرتْ كأنها تخففتْ من حمل ثقيل, ربطتْ على قلبها صخرة وراحتْ تغرق من أجل حياة ولديها, فهلاكها واحتراقها فيه نجاتهما, استمتعتْ بالعطاء والذوبان من أجلهما, لكن ها هى تشعر بين الفينة والأخرى ان قلبها مازال بكراً, ومشاعرها تبدو كحبات قمحٍ فى سنبلة ممتلئة لم تُحصد بعد, وبرغم عقدها الرابع الذى انفلتتْ حباته, لكنها تشعر انها هى التى طُويتْ لا أيامها, هزت رأسها ولسان حالها يقول: لا يهم.
صارتْ كمن يدور فى فلك الصغيرين, تمنح وتهب وتعطى بلا حدود وبلا انتظار ردٍّ, انتبهت على دمعاتها, حر الدمعة يفضح ما بداخلها, عواصف الليل تمنعها من الخروج إلى شرفتها, مكانها المفضل وياسمينتها البيضاء, كلاهما اعتاد الشكوى للآخر, كم تحملتْ وقاستْ؛ قسوة أب...هجر حبيب...لا مبالاة زوج, وراحت تتساءل: هل سأظل بين رحى الأيام هكذا مكلومة؟ اختمرت عواطفها, وطلقت قلبها إلا من صغيريْها, عليها أن تفنى وتحترق من أجلهما, وحين لاح لديها معنى الاحتراق راحت عينها صوبَ الشمعة النازفة وضوئها, هاهى الشمعة على ضعفها وتلاعب الأنفاس بمقدراتها ....تنير لنا دربا فى ليلية مظلمة, هى نقطة الضوء ومركزه, تماما مثلى, فانا وهى صنوان فى هذا المكان وهذه الدنيا, تأملتْ شمعتها....إنها أضفت دفئاً على برد غرفتها, ومنحت ضوءً ندرك به ما حولنا, ورسمت ظلالاً واهية على جماداتٍ حولها, ودموعها على جانبيها تسيل ثم تتجمد من جديد, تعلمت أشجان من شمعتها درسا ووعته, وراحتْ تصيغ الدفء واقعا فى نفوس من حولها, وتهب الضوء الناتج من احتراق قلبها لينير درب الصغيرين, ونسجتْ ظلالا من الأمان على عيونهم, ووصلته ببرِّ والديهما, ومن دموعها نظمتْ عقداً تُسبِحُ حباته حين تئنُّ قائلة:
لا كرب وأنت رب.

أفراح الأمة
06-28-2010, 06:01 PM
يال تلك المشاعر التي تحرق اجمل ما فيك ايتها الشمعة

اعتقد ان اصعب شيء للانثى ان يكسوها ذاك الغطاء
غطااااء اسودا حجب عنها كل جمال
تئن وتتجرع الألم ولكنها تكابد من اجل فلذات اكبادها
تتحمل وتصطبر من اجل املها الذي تراه بين ايديها
لا تكترث الى شيء آخر ولا تبالي
وانما تحاول جاهدة الى لملمة جراحها وتصنع منها قوة في نفسها كي تمضي في قدرها
وتحقق لعل الشيء الذي تراه ممكنا
ان ترى شعلتين ينيران حياتها القادمة
ولكنك ايتها الشمعة
قد هنء قلبك وسعد واسكن
بقولة جمييييييله
"""لا كرب وأنت رب"""

alyasamina
06-29-2010, 04:23 PM
السلام عليكم

مدهش هذا التمكن الأدبي تبارك الرحمن دقة في الوصف وتشويق وإبداع ورقي تبارك الرحمن ,,,

تقديري أيها الأديب ما شاء الله ,,,

ام الرجال
06-30-2010, 03:29 PM
ذادكم الله تعالى تألقا وابداعا
وبارك الله تعالى لنا فى هذا الادب الراقى
اشجان ..تحمل من الاشجان ماتنوء منه الجبال
اشجان .. الشمعة التى تحرق نفسها لتوهب الحياة لابنيها
بارك الله فيكم وجزاكم الجنة
دمتك بخير
:308:

دموع شهد
07-04-2010, 06:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


العم الغالي والعزيز....(الحارون)


بكت دموعي وتهللت اشجاني وعصفت روحي....

كما انت رائع..وماهر في حياكة الحروف ونسجها...

سلمت يداك وبارك الله فيك ووفقك لما يحبه ويرضااه

لا تطيل علينا فالايام معدوده في عدادي....انتظر حروفك بكل شوق

في حفظ الله ورعايته

أحمدالحارون
07-06-2010, 02:08 AM
يال تلك المشاعر التي تحرق اجمل ما فيك ايتها الشمعة



اعتقد ان اصعب شيء للانثى ان يكسوها ذاك الغطاء
غطااااء اسودا حجب عنها كل جمال
تئن وتتجرع الألم ولكنها تكابد من اجل فلذات اكبادها
تتحمل وتصطبر من اجل املها الذي تراه بين ايديها
لا تكترث الى شيء آخر ولا تبالي
وانما تحاول جاهدة الى لملمة جراحها وتصنع منها قوة في نفسها كي تمضي في قدرها
وتحقق لعل الشيء الذي تراه ممكنا
ان ترى شعلتين ينيران حياتها القادمة
ولكنك ايتها الشمعة
قد هنء قلبك وسعد واسكن
بقولة جمييييييله

"""لا كرب وأنت رب"""


شكر الله لكم بنيتى الغالية أفراح
كم يطيب مروركم لنا
كونوا بخير يا شمعتنا المضيئة
مودتى لكم

هدى الخطيب
07-23-2010, 08:39 AM
ترتعش أنفها ويضطربُ عرنينُها

كنت أتساءل فقط إن كان الأنف مذكرًا أو مؤنث
وكنت أعتقدُ أن الأنف هو ذاته العرنين
فضلاً سيدي لا امرًا أوضح لي النقطتين


تمنتْ أن يكون لقلبها وعينها أفواه لتصيحَ من فرط ما تحمل من آلامٍ

جميلٌ الوصف أعجبني إلى حدٍّ ما ..

سيدي شكرًا لك دائمًا :)

ثابته على قيمي
08-03-2010, 05:57 AM
الله .. الله .. الله
على هكذا ابدااع
ماشاء الله تبارك الله
فى انتظار المزيد من هذا الجمال
جزاك لله خيراا

رحيق الشهادة
08-20-2010, 02:46 AM
السلام عليكم ورحمة الله
ماذا اقول وماذا اصف؟
الكلمات ام تلك المشاعر التي تخاطب النفس
ام اسلوب الكاتب الرائع
انه اسلوب اروع كاتب
بوركت يا عمي الغالي
احسنت ثم احسنت ثم احسنت
جزيت خيرا

أحمدالحارون
09-13-2010, 01:24 AM
السلام عليكم

مدهش هذا التمكن الأدبي تبارك الرحمن دقة في الوصف وتشويق وإبداع ورقي تبارك الرحمن ,,,

تقديري أيها الأديب ما شاء الله ,,,


أختنا فى الله وفى السويدان (الياسمينة)
كل الشكر لمروركم
اما ثناؤكم فلا طاقة لنا بشكره
فجزاكم الله خيرا
ودى وتقديرى

ايمان*
09-13-2010, 06:31 PM
ماشاء الله

اسلوب ادبي مميز ومشوق جدا جدا...ويلقي الضوء على ابعاد انسانية عميقة وراقية

وجزاكم الله خيرا كثيرا اخونا الفاضل أحمدالحارون

عبق الحروف
09-20-2010, 04:09 AM
السلام عليكم
ستعتاد علي ضيفاً ملازماً لمثل هذا البوح أرجو أن لا أكون ثقيل الظل
باقة ورد
/
همسة
هناك بعض الأخطاء الكيبوردية إن أمكن التصحيح
باقة ورد أخرى