ام الرجال
07-07-2010, 03:08 PM
شهوة النساء
ويسأل سائل : لماذا نتكلم عن شهوة الرجال نحو النساء ولا نتكلم عن شهوة النساء نحو الرجال؟! إن كثيرا ما يتساءلون : لماذا تكلم القرآن عن الحور العين في الجنة ولم يتكلم عن مثيل ذلك للمؤمنات؟! والجواب أن الحب عند الرجل يتمحور حول الأفعال ، فهو عنده غريزة تتبعها عاطفة ، بينما الحب عند المرأة عاطفة مقدمة على الغريزة ، وحين يمتزج الحب بالشهوة عند الرجال ؛ فهو عند النساء : كلمات وثناء وغزل ، لذا وجدنا الشعر عربيا وغربيا قديما وحديثا يحفل بغزل الرجال للنساء لا غزل النساء للرجال ، فالرجل يعلن عن الرغبة ويطلب ، والمرأة سلاحها التمنع والدلال.
من هنا جاء تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم : « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » .
وقد سبق أن أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان " ، إشارة إلى الهوى والميل الطبيعي الذي جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء ، والالتذاذ بالنظر إليهن ، والحديث معهن ، وسماع أخبارهن ، وكل ما يتعلق بهن ، ولا غرو ، فالمرأة أعظم فتن إبليس وأشد محنه وأيسر طرقه وأخفى حيله ، ولذا يتبعها ويلازمها ويزيِّنها ويُحلِّيها في عيون الرجال. قال مجاهد : " إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيَّنها لمن ينظر ، فإذا أدبرت جلس على عجزها فزيَّنها لمن ينظر " .
وعدَّها الحسن بن صالح نصف جيش الشيطان المرابط على ثغر القلب فقال : " سمعت أن الشيطان قال للمرأة : أنت نصف جندي ، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطأ ، وأنت موضع سري ، وأنت رسولي في حاجتي " .
ويُشخِّص ابن الجوزي مرضا عضالا يُصاب به مطلق بصره - وما أكثر جراحاته – فيقول : " يُعرِض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية ، وقد تكون الزوجة أحسن ، والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تَبِن له ، وقد تكشفها المخالطة ، ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة ، وكشفت له المخالطة ما كان مستورا ملَّ وطلب أخرى إلى ما لا نهاية له " .
ثم يكمل وصيته أثناء صيده لإحدى خواطره فيقول : " ليعلم العاقل أن لا سبيل إلى حصول مراد تام كما يريد ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذيْهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضوا فيْهِ ﴾ [ البقرة : 267 ] ، ما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله عز وجل ﴿ وَلَهُمْ فيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ [ البقرة : 25 ] " .
فاسمُ بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح
وحدِّث النفس بعشق الألى ... في عشقهن المتجر الرابح
واعمل على الوصل فقد أمكنت ... أسبابه ووقتها رائح
الطنطاوي يصيح
قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :
" لو أتيت مال قارون وجسد هرقل وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل وكل نوع من أنواع الجمال هل تظن أنك تكتفي؟ لا .. أقولها بالصوت العالي : لا .. أكتبها بالقلم العريض ، ولكن واحدة بالحلال تكفيك ، ولا تطلبوا مني الدليل فحيثما تلفتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائما ظاهرا مرئيا " .
لكن ما الذي يزيِّن الحرام للإنسان ويبغِّض له الحلال؟! وما الذي يجعله تهفو نفسه للغريبة عنه وتزهد في سكنه ومودته وشريكة عمره؟! إنه الرغبة في التغيير والقضاء على الملل ، إنه التطلع إلى كل جديد ، فالمرء توَّاق إلى ما لم ينل ، ويجيب الطنطاوي ثانية قائلا :
" فالنساء مختلفات ، ولكن طعم المتعة بهن واحد لا يختلف ، وما فرق بين تلك لراقصة وبين امرأتك إلا أن الأولى تأتيك على جوعك بالرغيف قد لفته بمنديل الحرير ، ووضعت المنديل في شملة ، وألقت الشملة في صندوق من الفضة المذهبة ، وجعلت حول الصندوق الورق الشفاف ، فأنت كلما رفعت حجابا من هذه الحجب اشتد جوعك وشوقك إلى ما وراءها ، فإذا بلغت الرغيف حسبته قُطِف من قمح الجنة ، ثم طحنته الملائكة ، ثم عجنته بأيديهن الحور العين ، وأنت لا تأكل المنديل ولا الشملة ولا الصندوق ، إنما تأكل الرغيف ، وأنت لا تريد هذه الثياب ولا هذه الأنوار ، إنما تريد المرأة ، ولعل امرأتك أبهى منها وأجمل " .
السجود للصنم
وإليك نماذج من هؤلاء المرضى الذين استسلموا لمرضهم ، فلم يحاولوا الاستشفاء بطبيب بارع أو مشفى جامع حتي غزاها المرض فشوَّه ملامحها ومسخ فطرتها ووصل إلى النخاع وقطع عليها خط الرجعة. قيل لأحدهم : جاهد في سبيل الله ، فقال :
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... أي جهاد غيرهن أريد
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
وأعلن أخ له في الغواية :
ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب عليَّ ذنوب
هذا حال اللسان ، أما حال القلب فأسوأ :
محا حبها حب الأولى كُنَّ قبلها ... وحَلَّ مكـانا لم يكن حَلّ من قبل
أما حب الله والشوق إليه ، فلم يعد له في القلب لا أقول موضع قدم بل موضع إبرة!! بل وصل حالهم إلى وصف مريع أفاض فيه ابن القيِّم ليخوِّف كل عاقل من عواقب المرض ويلوِّح أمام ناظريه براية الخطر ، فقال في شفقة الطبيب يبيِّن خطورة المرض وفداحة الإصابة :
" فلو خُيِّر بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه ، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه ، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه ، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه ، يُسخِط ربه بمرضاة معشوقه ، ويقدِّم مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه ، فإن فضل من وقته ، وكان عنده قليل من الإيمان ، صرف تلك الفضلة فى طاعة ربه ، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله تعالى ، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس ، ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة وخسيس ، فلمعشوقه لبه وقلبه ، وهمه ووقته ، وخالص ماله ، وربه على الفضلة ، قد اتخذه وراءه ظهريا ، وصار لذكره نسيا ، إن قام فى خدمته فى الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجى معشوقه ، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق ، ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف فى الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها ، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ، ناصحا له فيها ، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها " .
لذا يعاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة ، وعلى يد من؟! على يد من لا يخطر له على بال ومن بذل في سبيله كل غال : على يد محبوبه الذي أحبه من دون الله. قال ابن القيِّم :
" وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يُدفع أن من أحب شيئا سواه عُذِّب به ولا بد ، وأن من خاف غيره سُلِّط عليه ، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شؤما عليه ، ومن آثر غيره عليه لم يبارك فيه ، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بد " .
عذابات فوق عذابات ، وآلام وحسرات في الدنيا وفي القبر وفي النار!! قال ابن القيم :
" فكل من أحب شيئا غير الله عُذِّب به ثلاث مرات في هذه الدار ، فهو يُعذَّب به قبل حصوله حتى يحصل ، فاذا حصل عُذِّب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته ، فإذا سُلِبه اشتد عذابه عليه ، فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار.
وأما في البرزخ فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يُرجى عوده ، وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده ، وألم الحجاب عن الله ، وألم الحسرة التي تقطع الاكباد ، فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم ، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها ، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر " .
ولو فكَّر العاشق المسكين في مصير من عشقه وخاتمة من أحب لتاب من فوره وزهد في وصله كما قال المتنبي :
لو فكَّر العاشق في منتهى ... حُسن الذي يسبيه لم يسبه
وأكَّد آخر نفس المعنى فقال :
وان سبتك الدمى فانظر بفكرك ما ... تغدو اليه الدمى في ظلمة القبر
لكن أين حال هؤلاء من أحياء القلوب وأرباب العقول الذين يتدبرون ويعتبرون ، ويقرؤون ما وراء الأحداث فيرشدون ، ومن سادات هؤلاء ابن الجوزي الذي علَّمنا في إحدى كنوزه الرائقة :
" تأملتُ حالة أزعجتني ، وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل وهي لا تحبه ، وكذا يفعل مع صديقه والصديق يبغضه ، وقد يتقرَّب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه والسلطان لا يؤثره ، فيبقى متحيِّرا يقول : ما حيلتي؟! فخفتُ أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه ، أتقرَّب إليه وهو لا يريدني ، وربما يكون قد كتبني شقيا في الأزل " .
هـ. شهوة حب الأهل والولد :
وقد ورد التحذير من هذه الشهوة في أكثر من آية من كتاب الله عز وجل ، ولعل أخطرها وأعظمها وقعا على القلب قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [ التغابن : 14-15 ]
قال الإمام البغوي عند تفسير هذه الآية : " وقال عطاء بن يسار : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي : كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه ، وقالوا : إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم ، فأنزل الله : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾ بحملهم إياكم على ترك الطاعة ، فاحذروهم أن تقبلوا منهم ".
وتأمَّلوا : لما ذكر الله العداوة أدخل ﴿ مِنْ ﴾ للتبعيض ، فقال : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾ ، لأن ليس كل الأهل أعداء ، ولم يذكر ﴿ مِنْ ﴾ في قوله : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ لأنه لا تخلو الزوجة والولد من الفتنة واشتغال القلب بها.
وقد تآخت هذه الآية مع حديث بريدة رضي الله عنه تأكيدا لمعناها وشرحا لفحواها حيث قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر ، فحملها ، فوضعها بين يديه ، ثم قال : « صدق الله : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » .
ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على آية التغابن هذه فيقول :
" ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي ، وأبعد مدى وأطول أمدا ؛ فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معا : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .
والتنبيه إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدوا ، إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية ؛ ويمس وشائج متشابكة ودقيقة في التركيب العاطفي ، وفي ملابسات الحياة سواء ، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله ، كما أنهم قد يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان ، اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه ، فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير ، وتضحية الكثير.
كما يتعرض هو وأهله للعنت ، وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده ، فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار ، أو المتاع والمال ، فيكونون عدوا له ؛ لأنهم صدوه عن الخير ، وعوَّقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا.
كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ؛ اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله ، وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات ، وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن ، ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة : التحذير من الله ، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا ، والحذر من تسلل هذه المشاعر ، وضغط هذه المؤثرات ، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد ، وكلمة فتنة تحتمل معنيين :
الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم ، فانتبهوا لهذا ، وحاذروا وكونوا أبدا يقظين لتنجحوا في الابتلاء ، وتخلصوا وتتجردوا لله ، كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب!
والثاني : أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله ".
والمعنى الثاني من كلام سيد يبين أن الأولاد قد يشغلون عن الله وعن ذكره ومرضاته وقربه كما دلَّ على ذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ المنافقون : 9 ].
وهي آية من سورة المنافقين التي سردت صفات المنافقين وأحوالهم ، ثم تحذير المؤمنين من الوقوع في ما وقعوا فيه من الانشغال بها عن الآخرة والتفريط في صالح الأعمال ، وأخذ المال من حل وحرمة ؛ تحت ذريعة توفير الراحة والسعادة للأهل والأولاد. قال الزجاج :
" أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به ؛ وهذا عام في جميع الأولاد ، فإن الإنسان مفتون بولده ؛ لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه ، وتناول الحرام لأجله ، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى " .
ثمرتا الجبن والبخل
ومن آثار هذه الشهوة إذا طغت وخرجت عن حدود الفطرة السوية : الوقوع في صفتين ذميمتين هما : البخل والجبن ، مما سبق وأن نبَّه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : « إن الولد مبخلة مجبنة » .
والجبن والخوف يصدان عن القيام بواجب الدعوة والجهاد ؛ وقد يحتمل الداعية الأذى والعنت على نفسه في سبيل الله عز وجل ، لكن القليل هو من يحتمله في أهله وأولاده ؛ خاصة إذا تعرض لما يبعده عنهم كالسجن والتشريد.
يقول سيد رحمه الله تعالى : " هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ، وهو لا يملك عنهم دفعا وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم الحب والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك ".
وفي هذا فتنة واختبار أيما اختبار ، وهل خُلِقت الشهوات إلا للاختبار؟! ولا يثبت إلا من ثبته الله عز وجل وعصمه بصدق التوكل عليه وحسن الظن به والوثوق برحمته وحفظه.
لكن ماذا إذا ربَّى الإنسان ولده ليكون عونا له على مشقات الطريق ، وعامل ثبات لا فتنة ، وقوة تقدم لا تقهقر ، كما سبق وفعل إبراهيم بن أبي الليث مع بناته اللاتي صرن أساتذة الرجال في مدارس الثبات ، فقد روى محمد بن سويد الطحان :
" كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد ، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة ، وأحمد بن حنبل يضرب ، فجعل عاصم يقول : ألا رجل يقوم معي ، فنأتي هذا الرجل ، فنكلمه؟ قال : فما يجيبه أحد ، ثم قال ابن أبي الليث : أنا أقوم معك يا أبا الحسين ، فقال : يا غلام : خُفِّي. فقال ابن أبي الليث : يا أبا الحسين .. أبلغُ إلى بناتي ، فأوصيهم ، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط ، ثم جاء ، فقال : إني ذهبت إليهن ، فبكين. قال : وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط : يا أبانا! إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل ، فضربه على أن يقول : القرآن مخلوق ، فاتق الله ، ولا تُجِبه ، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت!! " .
الى اللقاء فى الجزء السابع
.
ويسأل سائل : لماذا نتكلم عن شهوة الرجال نحو النساء ولا نتكلم عن شهوة النساء نحو الرجال؟! إن كثيرا ما يتساءلون : لماذا تكلم القرآن عن الحور العين في الجنة ولم يتكلم عن مثيل ذلك للمؤمنات؟! والجواب أن الحب عند الرجل يتمحور حول الأفعال ، فهو عنده غريزة تتبعها عاطفة ، بينما الحب عند المرأة عاطفة مقدمة على الغريزة ، وحين يمتزج الحب بالشهوة عند الرجال ؛ فهو عند النساء : كلمات وثناء وغزل ، لذا وجدنا الشعر عربيا وغربيا قديما وحديثا يحفل بغزل الرجال للنساء لا غزل النساء للرجال ، فالرجل يعلن عن الرغبة ويطلب ، والمرأة سلاحها التمنع والدلال.
من هنا جاء تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم : « ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » .
وقد سبق أن أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان " ، إشارة إلى الهوى والميل الطبيعي الذي جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء ، والالتذاذ بالنظر إليهن ، والحديث معهن ، وسماع أخبارهن ، وكل ما يتعلق بهن ، ولا غرو ، فالمرأة أعظم فتن إبليس وأشد محنه وأيسر طرقه وأخفى حيله ، ولذا يتبعها ويلازمها ويزيِّنها ويُحلِّيها في عيون الرجال. قال مجاهد : " إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيَّنها لمن ينظر ، فإذا أدبرت جلس على عجزها فزيَّنها لمن ينظر " .
وعدَّها الحسن بن صالح نصف جيش الشيطان المرابط على ثغر القلب فقال : " سمعت أن الشيطان قال للمرأة : أنت نصف جندي ، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطأ ، وأنت موضع سري ، وأنت رسولي في حاجتي " .
ويُشخِّص ابن الجوزي مرضا عضالا يُصاب به مطلق بصره - وما أكثر جراحاته – فيقول : " يُعرِض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية ، وقد تكون الزوجة أحسن ، والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تَبِن له ، وقد تكشفها المخالطة ، ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة ، وكشفت له المخالطة ما كان مستورا ملَّ وطلب أخرى إلى ما لا نهاية له " .
ثم يكمل وصيته أثناء صيده لإحدى خواطره فيقول : " ليعلم العاقل أن لا سبيل إلى حصول مراد تام كما يريد ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذيْهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضوا فيْهِ ﴾ [ البقرة : 267 ] ، ما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله عز وجل ﴿ وَلَهُمْ فيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ [ البقرة : 25 ] " .
فاسمُ بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح
وحدِّث النفس بعشق الألى ... في عشقهن المتجر الرابح
واعمل على الوصل فقد أمكنت ... أسبابه ووقتها رائح
الطنطاوي يصيح
قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :
" لو أتيت مال قارون وجسد هرقل وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل وكل نوع من أنواع الجمال هل تظن أنك تكتفي؟ لا .. أقولها بالصوت العالي : لا .. أكتبها بالقلم العريض ، ولكن واحدة بالحلال تكفيك ، ولا تطلبوا مني الدليل فحيثما تلفتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائما ظاهرا مرئيا " .
لكن ما الذي يزيِّن الحرام للإنسان ويبغِّض له الحلال؟! وما الذي يجعله تهفو نفسه للغريبة عنه وتزهد في سكنه ومودته وشريكة عمره؟! إنه الرغبة في التغيير والقضاء على الملل ، إنه التطلع إلى كل جديد ، فالمرء توَّاق إلى ما لم ينل ، ويجيب الطنطاوي ثانية قائلا :
" فالنساء مختلفات ، ولكن طعم المتعة بهن واحد لا يختلف ، وما فرق بين تلك لراقصة وبين امرأتك إلا أن الأولى تأتيك على جوعك بالرغيف قد لفته بمنديل الحرير ، ووضعت المنديل في شملة ، وألقت الشملة في صندوق من الفضة المذهبة ، وجعلت حول الصندوق الورق الشفاف ، فأنت كلما رفعت حجابا من هذه الحجب اشتد جوعك وشوقك إلى ما وراءها ، فإذا بلغت الرغيف حسبته قُطِف من قمح الجنة ، ثم طحنته الملائكة ، ثم عجنته بأيديهن الحور العين ، وأنت لا تأكل المنديل ولا الشملة ولا الصندوق ، إنما تأكل الرغيف ، وأنت لا تريد هذه الثياب ولا هذه الأنوار ، إنما تريد المرأة ، ولعل امرأتك أبهى منها وأجمل " .
السجود للصنم
وإليك نماذج من هؤلاء المرضى الذين استسلموا لمرضهم ، فلم يحاولوا الاستشفاء بطبيب بارع أو مشفى جامع حتي غزاها المرض فشوَّه ملامحها ومسخ فطرتها ووصل إلى النخاع وقطع عليها خط الرجعة. قيل لأحدهم : جاهد في سبيل الله ، فقال :
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... أي جهاد غيرهن أريد
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
وأعلن أخ له في الغواية :
ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب عليَّ ذنوب
هذا حال اللسان ، أما حال القلب فأسوأ :
محا حبها حب الأولى كُنَّ قبلها ... وحَلَّ مكـانا لم يكن حَلّ من قبل
أما حب الله والشوق إليه ، فلم يعد له في القلب لا أقول موضع قدم بل موضع إبرة!! بل وصل حالهم إلى وصف مريع أفاض فيه ابن القيِّم ليخوِّف كل عاقل من عواقب المرض ويلوِّح أمام ناظريه براية الخطر ، فقال في شفقة الطبيب يبيِّن خطورة المرض وفداحة الإصابة :
" فلو خُيِّر بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه ، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه ، وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه ، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه ، يُسخِط ربه بمرضاة معشوقه ، ويقدِّم مصالح معشوقة وحوائجه على طاعة ربه ، فإن فضل من وقته ، وكان عنده قليل من الإيمان ، صرف تلك الفضلة فى طاعة ربه ، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله تعالى ، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس ، ويجعل لربه من ماله - إن جعل له - كل رذيلة وخسيس ، فلمعشوقه لبه وقلبه ، وهمه ووقته ، وخالص ماله ، وربه على الفضلة ، قد اتخذه وراءه ظهريا ، وصار لذكره نسيا ، إن قام فى خدمته فى الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجى معشوقه ، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق ، ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف فى الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها ، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ، ناصحا له فيها ، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها " .
لذا يعاقبه الله في الدنيا قبل الآخرة ، وعلى يد من؟! على يد من لا يخطر له على بال ومن بذل في سبيله كل غال : على يد محبوبه الذي أحبه من دون الله. قال ابن القيِّم :
" وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يُدفع أن من أحب شيئا سواه عُذِّب به ولا بد ، وأن من خاف غيره سُلِّط عليه ، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شؤما عليه ، ومن آثر غيره عليه لم يبارك فيه ، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولا بد " .
عذابات فوق عذابات ، وآلام وحسرات في الدنيا وفي القبر وفي النار!! قال ابن القيم :
" فكل من أحب شيئا غير الله عُذِّب به ثلاث مرات في هذه الدار ، فهو يُعذَّب به قبل حصوله حتى يحصل ، فاذا حصل عُذِّب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته ، فإذا سُلِبه اشتد عذابه عليه ، فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار.
وأما في البرزخ فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يُرجى عوده ، وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده ، وألم الحجاب عن الله ، وألم الحسرة التي تقطع الاكباد ، فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم ، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها ، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر " .
ولو فكَّر العاشق المسكين في مصير من عشقه وخاتمة من أحب لتاب من فوره وزهد في وصله كما قال المتنبي :
لو فكَّر العاشق في منتهى ... حُسن الذي يسبيه لم يسبه
وأكَّد آخر نفس المعنى فقال :
وان سبتك الدمى فانظر بفكرك ما ... تغدو اليه الدمى في ظلمة القبر
لكن أين حال هؤلاء من أحياء القلوب وأرباب العقول الذين يتدبرون ويعتبرون ، ويقرؤون ما وراء الأحداث فيرشدون ، ومن سادات هؤلاء ابن الجوزي الذي علَّمنا في إحدى كنوزه الرائقة :
" تأملتُ حالة أزعجتني ، وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل وهي لا تحبه ، وكذا يفعل مع صديقه والصديق يبغضه ، وقد يتقرَّب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه والسلطان لا يؤثره ، فيبقى متحيِّرا يقول : ما حيلتي؟! فخفتُ أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه ، أتقرَّب إليه وهو لا يريدني ، وربما يكون قد كتبني شقيا في الأزل " .
هـ. شهوة حب الأهل والولد :
وقد ورد التحذير من هذه الشهوة في أكثر من آية من كتاب الله عز وجل ، ولعل أخطرها وأعظمها وقعا على القلب قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [ التغابن : 14-15 ]
قال الإمام البغوي عند تفسير هذه الآية : " وقال عطاء بن يسار : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي : كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه ، وقالوا : إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم ، فأنزل الله : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾ بحملهم إياكم على ترك الطاعة ، فاحذروهم أن تقبلوا منهم ".
وتأمَّلوا : لما ذكر الله العداوة أدخل ﴿ مِنْ ﴾ للتبعيض ، فقال : ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾ ، لأن ليس كل الأهل أعداء ، ولم يذكر ﴿ مِنْ ﴾ في قوله : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ لأنه لا تخلو الزوجة والولد من الفتنة واشتغال القلب بها.
وقد تآخت هذه الآية مع حديث بريدة رضي الله عنه تأكيدا لمعناها وشرحا لفحواها حيث قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر ، فحملها ، فوضعها بين يديه ، ثم قال : « صدق الله : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » .
ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على آية التغابن هذه فيقول :
" ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي ، وأبعد مدى وأطول أمدا ؛ فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معا : ﴿ إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .
والتنبيه إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدوا ، إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية ؛ ويمس وشائج متشابكة ودقيقة في التركيب العاطفي ، وفي ملابسات الحياة سواء ، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله ، كما أنهم قد يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان ، اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه ، فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير ، وتضحية الكثير.
كما يتعرض هو وأهله للعنت ، وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده ، فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار ، أو المتاع والمال ، فيكونون عدوا له ؛ لأنهم صدوه عن الخير ، وعوَّقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا.
كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ؛ اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله ، وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات ، وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن ، ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة : التحذير من الله ، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا ، والحذر من تسلل هذه المشاعر ، وضغط هذه المؤثرات ، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد ، وكلمة فتنة تحتمل معنيين :
الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم ، فانتبهوا لهذا ، وحاذروا وكونوا أبدا يقظين لتنجحوا في الابتلاء ، وتخلصوا وتتجردوا لله ، كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب!
والثاني : أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله ".
والمعنى الثاني من كلام سيد يبين أن الأولاد قد يشغلون عن الله وعن ذكره ومرضاته وقربه كما دلَّ على ذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ المنافقون : 9 ].
وهي آية من سورة المنافقين التي سردت صفات المنافقين وأحوالهم ، ثم تحذير المؤمنين من الوقوع في ما وقعوا فيه من الانشغال بها عن الآخرة والتفريط في صالح الأعمال ، وأخذ المال من حل وحرمة ؛ تحت ذريعة توفير الراحة والسعادة للأهل والأولاد. قال الزجاج :
" أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به ؛ وهذا عام في جميع الأولاد ، فإن الإنسان مفتون بولده ؛ لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه ، وتناول الحرام لأجله ، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى " .
ثمرتا الجبن والبخل
ومن آثار هذه الشهوة إذا طغت وخرجت عن حدود الفطرة السوية : الوقوع في صفتين ذميمتين هما : البخل والجبن ، مما سبق وأن نبَّه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : « إن الولد مبخلة مجبنة » .
والجبن والخوف يصدان عن القيام بواجب الدعوة والجهاد ؛ وقد يحتمل الداعية الأذى والعنت على نفسه في سبيل الله عز وجل ، لكن القليل هو من يحتمله في أهله وأولاده ؛ خاصة إذا تعرض لما يبعده عنهم كالسجن والتشريد.
يقول سيد رحمه الله تعالى : " هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ، وهو لا يملك عنهم دفعا وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم الحب والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك ".
وفي هذا فتنة واختبار أيما اختبار ، وهل خُلِقت الشهوات إلا للاختبار؟! ولا يثبت إلا من ثبته الله عز وجل وعصمه بصدق التوكل عليه وحسن الظن به والوثوق برحمته وحفظه.
لكن ماذا إذا ربَّى الإنسان ولده ليكون عونا له على مشقات الطريق ، وعامل ثبات لا فتنة ، وقوة تقدم لا تقهقر ، كما سبق وفعل إبراهيم بن أبي الليث مع بناته اللاتي صرن أساتذة الرجال في مدارس الثبات ، فقد روى محمد بن سويد الطحان :
" كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد ، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة ، وأحمد بن حنبل يضرب ، فجعل عاصم يقول : ألا رجل يقوم معي ، فنأتي هذا الرجل ، فنكلمه؟ قال : فما يجيبه أحد ، ثم قال ابن أبي الليث : أنا أقوم معك يا أبا الحسين ، فقال : يا غلام : خُفِّي. فقال ابن أبي الليث : يا أبا الحسين .. أبلغُ إلى بناتي ، فأوصيهم ، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط ، ثم جاء ، فقال : إني ذهبت إليهن ، فبكين. قال : وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط : يا أبانا! إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل ، فضربه على أن يقول : القرآن مخلوق ، فاتق الله ، ولا تُجِبه ، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت!! " .
الى اللقاء فى الجزء السابع
.