PDA

View Full Version : العلاقة بين تركيا واليهود ... والحركة الإسلامية في تركيا



kima ahmed
07-15-2010, 05:57 PM
جذور العلاقة بين تركيا واليهود بقلم د. راغب السرجاني

سؤال يتردد في أذهان الكثيرين من الغيورين على هذه الأمّة العظيمة أمّة الإسلام، وهو لماذا لا تقطع تركيا عَلاقتها مع الكيان الصهيوني خاصةً أن التوجُّه الإسلامي واضح الآن في تركيا؟ بل لماذا تُصِرّ تركيا على استمرار التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني، والذي يشمل صفقات سلاح، وتدريبات مشتركة، إضافةً إلى تبادل معلومات استخباراتية؟!
لا شك أنه سؤال يراود أذهان الكثير والكثير..
والإجابة عليه صعبة، وتحتاج إلى عودة إلى الوراء لتحليل التاريخ، ودراسة جذور العلاقة، وفهم خلفيات هذا التعاون..
إنه علينا أن نعود لأكثر من مائة سنة لنفهم هذه الأمر! بل قد نحتاج إلى قراءة بعض الأحداث التي مرّ عليها مئات السنوات!!

الخلافة العثمانية ويهود الدونمة

لقد كانت الخلافة العثمانية خلافة إسلامية من الدرجة الأولى، وكان لها الكثير من الأيادي البيضاء على الأمّة الإسلامية، وكانت تمثل القوة الأولى في العالم لأكثر من مائتي سنة متصلة، وفي أثناء قوتها قبلت أن تستضيف في ديارها العائلات اليهودية الهاربة من الأندلس بعد سقوطها سنة 1492م، وأكرمتهم كرمًا بالغًا، وأعطت لهم بعض الإقطاعيات في مدينة سالونيك باليونان (وكانت تابعة للخلافة العثمانية)، وعاش اليهود في كنف الخلافة العثمانية في غاية الأمن والاستقرار.
لكن مرت الأيام وبدأت الخلافة العثمانية في الضعف كدورةٍ طبيعية من دورات الحياة، وفي نفس الوقت تظاهر عدد كبير من اليهود بالإسلام، وعرفوا بيهود الدونمة، أي اليهود الذين ارتدوا عن اليهودية إلى الإسلام، لكن هؤلاء ظلوا على ولائهم الكامل لليهود وإن كانوا يحملون أسماءً إسلامية.

ووصل بعض هؤلاء اليهود إلى بعض المناصب الرفيعة في الدولة، وتعاونوا في السر مع إنجلترا وفرنسا واليهود لإسقاط الخلافة العثمانية، وتعطل مشروعهم بشدة عند ظهور السلطان عبد الحميد الثاني - رحمه الله - الذي حكم الخلافة العثمانية من سنة 1876 إلى سنة 1909م، ولكن قام هؤلاء اليهود بإنشاء جمعية تسمى "جمعية تركيا الفتاة" تدعو إلى الأفكار العلمانية والقومية، ومناهضة الفكرة الإسلامية بقوّة، ثم ما لبث أن التحق بها عدد كبير من أفراد الجيش مُكوِّنين ما عُرف بحزب الاتحاد والترقي، وهو الجناح العسكري بجمعية تركيا الفتاة.. وكان الشيء الجامع لكل هؤلاء الأعضاء هو علمانيتهم الشديدة، وكراهيتهم العميقة لكل ما هو إسلامي، وولاءَهم الكامل لليهود والإنجليز والفرنسيين.
قام "حزب الاتحاد والترقي" بالانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني في سنة 1909م وبدءوا في نشر الأفكار العلمانية في الدولة، ووضعوا في الخلافة أحد الخلفاء الضعفاء جدًّا، وهو محمد رشاد الملقَّب بمحمد الخامس، وحكموا البلاد من وراء الستار.

أتاتورك ومحو الهوية الإسلامية

ظهرت بعد ذلك شخصية من أسوأ الشخصيات في التاريخ الإسلامي وهو شخصية مصطفى كمال (الملقب بأتاتورك)، وكان علمانيًّا كارهًا للإسلام تمامًا، ومواليًا للإنجليز واليهود بشكل كامل، وساعده الإنجليز في قلب نظام الحكم في الخلافة العثمانية، بل وإلغاء الخلافة العثمانية تمامًا، وإنشاء الجمهورية التركية، والانفصال الكامل عن كل بلاد العالم الإسلامي، ثم قام مصطفى كمال أتاتورك بوضع دستور الدولة التركية، وفيه أكّد بوضوح وصراحة على أن دولة تركيا علمانية لا دين لها، وألقى الشريعة الإسلامية، وصاغ القانون من القانون السويسري والإيطالي، وأتبع ذلك بعدة قوانين منعت كل مظهر إسلامي في البلد؛ كإلغاء الحروف العربية من اللغة التركية، واستخدام اللاتينية بدلاً منها، وإلغاء منصب شيخ الإسلام، ومنع الأذان للصلاة باللغة العربية، ومنع الحجاب من المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس، وإغلاق عدد كبير من المساجد، وقتل أكثر من 150 عالمًا من علماء الإسلام، وغير ذلك من القوانين والمواقف التي رسّخت العلمانية في تركيا.
وبحكم أن مصطفى كمال أتاتورك كان قائدًا من قوّاد الجيش، فإنه أعطى للجيش التركي صلاحيات هائلة، ووضع في بنود الدستور ما يكفل للجيش التدخُّل السافر لحماية علمانية الدولة! وأصبحت العلمانية والبُعد عن الإسلام هدفًا في حد ذاته، وكان ذلك بالطبع بمباركة واضحة من الغرب الصليبي ومن الصهاينة في أنحاء العالم المختلفة، بل إن أفراد حزب الاتحاد والترقي - الذين صاروا قوادًا للجيش التركي - لهم جذور يهودية معروفة أو انتماءات ماسونية يعرفها الجميع.
سيطر أتاتورك وآلته العسكرية الجبارة على الإعلام والتعليم، ومن خلالهما غيّروا أفكار الشعب التركي تمامًا، وحوّلوه إلى العلمانية المطلقة، ولعدة عشرات من السنين.

علاقات حميمة مع الصهاينة

وفي 1948م قامت دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" في فلسطين، وفي سنة 1949م اعترفت تركيا بدولة إسرائيل، وكانت هي الدولة الإسلامية الأولى التي تصدر هذا الاعتراف.
وقامت تركيا بعلاقات حميمة مع الكيان الصهيوني، وأعلن بن جوريون قيام حلف الدائرة ليحيط بالعالم العربي، وكان هذا الحلف مكوَّنًا من تركيا وإيران (أيام الشاه) وإثيوبيا، وهو بذلك يقيم علاقات مع دول لها حساسية خاصة في التعامل مع العرب، وخاصةً أن هذه الدول كانت تامة العلمانية في ذلك الوقت.
ومع مرور الوقت زادت أواصر العلاقة بين اليهود والأتراك العلمانيين، وتوثقت الأواصر العسكرية بين الطرفين بشكل مبالغ فيه، وليس هذا أمرًا مستغربًا في ظل معرفة الخلفية اليهودية لقيادة الجيش التركي من أيامه الأولى..
ولقد حرص أتاتورك وخلفاؤه من بعده على استقلال المؤسسة العسكرية بشكل كبير، ومِن ثَمَّ فرئيس الوزراء يكوِّن وزارته من عدة وزراء منهم وزير الدفاع، ومع ذلك فلا يحق لهذا الوزير أن يغيِّر شيئًا في منظومة الجيش، بل يعودُ ذلك إلى "المجلس العسكري الأعلى"، والذي يختار رئيس الأركان بعناية شديدة، ثم يُصدِّق على هذا الاختيار رئيس الجمهورية، ومع أن الدستور ينصّ على أن رئيس الجمهورية هو الذي يختار رئيس أركان الجيش إلا أن هذا لا يتم في أرض الواقع، وبذلك يصبح الجيش مؤسسة مستقلة لها قيادتها البعيدة عن سيطرة رئيس الدولة أو رئيس الوزراء!
وزاد النظام التركي من التعقيد في الأمور بإضافة ما يسمى بـ "مجلس الأمن القومي"، والذي يضم بعض العسكريين وبعض المدنيين، وذلك للتدخل بشكل رسمي في الأمور السياسية، وحرص الجيش على أن يكون عدد العسكريين أكبر، وبذلك صار تدخل الجيش في السياسة والانتخابات والأحزاب أكثر من أي مؤسسة أخرى في الدولة.
كل هذه الأمور جعلت التوجُّه العلماني في الدولة أمرًا مفروضًا بالقوة، كما جعلت العلاقة مع اليهود موثّقة بشكل يصعب الفكاك منه.
الجيش التركي ومعاداة الإسلام

ولم يكن الجيش يتردد في أن يقوم بانقلاب عسكري على الحكومة إذا ظهرت أي بوادر احترام للإسلام، أو سماح له بالظهور! ولقد قام الجيش بانقلاب دمويّ خطير سنة 1960م للإطاحة بحكومة عدنان مندريس، الذي لم يكن إسلاميًّا، إلا أنه سمح لبعض القوى الدينية الإسلامية بالحركة، فاعتبر الجيش ذلك خرقًا لعلمانية الدولة، وقاموا بانقلاب، وحكموا بالإعدام على رئيس الدولة عدنان مندريس، وكذلك على ثلاثة من خاصَّته!
وحدث انقلابان آخران في سنة 1971م وسنة 1980م، وكان الذي قام بالانقلاب الأخير هو الجنرال كنعان إيفرين، الذي وضع عدة قوانين في الدستور التركي تعطي صلاحيات أكبر وأكبر للجيش للسيطرة على أي دوافع إسلامية في الدولة.
لقد كانت حربًا ضروسًا شنّها قادة علمانيون كارهون للإسلام تمامًا، وزادوا في كراهيتهم للإسلام على الصليبيين واليهود، وإن كانوا يحملون أسماءً إسلامية!!
في ظل هذه السيطرة العسكرية العلمانية نستطيع أن نفهم أن القرار في تركيا ليس خالصًا في يد رئيس الدولة أو رئيس الوزراء، وأنه ليس بالضرورة أن تكون مقنعًا حتى تنفذ ما تريد، بل إن الجيش يُملِي إرادته بصرف النظر عن الحُجّة والدليل، وهنا تصبح كل الرغبات الإصلاحية في مهبّ الريح إذا ما أراد الجيش العلماني أن يقف ضد الإصلاح.. ومِن ثَمَّ فعلى المحللين للأوضاع في تركيا أن يراعوا هذه الأمور عندما يتوقعون قرارًا من رئيس الوزراء أو غيره، كذلك عليهم أن يفهموا أن ارتباط الجيش التركي بالصهاينة هو ارتباط أيدلوجي فكري، وليس فقط قائمًا على المصالح. ولذلك فإنه إذا كان للعَلاقات التركية الصهيونية أن تنقطع فإن ذلك سيتطلب وقتًا كافيًا، إما لتغيير الدستور لتقليص سيطرة الجيش، وإما لتغيير الجيش نفسه!!

http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4796_image006.jpg

كان هذا هو تدبير أتاتورك وحلفائه من اليهود والإنجليز والصليبيين، ولكن كان هناك تدبير آخر لم يطلع عليه كثير من المراقبين، وهو تدبير رب العالمين!
إذ إنه مع كل هذا الضغط العلماني في الجيش والإعلام والتعليم والسياسة إلا أن الإسلام ظهر من جديد في هذه الدولة الإسلامية الأصيلة، وكان كنباتٍ أخضر جميل نبت في صخور صمّاء لا تبدو عليها آثار الحياة!
ونسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين!!

kima ahmed
07-15-2010, 06:01 PM
قصة الحركة الإسلامية في تركيا بقلم د. راغب السرجاني

بقلم د. راغب السرجاني
لعل من أكثر الأمور عجبًا أن نشهد صحوة إسلامية حقيقية في بلد شديد العلمانية مثل تركيا، فالعلمانية في تركيا غير العلمانية في أوربا ذاتها؛ لأن الأوربيين في علمانيتهم أرادوا فقط فصل الدين عن السياسة، بينما العلمانيون في تركيا لم يكتفوا بذلك، إنما بنوا علمانيتهم على أساس محاربة الدين في أصوله وفروعه، وفي جوهره ومظهره، وهذا من أيام أتاتورك وإلى زماننا الآن، والذي يتولى كبر هذا الأمر هو الجيش التركي، كما فصّلنا في المقال السابق.
ومع هذه العلمانية الشديدة إلا أن الإسلام ظل باقيًا في هذه البلاد العظيمة، وهذا أمر لافت للانتباه حقًّا، وإن كان يدل على شيء فهو يدل على أن هذه الأمة الإسلامية أمة كريمة لا تموت، وأن بقاء الإسلام أمر حتمي لا يمكن أن يقاومه إنسان، كما يدل فيما يدل على أصالة الشعب التركي، وعلى وجود رموز إسلامية باهرة ظلت تحمل الراية في مواجهة الطاغوت أتاتورك، ومن جاء بعده من حماة العلمانية في تركيا الإسلامية.
لقد كان سقوط الخلافة العثمانية في سنة 1924م سقوطًا مروِّعًا كارثيًّا، ليس فقط لغياب رمز الخلافة التي كانت تجمع المسلمين، ولكن لغياب من ينادي بإسلامية قضايا المسلمين، ولم يعد هناك صوت مسموع إلا أصوات القوميين والعلمانيين، ليس في تركيا فقط، ولكن في كل بلاد العالم الإسلامي، وبلا استثناء.
ومع هذا فلم يكن هذا السقوط بلا مقاومة، لقد ظهرت في تركيا بعض الرموز الإسلامية الرائعة التي حرصت على حمل اللواء حتى في أشد عصور الظلام والقهر.
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image002.jpg

لقد قامت حركة الشيخ سعيد بيران للمناداة بعودة الخلافة الإسلامية، ومناهضة القوانين العلمانية التي شرعها أتاتورك وحزبه، ولكن للأسف الشديد فإن الطاغية أتاتورك جابه هذه الحركة بدرجة كبيرة جدًّا من العنف، وأعدم الشيخ سعيد بيران، وعددًا كبيرًا من أتباعه، ونفى أعدادًا أخرى إلى خارج البلاد؛ ليحافظ على علمانية الدولة منذ أيامها الأولى.
والعجيب في أمر الشيخ سعيد بيران رحمه الله أنه كان من صوفية الأتراك، وكان من أتباع الطريقة النقشبندية، وهو بذلك يعطينا انطباعًا مختلفًا تمامًا عن الصوفية الذين نعرفهم؛ فهو يفهم واقعه تمامًا، ويعرف في أمور السياسة، ويجابه الطغاة الظالمين، ويقول كلمة الحق، ويقود تمردًا مسلحًا، ويُقبِل على الإعدام بشجاعة، ولا يُظهِر اعتزالاً أو بُعدًا عن قضايا أمته.. وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في ملف الصوفية في تركيا بالذات، وحقيقة الأمر أن الخلافة العثمانية منذ أيامها الأولى، وهي تتبنى الطرق الصوفية المختلفة، وليس عجيبًا أن تعرف أن كبار سلاطين الخلافة العثمانية مثل محمد الفاتح ومراد الثاني وبايزيد الصاعقة وسليم الأول وغيرهم كانوا من أتباع الطرق الصوفية، والواضح أن الصوفية في تركيا هي مرادف لكلمة الإسلام، وليس مقصودًا منها البدع والمنكرات التي نراها في كثير من بلاد العالم الإسلامي، ولا يعني هذا أن الصوفية في تركيا بلا أخطاء أو بدع، ولكنها بالتحقيق النزيه تعدّ من أفضل الطرق الصوفية فهمًا للدين على مستوى العالم الإسلامي، وهي تعني عند كثير من أتباعها هناك تزكية النفس، وتطهيرها من الآثام، والاتّباع الكامل لرسول الله.
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image003.jpg

ولم تَمُتِ الحركة الإسلامية بإعدام الشيخ سعيد بيران، بل إنها ازدادت قوة بظهور نجم صوفي جديد من أتباع الشيخ سعيد بيران، وهو العلاّمة الكبير، والمجدِّد العظيم بديع الزمان سعيد النورسي، الذي أعلن بوضوح رفضه لمبادئ العلمانية الوقحة التي أتى بها أتاتورك، فنُفِي إلى مدينة نائية من مدن تركيا هي بوردو، ثم إلى مدينة أورفة، وظل في المنفى طيلة حياته حتى مماته، وذلك من سنة 1925م إلى سنة 1960م (35 سنة متصلة)، ومع ذلك فرسائله إلى أتباعه في داخل تركيا لم تنقطع، ومؤلفاته لم تتوقف، وهو أحد أهم أسباب انتشار الإسلام في تركيا، وهو من العلامات الفارقة في تاريخ الأمة الإسلامية؛ فقد كانت كلماته تنفذُ إلى القلب والعقل، فتثبِّتُ المسلمين في تركيا على الرغم من القهر الشديد لأتاتورك وأتباعه.. وفي العموم فإن قصة بديع الزمان النورسي تحتاج إلى دراسة خاصة، وإلى تعمق ووعي؛ لأن آثاره الحميدة على الشعب التركي ما زالت موجودة إلى الآن.
وفي خطوة لترسيخ العلمانية بشكل أكبر قامت الحكومة الأتاتوركية سنة 1930م (بعد سقوط الخلافة العثمانية بست سنوات) بإغلاق مدارس الأئمة والحفّاظ التي كانت منتشرة أيام الخلافة الإسلامية، والتي كانت تقوم بتخريج الطلبة المتخصصين في العلوم الدينية، لكن بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك سنة 1938م عادت المطالبة من جديد بفتح هذه المدارس، وخاصة في القرى التي ما زالت تحتفظ بشيء من تراثها الإسلامي الأصيل، وتم ذلك بالفعل في سنة 1947م، وفي نفس السنة تم إنشاء بعض الجمعيات الإسلامية على استحياء لتنادي ببعض المظاهر الإسلامية البسيطة، وذلك مثل جمعية الإسلام، وجمعية التطهير.
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image004.jpg

في سنة 1950م حدث تغيرٌ مُهِمٌّ في الحكومة التركية صعد على إثره عدنان مندريس إلى رئاسة الوزراء في تركيا، وظل في منصبه إلى سنة 1960م، ولم يكن عدنان مندريس إسلاميًّا ولكنه كان وطنيًّا يُظهِر إمكانية التعامل مع كافة القوى من أجل مصلحة تركيا. وفي هذه الظروف نشط الاتجاه الإسلامي نسبيًّا، وبدأت هناك بعض المطالبات بحريات أكثر وأكثر للتيار الديني، وزادت أعداد مدارس الأئمة والوعاظ، وبرز دور علماء الدين بشكل أوضح.
لم تكن هذه التغيرات خافية بطبيعة الحال عن الجيش التركي الذي يقوم بدور حامي العلمانية والأتاتوركية، فقام الجيش بانقلاب دموي رهيب في سنة 1960م، ونفذوا حكم الإعدام في عدنان مندريس، وكذلك في جلال بايار (مؤسس الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه عدنان مندريس) وفي عدد من أتباعه، مع التصدي بمنتهى العنف للتيارات الإسلامية المتنامية، وكانت هذه صدمة كبيرة للحركة الإسلامية في تركيا، خاصةً أنها جاءت في وقت متزامن مع وفاة العلاّمة الفذّ بديع الزمان النورسي في منفاه بمدينة أورفة في نفس السنة. ولكي ندرك مدى الحقد الذي كان في قلوب العسكريين ضد بديع الزمان النورسي، يكفي أن نعلم أنهم هجموا على قبره، وأخذوا جثته حيث دفنوها في مكان غير معلوم، ولا يعرفه أحدٌ من الأتراك حتى يومنا هذا!
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image005.jpg

ظل الوضع على هذه الصورة القاتمة إلى أن ظهرت شخصية محورية في تاريخ تركيا، وهو القائد الإسلامي الجليل نجم الدين أربكان، الذي قام بتأسيس حزب السلامة سنة 1972م، وكان ينادي بإقامة "النظام العادل"، ويبرز آفات العلمانية التركية المتشددة، ولم يكن حزبه الأول "السلامة" واضح الإسلامية؛ لكي لا يُقتل في مهده، ولكن كان يبدو إصلاحيًّا وطنيًّا.
وبعد تأسيس هذا الحزب الجديد التقى نجم الدين أربكان مع رجب طيب أردوجان، وكان طالبًا في كلية الاقتصاد والسياسة بمرمرة، وأعجب به إعجابًا شديدًا وضمه إلى حزبه السلامة؛ ليبدأ أردوجان خطواته السياسة مع أستاذه الموقَّر أربكان.
لم تكن هذه التحركات بعيدة عن أعين النظام التركي العلماني، فقام بحل حزب السلامة في سنة 1980م، وظنوا أن الأمر انتهى بهذا القرار، لكن المُخَضْرَم أربكان عاد وأنشأ حزبًا آخر سنة 1983م أسماه حزب الرفاه، والتي كانت توجهاته إسلامية بشكل واضح..
في هذا الحزب الجديد لمع نجم أردوجان بسرعة، وصار أردوجان رئيسًا لفرع الحزب في إسطنبول سنة 1985م (وكان عمر أردوجان آنذاك 31 سنة فقط).
انتشرت فروع حزب الرفاه بسرعة في تركيا، وبدأت صحوة إسلامية حقيقية في ربوع هذا البلد الإسلامي العريق، ولم تعد هذه الصحوة في القرى فقط، بل وصلت إلى المدن، بل وأصبحت السيطرة الكاملة لهذا الحزب الإسلامي في أهم مدينتين في تركيا، وهما إسطنبول وأنقرة.
وفي سنة 1994م حقق الحزب مفاجأة كبيرة بفوزه في انتخابات البلدية في عدة مدن، والأعظم من ذلك والأعجب هو فوز أردوجان بمركز رئيس بلدية إسطنبول!!
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image006.jpg
لقد كانت مفاجأة مدوِّية أن يصعد إسلامي إلى رئاسة بلدية إسطنبول؛ مما يشهد أن الانتخابات في تركيا نزيهة ليس فيها التزوير المشهور في البلاد العربية، وحقق أردوجان في منصبه الجديد إنجازات هائلة؛ ففي خلال أربع سنوات (من سنة 1994م إلى سنة 1998م) استطاع أن ينتشل المدينة من الإفلاس، وأن يحلَّ مشكلات كثيرة مثل انقطاع الكهرباء والمياه، واستطاع أن يحوِّل المدينة من مدينة تتفشى فيها القذارة والإهمال إلى واحة خضراء متميزة، وعندما سألوه عن السر وراء هذا النجاح منقطع النظير، قال في وضوح وشجاعة: "لدينا سلاح أنتم لا تعرفونه، إنه الإيمان، ولدينا الأخلاق الإسلامية، وأسوة رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام". وهذه الروح العالية والإنجازات الباهرة أكسبت أردوجان شعبية كبيرة جدًّا في تركيا، بل إنها كانت من أبلغ الوسائل للدعوة إلى الإسلام.
وفي سنة 1995م حدثت مفاجأة كبرى بفوز حزب الرفاه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا)، ولكن الرئيس العلماني سليمان ديميريل عهد إلى الأحزاب العلمانية بتكوين ائتلاف ضد حزب الرفاه، ومع ذلك شاء اللهأن ينهار هذا الائتلاف ليصعد نجم الدين أربكان إلى منصب رئيس الوزراء في سنة 1996م، ويصبح أول رئيس وزراء إسلامي في تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م.
حدثت أزمة كبرى في داخل الجيش التركي، وفي داخل المؤسسة العلمانية، وكان من رأي بعض قادة الجيش أن يتركوا أربكان في منصبه حيث كانوا يتوقعون فشله، وعدم نجاح مشروعه الإسلامي، وبذلك تصل رسالة سلبية إلى الرأي العام في تركيا، لكن حدث ما لم يتوقعوه، ونجح أربكان خلال عام واحد في خفض ديون تركيا من 38 مليار دولار إلى 15 مليون دولار، واقترب من حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العالمية، وتقدم الاقتصاد التركي خطوات واسعة، وبات واضحًا تمامًا أن السر في هذا النجاح هو الإسلام!
شعر الجيش التركي بالخطر العظيم فأقدم على الخطوة الآثمة وهي الانقلاب العسكري على حكومة أربكان، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر أربكان على الاستقالة، وتم حل حزب الرفاه، وقُدِّم أربكان إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات، وفي نفس الوقت قُدِّم أردوجان رئيس بلدية إسطنبول إلى المحاكمة بتهمة إثارة الفتنة، وكان من أدلة الحكم ضده أنه قال بعض الأبيات الشعرية في إحدى خُطَبِهِ وفيها "المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حِرابنا، والمؤمنون جنودنا". وصدر القرار بسجن أردوجان عشرة أشهر، ودخل بالفعل السجن لمدة أربعة أشهر، ثم أفرج عنه لحسن السير والسلوك! كما تم منعه من مزاولة النشاط السياسي خمس سنوات هو الآخر.
لم ييئس أربكان وأردوجان من هذه الصدمات، فأسس أربكان حزبًا جديدًا أسماه حزب الفضيلة سنة 2000م، ولم يكن هذا الحزب باسمه؛ لأنه ممنوع من مزاولة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، إنما كان باسم أحد أهم أتباعه وهو قوطان، وانضم إلى هذا الحزب أردوجان وعبد الله جول (الرئيس التركي الحالي).
وجد أردوجان وجول أن مصير الحزب سيكون كسابقه، ومن ثَمَّ قادا حركة إصلاحية في داخل الحزب، بل وترشحا ضد قوطان في انتخابات داخلية في الحزب، لكن وقوف أربكان خلف قوطان أدى إلى نجاح قوطان؛ مما دفع أردوجان وجول إلى ترك الحزب مع كامل تقديرهما لأستاذهما وأستاذ الحركة الإسلامية السياسية في تركيا نجم الدين أربكان.
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image007.jpg
قام أردوجان وجول بتأسيس حزب جديد سنة 2001م، وهو حزب العدالة والتنمية، ونفّذا فيه مشروعهما الإصلاحي، ووجد هذا الحزب قبولاً واسعًا في الأوساط التركية الشعبية؛ مما أدى إلى مفاجأة ثقيلة جدًّا سنة 2002م حيث فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مطلقة في الانتخابات البرلمانية، حيث حصل على 368 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا، وأوكل إليه تشكيل الوزارة برئاسة عبد الله جول؛ وذلك لأن رئيس الحزب أردوجان كان في فترة المنع من مزاولة النشاط السياسي، وبعد قليلٍ استطاع البرلمان أن يضغط لتغيير الدستور ليصعد رئيس الحزب أردوجان إلى منصب رئيس الوزراء في تركيا، وذلك في نفس السنة 2002م.
وفي سنة 2003م زال الحظر عن أربكان، فأسس حزبًا جديدًا هو السعادة، لكن الشياطين العلمانيين كانوا له بالمرصاد، وفعلوا ما توقعه أردوجان قبل ذلك، حيث تربصوا به واعتقلوه بتهمة اختلاس حزب الرفاه المُنحَلّ، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، مع أنه كان قد تجاوز السابعة والسبعين من عمره!
وفي سنة 2006م أكد أردوجان شعبيته بالفوز مرة أخرى في انتخابات البرلمان، بحصوله على 331 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا؛ مما يثبت بوضوح أن الشعب التركي أصبح طالبًا للإسلام بشكل يهدِّد العلمانية بشكل صارخ.
أين الجيش التركي في هذه التغييرات الجديدة؟!
قد يفكِّر الجيش التركي في التعامل مع ملف أردوجان مثلما تعامل مع ملف أربكان، ولكن الواقع الذي نراه يرجِّح خلاف ذلك!
http://ar.islamstory.net/uploads/image/articles/41/4805_image008.jpg
فالرأي العام التركي - بل والإسلامي في دول العالم الإسلامي المختلفة - قد يهدِّد سلامة وأمن الجيش التركي إذا أقدم على إزاحة رجل له هذه الشعبية الجارفة، كما أن رغبة القادة الأتراك في الجيش وفي غيره في الالتحاق بالاتحاد الأوربي تضع عليهم قيودًا حقيقية في التعامل مع ملف أردوجان؛ لأن تدخل الجيش التركي في اختيار الشعب سينسف كل الجهود السابقة للالتحاق بركب الاتحاد الأوربي. وأضف إلى ذلك الخطورة الاقتصادية الكبيرة لتدخل الجيش، وليس ببعيد ما حدث من انهيار البورصة التركية بنسبة 10% لمجرد تقديم أردوجان في عام 2008م للمحاكمة للطعن في شرعية حزبه، مع أن المحكمة حكمت في النهاية لصالح أردوجان، وليس ببعيد أيضًا أن تركيا في ظل حكومة أردوجان قد انتقلت اقتصاديًّا من المرتبة 115 على مستوى العالم في مسألة جذب الاستثمارات إلى المرتبة الثالثة والعشرين!
إننا لا نضمن الجيش التركي ولا العلمانيين فيه، ولكننا نضمن ونطمئن تمامًا إلى أن اللهلا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإلى أن الإسلام قادمٌ قادم، وإلى أن البركات التي يُنزِلها اللهعلى الذين اختاروا منهجَ الإسلام أكثر وأعظم من أن تُحصى بورقة وقلم، أو تُحسب بالطرق المادية.
إنه يكفينا أن نتدبر في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
ونسأل اللهأن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين!!

إسلام أحمد
07-24-2010, 02:53 PM
نعم لقد قرأت هذا الموضوع من قبل لدكتور راغب السرجاني
انه مفيد وجيد لنفهم تاريخ التركيا القريب
بوركت حبيبتي كريمة

عبد الحق بوزرب
07-25-2010, 03:26 AM
استمتعت بالقراءة بوركت على اختيارك

فلننتظر فتح روما ان شاء الله


:310:

على فكرة ان تاريخ البشرية للعبرة والبناء وليس للاستئناس والتمني

سبحان الله كلما اقرا بعض مواضيع التاريخ يصبح لدي احساس كان لا يمكننا اعادته ان لم اقل البناء عليه

kima ahmed
07-28-2010, 11:36 AM
بارك الله فيك حبيبتي اسلام
نعم معك كل الحق اخي المحسن

جزاكما ربي اعالي الجنان

MUHAMMAD ABDELFATAH
07-28-2010, 11:41 AM
ما شاء الله طرح فى غاية الروعه اختى كيما
وكل الاحترام مرسل من فارس الى ال عثمان

أفراح الأمة
07-28-2010, 06:33 PM
كل الشكر لك يا غالية على مواضيع المميزة
تاريخنا حافل بالعبر التي تساعدنا على تفسير احوالنا
والمضي قدما نحو التغيير

لكن علينا القراءة الفاحصة واستخلاص العبر

لك حبي

الزبيرية
07-29-2010, 08:10 PM
السلام عليكم
بارك الله فيك اختي الفاضلة على هذا الموضوع

kima ahmed
08-02-2010, 03:21 PM
فارس الدين // افرح الامة // الزبيرية

اسعدني مروركم الجميل هنا