bo_ali10
08-15-2006, 03:46 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
في هذا الزمان في ناس يحبون أن يتشبهون بالزعماء والشخصيات البارزة وحبيت اكتب لكم هذا الموضوع عن صحابي صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم قبل إسلامة وبعد إسلامة .
وجــــاء أبو بكر
إهداء :
يا أبا بكر.. يا خليفــــة رسول الله
إذا أذنت لي في هذه الكلمات , أكتبها عنك...
فتقبل يا – ثاني اثــــنين – إهـــداءها .
من منا لا يعرف أبو بكر الصديق رضي الله عنة ؟
إنه صاحِب وخليفة رسول الله محمد صلى الله علية وآله وسلم .
الذي شهد الله سبحانه وتعالى بصحبته بالقرآن الكريم قال تعالى: )إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ )(التوبة: من الآية40)
حياته قبل الإسلام .
مكة البلد الحرام الذي تتوسطه الكعبة , موطن القداسات منذ رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل .. تمضى الحياة فيها لافحة مثل مناخها ..
راسخة مثل جبالها .. حالمة مثل سمائها ..
وأهلها عاكفون على عقائد وتقاليد تسمو أحيانا حتى تبلغ أوجا بعيدا . وتسف أحيانا حتى تبعث على السخرية والرثاء ...
وحول الكعبة أصناما مبثوثة تطفلت في غفلة الزمن على هذا الحرم الأقدس الذي ضل قرونا , ولبث أحقبا يمثل راية الله المرفوعة في الأرض , تنادي أهل الحنيفية والتوحيد .
هي كذالك دهرا طويلا حتى جلبت إليها الأصنام ذا يوم , وازدحمت حولها من الأيام . حيث صارت مهوى أفئدة قريش وماحولها . يعبدها الناس ويتقونها , ويتملقونها , لتقربهم إلى الله زلفى .. !!
فهنا اللات , والعزى , ومناة ..
وهناك , أساف , ونائلة , وهبل ..
وعشرات سواهن من الأوثان والأصنام ...
الآهلة التي لاتسمع , ولى تبصر , ولى تغني عنهم شيئا ..!!
وكان من حول مكة من يعبد الشمس والملائكة والجن والنار .
ملائكة .. وجن .. وكواكب .. وأصنام .. ؟
أين ملة إبراهيم وسط هذا الزحام ..؟؟
كانوا قيل يلوحون براية إبراهيم في مكة وكان هناك ثلاثة تركزت فيهم كل قوى الارهاص بالدين المقبل هم :
قس بن ساعدة الإيادي..
وزيد بن عمرو بن نفيل ..
وورقة بن نوفل ..
كانوا يغنون للنبي القادم , كانوا يبشرون بالفجر الطالع , كانوا يؤذون بالدين المقبل الذي سيعيد راية الله إلى مكانها ,ويسوى بالأصنام التراب ..
إلى هؤلاء جلس أبو بكر طويلا , ولكلماتهم الرطبة المؤمنة ألقى سمعه , وبغنائهم العذب ثمل , وعلى حدائهم سار .
هذا الرجل الذي يشغل بين قومه مكانة مرموقة أهله لها كفايته وحسبه , يحمل في ذات نفسه شكا مضيئا ...شكا يربي في قلبة يوما فيوما العزوف عن وثنية قومه وضلالهم .
وإنه ليمر بالناس متحلقين حول أصنامهم , وجاثين أمامها فتكسو وجه سحابة أسف , ويسأل نفسه : أيمكن أن يكون هذا صوابا وهدى ..؟؟
أناس ينظرون , ويسمعون , ويعقلون .. يخرون سجدا أمام حجارة مرصوصة لاسمع , ولاتبصر , ولاتبين .؟
ثم ردد قول زيد بن عمرو بن نفيل .
أربا واحدا . ام ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور ؟؟
هذا أبو بكر الذي لم يسجد لصنم قط .
إسلام أبوبكر
وتمضي الأيام طاوية أشواق الذين يؤمنون أو يحسون أنهم على موعد من الغيب عظيم .
ويصبر أبو بكر حتى يأتي الله بأمره ...
ويقبل على شأنه وتجارته , وإذ يحين أوان رحلة جديدة إلى الشام , يشد رحاله مع صحب له من التجار , وتيمم القافلة وجهها شطر البلاد البعيدة ساعية وراء الرزق والربح الحلال .
في الشام يجد أبو بكر مناخا روحيا شبه مناخ قومة
أديان شتا , أوناس تائهون وقلة مؤمنة تقلب وجهها في السماء راجية منها اليقين , ومرسلة أطرافها في آفاق الأرض وكأنها تريد أن ترى من أي أقطارها سيهل النذير المنتظر .
وأبو بكر في الشام مثلة مثل مكة . لايكاد ينجز عمله مع أهل مهنته من التجار حتى يبادر ويسارع إلى نفر من الأحبار والرهبان . تعرف إليهم خلال رحلاته , وأنس منهم عزوفهم عما عليه الناس من باطل ووهم .
ورضي منهم بحثهم عن الحق , وانتظارهم لبشرى الله المقبلة .
فمن هؤلاء في الشام , كان يسمع نفس اللحن العذب المبشر بقدوم رسول , والذي سمعه بمكه من ورقة بن نوفل وإخوانة ..
إن الذين عندهم العلم من الكتاب , في الشام وفي مكة , ليكادون يجمعون على أنه سيهل على الدنيا من هناك .. من حيث رفع إبراهيم القواعد من البيت ... !
كانت الخواطر تغدو وتروح على هذا النحو في وجدان أبي بكر وعقله .
والآن , وقد أنجز اعماله في الشام فإنه يتهيأ للعدوة إلى موطنه وبلاده .
وقبيل رحيله بأيام قليله يرى رؤيا ..
يرى القمر قد غادر مكانه في الأفق الأعلى , ونزل على مكة حيث تجزأ إلى قطع وأجزاء تفرقت على جميع منازل مكة , وبيوتها . ثم تضامت هذه الأجزاء مرة أخرى , وعاد القمر إلى كيانه الأول , واستقر في حجر أبي بكر .
صحا من نومه , وللرؤيا على وعيه سلطان مبين ...
وسارع إلى أحد الرهبان المتقين الذين ألفهم , وعقد معهم مصلات الروح ماكانت ترى به عينه .
وقص عليه الوؤيا , فتهلل وجه الراهب الصالح وقال لأبي بكر :
لقد اهلت أيامه ..!!
من تعني ..؟ النبي الذي نتظر ..؟
ويجيبه الراهب :
نعم , وستؤمن معه , وستكون أسعد الناس به ..!!
لم تكن رؤيا أبي بكر مجرد حديث للنفس في منامه , ولامجرد تعبير عن أشواق مستكنة في شعوره ..
بل كانت إرهاصا بحقائق وطيدة راسخة أملت على صاحبها يقينا لا يتزعزع بحاجة لناس إلى رسول , وبحتمية مجيء هذا الرسول .
ومع الصباح شد أبو بكر رحاله مع القافلة العائدة إلى مكة .
كانت النوق والجمال تهرول , فرة منتشية كأنها عيد .
وهبت نسائم حلوة تمل إلى الراكب عطر بساتين الشام , وكأنها تحية الوداع تنثال وراءهم من البدل الطيب الذي غادروه من ساعات ..
وتمضى القافلة إلى غايتها , تبيت إذا دثرها الليل وتطلق إذا نادها الصباح .
والأشواق تهب على أرواحهم هبوب الرياح المرسلة فترطب من وقدة الهجير ..
لقد مضى زمن طويل منذ غادروا مكة إلى الشام .
ترى مذا جد هناك من أمور ..؟
هاهي ذي الارض تطوى ..
الشام تذهب بعيدا .. بعيدا
ومكة تقبل حثيثا حثيثا ..
واخيرا تطل مشارف الوطن , وعبير الأهل
والتقىالقادمون المستقبلون في عناق ومودة تعالت خلاله الاصوات بالجيديد والغريب من الأنباء .
ألا تعلمون ..؟ إن قريشا من فارقتموها لا تنام الليل ..!!
ويح قريش .. ولمذا ..؟؟
إن محمدا وضع الجمر على أنفها ..!!
الجمر..؟ كيف ..؟ مذا جرى ..؟
إنة يقول : إن الله أرسله لنعبده وحدة ونذر آلهتنا ..!
واقترب من أبي بكر بعض ذوي الأناة , وأخذ يقص عليه النبأ في هدوء , وأبو بكر يغالب دموعه وحبوره ..
ولدى مدخل مكة قابلتهم جماعة صغيرة يتقدمها أبو جهل – عمرو بن هشام .
وتعانقوا جميعا .. وبدأ أبو جهل الحديث :
-أوحد ثوك عن صاحبك ياعتيق ..(( وكان أبو بكر قبل إسلامه يسمى عتيقا ))
أجابه أبو بكر .
تعني محمد الأمين ..!
قال نعم أعني يتيم بني هاشم ..!
ودار حوار سريع بين الأثنين :
أسمعت أنت ما يقول ياعمرو بن هاشم ..؟
نعم سمعته وسمعته الناس جميعا ..
وماذا قال ..!
يقول إن في السماء إلها , أرسله إلينا لنعبده ونذر ماكان يعبد آباؤنا .!!
أو قال إن الله أوحى إليه ..؟
أجل
ألم يقل كيف كلمه ربه ..؟
قال : إن جبريل أتاه في غار حراء ..
وتألق وجه أبي بكر كأن الشمس قد اختصته آنئذ بكل ضيائها وسناها , وقال في هدوء مجلجل:
إن كان قال , فقد صدق ..!!
ودارت الأرض بأبي جهل , وتلعثمت خطواته , وكاد جسمه يتهاوى فوق ساقيه الهازلتين ..
وتناقل الناس كلمة أبي بكر من واحد إلى آخر , حتى صار لهم بها دوي كدوي النحل ..!!
وقصد أبو بكر داره ليرى أهله , ويفض عنه وعثاء السفر , وبعدها يقضي الله أمرا كان مفعولا .
والآن , نترك أبا بكر قليلا في داره وبين أهله , حيث نعاود السير في موكبه بعد قليل لنلتقي به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ولنقض هذا الوقت مع كلمته الذة الجامعة –
(( إن كان قال فقد صدق ))
أجل .. فهذه العبارة الأمينة المضيئة , وهي التي ستتشكل وفقها كل حياته المقبلة , وستجعل من صاحبها أستذا للبشرية في فن الأيمان ..
انظروا ..
إن الموضوع الرسالة لم يكن جديدا على أبي بكر , فهو بكل مامعه من ذكاء , وفطرة , ومنطق , قد قلب كل وجوه النظر السديد في هذه القضية , وانتهى إلى أن الله لن يترك عباده حيارى .
وهو بكل مامعه من ذكاء وفطره ومنطق , كان خبيرا بالرجال .
ولقد عاش مع << محمد >> سنوات طوالا , ورأى فيه النموذج الحي الإنسان الكامل .
وهكذا , لم يكد يتلقى سمعه النبأ العظيم , حتى كان إيمانه الذكي مهيا ليأخذ دوره من فوره .
ولم تكن المشكلة بالنسبة إليه تتمثل في احتمال الصدق والكذب , بل كانت تتمثل في هذا السؤال :
هل صحيح أن محمدا قال هذا الذي يرويه عنه ..؟؟
إن كان قال .. فقد صدق ..!!
من شاء فليبحث , وليفحص , وليتشكك , ولينتظر ..
أما أبو بكر فلا..
هكذا كان منطق الايمان في وعي الرجل الرشيد أبي بكر .
غادر أبو بكر داره إلى دار الرسول تسبقه أشواقه .
قرع أبو بكر الباب , ونادى ..
وتألق بشر الحياة جميعه على محيا الرسول , وقال مناديا خديجة :
إنه <<عتيق>> يا خديجة ..
وسارع الرسول إلى لقاء صاحبه .
وجرى الحديث بينهما في مثل سرعة الضوء وصفائه .
قال أبو بكر :
أصحيح ما أنبأني به القوم يا أخا العرب ..؟
أجاب الرسول سائلا ..؟
ومذا أنبأوك ..؟
قالو ا إن الله أرسلك إلينا لنعبده , ولا نشرك به شيئا.
ومذا كان جوابك لهم ياعتيق ..؟
قلت لهم : إن كان قال , فقد صدق ..
وفاضت عينا الرسول من الدمع غبطة وشكرا .
وعانق صاحبه وقبل جبينه . ومضى يحثه كيف جاءه الوحي في غار حراء قائلا له : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)
وخفض أبو بكر رأسه في خشوع وتقوى , تحية لراية الله التي رآها ترتفع أمامه إلى أعلى السارية , متمثلة في هذه الآيات المنزلة .
ثم رفع رأسه , وشد بكلتا يديه على يمين رسول الله وقال :
أشهد انك صادق أمين .
أشهد ألا إله إلا الله .. وأشهد أنك رسول الله
في هذا الزمان في ناس يحبون أن يتشبهون بالزعماء والشخصيات البارزة وحبيت اكتب لكم هذا الموضوع عن صحابي صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم قبل إسلامة وبعد إسلامة .
وجــــاء أبو بكر
إهداء :
يا أبا بكر.. يا خليفــــة رسول الله
إذا أذنت لي في هذه الكلمات , أكتبها عنك...
فتقبل يا – ثاني اثــــنين – إهـــداءها .
من منا لا يعرف أبو بكر الصديق رضي الله عنة ؟
إنه صاحِب وخليفة رسول الله محمد صلى الله علية وآله وسلم .
الذي شهد الله سبحانه وتعالى بصحبته بالقرآن الكريم قال تعالى: )إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ )(التوبة: من الآية40)
حياته قبل الإسلام .
مكة البلد الحرام الذي تتوسطه الكعبة , موطن القداسات منذ رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل .. تمضى الحياة فيها لافحة مثل مناخها ..
راسخة مثل جبالها .. حالمة مثل سمائها ..
وأهلها عاكفون على عقائد وتقاليد تسمو أحيانا حتى تبلغ أوجا بعيدا . وتسف أحيانا حتى تبعث على السخرية والرثاء ...
وحول الكعبة أصناما مبثوثة تطفلت في غفلة الزمن على هذا الحرم الأقدس الذي ضل قرونا , ولبث أحقبا يمثل راية الله المرفوعة في الأرض , تنادي أهل الحنيفية والتوحيد .
هي كذالك دهرا طويلا حتى جلبت إليها الأصنام ذا يوم , وازدحمت حولها من الأيام . حيث صارت مهوى أفئدة قريش وماحولها . يعبدها الناس ويتقونها , ويتملقونها , لتقربهم إلى الله زلفى .. !!
فهنا اللات , والعزى , ومناة ..
وهناك , أساف , ونائلة , وهبل ..
وعشرات سواهن من الأوثان والأصنام ...
الآهلة التي لاتسمع , ولى تبصر , ولى تغني عنهم شيئا ..!!
وكان من حول مكة من يعبد الشمس والملائكة والجن والنار .
ملائكة .. وجن .. وكواكب .. وأصنام .. ؟
أين ملة إبراهيم وسط هذا الزحام ..؟؟
كانوا قيل يلوحون براية إبراهيم في مكة وكان هناك ثلاثة تركزت فيهم كل قوى الارهاص بالدين المقبل هم :
قس بن ساعدة الإيادي..
وزيد بن عمرو بن نفيل ..
وورقة بن نوفل ..
كانوا يغنون للنبي القادم , كانوا يبشرون بالفجر الطالع , كانوا يؤذون بالدين المقبل الذي سيعيد راية الله إلى مكانها ,ويسوى بالأصنام التراب ..
إلى هؤلاء جلس أبو بكر طويلا , ولكلماتهم الرطبة المؤمنة ألقى سمعه , وبغنائهم العذب ثمل , وعلى حدائهم سار .
هذا الرجل الذي يشغل بين قومه مكانة مرموقة أهله لها كفايته وحسبه , يحمل في ذات نفسه شكا مضيئا ...شكا يربي في قلبة يوما فيوما العزوف عن وثنية قومه وضلالهم .
وإنه ليمر بالناس متحلقين حول أصنامهم , وجاثين أمامها فتكسو وجه سحابة أسف , ويسأل نفسه : أيمكن أن يكون هذا صوابا وهدى ..؟؟
أناس ينظرون , ويسمعون , ويعقلون .. يخرون سجدا أمام حجارة مرصوصة لاسمع , ولاتبصر , ولاتبين .؟
ثم ردد قول زيد بن عمرو بن نفيل .
أربا واحدا . ام ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور ؟؟
هذا أبو بكر الذي لم يسجد لصنم قط .
إسلام أبوبكر
وتمضي الأيام طاوية أشواق الذين يؤمنون أو يحسون أنهم على موعد من الغيب عظيم .
ويصبر أبو بكر حتى يأتي الله بأمره ...
ويقبل على شأنه وتجارته , وإذ يحين أوان رحلة جديدة إلى الشام , يشد رحاله مع صحب له من التجار , وتيمم القافلة وجهها شطر البلاد البعيدة ساعية وراء الرزق والربح الحلال .
في الشام يجد أبو بكر مناخا روحيا شبه مناخ قومة
أديان شتا , أوناس تائهون وقلة مؤمنة تقلب وجهها في السماء راجية منها اليقين , ومرسلة أطرافها في آفاق الأرض وكأنها تريد أن ترى من أي أقطارها سيهل النذير المنتظر .
وأبو بكر في الشام مثلة مثل مكة . لايكاد ينجز عمله مع أهل مهنته من التجار حتى يبادر ويسارع إلى نفر من الأحبار والرهبان . تعرف إليهم خلال رحلاته , وأنس منهم عزوفهم عما عليه الناس من باطل ووهم .
ورضي منهم بحثهم عن الحق , وانتظارهم لبشرى الله المقبلة .
فمن هؤلاء في الشام , كان يسمع نفس اللحن العذب المبشر بقدوم رسول , والذي سمعه بمكه من ورقة بن نوفل وإخوانة ..
إن الذين عندهم العلم من الكتاب , في الشام وفي مكة , ليكادون يجمعون على أنه سيهل على الدنيا من هناك .. من حيث رفع إبراهيم القواعد من البيت ... !
كانت الخواطر تغدو وتروح على هذا النحو في وجدان أبي بكر وعقله .
والآن , وقد أنجز اعماله في الشام فإنه يتهيأ للعدوة إلى موطنه وبلاده .
وقبيل رحيله بأيام قليله يرى رؤيا ..
يرى القمر قد غادر مكانه في الأفق الأعلى , ونزل على مكة حيث تجزأ إلى قطع وأجزاء تفرقت على جميع منازل مكة , وبيوتها . ثم تضامت هذه الأجزاء مرة أخرى , وعاد القمر إلى كيانه الأول , واستقر في حجر أبي بكر .
صحا من نومه , وللرؤيا على وعيه سلطان مبين ...
وسارع إلى أحد الرهبان المتقين الذين ألفهم , وعقد معهم مصلات الروح ماكانت ترى به عينه .
وقص عليه الوؤيا , فتهلل وجه الراهب الصالح وقال لأبي بكر :
لقد اهلت أيامه ..!!
من تعني ..؟ النبي الذي نتظر ..؟
ويجيبه الراهب :
نعم , وستؤمن معه , وستكون أسعد الناس به ..!!
لم تكن رؤيا أبي بكر مجرد حديث للنفس في منامه , ولامجرد تعبير عن أشواق مستكنة في شعوره ..
بل كانت إرهاصا بحقائق وطيدة راسخة أملت على صاحبها يقينا لا يتزعزع بحاجة لناس إلى رسول , وبحتمية مجيء هذا الرسول .
ومع الصباح شد أبو بكر رحاله مع القافلة العائدة إلى مكة .
كانت النوق والجمال تهرول , فرة منتشية كأنها عيد .
وهبت نسائم حلوة تمل إلى الراكب عطر بساتين الشام , وكأنها تحية الوداع تنثال وراءهم من البدل الطيب الذي غادروه من ساعات ..
وتمضى القافلة إلى غايتها , تبيت إذا دثرها الليل وتطلق إذا نادها الصباح .
والأشواق تهب على أرواحهم هبوب الرياح المرسلة فترطب من وقدة الهجير ..
لقد مضى زمن طويل منذ غادروا مكة إلى الشام .
ترى مذا جد هناك من أمور ..؟
هاهي ذي الارض تطوى ..
الشام تذهب بعيدا .. بعيدا
ومكة تقبل حثيثا حثيثا ..
واخيرا تطل مشارف الوطن , وعبير الأهل
والتقىالقادمون المستقبلون في عناق ومودة تعالت خلاله الاصوات بالجيديد والغريب من الأنباء .
ألا تعلمون ..؟ إن قريشا من فارقتموها لا تنام الليل ..!!
ويح قريش .. ولمذا ..؟؟
إن محمدا وضع الجمر على أنفها ..!!
الجمر..؟ كيف ..؟ مذا جرى ..؟
إنة يقول : إن الله أرسله لنعبده وحدة ونذر آلهتنا ..!
واقترب من أبي بكر بعض ذوي الأناة , وأخذ يقص عليه النبأ في هدوء , وأبو بكر يغالب دموعه وحبوره ..
ولدى مدخل مكة قابلتهم جماعة صغيرة يتقدمها أبو جهل – عمرو بن هشام .
وتعانقوا جميعا .. وبدأ أبو جهل الحديث :
-أوحد ثوك عن صاحبك ياعتيق ..(( وكان أبو بكر قبل إسلامه يسمى عتيقا ))
أجابه أبو بكر .
تعني محمد الأمين ..!
قال نعم أعني يتيم بني هاشم ..!
ودار حوار سريع بين الأثنين :
أسمعت أنت ما يقول ياعمرو بن هاشم ..؟
نعم سمعته وسمعته الناس جميعا ..
وماذا قال ..!
يقول إن في السماء إلها , أرسله إلينا لنعبده ونذر ماكان يعبد آباؤنا .!!
أو قال إن الله أوحى إليه ..؟
أجل
ألم يقل كيف كلمه ربه ..؟
قال : إن جبريل أتاه في غار حراء ..
وتألق وجه أبي بكر كأن الشمس قد اختصته آنئذ بكل ضيائها وسناها , وقال في هدوء مجلجل:
إن كان قال , فقد صدق ..!!
ودارت الأرض بأبي جهل , وتلعثمت خطواته , وكاد جسمه يتهاوى فوق ساقيه الهازلتين ..
وتناقل الناس كلمة أبي بكر من واحد إلى آخر , حتى صار لهم بها دوي كدوي النحل ..!!
وقصد أبو بكر داره ليرى أهله , ويفض عنه وعثاء السفر , وبعدها يقضي الله أمرا كان مفعولا .
والآن , نترك أبا بكر قليلا في داره وبين أهله , حيث نعاود السير في موكبه بعد قليل لنلتقي به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ولنقض هذا الوقت مع كلمته الذة الجامعة –
(( إن كان قال فقد صدق ))
أجل .. فهذه العبارة الأمينة المضيئة , وهي التي ستتشكل وفقها كل حياته المقبلة , وستجعل من صاحبها أستذا للبشرية في فن الأيمان ..
انظروا ..
إن الموضوع الرسالة لم يكن جديدا على أبي بكر , فهو بكل مامعه من ذكاء , وفطرة , ومنطق , قد قلب كل وجوه النظر السديد في هذه القضية , وانتهى إلى أن الله لن يترك عباده حيارى .
وهو بكل مامعه من ذكاء وفطره ومنطق , كان خبيرا بالرجال .
ولقد عاش مع << محمد >> سنوات طوالا , ورأى فيه النموذج الحي الإنسان الكامل .
وهكذا , لم يكد يتلقى سمعه النبأ العظيم , حتى كان إيمانه الذكي مهيا ليأخذ دوره من فوره .
ولم تكن المشكلة بالنسبة إليه تتمثل في احتمال الصدق والكذب , بل كانت تتمثل في هذا السؤال :
هل صحيح أن محمدا قال هذا الذي يرويه عنه ..؟؟
إن كان قال .. فقد صدق ..!!
من شاء فليبحث , وليفحص , وليتشكك , ولينتظر ..
أما أبو بكر فلا..
هكذا كان منطق الايمان في وعي الرجل الرشيد أبي بكر .
غادر أبو بكر داره إلى دار الرسول تسبقه أشواقه .
قرع أبو بكر الباب , ونادى ..
وتألق بشر الحياة جميعه على محيا الرسول , وقال مناديا خديجة :
إنه <<عتيق>> يا خديجة ..
وسارع الرسول إلى لقاء صاحبه .
وجرى الحديث بينهما في مثل سرعة الضوء وصفائه .
قال أبو بكر :
أصحيح ما أنبأني به القوم يا أخا العرب ..؟
أجاب الرسول سائلا ..؟
ومذا أنبأوك ..؟
قالو ا إن الله أرسلك إلينا لنعبده , ولا نشرك به شيئا.
ومذا كان جوابك لهم ياعتيق ..؟
قلت لهم : إن كان قال , فقد صدق ..
وفاضت عينا الرسول من الدمع غبطة وشكرا .
وعانق صاحبه وقبل جبينه . ومضى يحثه كيف جاءه الوحي في غار حراء قائلا له : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)
وخفض أبو بكر رأسه في خشوع وتقوى , تحية لراية الله التي رآها ترتفع أمامه إلى أعلى السارية , متمثلة في هذه الآيات المنزلة .
ثم رفع رأسه , وشد بكلتا يديه على يمين رسول الله وقال :
أشهد انك صادق أمين .
أشهد ألا إله إلا الله .. وأشهد أنك رسول الله