ام الرجال
09-25-2010, 03:19 PM
. احذر المقدمات :
إن مقدِّمات أي ذنب هي الذنب نفسه ، وهل حرَّم الله إطلاق البصر إلا لأنه مقدمة الزنا؟! وهل حذَّر النبي من جليس السوء إلا لأنه مقدمة الحرام؟! وهل نُهينا عن قليل المسكر إلا لأنه مقدمة الكثير؟! من سار مع قافة الغافلين وصل إلى ديار الهالكين ؛ لأن آخر طريق اليمن يمن ، ومن رمى نفسه في الماء أصابه البلل ، ولن يستطيع الشيطان أن يمتطي ظهرك يوما دون أن تمد له يدا وتحني له ظهرا.
ولذا كانت قاعدة سد الذرائع من أهم وأثمن وأحكم القواعد الشرعية التي تمثِّل الوقاية الصارمة ضد هذه المكيدة ، وكانت من علامات عظمة هذه الشريعة ومن أمارات رحمة الله الواسعة. قال ابن القيِّم :
" فإذا حرّم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تُفضي إليه ، فإنه يُحرِّمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له ، ومنعا من أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المُفضية إليه لكان ذلك نقصا للتحريم وإغراءً للنفوس به " .
وقال في موضع آخر :
" وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرَّمات ، فنهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله سبحانه وتعالى عدوا وكفرا ، وأمسك عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس : إن محمدا يقتل أصحابه ، وحرَّم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة لكون قليلها ذريعة إلى شرب كثيرها ، وحرَّم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها لغير حاجة حسماً للمادة وسدا للذريعة ، ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور ، ومنعهن من التسبيح فى الصلاة لنائبة تنوب ؛ بل جعل لهن التصفيق ، ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها حتى كأنه ينظر إليها ، ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله ، ونهى عن تعلية القبور وتشريفها ، ونهى عن البناء عليها وتجصيصها والكتابة عليها والصلاة إليها وعندها وإيقاد المصابيح عليها ؛ كل ذلك سدا لذريعة اتخاذها أوثانًا ، ونهى الله سبحانه وتعالى النساء أن ﴿ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيْعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينتِهِنَّ ﴾ [ النور : 31 ] ، فلما كان الضرب بالرِّجل ذريعة إلى ظهور صوت الخلخال الذي هو ذريعة إلى ميل الرجال إليهن نهاهن عنه ، وأمر الله سبحانه الرجال والنساء بغض أبصارهم لما كان النظر ذريعة إلى الميل والمحبة التي هي ذريعة إلى مواقعة المحظور ، وحرَّم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم " .
وهذه المقدمة ليست مقدمة إلى استشراء المرض على النطاق الفردي فحسب ، بل على نطاق الأمة وعبر عهود من الزمن وأجيال من الأمم ، وقد تأمل أحد هذه القواعد الأستاذ محمد قطب حين قبس من حديث « ما أسكر قليله فكثيره حرام » قبسة عكس أشعتها علينا ، ثم قال كعالم اجتماع حاذق عاش دهورا من الزمن يرصد الانحراف وإن دق ويشخِّص الأعراض وإن خفيت :
" تبدأ الجريمة بسيطة خفيفة لطيفة .. اختلاط برئ تحت إشراف الآباء أو غيرهم من المشرفين .. ونزهات لطيفة أو نواد ظريفة ، ولا بأس من إتاحة شيء من الخلوة « البريئة » بين شاب وفتاة ، وما الذي يمكن أن يحدث في خلوة كهذه بريئة وعين الرقيب على بعد خطوات .. أو حجرات؟!
ابتسامة من هنا وكلمة إعجاب من هناك؟ وضمة خاطفة في غفلة من الرقيب؟ وقبلة طائرة تطفئ الغلة أو تشعل اللهيب؟
« يا سيدي » !
ثم يحدث ما يحدث في الخمر ..
الإدمان ..
الكأس الأولى تصبح بعد حين تافهة ضئيلة المفعول. لابد من كأس ثانية.
والقبلة الأولى تغري دائما بالمزيد ، لا يمكن أن تتوقف ، ليس ذلك من طبائع الأشياء.
ولكن الجيل الأول مع مع ذلك لا يسرف في الجريمة ، ولا يصل إلى الإدمان المجنون.
هنالك الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد ، ومعه العصا ينذر ويحذِّر ويهدد بعظائم الأمور ، وهنالك التقاليد التي تربط المجتمع ولا يسهل الخروج عليها دفعة واحدة ، ومن ثم لا تحدث الجريمة الكاملة في أول جيل ، وإنما « يتبحبح » الناس قليلا ويفكون القيود.
ويمضي المجتمع في طريقه منتشيا لا يحس بالخطر ، ولا خطر حتى الآن هناك.
ويظن المجتمع – نظريا – أنه قادر على ذلك إلى غير نهاية ، قادر على أن يفك القيود ومع ذلك لا يقع في الجريمة أو لا يصل إلى الإسراف المعيب ، وهو مخلص في عقيدته تلك الضالة لأنه يقيس على نفسه ويغفل حقيقة الأمور ، يغفل الضوابط الخفية التي أنشأها في أعماق نفسه الجيل السابق المتحفِّظ ، والتي لن يخلِّفها هو للجيل المقبل لأنه غير مؤمن بها ، يظنها تشددا بلا ضرورة ولا لزوم!
ينسى الرجل أنه قد رأى أمه متحفِّظة لا تختلط بالرجال ، ورآها مكتسية لا يتعرى من جسدها شيء ، ومن ثم تقاومه هذه الصورة على غير وعي منه وهو يدعو فتاة غريبة إلى الاختلاط به ، ويدعوها إلى تعرية نفسها أو جسدها ليستمتع به ، ثم تقاومه حتى وهو مندفع بالشهوة ، فلا يسرف ولا يتبجَّح بالإثم.
والفتاة التي رأت أمها محتشمة وزرعت في نفسها النفور من العري- النفسي والجسدي- تتحفَّظ كذلك- بوعي منها وبغير وعي- حتى وهي تُهِم بالانزلاق ، فلا تسرف ولا تتبجَّح بالإثم.
ثم يتراجع هذا الجيل ..
ويجيء جيل جديد تربية الأم التي ذاقت في شبابها « متعة » التحلل البسيط من القيود ، والأب كذلك.
الأم والأب اللذان ذاقا شيئا من المتعة ولم يسقطا السقوط الكامل –والأم خاصة- لن ينظرا إلى التقاليد « المتزمتة » بعين الاحترام.
علام التشدد؟! ألم ينفلتا هما من هذا التشدد ولم يحدث شيء؟ « فليتبحبح » الأولاد « قليلا » ولا ضير! ومن ثم ينشأ الجيل الجديد وقد ضعف الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد ، ولانت العصا فلم تترك أثرا في الضمير ، وتفككت التقاليد فلم تعد تمنع المحظور ، ويتراجع هذا الجيل.
ويأتي جيل يرى أمه قد تعرت من شيء من الثياب وشيء مماثل من الفضيلة (والجسم والنفس صنوان في هذه الأمور!) الولد الذي يرى أمه عارية لا تثور في نفسه نخوة الرجولة والحرص على الأعراض ، فقد زالت في نفسه حرمة الجسد ، وصار نهبا يباح للعيون ، وبعد ذلك لما هو أكثر من العيون ، والبنت التي ترى أمها عارية لا تؤمن بالقيد ، ويلتقي هؤلاء الأولاد والبنات ، يلتقون على شهوة الجسد الفائرة ، ويلتقون بلا ضابط ولا حدود ، وتتم الدورة المحتومة ، والهاوية في آخر الطريق " .
لذا كان لا بد من إقامة خط الدفاع ، وهو ما أرشدنا إليه قائدنا محمد :
« اجعلوا بينكم وبين الحرام سترا من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه » .
وكل من تجاوز هذا الستر وعبر هذه المقدِّمات فقد أعطى نسخة من مفتاح قلبه للشيطان ، ثم يشكو في النهاية دخول الشيطان عليه ووسووسته إليه!!
المباح عقبة بين العبد وبين الحرام ، فمن استكثر من المباح تطرَّق إلى المكروه ، ومن استكثر من المكروه تطرّق إلى الحرام ، ومن هنا حذَّر الصالحون من الإسراف في المباح. قال ابن القيم :
" وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه في شيء من المباح : هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة أو نحو هذا من الكلام ، فالعارف يترك كثيرا من المباح إبقاء على صيانته ، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام ، فإن بينهما برزخا " .
السرف في إطلاق البصر سيجره ولا بد إلى وقوعه على الحرام ، والسرف في الكلام سيجره ولا بد إلى زلات اللسان وآفات الكلام ، والسرف في الطعام يؤدي إلى السمنة وضخامة البدن وسيطرة الشهوات ، ومنها إلى التثاقل والكسل والتراخي ، إن لم يكن الانقطاع و القعود عن فضائل الأعمال ، ولعل ذلك هو السر في نهي الله وتحذيره من السرف : ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفيْنَ ﴾ [ الأعراف : 31 ] ، وهو ما وصل إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب :
" إياكم والبطنة في الطعام والشراب ؛ فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ؛ فإنه أصلح للجسد ، وأبعد من السرف ، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه " .
وأنا أورد مزيلات القنوط وناسفات اليأس هذه حتى لا يدفعك تكرار السقوط يوما إلى ترك محاولة الاستشفاء وطلب الدواء ، فخذها مني عشر جرعات رجاء شافيات من تناولها انقشعت عنه سحب دخان القنوط المتصاعد من وسط ركام الذنوب ، لتهب على قلبه نسائم الرجاء الجميل ، فترجع القلوب بيضاء نقية لا يحجبها عن الله شيء.
إنها لغة الاستجداء ليس يُفهم غيرها في ساحة العفو ، لجأ إليها الحسن فقال في لهجة صادقة وعبارة صريحة حين وقف على قبر وكيع بن أبي الأسود ثم قال : " اللهم ارحم وكيعا فإن رحمتك لن تعجز عن وكيع " .
نفس اللهجة نطق بها لسان كاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حين تمثَّل عند الموت قول القائل :
هو الموت لا منجا من الموت والذي نحاذِر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال : اللهم فأقل العثرة ، وعاف من الزلة ، وجُد بحلمك على جهل من لم يرجُ غيرك ، ولم يثق إلا بك ، فإنك واسع المغفرة ليس لذي خطيئة مهرب إلا أنت ، فبلغ هذا القول سعيد بن المسيب رحمه الله فقال : " لقد رغب إلى من لا مرغوب إليه مثله ، وإني لأرجو ألا يعذِّبه " .
وهو درس هام نتعلمه هنا لنعمل به ؛ حيث لابد للرجاء من تدريب عليه في الدنيا حتى يصير عادة يسهل استجلابها عند الموت حين يكون حسن الظن ضرورة ولا ينفع وقتها الخوف ، وإذا لم تجرِّب الرجاء الآن وأنت في صحتك ورخائك فكيف عند موتك واحتضارك؟!
ويبشِّرك بالثالثة شعرا محمود الوراق فيقول :
حسن ظني بحسن عفوك يا ربُّ جميلٌ وأنت مالك أمري
صُنتُ سري عن القرابة والأهل جميعا وكنتَ موضع سري
ثقةً بالذي لديك من الستر فلا تُخزِني يوم نشري
يوم هتك الستور عن حجب الغيب فلا تهتكن للناس ستري
لقِّني حُجَّتي وإن لم تكن يا رب لي حجة ولا وجه عذر
ويأتيك بالرابعة دعاءً عمر بن ذر لما حجَّ اجتمع الناس إليه ؛ فقالوا : يا أبا ذر!! ادعُ بدعوة ، فقال :
" نعم .. اللهم ارحم قوما لم يزالوا مذ خلقتهم على مثل ما كانت عليه السحرة يوم رحمتهم " .
وبالخامسة تدبرا من كتاب الله عون بن عبد الله حين قال : " ما كان الله لينقذنا من شيء ثم يعيدنا فيه ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ ، وما كان الله ليجمع أهل قسمين في النار : ﴿ وَأَقْسَموْا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَموتُ ﴾ ، ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت " .
وبالسادسة حكمة من حكم ابن عطاء وهو يكتب بقلم الروحانية عباراته الحانية ليهز المشاعر القاسية :
" من استغرب أن يُنقِذه الله من شهوته ، وأن يُخرِجه من وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء مقتدرا " .
وبالسابعة مواجهة لنفسك وتشخيصا لعيب من عيوبها الخفية على لسان ابن عطاء أيضا :
" من علامة الاعتماد على العمل : نقصان الرجاء عند وجود الزلل " .
والاعتماد على العمل الصالح معناه أن تصلي وتتصدق وتصوم عادة لا لذكر الله تعالى الذي شُرِعت لأجله هذه العبادات ، فلا حال لقلبك ولا حلاوة لروحك وأنت تطيع ربك ، ومن ثم فلا حلاوة لعبادة ، وهو ما سماه البعض عبادة العبادة ، والتخلص من الاعتماد على العمل يكون بتجريب مقياس دقيق من صنع ابن عطاء ، ليسلط الأضواء الكاشفة على حالنا مع الله،
وبالثامنة بكاء ممتزجا بحرقة الحسن بن الحسن بن علي ، فقد روى الأصمعي : دخلتُ في الطواف عند السحر ؛ فإذا أنا بغلام شاب حسن الوجه حسن القامة عليه شملة وله ذؤابتان وهو متعلق بأستار الكعبة يقول :
ألا أيها المأمول في كل ساعة شكوتُ إليك الضر فارحم شكايتي
ألا يا رجائي أنت كاشف كربتي وهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي
فزادي قليل ما أراه مُبلِّغي أللزاد أبكي أم لبعد مسافتي
أتيت بأعمال قباح ردية فما في الورى خلقُ جنى كجنايتي
أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي ثم أين مخافتي
قال : فتقدمتُ إليه وكشفتُ عن وجهه ؛ فإذا به الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، فقلت : يا سيدي مثلك من يقول هذه المقالة وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة. قال : " هيهات يا أصمعي .. إن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدا حبشيا ، وخلق النار لمن عصاه وإن كان ولدا قرشيا. أما سمعت قول الله عز وجل : ﴿ فِإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ﴾ [ المؤمنون : 102 ] " .
وبالتاسعة طمعا لذيذا ورغبة جارفة من يحيى بن معاذ وهو يقول : " إن قال لي يوم القيامة : عبدي ما غرَّك بي؟ قلت : إلهي برّك بي " .
وبالعاشرة رؤيا منام رآها أبو العباس بن سريج رحمه الله حيث رأى خلال مرض موته في منامه كأن القيامة قد قامت ، وإذا الجبار سبحانه يقول : أين العلماء؟ قال : فجاءوا ، ثم قال : ماذا عملتم فيما علمتم؟ قال : فقلنا يا رب قصَّرنا وأسأنا. قال : فأعاد السؤال كأنه لم يرض بالجواب وأراد جوابا غيره ، فقلت : أما أنا فليس في صحيفتي الشرك ، وقد وعدت أن تغفر ما دونه ، فقال : اذهبوا به فقد غفرت لكم ، ومات بعد ذلك بثلاث ليال!! .
فاللهم ارزقنا قبل موتنا بشارة كهذه ، وأعطنا قبل رحيلنا إشارة على فوزنا ونجاحنا ، حتى نتهيأ لرقدة القبور والسرور ملء قلوبنا ، وأزيدكم كرما فوق العشرة بشارتين رائعتين تنعشان القلب الحزين وتجلوان عن مرآته صدأ اليأس المريع :
البشارة الأولى للكريم صاحب العطايا الربانية ابن عطاء يقول فيها : " لا صغيرة إذا قابلك عدله ، ولا كبيرة إذا واجهك فضله ".
وموضع البشارة هنا أنه لا كبيرة لك إذا واجهك فضله ، والفضل هو إعطاء الشيء بغير عوض ، فإن صفة الفضل إذا ظهرت لمن أحبه الله اضمحلَّت سيئاته وبُدِّلت حسنات ، فاللهم اجعلنا ممن تحبهم وترضى عنهم.
والبشارة الثانية لعلم الزهد يحيى بن معاذ الذي ذاق طعم الرجاء ووجد أثره بعد سيئاته أكثر مما وجده بعد طاعاته ، وأبان سبب ذلك في بعض مناجاته :
" يكاد رجائي لك من الذنوب يغلب رجائي إليك مع الأعمال ؛ لأني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أُحرِزُها وأنا بالآفة معروف؟! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟! " .
واسمعوا معشر اليائسين مسك الختام وأصل الكلام متمثِّلا في البشارة القرآنية لتطرب آذانكم وتهدأ قلوبكم : ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [ الحديد : 17 ]
فكما يحيي الله هذه الأرض الميتة بعد هلاكها كذلك يهدي الإنسان الضال عن الحق إلى الحق ، فيوفِّقه ويُسدِّده للإيمان حتى يرجع مؤمنا من بعد كفره ، ومهتديا من بعد ضلاله.
فقد يدفع الشيطان العبد إلى طاعة مفضولة قاصدا أن يفوِّت عليه طاعة أفضل منها ، والأحاديث التي تحذِّر من ذلك كثيرة ، فعن أفضلية الجهاد روى أبو هريرة : أن رجلا من أصحاب رسول الله مرَّ بشِعْب فيه عيينة ماء عذب ، فأعجبه طيبه ، فقال : لو أقمت في هذا الشعب فاعتزلت الناس ، ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله ، فذكر ذلك للنبي فقال : « لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاة ستين عاما خاليا ؛ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله ؛ من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة » .
وقد روى عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى رسول الله فاستأذنه في الجهاد فقال : « أحي والداك؟ » قال : نعم قال : « ففيهما فجاهد ». متفق عليه ، وفي رواية : « فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما » ، ولذا ما كان الحسن البصري مبالغا ولا مغاليا حين قال رحمه الله لرجل : تعشَّ العشاء مع أمك تقرُّ به عينُها أحبُّ إليَّ من حجة تطوُّعا.
وقد سئل الفضيل بن عياض عمن يترك الطيبات من اللحم والخبيص للزهد ، فقال : " ما للزهد وأكل الخبيص!! ليتك تأكل وتتقي الله ، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام ، انظر كيف برك بوالديك ، وصلتك للرحم ، وكيف عطفك على الجار ، وكيف رحمتك للمسلمين ، وكيف كظمك للغيظ ، وكيف عفوك عمن ظلمك ، وكيف إحسانك إلى من أساء إليك ، وكيف صبرك واحتمالك للأذى ، أنت إلى أحكام هذا أحوج من ترك الخبيص " .
وقد أشار إلى أفضلية كسب الحلال وأولوية إطابة المطعم إذا تعارض مع القيام والصيام إبراهيم بن أدهم فقال : " أطب مطعمك ، ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم بالنهار " .
وقد رصد ابن عطاء كل هذا في حكمة من حكمه الغالية التي جاء فيها :
" من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات " .
قال ابن القيم :
" ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكد عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها ، فقالوا : وسوس وسوسة ؛ فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه ، ونظير هذا ما تقدم من متابعتهم حركة اللفظ بإزاء متابعة حركة معناه كالدوران والغليان والنزوان وبابه ، ونظير ذلك زلزل ودكدك وقلقل وكبكب الشيء ؛ لأن الزلزلة حركة متكررة وكذلك الدكدكة والقلقلة ، وكذلك كبكب الشيء إذا كبه في مكان بعيد ، فهو يكب فيه كبا بعد كب كقوله تعالى : ﴿ فَكُبْكِبُوا فيْهَا هُمْ وَالغاووْنَ ﴾ [ الشعراء : 94 ] ، ومثله رضرضه إذا كرر رضه مرة بعد مرة ، ومثله : ذرذره إذا ذره شيئا بعد شيء ، ومثله : صرصر الباب إذا تكرر صريره ، ومثله : مطمط الكلام إذا مطه شيئا بعد شيء ، ومثله : كفكف الشيء إذا كرر كفَّه وهو كثير " .
والوسواس يتضاعف أثره عند مرض القلب ، ويقل بل قد ينعدم عند أحياء القلوب ، ولذا لما سئل يحيى بن معاذ عن الوسوسة قال : " إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا ، وإن كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا " .
فالدنيا للمؤمن سجن يحبس نفسه فيه عن كثير من الحرام والشبهات ، لذا تنحبس وساوسه تحت قبضته ، ولا يسمح لها أن تنال منه وذلك بفضل قوة إيمانه وطُهر قلبه ، أما الكافر والمنافق فالدنيا روضتهما يرتعان فيها ، ولذا تكثر وساوسهما وتؤذيهما حتى الهلاك.
قال ابن القيِّم :
" واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر ، فيأخذها الفكر فيؤديها الى التذكر ، فيأخذها الذكر فيؤديها الى الارادة ، فتأخذها الارادة فتؤديها الى الجوارح والعمل ، فتستحكم فتصير عادة ، فردُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها " .
وحين يتعوَّد شيطانك على الطرد مرة بعد مرة ، وإغلاق الباب في وجهه طويلا ييأس حتى قيل إن بعض المريدين سأل بعض المشايخ فقال : أيها الشيخ .. بأي شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة؟! فقال الشيخ : " إني لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه!! نحن قوم صرفنا همَمَنا إلى الله فكفانا ما دونه!! " .
عمل المرائين قشر لا لب فيه ، واللب وحده هو الذي يثقل كفة الميزان في ساحة الحشر لا القشر ، وإن كان حظ النفس في المعصية ظاهرا جليا ؛ فإن حظها في الطاعة باطن خفي ، ومداواة ما خفي من الأمراض أصعب.
المرائي يزوِّر توقيع العابدين المخلصين ليقبض في الدنيا الثمن : الشهرة وعلو المكانة ، ولن يجني في الآخرة غير العذاب ومرير المهانة.
ثوب الرياء يشفُّ عما تحته فإذا اشتملت به فإنك عاري
وهو عيب يقدح أول ما يقدح في صدق العبودية لله كما قال ابن عطاء :
" استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ".
وليس أشد غيرة من الله لذا يعاقب من خدش حمى العبودية بأن يتعثَّر ويسقط في منتصف الطريق. قال ابن الجوزي : " وإنما يتعثر من لم يخلص " .
وهو ما كان يتعلَّمه الصالحون حتى صاروا أساتذة فيه كما قال يوسف بن أسباط : " تعلّموا صحة العمل من سقمه ، فإني تعلَّمته في اثنين وعشرين سنة " .
واسمعوا العجب العجاب من الإمام مالك الذي قال : "جلستُ الى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة ، وكنت قد اتخذت في الشتاء سراويل محشوا ، كنا نجلس معه في الصحن في الشتاء ، فاستحلفني أن لا أذكر اسمه في الحديث!! " .
وهذا شيخ الإسلام طلحة بن مصرف رحمه الله اشتهر بالقراءة حتى سُمِّي سيد القراء ، فلما علم إجماع أهل الكوفة على أنه أقرأ من فيها ، ذهب ليقرأ على الأعمش ليسلخ هذا الاسم عنه ، و لتنزل رتبته في أعين الناس ، و يأبى الله إلا أن يرفع ذكره في العالمين!!
و هذا إمام أهل السنة يقول ابن القيم رحمه الله : " وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علما وحديثا وسنة حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة ، وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب ، وكان يحب تجريد الحديث ، ويكره أن يُكتب كلامه ، ويشتد عليه جدا ، فعلم الله حسن نيته وقصده ، فكُتِب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا ، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها ، فلم يفتنا منها إلا القليل ، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير ، فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر " .
وكما في أرض الحجاز كان هناك عبد آخر في أقصى الغرب يتحدَّث نفس اللغة الإيمانية وينبض نفس النبض وهو أبو عبد الله محمد بن عتاب القرطبي ، وكان قد خلّف صندوقا مقفلا قد أوصى ألا يُفتح إلا بعد موته ، فلما مات فُتِح ، فإذا فيه أربعة كتب من أربعة رؤساء : ابن عباد وابن الأفطس وابن صمادح وابن هود ، كل منهم يدعوه إلى نفسه وتقلّد القضاء ببلده ، وقد كُتب على كل كتاب منها : تركتُ هذا لله!!
وقاهر آخر للشيطان هو الإمام الشافعي حيث قال الربيع بن سليمان عنه : " دخلتُ على الشافعي وهو عليل ، فسأل عن أصحابنا وقال : يا بني .. لوددت أن الخلق كلهم تعلموا -يريد كتبه- ولا يُنسب إليَّ منه شيء " .
واسمعوا خبر من يفرح إذا لم يُفسح له في مجلس ، ويُسرُّ إذا لم يبجَّل ويُعطى مكانته اللائقة؟! وهو ما حدث مع عبد الله بن المبارك يوما حين أتى سقاية والناس يشربون منها ، فدنا منها ليشرب ، ولم يعرفه الناس فزاحموه ودفعوه ، فلما خرج قال : " ما العيش إلا هكذا يعني حيث لم نعرف ولم نوقَّر " .
والرياء شبكة يحاول الشيطان أن يلقيها على كل من اقترب من ساحة الشهرة ، لذا قال الفضيل :
" لا يترك الشيطان الإنسان حتى يحتال له بكل وجه ، فيستخرج منه ما يخبر به من عمله ، لعله يكون كثير الطواف فيقول : ما كان أحلى الطواف الليلة ، أو يكون صائما فيقول : ما أثقل السحور أو ما أشد العطش ، فإن استطعت أن لا تكون محدِّثا ولا متكلِّما ولا قارئا ، إن كنت بليغا قالوا : ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته ، فيعجبك ذلك فتنتفخ ، وإن لم تكن بليغا ولا حسن الصوت قالوا : ليس يحسن يُحدِّث وليس صوته بحسن ؛ أحزنك وشقَّ عليك فتكون مرائيا ، وإذا جلست فتكلمت ولم تبال من ذمَّك ومن مدحك فتكلم " .
ما أخفى رياء هؤلاء
ومن الرياء الخفي : تشوُّفك إلى إبراز عبادتك لغيرك ، " فإذا دُعي إلى طعام قال : اليوم الخميس ولو قال أنا صائم كانت محنة ، وإنما قوله اليوم الخميس معناه أني أصوم كل خميس ، وفي هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائما وهم مفطرون ، ومنهم من يُلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر ، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة ، وقد خَيَّل له إبليس أن صومه يدفع إثمه ، وكل هذا من التلبيس " .
ومن الرياء الخفي : تحسين الدعاة عملهم أمام الناس بقصد أن يقتدي بهم الخلق ، " فيأتيه الشيطان في معرض الخير ويقول : أنت متبوع ومُقتدى بك ومنظور إليك وما تفعله يؤثر عنك ويتأسى بك غيرك ، فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت ، وعليك الوزر إن أسأت ، فأحسن عملك بين يديه ، فعساه يقتدي بك في الخشوع وتحسين العبادة ، وهو أيضا عين الرياء ومبطل للإخلاص ، فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه ، فلِمَ لم يرْتضِ لنفسه ذلك في الخلوة ، ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه " .
ومن الرياء الخفي : المبالغة في اتهام النفس بالرياء ، فيذم الإنسان نفسه من حيث يريد أن يمدحها ، ويرفع قدرها بين الناس وهو يبدو أنه يضعها.
ومن الرياء الخفي ما قصده ابن عطاء في قوله : " ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك ".
بمعنى أن الرياء كما يتسلل إلى عملك إذا عملته بحضرة الناس وهو الرياء الجلي ؛ فإنه قد يدخل عليك إذا عملته وحدك وهو الرياء الخفي ، وذلك بأن تقصد بعملك الصالح وعبادتك توقير الناس لك ومسارعتهم إلى قضاء حوائجك ، وأن تغضب على من قصَّر في حقك ، فمن شاهد من نفسه شيئا من هذا العلامات فليعلم أنه مرائي بعمله وإن أخفاه على سائر المخلوقات.
النجاة!!
والنجاة من هذا الفخ جزء منها نظري وجزء عملي ، فأما النظري فيقول عنه أبو حامد الغزالي :
" لا بد في رد الرياء من ثلاثة أمور : المعرفة والكراهة والإباء ، فلا فائدة إلا في اجتماع الثلاث ، فالإباء ثمرة الكراهة ، والكراهة ثمرة المعرفة ، وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونور العلم ، وضعف المعرفة بحسب الغفلة وحب الدنيا ونسيان الآخرة وقلة التفكر في آفات الدنيا وعظيم نعيم الآخرة ، ومن المعرفة معرفة آفات الرياء وآثاره المهلكة مما يثير كراهة له تقاوم شهوة النفس في إطلاع الناس على عملها ورغبتها في الرياء ؛ فيتصارع في العبد قوتان : الشهوة التي تدعوه إلى الرياء ، وقوة المعرفة التي تدعوه إلى الكراهة ومن ثم إلى الإباء ، والنفس تطاوع لا محالة أقوى القوتين وأغلبهما " .
وأما الجزء العملي من العلاج ، فيكمله أبو حامد قائلا :
" فلا دواء للرياء مثل الإخفاء ، وذلك يشق في بداية المجاهدة ، وإذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك ، وما يُمِدُّ به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد ، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية ، ومن العبد قرع الباب ومن الله فتح الباب ، والله لا يضيع أجر المحسنين ، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " .
وهو عكس الكمين السابق ، ذلك أن الأمر إذا زاد عن حدِّه انقلب ضده ، والشيطان لا يبالي بأي حيلة ظفر بك ؛ بإفراط أو تفريط ، فالساقط في هذا الفخ كمن هرب من عقرب وفزع إلى ثعبان ، وهو كمين خفي من كمائن الشيطان يدفع المريض إلى التوقف عن كثير من الطاعات خوفا من الرياء ، حتى يصاب المسكين بالوسوسة قائلا : هل أنا مخلص أم مرائي؟! أخاف أن لا يقبل الله لي عملا؟! وينتهي الأمر بعذابات نفسية وقلق واضطراب مع قعود عن كثير من صالح العمل ، وليس هذا من التقوى في شيء ، بل الأمر كما قال الفضيل بن عياض : " ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك ، والإِخلاص أن يعافيَك الله منهما " .
وعلى الرغم من الخوف من الرياء شعور محمود حيث المؤمن صاحب نفس لوامة حتى قال عبدة بن أبي لبابة الكوفي : " أقرب الناس من الرياء آمنهم منه " ، لكن الاعتدال مطلوب ، لأن الخوف إذا زاد عن حدِّه انقلب جزعا وهلعا ، والخوف سوط دافع الى العمل فإذا اقعد فلا اضر منه .
إن مقدِّمات أي ذنب هي الذنب نفسه ، وهل حرَّم الله إطلاق البصر إلا لأنه مقدمة الزنا؟! وهل حذَّر النبي من جليس السوء إلا لأنه مقدمة الحرام؟! وهل نُهينا عن قليل المسكر إلا لأنه مقدمة الكثير؟! من سار مع قافة الغافلين وصل إلى ديار الهالكين ؛ لأن آخر طريق اليمن يمن ، ومن رمى نفسه في الماء أصابه البلل ، ولن يستطيع الشيطان أن يمتطي ظهرك يوما دون أن تمد له يدا وتحني له ظهرا.
ولذا كانت قاعدة سد الذرائع من أهم وأثمن وأحكم القواعد الشرعية التي تمثِّل الوقاية الصارمة ضد هذه المكيدة ، وكانت من علامات عظمة هذه الشريعة ومن أمارات رحمة الله الواسعة. قال ابن القيِّم :
" فإذا حرّم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تُفضي إليه ، فإنه يُحرِّمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له ، ومنعا من أن يقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المُفضية إليه لكان ذلك نقصا للتحريم وإغراءً للنفوس به " .
وقال في موضع آخر :
" وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرَّمات ، فنهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله سبحانه وتعالى عدوا وكفرا ، وأمسك عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس : إن محمدا يقتل أصحابه ، وحرَّم القطرة من الخمر وإن لم تحصل بها مفسدة لكون قليلها ذريعة إلى شرب كثيرها ، وحرَّم الخلوة بالمرأة الأجنبية والسفر بها والنظر إليها لغير حاجة حسماً للمادة وسدا للذريعة ، ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور ، ومنعهن من التسبيح فى الصلاة لنائبة تنوب ؛ بل جعل لهن التصفيق ، ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها حتى كأنه ينظر إليها ، ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله ، ونهى عن تعلية القبور وتشريفها ، ونهى عن البناء عليها وتجصيصها والكتابة عليها والصلاة إليها وعندها وإيقاد المصابيح عليها ؛ كل ذلك سدا لذريعة اتخاذها أوثانًا ، ونهى الله سبحانه وتعالى النساء أن ﴿ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيْعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينتِهِنَّ ﴾ [ النور : 31 ] ، فلما كان الضرب بالرِّجل ذريعة إلى ظهور صوت الخلخال الذي هو ذريعة إلى ميل الرجال إليهن نهاهن عنه ، وأمر الله سبحانه الرجال والنساء بغض أبصارهم لما كان النظر ذريعة إلى الميل والمحبة التي هي ذريعة إلى مواقعة المحظور ، وحرَّم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم " .
وهذه المقدمة ليست مقدمة إلى استشراء المرض على النطاق الفردي فحسب ، بل على نطاق الأمة وعبر عهود من الزمن وأجيال من الأمم ، وقد تأمل أحد هذه القواعد الأستاذ محمد قطب حين قبس من حديث « ما أسكر قليله فكثيره حرام » قبسة عكس أشعتها علينا ، ثم قال كعالم اجتماع حاذق عاش دهورا من الزمن يرصد الانحراف وإن دق ويشخِّص الأعراض وإن خفيت :
" تبدأ الجريمة بسيطة خفيفة لطيفة .. اختلاط برئ تحت إشراف الآباء أو غيرهم من المشرفين .. ونزهات لطيفة أو نواد ظريفة ، ولا بأس من إتاحة شيء من الخلوة « البريئة » بين شاب وفتاة ، وما الذي يمكن أن يحدث في خلوة كهذه بريئة وعين الرقيب على بعد خطوات .. أو حجرات؟!
ابتسامة من هنا وكلمة إعجاب من هناك؟ وضمة خاطفة في غفلة من الرقيب؟ وقبلة طائرة تطفئ الغلة أو تشعل اللهيب؟
« يا سيدي » !
ثم يحدث ما يحدث في الخمر ..
الإدمان ..
الكأس الأولى تصبح بعد حين تافهة ضئيلة المفعول. لابد من كأس ثانية.
والقبلة الأولى تغري دائما بالمزيد ، لا يمكن أن تتوقف ، ليس ذلك من طبائع الأشياء.
ولكن الجيل الأول مع مع ذلك لا يسرف في الجريمة ، ولا يصل إلى الإدمان المجنون.
هنالك الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد ، ومعه العصا ينذر ويحذِّر ويهدد بعظائم الأمور ، وهنالك التقاليد التي تربط المجتمع ولا يسهل الخروج عليها دفعة واحدة ، ومن ثم لا تحدث الجريمة الكاملة في أول جيل ، وإنما « يتبحبح » الناس قليلا ويفكون القيود.
ويمضي المجتمع في طريقه منتشيا لا يحس بالخطر ، ولا خطر حتى الآن هناك.
ويظن المجتمع – نظريا – أنه قادر على ذلك إلى غير نهاية ، قادر على أن يفك القيود ومع ذلك لا يقع في الجريمة أو لا يصل إلى الإسراف المعيب ، وهو مخلص في عقيدته تلك الضالة لأنه يقيس على نفسه ويغفل حقيقة الأمور ، يغفل الضوابط الخفية التي أنشأها في أعماق نفسه الجيل السابق المتحفِّظ ، والتي لن يخلِّفها هو للجيل المقبل لأنه غير مؤمن بها ، يظنها تشددا بلا ضرورة ولا لزوم!
ينسى الرجل أنه قد رأى أمه متحفِّظة لا تختلط بالرجال ، ورآها مكتسية لا يتعرى من جسدها شيء ، ومن ثم تقاومه هذه الصورة على غير وعي منه وهو يدعو فتاة غريبة إلى الاختلاط به ، ويدعوها إلى تعرية نفسها أو جسدها ليستمتع به ، ثم تقاومه حتى وهو مندفع بالشهوة ، فلا يسرف ولا يتبجَّح بالإثم.
والفتاة التي رأت أمها محتشمة وزرعت في نفسها النفور من العري- النفسي والجسدي- تتحفَّظ كذلك- بوعي منها وبغير وعي- حتى وهي تُهِم بالانزلاق ، فلا تسرف ولا تتبجَّح بالإثم.
ثم يتراجع هذا الجيل ..
ويجيء جيل جديد تربية الأم التي ذاقت في شبابها « متعة » التحلل البسيط من القيود ، والأب كذلك.
الأم والأب اللذان ذاقا شيئا من المتعة ولم يسقطا السقوط الكامل –والأم خاصة- لن ينظرا إلى التقاليد « المتزمتة » بعين الاحترام.
علام التشدد؟! ألم ينفلتا هما من هذا التشدد ولم يحدث شيء؟ « فليتبحبح » الأولاد « قليلا » ولا ضير! ومن ثم ينشأ الجيل الجديد وقد ضعف الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد ، ولانت العصا فلم تترك أثرا في الضمير ، وتفككت التقاليد فلم تعد تمنع المحظور ، ويتراجع هذا الجيل.
ويأتي جيل يرى أمه قد تعرت من شيء من الثياب وشيء مماثل من الفضيلة (والجسم والنفس صنوان في هذه الأمور!) الولد الذي يرى أمه عارية لا تثور في نفسه نخوة الرجولة والحرص على الأعراض ، فقد زالت في نفسه حرمة الجسد ، وصار نهبا يباح للعيون ، وبعد ذلك لما هو أكثر من العيون ، والبنت التي ترى أمها عارية لا تؤمن بالقيد ، ويلتقي هؤلاء الأولاد والبنات ، يلتقون على شهوة الجسد الفائرة ، ويلتقون بلا ضابط ولا حدود ، وتتم الدورة المحتومة ، والهاوية في آخر الطريق " .
لذا كان لا بد من إقامة خط الدفاع ، وهو ما أرشدنا إليه قائدنا محمد :
« اجعلوا بينكم وبين الحرام سترا من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه » .
وكل من تجاوز هذا الستر وعبر هذه المقدِّمات فقد أعطى نسخة من مفتاح قلبه للشيطان ، ثم يشكو في النهاية دخول الشيطان عليه ووسووسته إليه!!
المباح عقبة بين العبد وبين الحرام ، فمن استكثر من المباح تطرَّق إلى المكروه ، ومن استكثر من المكروه تطرّق إلى الحرام ، ومن هنا حذَّر الصالحون من الإسراف في المباح. قال ابن القيم :
" وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه في شيء من المباح : هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة أو نحو هذا من الكلام ، فالعارف يترك كثيرا من المباح إبقاء على صيانته ، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام ، فإن بينهما برزخا " .
السرف في إطلاق البصر سيجره ولا بد إلى وقوعه على الحرام ، والسرف في الكلام سيجره ولا بد إلى زلات اللسان وآفات الكلام ، والسرف في الطعام يؤدي إلى السمنة وضخامة البدن وسيطرة الشهوات ، ومنها إلى التثاقل والكسل والتراخي ، إن لم يكن الانقطاع و القعود عن فضائل الأعمال ، ولعل ذلك هو السر في نهي الله وتحذيره من السرف : ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفيْنَ ﴾ [ الأعراف : 31 ] ، وهو ما وصل إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب :
" إياكم والبطنة في الطعام والشراب ؛ فإنها مفسدة للجسد ، مورثة للسقم ، مكسلة عن الصلاة ، وعليكم بالقصد فيهما ؛ فإنه أصلح للجسد ، وأبعد من السرف ، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين ، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه " .
وأنا أورد مزيلات القنوط وناسفات اليأس هذه حتى لا يدفعك تكرار السقوط يوما إلى ترك محاولة الاستشفاء وطلب الدواء ، فخذها مني عشر جرعات رجاء شافيات من تناولها انقشعت عنه سحب دخان القنوط المتصاعد من وسط ركام الذنوب ، لتهب على قلبه نسائم الرجاء الجميل ، فترجع القلوب بيضاء نقية لا يحجبها عن الله شيء.
إنها لغة الاستجداء ليس يُفهم غيرها في ساحة العفو ، لجأ إليها الحسن فقال في لهجة صادقة وعبارة صريحة حين وقف على قبر وكيع بن أبي الأسود ثم قال : " اللهم ارحم وكيعا فإن رحمتك لن تعجز عن وكيع " .
نفس اللهجة نطق بها لسان كاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حين تمثَّل عند الموت قول القائل :
هو الموت لا منجا من الموت والذي نحاذِر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال : اللهم فأقل العثرة ، وعاف من الزلة ، وجُد بحلمك على جهل من لم يرجُ غيرك ، ولم يثق إلا بك ، فإنك واسع المغفرة ليس لذي خطيئة مهرب إلا أنت ، فبلغ هذا القول سعيد بن المسيب رحمه الله فقال : " لقد رغب إلى من لا مرغوب إليه مثله ، وإني لأرجو ألا يعذِّبه " .
وهو درس هام نتعلمه هنا لنعمل به ؛ حيث لابد للرجاء من تدريب عليه في الدنيا حتى يصير عادة يسهل استجلابها عند الموت حين يكون حسن الظن ضرورة ولا ينفع وقتها الخوف ، وإذا لم تجرِّب الرجاء الآن وأنت في صحتك ورخائك فكيف عند موتك واحتضارك؟!
ويبشِّرك بالثالثة شعرا محمود الوراق فيقول :
حسن ظني بحسن عفوك يا ربُّ جميلٌ وأنت مالك أمري
صُنتُ سري عن القرابة والأهل جميعا وكنتَ موضع سري
ثقةً بالذي لديك من الستر فلا تُخزِني يوم نشري
يوم هتك الستور عن حجب الغيب فلا تهتكن للناس ستري
لقِّني حُجَّتي وإن لم تكن يا رب لي حجة ولا وجه عذر
ويأتيك بالرابعة دعاءً عمر بن ذر لما حجَّ اجتمع الناس إليه ؛ فقالوا : يا أبا ذر!! ادعُ بدعوة ، فقال :
" نعم .. اللهم ارحم قوما لم يزالوا مذ خلقتهم على مثل ما كانت عليه السحرة يوم رحمتهم " .
وبالخامسة تدبرا من كتاب الله عون بن عبد الله حين قال : " ما كان الله لينقذنا من شيء ثم يعيدنا فيه ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ ، وما كان الله ليجمع أهل قسمين في النار : ﴿ وَأَقْسَموْا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَموتُ ﴾ ، ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت " .
وبالسادسة حكمة من حكم ابن عطاء وهو يكتب بقلم الروحانية عباراته الحانية ليهز المشاعر القاسية :
" من استغرب أن يُنقِذه الله من شهوته ، وأن يُخرِجه من وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية ، وكان الله على كل شيء مقتدرا " .
وبالسابعة مواجهة لنفسك وتشخيصا لعيب من عيوبها الخفية على لسان ابن عطاء أيضا :
" من علامة الاعتماد على العمل : نقصان الرجاء عند وجود الزلل " .
والاعتماد على العمل الصالح معناه أن تصلي وتتصدق وتصوم عادة لا لذكر الله تعالى الذي شُرِعت لأجله هذه العبادات ، فلا حال لقلبك ولا حلاوة لروحك وأنت تطيع ربك ، ومن ثم فلا حلاوة لعبادة ، وهو ما سماه البعض عبادة العبادة ، والتخلص من الاعتماد على العمل يكون بتجريب مقياس دقيق من صنع ابن عطاء ، ليسلط الأضواء الكاشفة على حالنا مع الله،
وبالثامنة بكاء ممتزجا بحرقة الحسن بن الحسن بن علي ، فقد روى الأصمعي : دخلتُ في الطواف عند السحر ؛ فإذا أنا بغلام شاب حسن الوجه حسن القامة عليه شملة وله ذؤابتان وهو متعلق بأستار الكعبة يقول :
ألا أيها المأمول في كل ساعة شكوتُ إليك الضر فارحم شكايتي
ألا يا رجائي أنت كاشف كربتي وهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي
فزادي قليل ما أراه مُبلِّغي أللزاد أبكي أم لبعد مسافتي
أتيت بأعمال قباح ردية فما في الورى خلقُ جنى كجنايتي
أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي ثم أين مخافتي
قال : فتقدمتُ إليه وكشفتُ عن وجهه ؛ فإذا به الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، فقلت : يا سيدي مثلك من يقول هذه المقالة وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة. قال : " هيهات يا أصمعي .. إن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدا حبشيا ، وخلق النار لمن عصاه وإن كان ولدا قرشيا. أما سمعت قول الله عز وجل : ﴿ فِإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ﴾ [ المؤمنون : 102 ] " .
وبالتاسعة طمعا لذيذا ورغبة جارفة من يحيى بن معاذ وهو يقول : " إن قال لي يوم القيامة : عبدي ما غرَّك بي؟ قلت : إلهي برّك بي " .
وبالعاشرة رؤيا منام رآها أبو العباس بن سريج رحمه الله حيث رأى خلال مرض موته في منامه كأن القيامة قد قامت ، وإذا الجبار سبحانه يقول : أين العلماء؟ قال : فجاءوا ، ثم قال : ماذا عملتم فيما علمتم؟ قال : فقلنا يا رب قصَّرنا وأسأنا. قال : فأعاد السؤال كأنه لم يرض بالجواب وأراد جوابا غيره ، فقلت : أما أنا فليس في صحيفتي الشرك ، وقد وعدت أن تغفر ما دونه ، فقال : اذهبوا به فقد غفرت لكم ، ومات بعد ذلك بثلاث ليال!! .
فاللهم ارزقنا قبل موتنا بشارة كهذه ، وأعطنا قبل رحيلنا إشارة على فوزنا ونجاحنا ، حتى نتهيأ لرقدة القبور والسرور ملء قلوبنا ، وأزيدكم كرما فوق العشرة بشارتين رائعتين تنعشان القلب الحزين وتجلوان عن مرآته صدأ اليأس المريع :
البشارة الأولى للكريم صاحب العطايا الربانية ابن عطاء يقول فيها : " لا صغيرة إذا قابلك عدله ، ولا كبيرة إذا واجهك فضله ".
وموضع البشارة هنا أنه لا كبيرة لك إذا واجهك فضله ، والفضل هو إعطاء الشيء بغير عوض ، فإن صفة الفضل إذا ظهرت لمن أحبه الله اضمحلَّت سيئاته وبُدِّلت حسنات ، فاللهم اجعلنا ممن تحبهم وترضى عنهم.
والبشارة الثانية لعلم الزهد يحيى بن معاذ الذي ذاق طعم الرجاء ووجد أثره بعد سيئاته أكثر مما وجده بعد طاعاته ، وأبان سبب ذلك في بعض مناجاته :
" يكاد رجائي لك من الذنوب يغلب رجائي إليك مع الأعمال ؛ لأني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أُحرِزُها وأنا بالآفة معروف؟! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟! " .
واسمعوا معشر اليائسين مسك الختام وأصل الكلام متمثِّلا في البشارة القرآنية لتطرب آذانكم وتهدأ قلوبكم : ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [ الحديد : 17 ]
فكما يحيي الله هذه الأرض الميتة بعد هلاكها كذلك يهدي الإنسان الضال عن الحق إلى الحق ، فيوفِّقه ويُسدِّده للإيمان حتى يرجع مؤمنا من بعد كفره ، ومهتديا من بعد ضلاله.
فقد يدفع الشيطان العبد إلى طاعة مفضولة قاصدا أن يفوِّت عليه طاعة أفضل منها ، والأحاديث التي تحذِّر من ذلك كثيرة ، فعن أفضلية الجهاد روى أبو هريرة : أن رجلا من أصحاب رسول الله مرَّ بشِعْب فيه عيينة ماء عذب ، فأعجبه طيبه ، فقال : لو أقمت في هذا الشعب فاعتزلت الناس ، ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله ، فذكر ذلك للنبي فقال : « لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاة ستين عاما خاليا ؛ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله ؛ من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة » .
وقد روى عبد الله بن عمرو قال : جاء رجل إلى رسول الله فاستأذنه في الجهاد فقال : « أحي والداك؟ » قال : نعم قال : « ففيهما فجاهد ». متفق عليه ، وفي رواية : « فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما » ، ولذا ما كان الحسن البصري مبالغا ولا مغاليا حين قال رحمه الله لرجل : تعشَّ العشاء مع أمك تقرُّ به عينُها أحبُّ إليَّ من حجة تطوُّعا.
وقد سئل الفضيل بن عياض عمن يترك الطيبات من اللحم والخبيص للزهد ، فقال : " ما للزهد وأكل الخبيص!! ليتك تأكل وتتقي الله ، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام ، انظر كيف برك بوالديك ، وصلتك للرحم ، وكيف عطفك على الجار ، وكيف رحمتك للمسلمين ، وكيف كظمك للغيظ ، وكيف عفوك عمن ظلمك ، وكيف إحسانك إلى من أساء إليك ، وكيف صبرك واحتمالك للأذى ، أنت إلى أحكام هذا أحوج من ترك الخبيص " .
وقد أشار إلى أفضلية كسب الحلال وأولوية إطابة المطعم إذا تعارض مع القيام والصيام إبراهيم بن أدهم فقال : " أطب مطعمك ، ولا عليك أن لا تقوم بالليل وتصوم بالنهار " .
وقد رصد ابن عطاء كل هذا في حكمة من حكمه الغالية التي جاء فيها :
" من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات " .
قال ابن القيم :
" ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكد عند من يلقيه إليه كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها ، فقالوا : وسوس وسوسة ؛ فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه ، ونظير هذا ما تقدم من متابعتهم حركة اللفظ بإزاء متابعة حركة معناه كالدوران والغليان والنزوان وبابه ، ونظير ذلك زلزل ودكدك وقلقل وكبكب الشيء ؛ لأن الزلزلة حركة متكررة وكذلك الدكدكة والقلقلة ، وكذلك كبكب الشيء إذا كبه في مكان بعيد ، فهو يكب فيه كبا بعد كب كقوله تعالى : ﴿ فَكُبْكِبُوا فيْهَا هُمْ وَالغاووْنَ ﴾ [ الشعراء : 94 ] ، ومثله رضرضه إذا كرر رضه مرة بعد مرة ، ومثله : ذرذره إذا ذره شيئا بعد شيء ، ومثله : صرصر الباب إذا تكرر صريره ، ومثله : مطمط الكلام إذا مطه شيئا بعد شيء ، ومثله : كفكف الشيء إذا كرر كفَّه وهو كثير " .
والوسواس يتضاعف أثره عند مرض القلب ، ويقل بل قد ينعدم عند أحياء القلوب ، ولذا لما سئل يحيى بن معاذ عن الوسوسة قال : " إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا ، وإن كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا " .
فالدنيا للمؤمن سجن يحبس نفسه فيه عن كثير من الحرام والشبهات ، لذا تنحبس وساوسه تحت قبضته ، ولا يسمح لها أن تنال منه وذلك بفضل قوة إيمانه وطُهر قلبه ، أما الكافر والمنافق فالدنيا روضتهما يرتعان فيها ، ولذا تكثر وساوسهما وتؤذيهما حتى الهلاك.
قال ابن القيِّم :
" واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر ، فيأخذها الفكر فيؤديها الى التذكر ، فيأخذها الذكر فيؤديها الى الارادة ، فتأخذها الارادة فتؤديها الى الجوارح والعمل ، فتستحكم فتصير عادة ، فردُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها " .
وحين يتعوَّد شيطانك على الطرد مرة بعد مرة ، وإغلاق الباب في وجهه طويلا ييأس حتى قيل إن بعض المريدين سأل بعض المشايخ فقال : أيها الشيخ .. بأي شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة؟! فقال الشيخ : " إني لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه!! نحن قوم صرفنا همَمَنا إلى الله فكفانا ما دونه!! " .
عمل المرائين قشر لا لب فيه ، واللب وحده هو الذي يثقل كفة الميزان في ساحة الحشر لا القشر ، وإن كان حظ النفس في المعصية ظاهرا جليا ؛ فإن حظها في الطاعة باطن خفي ، ومداواة ما خفي من الأمراض أصعب.
المرائي يزوِّر توقيع العابدين المخلصين ليقبض في الدنيا الثمن : الشهرة وعلو المكانة ، ولن يجني في الآخرة غير العذاب ومرير المهانة.
ثوب الرياء يشفُّ عما تحته فإذا اشتملت به فإنك عاري
وهو عيب يقدح أول ما يقدح في صدق العبودية لله كما قال ابن عطاء :
" استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ".
وليس أشد غيرة من الله لذا يعاقب من خدش حمى العبودية بأن يتعثَّر ويسقط في منتصف الطريق. قال ابن الجوزي : " وإنما يتعثر من لم يخلص " .
وهو ما كان يتعلَّمه الصالحون حتى صاروا أساتذة فيه كما قال يوسف بن أسباط : " تعلّموا صحة العمل من سقمه ، فإني تعلَّمته في اثنين وعشرين سنة " .
واسمعوا العجب العجاب من الإمام مالك الذي قال : "جلستُ الى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة ، وكنت قد اتخذت في الشتاء سراويل محشوا ، كنا نجلس معه في الصحن في الشتاء ، فاستحلفني أن لا أذكر اسمه في الحديث!! " .
وهذا شيخ الإسلام طلحة بن مصرف رحمه الله اشتهر بالقراءة حتى سُمِّي سيد القراء ، فلما علم إجماع أهل الكوفة على أنه أقرأ من فيها ، ذهب ليقرأ على الأعمش ليسلخ هذا الاسم عنه ، و لتنزل رتبته في أعين الناس ، و يأبى الله إلا أن يرفع ذكره في العالمين!!
و هذا إمام أهل السنة يقول ابن القيم رحمه الله : " وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علما وحديثا وسنة حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة ، وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب ، وكان يحب تجريد الحديث ، ويكره أن يُكتب كلامه ، ويشتد عليه جدا ، فعلم الله حسن نيته وقصده ، فكُتِب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا ، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها ، فلم يفتنا منها إلا القليل ، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير ، فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر " .
وكما في أرض الحجاز كان هناك عبد آخر في أقصى الغرب يتحدَّث نفس اللغة الإيمانية وينبض نفس النبض وهو أبو عبد الله محمد بن عتاب القرطبي ، وكان قد خلّف صندوقا مقفلا قد أوصى ألا يُفتح إلا بعد موته ، فلما مات فُتِح ، فإذا فيه أربعة كتب من أربعة رؤساء : ابن عباد وابن الأفطس وابن صمادح وابن هود ، كل منهم يدعوه إلى نفسه وتقلّد القضاء ببلده ، وقد كُتب على كل كتاب منها : تركتُ هذا لله!!
وقاهر آخر للشيطان هو الإمام الشافعي حيث قال الربيع بن سليمان عنه : " دخلتُ على الشافعي وهو عليل ، فسأل عن أصحابنا وقال : يا بني .. لوددت أن الخلق كلهم تعلموا -يريد كتبه- ولا يُنسب إليَّ منه شيء " .
واسمعوا خبر من يفرح إذا لم يُفسح له في مجلس ، ويُسرُّ إذا لم يبجَّل ويُعطى مكانته اللائقة؟! وهو ما حدث مع عبد الله بن المبارك يوما حين أتى سقاية والناس يشربون منها ، فدنا منها ليشرب ، ولم يعرفه الناس فزاحموه ودفعوه ، فلما خرج قال : " ما العيش إلا هكذا يعني حيث لم نعرف ولم نوقَّر " .
والرياء شبكة يحاول الشيطان أن يلقيها على كل من اقترب من ساحة الشهرة ، لذا قال الفضيل :
" لا يترك الشيطان الإنسان حتى يحتال له بكل وجه ، فيستخرج منه ما يخبر به من عمله ، لعله يكون كثير الطواف فيقول : ما كان أحلى الطواف الليلة ، أو يكون صائما فيقول : ما أثقل السحور أو ما أشد العطش ، فإن استطعت أن لا تكون محدِّثا ولا متكلِّما ولا قارئا ، إن كنت بليغا قالوا : ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته ، فيعجبك ذلك فتنتفخ ، وإن لم تكن بليغا ولا حسن الصوت قالوا : ليس يحسن يُحدِّث وليس صوته بحسن ؛ أحزنك وشقَّ عليك فتكون مرائيا ، وإذا جلست فتكلمت ولم تبال من ذمَّك ومن مدحك فتكلم " .
ما أخفى رياء هؤلاء
ومن الرياء الخفي : تشوُّفك إلى إبراز عبادتك لغيرك ، " فإذا دُعي إلى طعام قال : اليوم الخميس ولو قال أنا صائم كانت محنة ، وإنما قوله اليوم الخميس معناه أني أصوم كل خميس ، وفي هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائما وهم مفطرون ، ومنهم من يُلازم الصوم ولا يبالي على ماذا أفطر ، ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة ، وقد خَيَّل له إبليس أن صومه يدفع إثمه ، وكل هذا من التلبيس " .
ومن الرياء الخفي : تحسين الدعاة عملهم أمام الناس بقصد أن يقتدي بهم الخلق ، " فيأتيه الشيطان في معرض الخير ويقول : أنت متبوع ومُقتدى بك ومنظور إليك وما تفعله يؤثر عنك ويتأسى بك غيرك ، فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت ، وعليك الوزر إن أسأت ، فأحسن عملك بين يديه ، فعساه يقتدي بك في الخشوع وتحسين العبادة ، وهو أيضا عين الرياء ومبطل للإخلاص ، فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه ، فلِمَ لم يرْتضِ لنفسه ذلك في الخلوة ، ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه " .
ومن الرياء الخفي : المبالغة في اتهام النفس بالرياء ، فيذم الإنسان نفسه من حيث يريد أن يمدحها ، ويرفع قدرها بين الناس وهو يبدو أنه يضعها.
ومن الرياء الخفي ما قصده ابن عطاء في قوله : " ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك ".
بمعنى أن الرياء كما يتسلل إلى عملك إذا عملته بحضرة الناس وهو الرياء الجلي ؛ فإنه قد يدخل عليك إذا عملته وحدك وهو الرياء الخفي ، وذلك بأن تقصد بعملك الصالح وعبادتك توقير الناس لك ومسارعتهم إلى قضاء حوائجك ، وأن تغضب على من قصَّر في حقك ، فمن شاهد من نفسه شيئا من هذا العلامات فليعلم أنه مرائي بعمله وإن أخفاه على سائر المخلوقات.
النجاة!!
والنجاة من هذا الفخ جزء منها نظري وجزء عملي ، فأما النظري فيقول عنه أبو حامد الغزالي :
" لا بد في رد الرياء من ثلاثة أمور : المعرفة والكراهة والإباء ، فلا فائدة إلا في اجتماع الثلاث ، فالإباء ثمرة الكراهة ، والكراهة ثمرة المعرفة ، وقوة المعرفة بحسب قوة الإيمان ونور العلم ، وضعف المعرفة بحسب الغفلة وحب الدنيا ونسيان الآخرة وقلة التفكر في آفات الدنيا وعظيم نعيم الآخرة ، ومن المعرفة معرفة آفات الرياء وآثاره المهلكة مما يثير كراهة له تقاوم شهوة النفس في إطلاع الناس على عملها ورغبتها في الرياء ؛ فيتصارع في العبد قوتان : الشهوة التي تدعوه إلى الرياء ، وقوة المعرفة التي تدعوه إلى الكراهة ومن ثم إلى الإباء ، والنفس تطاوع لا محالة أقوى القوتين وأغلبهما " .
وأما الجزء العملي من العلاج ، فيكمله أبو حامد قائلا :
" فلا دواء للرياء مثل الإخفاء ، وذلك يشق في بداية المجاهدة ، وإذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك ، وما يُمِدُّ به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد ، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية ، ومن العبد قرع الباب ومن الله فتح الباب ، والله لا يضيع أجر المحسنين ، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " .
وهو عكس الكمين السابق ، ذلك أن الأمر إذا زاد عن حدِّه انقلب ضده ، والشيطان لا يبالي بأي حيلة ظفر بك ؛ بإفراط أو تفريط ، فالساقط في هذا الفخ كمن هرب من عقرب وفزع إلى ثعبان ، وهو كمين خفي من كمائن الشيطان يدفع المريض إلى التوقف عن كثير من الطاعات خوفا من الرياء ، حتى يصاب المسكين بالوسوسة قائلا : هل أنا مخلص أم مرائي؟! أخاف أن لا يقبل الله لي عملا؟! وينتهي الأمر بعذابات نفسية وقلق واضطراب مع قعود عن كثير من صالح العمل ، وليس هذا من التقوى في شيء ، بل الأمر كما قال الفضيل بن عياض : " ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك ، والإِخلاص أن يعافيَك الله منهما " .
وعلى الرغم من الخوف من الرياء شعور محمود حيث المؤمن صاحب نفس لوامة حتى قال عبدة بن أبي لبابة الكوفي : " أقرب الناس من الرياء آمنهم منه " ، لكن الاعتدال مطلوب ، لأن الخوف إذا زاد عن حدِّه انقلب جزعا وهلعا ، والخوف سوط دافع الى العمل فإذا اقعد فلا اضر منه .