ام الرجال
09-28-2010, 09:54 AM
الباب الخامس : حراسة الأبواب الستة
على عتبة هذا الباب : الوقاية خير من العلاج
يقول ابن القيم وهو يشير إلى أهمية الوقاية في مدارج السالكين :
" فمتى خلصت الأبدان من الحرام وأدناس البشرية التي ينهى عنها العقل والدين والمروءة ، وطهرت الأنفس من علائق الدنيا ، زكت أرض الخلق فقبلت بذر العلوم والمعارف " .
لابد إذن من حملة تعقيم أولي وتطهير قلبي مبدئي ، وقطع أنابيب التغذية الشيطانية قبل توصيل أنابيب التغذية الإيمانية ؛ حتى إذا ما بدأنا مرحلة العلاج كان القلب نقيا مستعدا لتلقي كل خير ، ووافق الدواء موضع الشفاء بإذن الله ، ولا بد من انتفاء موانع الانتفاع بالخير ليُحدِث الخير أثره في القلب.
قال ابن الجوزي :
" اعلم أن الجوارح كالسواقي توصل إلى القلب الصافي والكدر ، فمن كفَّها عن الشر جلت معدة القلب بما فيها من الأخلاط ، فأذابتها وكفى بذلك حمية ، فإذا جاء الدواء صادف محلا قابلا ، ومن أطلقها في الذنوب أوصلت إلى القلب وسخ الخطايا وظلم المعاصي ، فلما وُضِع الدواء كان بينه وبين القلب حجاب " .
وتأثير الذنوب تأثير تراكمي مثل تأثير السموم في جسم الانسان ، إذ لم يصب الانسان بالسرطان إلا بعد تعرضه بالتراكم لكميات المواد الضارة التي تتراكم مع الزمن ولا تظهر أعراضها المدمرة إلا بعد مدة قد تصل لسنوات طويلة ، لذا أوصى المقدسي كل المرضى قائلا : " فالذي علينا : تفريغ المحل ، والانتظار لنزول الرحمة ؛ كالذي يُصلح الأرض وينقيها من الحشيش ، ويضع فيها البذر ، وكل ذلك لا ينفع إلا بمطر ، ولا يدري متى يُقدِّر الله أسباب المطر ، إلا أنه يثق بفضل الله تعالى أنه لا يخلِّي سنة من مطر ، وكذلك قلما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات ، فينبغي أن يكون العبد قد طهَّر القلب من حشيش الشهوات ، وبذر الإرادة والإخلاص ، وعرَّضه لمهاب ريح الرحمة ، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع عند ظهور الغيم ؛ كذلك انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة ، وعند اجتماع الهم ونشاط القلوب كيوم عرفة ويوم الجمعة وفي رمضان " .
وهو ما دفع كذلك ابن القيم أن يورد فائدة من فوائده بعنوان : قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده ، فاللسان إذا اشتغل بالكلام الذي لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفع إلا إذا فرَّغ لسانه من النطق بالباطل ، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكنها الشغل بالطاعة ، فالعين لا يمكن أن تنظر إلى القرآن وجمال الكون تفكرا وتأملا إلا إذا امتنعت عن النظر المحرَّم ، والقدم لا يمكنها أن تمشي إلى مكانين في آن واحد ، ولابد لها لكي تمشي إلى المسجد أن تنصرف عن الملهى ، واليد التي يستعملها صاحبها في الشر لن تجد للخير وقتا ، والأذن الممتلئة بالغناء تأنف من سماع الذكر ، والخلاصة أن لا حركة للجوارح في خدمة الله إلا إذا فرَّغها صاحبها من خدمة غير الله.
نزِّه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه
والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حَلَّ ذا الطلسم فاز بكنزه
يا أهل الرباط!!
قال بعض الحكماء : " مثل القلب مثل بيت له ستة أبواب ، ثم قيل لك : احذر أن يدخل عليك من أحد الأبواب شيء ، فيفسد عليك البيت ، فالقلب هو البيت ، والأبواب : اللسان ، والبصر ، والسمع ، والشم ، واليدان ، والرجلان ، فمتى انفتح باب من هذه الأبواب بغير علم ضاع البيت! " .
ولذا كان من حرس قلبه من أعظم الخلق وأزكاهم ، وكان عمله هذا نوعا من أنواع المرابطة في رأي ابن القيِّم الذي عرَّف المرابطة بقوله :
" وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو ولزوم ثغر العين والاذن واللسان والبطن واليد والرجل ، فهذه الثغور يدخل منه العدو ، فيجوس خلال الديار ، ويفسد ما قُدِّر عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ، ولا يخلي مكانها ، فيصادف العدو والثغر خاليا ، فيدخل منها " .
أخي .. قد أقبل عليك الشيطان بخيله ورجله ، فوجد قلبك متربِّعا على عرش الجسد ، وأمره نافذ في جميع جنده ، قد تحصن بهم يدافعون عنه ويحمون حماه ، فلم يتمكنوا من الهجوم عليه إلا بخيانة بعض جنده ، فإن ملكوا ثغر العين أوالأذن أو اللسان أو اليد أوالرجل رابطوا عليه ، ومنعوا الخير من الدخول ، وأغروا كل قبيح بالاقتحام ، لتمسي قلوب العباد بين قتيل وأسير وجريح.
وهذه المرابطة حكمها الشرعي أنها فرض عين على كل مسلم ؛ كما أوضح ذلك أبو حامد الغزالي فقال :
" فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبة ، وهو فرض عين على كل عبد مُكلَّف ، وما لا يُتوصَّل إلى الواجب إلا به فهو أيضا واجب ، ولا يُتوصَّل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله ، فصارت معرفة مداخله واجبة " .
الشيطان أخطر سارق
قال أبو حازم سلمة بن دينار [ ت : 135 ] : " قد رضيت من أحدكم أن يُبقي على دينه كما يبقي على نعليه " .
وهي كلمة قاسية ، ولعله يعني بها أن أحدنا إذا دخل المسجد ومعه حذاؤه ؛ خاف عليه اللصوص ، فوضعه أمامه مخافة أن يُسرق ، حتى لا يخرج من المسجد حافي القدمين ، فإن حدث ونسي ووضع حذاءه وراء ظهره تشتت ذهنه في صلاته ، وضاع خشوعه من أجل حذاء! وكان أول ما يفعل بعد التسليم : أن يلتفت بسرعة إلى مكان الحذاء يطمئن عليه!! وإن حدث وسُرِق حذاؤه وكان غالي الثمن ؛ ظل حزينا مكروبا أياما عدة حزنا لعل لم يحزن مثله قط لضياع صلاة أو أكل حرام!!
والشيطان سارق الإيمان ، فكيف لا يخاف الإنسان على إيمانه؟! وكيف لا يحذر أعدى أعدائه؟! وقد يترك إيمانه وراء ظهره ؛ يسرق منه الشيطان ما يريد ، وينهب منه كلما شاء ، فيا أخي .. إيمانك أم حذاؤك؟! دينك أم نعلك؟! آخرتك أم أحقر ما في دنياك؟!
ثم إنك لو ورثت مالا كثيرا أو كنزا ثمينا ، وأودعته بيتك ؛ فهل تنسى باب بيتك مفتوحا؟!أم تجعل عليه الأقفال الشداد؟! فهذا كنز إيمانك عبثت به أيدي الغفلة والبطالة وأتباع الشياطين وأنت لم تضع عليه أي قفل؟! أليس أولى بالحراسة وأجدر بالحماية؟!
علم الخير يرفرف
ومع هذا نقول : إن محاولات الشيطان الدائمة للسطو على قلبك واقتحام قلعته هي شهادة لك لا عليك ، واعتراف عملي بامتلاء قلبك بالخير واحتوائه على كل غال أغرى الشيطان بالهجوم عليه.
قال رجل للعلاء بن زياد [ ت : 194 ] : إذا صليت وحدي لم أعقل صلاتي. قال : " أبشر!! فإن هذا علم الخير ، أما رأيت اللصوص إذا مروا بالبيت الخرب لم يلووا عليه ، وإذا مروا بالبيت الذي رأوا فيه المتاع زاولوه حتى يصيبوا منه شيئا " .
والآن مع أول هذه الأبواب وأهمها :
الباب الأول : اللسان
أسهل باب يتسلل منه الشيطان إلى القلب ، بل هو أكثر باب يرتاده الشيطان ويمر خلاله كل يوم ، وذلك لأنه أكثر الأعضاء عملا وأسهلها شغلا وأقلها تعبا عندما يعمل ، فمن غفل عن حراسة لسانه تسلل الشيطان منه إلى قلبه وسيطر على كيانه ، وبعدها ساقه إلى شفا جرف هار.
قال : « أكثر خطايا ابن آدم في لسانه » ، لذا وجب حراسة هذا الثغر من أخطائه وزلاته كمَّا وكيفا.
فاللسان إذن بوابة دخول ؛ يدخل إلى القلب عبر اللسان ما يُطهِّره أو ما يدنِّسه ، لذا قال : « لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، .. » .
ومعنى الحديث : مهما داوم القلب على القربات وتعرَّض لشتى أنواع الأدوية والعلاجات ، فلن يطهر أبدا حتى يزيل ما علق بلسانه من أوساخ ، وإلا كانت الجوارح تبني واللسان يهدم ، لذا تتوسل الأعضاء كل صباح إلى القلب حتى لا يضيع مجهودها سدى وتعبها في سبيل الحق هباء منثورا ، وحتى لا تؤاخذ بجريرة غيرها. قال : « إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكفِّر اللسان ، فتقول : اتق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا » .
ومعنى تكفِّر أي تتذلل وتتواضع له من التكفير ؛ وهو أن ينحني الانسان ويطأطيء رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم أحد ، والمعنى أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان ، لأن اللسان أشد الأعضاء جموحا وطغيانا وأكثرها فسادا وعدوانا ، ويؤكد هذا المعنى قول الزاهد البصري أبو يحيى مالك بن دينار [ ت : 123 ] : " إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك ؛ فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك " .
اختبار القلب
واللسان بوابة خروج كذلك ، فيخرج من القلب عبر اللسان ما هو ساكن في القلب ومُحْتَبَس فيه ، وما اللسان إلا مغرفة ينقل ما في القلب إلى الخلق ، وما أجمل قول يحيى بن معاذ [ ت : 135 ] :
" القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها ومغارفها ألسنتها ، فانتظر الرجل حتى يتكلم ، فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج ؛ يُخبرك عن طعم قلبه : اغتراف لسانه " .
بوابة الدخول والخروج هي التسمية التي أطلقها يحيى بن معاذ الرازي على اللسان حيث قال : " القلب باب السكينة ، واللسان باب القلب ، فإذا ضاع الباب ؛ دخل من أراد وخرج من أراد " .
وكأن وجهه يُطِل عليك عبر القرون ومن وراء السطور ، ليهتك أستار خلوتك ويقول لك : حاسب نفسك وأحصِ قولك وراقب كل كلمة تخرج من فؤادك قبل لسانك لتتعرف على هويتك!! لذا وصف عز وجل المنافقين بقوله : ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [ محمد : 30 ].
فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من أي علامة مرئية ، فمهما حاولوا التستر والاختباء والهروب من المواجهة والكيد في خفاء فلسانهم أول فاضح وأوضح الملامح ، لامتلاء قلوبهم بالدنس الذي سرى إلى ألسنتهم ، ولذا قال ابن عطاء :
" كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ".
من هنا كان اختبار القلب أولى خطوات العلاج وعلى قمة أولويات خطة الاستشفاء ، وتكشف نتيجة الاختبار إما عن قلب يمثل خزانة الخير العامرة أو هو مستودع الشر العاتي :
1. خزانة الخير العامرة
وانظروا إلى يوسف وروعة طهارة قلب نبي ، وكيف انعكس ذلك على لسانه وحلاوة نطقه وعذوبة كلامه ، فقد رمته امرأة العزيز في عرضه زورا وبهتانا ، واتهم بأشنع تهمة تنال من سمعة المرء وتستهدف شرفه ، لكن اسمعوا أطهر قلب وهو يرد على أكذب ادعاء بأسمى رد وأوجز بيان ؛ ليس بعريضة دفاع مطولة بل بأربع كلمات فحسب لا غير : ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ [ يوسف : 26 ] ، وكان الاختصار والإيجاز هنا لأن الأمر متعلق بشخصه ، أما حين تعلق الأمر بربه لما دخل السجن وخاض غمار الدعوة إلى الله ؛ انطلق لسانه في طلاقة وإسهاب داعيا صاحبيه في السجن :
﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ يوسف : 37-40 ].
ومرة ثالثة يعلِّمنا أطهر قلب كيف يعف اللسان ويسمو عاليا فوق السحاب ، فبعد أن رماه إخوته في البئر وحاولوا قتله في وحشية نادرة ، ما جرحهم بلسانه وما آذاهم بلفظ ؛ بل ألقى بالتهمة على الشيطان لائما حين قال :
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [ يوسف : 100 ].
والمراد أن طهارة القلب تجعله يرسل إلى اللسان أجمل الكلم وأطيب الجمل ، فيطهر اللسان بعد القلب ليكون صاحبهما أفضل الناس بشهادة النبي : « أفضل الناس كل مخموم القلب صدوق اللسان » .
فلابد لبلوغ الأفضلية إذن وإدراك المثالية من طهارة اللسان علامة على طهارة القلب ، ويشهد لهذا دعاء النبي لعلي ، فعن علي بن أبي طالب [ ت : 40 ] قال : " بعثني رسول الله إلى اليمن فقلت : يا رسول الله .. تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء!! قال : فضرب بيده في صدري ، ثم قال : " اللهم اهد قلبه وثبِّت لسانه ». قال : فما شككت بعد في قضاء بين اثنين " .
فانظر كيف لم يكتف النبي بالدعاء له بهداية القلب حتى ذكر اللسان ، وبيَّن أن ثبات اللسان هو قرين هداية القلب أو نتاجها ، وظلت هذه الدعوات مباركات وبقي أثرها مع علي حتى قال في من قاتلوه ورموه بالكفر من الخوارج : إخواننا بغوا علينا!!
2. مستودع شر العاتي :
وقد يكون القلب مستودع الشر فلا يخرج من القلب عبر اللسان إلا ما يغضب الرب ويصرف الملك ويجلب الأبالسة ، وقد سبق وأن حذَّرنا النبي من قلب كهذا فقال : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه ، خيرٌ من أن يمتلئ شعرا » .
وتأمَّل : فالذي يمتلئ هو الجوف أي القلب ، وما اللسان إلا رسول مغلوب على أمره ينقل ما يأمره به القلب ويحمل ما يُكلَّف به ، أفيُلام الرسول ولا يُلام المُرسل؟ أو يعاقب الجندي والمسئولية في عنق القائد؟!
ومناسبة مبالغة النبي في ذم الشعر أن الذين خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه والاشتغال به ، فزجرهم عنه ليقبلوا على القرآن وعلى ذكر الله ، ومن بين هؤلاء نابغة بني شيبان الذي كان إذا أنشد الشعر قبض على لسانه ، ثم قال : " لأسلِطنَّ عليك اليوم ما يسوؤك : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ، ولكم في ذلك ومضة اقتداء يا عشاق الغناء.
وأنت يا أخي تستطيع في ضوء ما سبق أن تقيِّم حالة قلبك الآن ، وأن تحكم عليه وعلى محتواه حياة أو موتا ، وصلاحا أو فسادا ، وخيرا أو شرا ، وقربا أو بعدا وكل هذا عن طريق لفظات لسانك ، وإذا كان قلبك ليس على ما يرام أو كان من النوع الثاني أي مستودع الشر ، فليس لك خلاص ولا عندك مهرب إلا إذا فهمت العبارة التالية ووضعتها موضع التنفيذ :
الحراسة النوعية في ظل التهديد المرعب من الكلمة القاتلة أو السكوت المهلك بالتوازي مع طهارة القلب بكلمة.
الحراسة النوعية في ظل التهديد المرعب من الكلمة القاتلة أو السكوت المهلك بالتوازي مع طهارة القلب بكلمة.
الحراسة النوعية في ظل التهديد المرعب من الكلمة القاتلة أو السكوت المهلك بالتوازي مع طهارة القلب بكلمة.
وتكرار العبارة السابقة مقصود ، لكي تُكررها نطقا فتحفظها فهما وعملا ، حتى تكبير خطها المتدرِّج متعمد ، لأنك كلما قرأتها مرة من بعد مرة زاد فهمك لها ومن بعدها امتثالك وعملك بها ، وإليك شرح مفرداتها بالتفصيل :
الحراسة النوعية
واجب هو حراسة ثغر اللسان من فداحة أخطائه أي من زلاته كيفا ، فللسان خطورة تؤدي بصاحبه إلى الهلاك من جراء كلمة واحدة دون أن يشعر!! نعم كلمة واحدة ، فرُبَّ حتوف في حروف ، وكم من إنسان أهلكه لسان ، وكم من كلمة صرخت في وجه صاحبها : لا تقُلني ، وفي الحديث : « إن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان. قال الله : من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك » ، وفي رواية تفصيلية لنفس الحديث على لسان أبي هريرة قال :
سمعتُ رسول الله يقول : « كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ، فكان أحدهما يذنب ، والآخر مجتهد في العبادة ، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب ، فيقول : أقصر ، فوجده يوما على ذنب ، فقال له : أقصر ، قال : خلِّني وربي ، أبُعثت علي رقيبا؟ قال : والله لا يغفر الله لك ، أو لا يدخلك الله الجنة ، فقبض الله أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالما؟ أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار ». قال أبو هريرة : " والذي نفسي بيده ، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته " .
والحديث كما ترى يجمع الترغيب والترهيب في سلة واحدة ، فالترغيب يشع من بين ثنايا أن الله غفر للآثم وأحبط عمل من استبعد على رحمة الله أن تسعه ، والترهيب في أن الله أحبط سائر عمل رجل بكلمة واحدة.
التهديد المرعب
إن اللسان المعوج قد يحبط صالح العمل ويذهب بسوالف الخير التي كان يعملها صاحبه ، بل ويهوي بصاحبه من أعلى منزلة عند الله إلى أن يُطرد من رحمة الله!! واسأل نفسك معي : من الذي يهدَّد في هذه الآية؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [ الحجرات : 2 ].
نزلت هذه الآية في الصحابيين الجليلين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عندما رفعا صوتيهما عند رسول الله ، فقد روى البخاري عن عبد الله بن الزبير أنه ( قدم ركب من تميم على النبي فقال أبو بكر : أمِّر القعقاع بن معبد ابن زرارة ، فقال عمر : بل أمَّر الأقرع بن حابس ، فقال أبـو بكـر : ما أردت إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنـزلت في ذلك : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [ الحجرات : 1 ] حتى انقضت ) .
إنه التهديد المخيف لخير أصحاب النبي على الإطلاق ، وأول المبشَّرين بالجنة ، ومن قال عنهما : « هذان السمع والبصر » ، بل إن أحدهما هو من قال عنه النبي : « لو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر » ، والثاني من قال عنه عليه الصلاة والسلام : « والذي نفسي بيده!! ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك » ، ومع ذلك فلا مجاملة على حساب الدين ، وتأمَّل قوله تعالى في هذه الآية : ﴿ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ لأن عمل الإنسان قد يحبط وهو لا يشعر ، وكم من كلمة أودت بصاحبها من حيث لا يدري.
إنها كذلك لغة التهديد التي طالت أحب الخلق إلى النبي عائشة رضي الله عنها ، وذلك لما قالت كلمة عن صفية فيها لمسة ازدراء تعيِّرها أنها قصيرة ؛ فعرَّفها النبي خطورة الكلمة الواحدة وقدرتها على تعكير بحار زاخرة من الأعمال الصالحة ، فقال لها : « لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته » .
لذا قُذِف الرعب في قلب عبدالله بن أبي زكريا من أن تنسف حسناته من جرَّاء كلماته ، وتحبط كل أعمال جوارحه بعمل جارحة واحدة ، فكابد وجاهد لسانه عشرين عاما حتى وصل إلى بر الأمان وحرس لسانه بجند الإيمان ؛ حتى صار أفضل أهل الشام. شهد له بذلك شيخ الإسلام وعالم أهل الشام الإمام الأوزاعي لما قال : " لم يكن بالشام رجل يفضل على ابن أبي زكريا. قال : عالجتُ لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي " .
إن هذا التهديد جزء أساسي من علاج اللسان الذي يقذف بسيء الكلم وفاحش القول صباح مساء ، فلابد له من خوف يملؤ القلب ليردعه عن غيه ، ويحول بينه وبين إطلاق قذائف الباطل من لسانه.
الكلمة القاتلة
قال رسول الله : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار » .
إنها رحلة السقوط في الجهنم ؛ رحلة تستغرق سبعين عاما!! نعم سبعين عاما من السقوط المريع إلى قاع النار من جرَّاء من كلمة واحدة!! والحديث هنا لم يحدد ما هي هذه الكلمة ليظل القلب دوما في يقظة ، ويحاسب نفسه قبل كل كلمة منكرة ، ويراجع سجل كلماته الماضية ليلجم نفسه عن نطق أي كلمة يؤدي إلى المشاركة في الرحلة الجهنمية ذات الأعوام السبعين ، واسمعوا كيف فهم التابعي الكبير علقمة بن وقاص [ ت : 00 ] هذا المعنى فحذر من يحب من حصائد ألسنتهم ، وذلك لما مر به رجل له شرف ، فقال له علقمة : " إن لك رحما ، وإن لك حقا ، وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء ، وتتكلم عندهم بما شاء الله أن تتكلم به ، وإني سمعت بلال بن الحارث المزني صاحب رسول الله يقول : قال رسول الله : « إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله عز وجل له بها من رضوانه إلى يوم القيامة ، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عز وجل عليه بها من سخطه إلى يوم يلقاه ». قال علقمة : فانظر ويحك ما تقول ، وماذا تكلم به ، فرُب كلام قد منعني أن أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث " .
ولعل الكلمة التي عناها علقمة هنا : كلمة نفاق أو موافقة على باطل أو تزيين لمنكر أو إعطاء ختم الموافقة الشرعية على سلسلة جرائم طاغية ، وما أكثر ما نرى هذا في زماننا اليوم وكل يوم.
والقرآن زاخر بنماذج من الكلمات القاتلة كأنها رسالة تحذير وصيحة نذير :
أحد المنافقين دفعه نفاقه إلى قول : ﴿ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ [ التوبة : 49 ] ، فأتاه الإذن بالهلاك على الفور : ﴿ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ [ التوبة : 49 ].
فرعون لما نطق بكلمته المتكبِّرة : ﴿ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴾ [ الزخرف : 51 ] ؛ كان عقابه أن أجراها الله من فوق رأسه غريقا مدحورا.
اليهود لما نطقوا كفرا وقالوا : ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [ المائدة : 64 ] ؛ توعَّدهم الله وطردهم من رحمته بقوله : ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴾ [ المائدة : 64 ]
أو السكوت المهلك
لكن الحراسة المشددة ليست على الكلام فحسب ، بل على الصمت كذلك إذا كان في موضع يتعيَّن فيه الكلام ، لذا يأمر الشيطان جنده بأمرين اثنين لا يبالي بأيهما أهلك القلب ، فيقول : " قوموا على ثغر اللسان ، فإنه الثغر الاعظم وهو قبالة الملك ، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه ، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله واستغفاره وتلاوة كتابه ونصيحته عباده أو التكلم بالعلم النافع ، ويكون لكم في هذا الثغر أثران عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم ؛ أحدهما : التكلم بالباطل ، فإنما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم. الثاني : السكوت عن الحق ، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن الاول أخ لكم ناطق ، وربما كان الاخ الثاني أنفع إخوانكم لكم " .
طهارة القلب بكلمة!
ولأن رحلة التغيير والتطهير تبدأ من اللسان رأينا عبد الله بن عمر يرتِّب أولويات حملة التطهير الشاملة قيقول :
" أحقُّ ما طهَّر العبد : لسانه " .
إن الكلمة الواحدة لها أعظم الأثر في شفاء القلب من أمراضه ، نعم كلمة واحدة وحدها قد تشفي وتكفي ، لذا أرشد النبي رجلا يغلي قلبه ويقذف الحمم على من حوله في ثورة غضب عارمة ، فقال : « إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ؛ لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد » .
فانظر حفظك الله كيف تصنع الكلمة في القلب وتطهِّره وتشفيه ، فكل من اختبر قلبه فوجد ما يكره ، فعليه سلوك طريق الاستدراك عن طريق لسانه ، فيلهج بالقرآن والذكر والاستغفار وليتناول الأدوية اللسانية التي سنعرض لبعضها في فصل : جرعات الدواء.
ليس دواء القلب إذن في الصمت ، إنما دواؤه في التكلم بكلمات الخير ، والكلمات الخبيثة في القلب المتسللة عبر اللسان لا تزيحها سوى كلمات الخير ، ولسانك على ما عوَّدته.
عوِّد لسانك نطق الخير تحظ به إن اللسان لما عوَّدتَ معتاد
مُوَكَّل بتقاضي ما سننتَ له فاختر لنفسك وانظر كيف ترتاد
لكن ما هي كلمات الخير؟! أهي كلمات القرآن والذكر وحدها تشفي الصدور؟!
كلا .. إنها كذلك أي كلمة تفصل بين متنازعين ، أو تُصلِح بين اثنين ، أو تكشف حقا ، أو ترد جائرا ، أو تُسكن غاضبا ، أو تُرشد حائرا ، أو تهدي عاصيا ، أو تثبت مؤمنا ، أو تواسي مكروبا ، أو تنصر مظلوما.
وقد ترتقي هذه الكلمة بصاحبها لتبلغ به أعلى عليين ، وترفع صاحبها إلى أعلى مقام ، وهو مقام لم يُر النبي باكيا على أحد كبكائه على صاحب هذا المقام ، إنه حمزة بن عبد المطلب الذي قال عنه : « سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله » ، فكلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي رفعت صاحبها إلى هذا المقام ، بل ورفع النبي قدر كلمة الحق إلى أن جعلها أحب جهاد إلى الله : « أحب الجهاد إلى الله : كلمة حق تُقال لإمام جائر » ، وكلمة الحق أيضا هي التي هوت بتاركها إلى أن ألحقته بزمرة الشياطين ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
وهي الكلمة التي كادت أن تنجي صاحبها من الخلود في النار إن قالها ولكنه أبى ، فقد مر عمر بطلحة بعد وفاة رسول الله فقال : ما لك كئيبا؟ أساءتك إمرة ابن عمك؟! قال : لا ولكن سمعت رسول الله يقول : « إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند موته إلا كانت نورا لصحيفته ، وإن جسده وروحه ليجدان لها روحا عند الموت » ، فلم أسأله حتى تُوفي. قال : أنا أعلمها .. هي التي أراد عمه عليها ، ولو علم أن شيئا أنجى له منها لأمره .
الى اللقاء فى الجزء السابع عشر
على عتبة هذا الباب : الوقاية خير من العلاج
يقول ابن القيم وهو يشير إلى أهمية الوقاية في مدارج السالكين :
" فمتى خلصت الأبدان من الحرام وأدناس البشرية التي ينهى عنها العقل والدين والمروءة ، وطهرت الأنفس من علائق الدنيا ، زكت أرض الخلق فقبلت بذر العلوم والمعارف " .
لابد إذن من حملة تعقيم أولي وتطهير قلبي مبدئي ، وقطع أنابيب التغذية الشيطانية قبل توصيل أنابيب التغذية الإيمانية ؛ حتى إذا ما بدأنا مرحلة العلاج كان القلب نقيا مستعدا لتلقي كل خير ، ووافق الدواء موضع الشفاء بإذن الله ، ولا بد من انتفاء موانع الانتفاع بالخير ليُحدِث الخير أثره في القلب.
قال ابن الجوزي :
" اعلم أن الجوارح كالسواقي توصل إلى القلب الصافي والكدر ، فمن كفَّها عن الشر جلت معدة القلب بما فيها من الأخلاط ، فأذابتها وكفى بذلك حمية ، فإذا جاء الدواء صادف محلا قابلا ، ومن أطلقها في الذنوب أوصلت إلى القلب وسخ الخطايا وظلم المعاصي ، فلما وُضِع الدواء كان بينه وبين القلب حجاب " .
وتأثير الذنوب تأثير تراكمي مثل تأثير السموم في جسم الانسان ، إذ لم يصب الانسان بالسرطان إلا بعد تعرضه بالتراكم لكميات المواد الضارة التي تتراكم مع الزمن ولا تظهر أعراضها المدمرة إلا بعد مدة قد تصل لسنوات طويلة ، لذا أوصى المقدسي كل المرضى قائلا : " فالذي علينا : تفريغ المحل ، والانتظار لنزول الرحمة ؛ كالذي يُصلح الأرض وينقيها من الحشيش ، ويضع فيها البذر ، وكل ذلك لا ينفع إلا بمطر ، ولا يدري متى يُقدِّر الله أسباب المطر ، إلا أنه يثق بفضل الله تعالى أنه لا يخلِّي سنة من مطر ، وكذلك قلما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات ، فينبغي أن يكون العبد قد طهَّر القلب من حشيش الشهوات ، وبذر الإرادة والإخلاص ، وعرَّضه لمهاب ريح الرحمة ، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع عند ظهور الغيم ؛ كذلك انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة ، وعند اجتماع الهم ونشاط القلوب كيوم عرفة ويوم الجمعة وفي رمضان " .
وهو ما دفع كذلك ابن القيم أن يورد فائدة من فوائده بعنوان : قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده ، فاللسان إذا اشتغل بالكلام الذي لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفع إلا إذا فرَّغ لسانه من النطق بالباطل ، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكنها الشغل بالطاعة ، فالعين لا يمكن أن تنظر إلى القرآن وجمال الكون تفكرا وتأملا إلا إذا امتنعت عن النظر المحرَّم ، والقدم لا يمكنها أن تمشي إلى مكانين في آن واحد ، ولابد لها لكي تمشي إلى المسجد أن تنصرف عن الملهى ، واليد التي يستعملها صاحبها في الشر لن تجد للخير وقتا ، والأذن الممتلئة بالغناء تأنف من سماع الذكر ، والخلاصة أن لا حركة للجوارح في خدمة الله إلا إذا فرَّغها صاحبها من خدمة غير الله.
نزِّه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه
والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حَلَّ ذا الطلسم فاز بكنزه
يا أهل الرباط!!
قال بعض الحكماء : " مثل القلب مثل بيت له ستة أبواب ، ثم قيل لك : احذر أن يدخل عليك من أحد الأبواب شيء ، فيفسد عليك البيت ، فالقلب هو البيت ، والأبواب : اللسان ، والبصر ، والسمع ، والشم ، واليدان ، والرجلان ، فمتى انفتح باب من هذه الأبواب بغير علم ضاع البيت! " .
ولذا كان من حرس قلبه من أعظم الخلق وأزكاهم ، وكان عمله هذا نوعا من أنواع المرابطة في رأي ابن القيِّم الذي عرَّف المرابطة بقوله :
" وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو ولزوم ثغر العين والاذن واللسان والبطن واليد والرجل ، فهذه الثغور يدخل منه العدو ، فيجوس خلال الديار ، ويفسد ما قُدِّر عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ، ولا يخلي مكانها ، فيصادف العدو والثغر خاليا ، فيدخل منها " .
أخي .. قد أقبل عليك الشيطان بخيله ورجله ، فوجد قلبك متربِّعا على عرش الجسد ، وأمره نافذ في جميع جنده ، قد تحصن بهم يدافعون عنه ويحمون حماه ، فلم يتمكنوا من الهجوم عليه إلا بخيانة بعض جنده ، فإن ملكوا ثغر العين أوالأذن أو اللسان أو اليد أوالرجل رابطوا عليه ، ومنعوا الخير من الدخول ، وأغروا كل قبيح بالاقتحام ، لتمسي قلوب العباد بين قتيل وأسير وجريح.
وهذه المرابطة حكمها الشرعي أنها فرض عين على كل مسلم ؛ كما أوضح ذلك أبو حامد الغزالي فقال :
" فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبة ، وهو فرض عين على كل عبد مُكلَّف ، وما لا يُتوصَّل إلى الواجب إلا به فهو أيضا واجب ، ولا يُتوصَّل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله ، فصارت معرفة مداخله واجبة " .
الشيطان أخطر سارق
قال أبو حازم سلمة بن دينار [ ت : 135 ] : " قد رضيت من أحدكم أن يُبقي على دينه كما يبقي على نعليه " .
وهي كلمة قاسية ، ولعله يعني بها أن أحدنا إذا دخل المسجد ومعه حذاؤه ؛ خاف عليه اللصوص ، فوضعه أمامه مخافة أن يُسرق ، حتى لا يخرج من المسجد حافي القدمين ، فإن حدث ونسي ووضع حذاءه وراء ظهره تشتت ذهنه في صلاته ، وضاع خشوعه من أجل حذاء! وكان أول ما يفعل بعد التسليم : أن يلتفت بسرعة إلى مكان الحذاء يطمئن عليه!! وإن حدث وسُرِق حذاؤه وكان غالي الثمن ؛ ظل حزينا مكروبا أياما عدة حزنا لعل لم يحزن مثله قط لضياع صلاة أو أكل حرام!!
والشيطان سارق الإيمان ، فكيف لا يخاف الإنسان على إيمانه؟! وكيف لا يحذر أعدى أعدائه؟! وقد يترك إيمانه وراء ظهره ؛ يسرق منه الشيطان ما يريد ، وينهب منه كلما شاء ، فيا أخي .. إيمانك أم حذاؤك؟! دينك أم نعلك؟! آخرتك أم أحقر ما في دنياك؟!
ثم إنك لو ورثت مالا كثيرا أو كنزا ثمينا ، وأودعته بيتك ؛ فهل تنسى باب بيتك مفتوحا؟!أم تجعل عليه الأقفال الشداد؟! فهذا كنز إيمانك عبثت به أيدي الغفلة والبطالة وأتباع الشياطين وأنت لم تضع عليه أي قفل؟! أليس أولى بالحراسة وأجدر بالحماية؟!
علم الخير يرفرف
ومع هذا نقول : إن محاولات الشيطان الدائمة للسطو على قلبك واقتحام قلعته هي شهادة لك لا عليك ، واعتراف عملي بامتلاء قلبك بالخير واحتوائه على كل غال أغرى الشيطان بالهجوم عليه.
قال رجل للعلاء بن زياد [ ت : 194 ] : إذا صليت وحدي لم أعقل صلاتي. قال : " أبشر!! فإن هذا علم الخير ، أما رأيت اللصوص إذا مروا بالبيت الخرب لم يلووا عليه ، وإذا مروا بالبيت الذي رأوا فيه المتاع زاولوه حتى يصيبوا منه شيئا " .
والآن مع أول هذه الأبواب وأهمها :
الباب الأول : اللسان
أسهل باب يتسلل منه الشيطان إلى القلب ، بل هو أكثر باب يرتاده الشيطان ويمر خلاله كل يوم ، وذلك لأنه أكثر الأعضاء عملا وأسهلها شغلا وأقلها تعبا عندما يعمل ، فمن غفل عن حراسة لسانه تسلل الشيطان منه إلى قلبه وسيطر على كيانه ، وبعدها ساقه إلى شفا جرف هار.
قال : « أكثر خطايا ابن آدم في لسانه » ، لذا وجب حراسة هذا الثغر من أخطائه وزلاته كمَّا وكيفا.
فاللسان إذن بوابة دخول ؛ يدخل إلى القلب عبر اللسان ما يُطهِّره أو ما يدنِّسه ، لذا قال : « لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، .. » .
ومعنى الحديث : مهما داوم القلب على القربات وتعرَّض لشتى أنواع الأدوية والعلاجات ، فلن يطهر أبدا حتى يزيل ما علق بلسانه من أوساخ ، وإلا كانت الجوارح تبني واللسان يهدم ، لذا تتوسل الأعضاء كل صباح إلى القلب حتى لا يضيع مجهودها سدى وتعبها في سبيل الحق هباء منثورا ، وحتى لا تؤاخذ بجريرة غيرها. قال : « إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكفِّر اللسان ، فتقول : اتق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا » .
ومعنى تكفِّر أي تتذلل وتتواضع له من التكفير ؛ وهو أن ينحني الانسان ويطأطيء رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم أحد ، والمعنى أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان ، لأن اللسان أشد الأعضاء جموحا وطغيانا وأكثرها فسادا وعدوانا ، ويؤكد هذا المعنى قول الزاهد البصري أبو يحيى مالك بن دينار [ ت : 123 ] : " إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك ؛ فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك " .
اختبار القلب
واللسان بوابة خروج كذلك ، فيخرج من القلب عبر اللسان ما هو ساكن في القلب ومُحْتَبَس فيه ، وما اللسان إلا مغرفة ينقل ما في القلب إلى الخلق ، وما أجمل قول يحيى بن معاذ [ ت : 135 ] :
" القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها ومغارفها ألسنتها ، فانتظر الرجل حتى يتكلم ، فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج ؛ يُخبرك عن طعم قلبه : اغتراف لسانه " .
بوابة الدخول والخروج هي التسمية التي أطلقها يحيى بن معاذ الرازي على اللسان حيث قال : " القلب باب السكينة ، واللسان باب القلب ، فإذا ضاع الباب ؛ دخل من أراد وخرج من أراد " .
وكأن وجهه يُطِل عليك عبر القرون ومن وراء السطور ، ليهتك أستار خلوتك ويقول لك : حاسب نفسك وأحصِ قولك وراقب كل كلمة تخرج من فؤادك قبل لسانك لتتعرف على هويتك!! لذا وصف عز وجل المنافقين بقوله : ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [ محمد : 30 ].
فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من أي علامة مرئية ، فمهما حاولوا التستر والاختباء والهروب من المواجهة والكيد في خفاء فلسانهم أول فاضح وأوضح الملامح ، لامتلاء قلوبهم بالدنس الذي سرى إلى ألسنتهم ، ولذا قال ابن عطاء :
" كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ".
من هنا كان اختبار القلب أولى خطوات العلاج وعلى قمة أولويات خطة الاستشفاء ، وتكشف نتيجة الاختبار إما عن قلب يمثل خزانة الخير العامرة أو هو مستودع الشر العاتي :
1. خزانة الخير العامرة
وانظروا إلى يوسف وروعة طهارة قلب نبي ، وكيف انعكس ذلك على لسانه وحلاوة نطقه وعذوبة كلامه ، فقد رمته امرأة العزيز في عرضه زورا وبهتانا ، واتهم بأشنع تهمة تنال من سمعة المرء وتستهدف شرفه ، لكن اسمعوا أطهر قلب وهو يرد على أكذب ادعاء بأسمى رد وأوجز بيان ؛ ليس بعريضة دفاع مطولة بل بأربع كلمات فحسب لا غير : ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ [ يوسف : 26 ] ، وكان الاختصار والإيجاز هنا لأن الأمر متعلق بشخصه ، أما حين تعلق الأمر بربه لما دخل السجن وخاض غمار الدعوة إلى الله ؛ انطلق لسانه في طلاقة وإسهاب داعيا صاحبيه في السجن :
﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ يوسف : 37-40 ].
ومرة ثالثة يعلِّمنا أطهر قلب كيف يعف اللسان ويسمو عاليا فوق السحاب ، فبعد أن رماه إخوته في البئر وحاولوا قتله في وحشية نادرة ، ما جرحهم بلسانه وما آذاهم بلفظ ؛ بل ألقى بالتهمة على الشيطان لائما حين قال :
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [ يوسف : 100 ].
والمراد أن طهارة القلب تجعله يرسل إلى اللسان أجمل الكلم وأطيب الجمل ، فيطهر اللسان بعد القلب ليكون صاحبهما أفضل الناس بشهادة النبي : « أفضل الناس كل مخموم القلب صدوق اللسان » .
فلابد لبلوغ الأفضلية إذن وإدراك المثالية من طهارة اللسان علامة على طهارة القلب ، ويشهد لهذا دعاء النبي لعلي ، فعن علي بن أبي طالب [ ت : 40 ] قال : " بعثني رسول الله إلى اليمن فقلت : يا رسول الله .. تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء!! قال : فضرب بيده في صدري ، ثم قال : " اللهم اهد قلبه وثبِّت لسانه ». قال : فما شككت بعد في قضاء بين اثنين " .
فانظر كيف لم يكتف النبي بالدعاء له بهداية القلب حتى ذكر اللسان ، وبيَّن أن ثبات اللسان هو قرين هداية القلب أو نتاجها ، وظلت هذه الدعوات مباركات وبقي أثرها مع علي حتى قال في من قاتلوه ورموه بالكفر من الخوارج : إخواننا بغوا علينا!!
2. مستودع شر العاتي :
وقد يكون القلب مستودع الشر فلا يخرج من القلب عبر اللسان إلا ما يغضب الرب ويصرف الملك ويجلب الأبالسة ، وقد سبق وأن حذَّرنا النبي من قلب كهذا فقال : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه ، خيرٌ من أن يمتلئ شعرا » .
وتأمَّل : فالذي يمتلئ هو الجوف أي القلب ، وما اللسان إلا رسول مغلوب على أمره ينقل ما يأمره به القلب ويحمل ما يُكلَّف به ، أفيُلام الرسول ولا يُلام المُرسل؟ أو يعاقب الجندي والمسئولية في عنق القائد؟!
ومناسبة مبالغة النبي في ذم الشعر أن الذين خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه والاشتغال به ، فزجرهم عنه ليقبلوا على القرآن وعلى ذكر الله ، ومن بين هؤلاء نابغة بني شيبان الذي كان إذا أنشد الشعر قبض على لسانه ، ثم قال : " لأسلِطنَّ عليك اليوم ما يسوؤك : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ، ولكم في ذلك ومضة اقتداء يا عشاق الغناء.
وأنت يا أخي تستطيع في ضوء ما سبق أن تقيِّم حالة قلبك الآن ، وأن تحكم عليه وعلى محتواه حياة أو موتا ، وصلاحا أو فسادا ، وخيرا أو شرا ، وقربا أو بعدا وكل هذا عن طريق لفظات لسانك ، وإذا كان قلبك ليس على ما يرام أو كان من النوع الثاني أي مستودع الشر ، فليس لك خلاص ولا عندك مهرب إلا إذا فهمت العبارة التالية ووضعتها موضع التنفيذ :
الحراسة النوعية في ظل التهديد المرعب من الكلمة القاتلة أو السكوت المهلك بالتوازي مع طهارة القلب بكلمة.
الحراسة النوعية في ظل التهديد المرعب من الكلمة القاتلة أو السكوت المهلك بالتوازي مع طهارة القلب بكلمة.
الحراسة النوعية في ظل التهديد المرعب من الكلمة القاتلة أو السكوت المهلك بالتوازي مع طهارة القلب بكلمة.
وتكرار العبارة السابقة مقصود ، لكي تُكررها نطقا فتحفظها فهما وعملا ، حتى تكبير خطها المتدرِّج متعمد ، لأنك كلما قرأتها مرة من بعد مرة زاد فهمك لها ومن بعدها امتثالك وعملك بها ، وإليك شرح مفرداتها بالتفصيل :
الحراسة النوعية
واجب هو حراسة ثغر اللسان من فداحة أخطائه أي من زلاته كيفا ، فللسان خطورة تؤدي بصاحبه إلى الهلاك من جراء كلمة واحدة دون أن يشعر!! نعم كلمة واحدة ، فرُبَّ حتوف في حروف ، وكم من إنسان أهلكه لسان ، وكم من كلمة صرخت في وجه صاحبها : لا تقُلني ، وفي الحديث : « إن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان. قال الله : من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك » ، وفي رواية تفصيلية لنفس الحديث على لسان أبي هريرة قال :
سمعتُ رسول الله يقول : « كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ، فكان أحدهما يذنب ، والآخر مجتهد في العبادة ، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب ، فيقول : أقصر ، فوجده يوما على ذنب ، فقال له : أقصر ، قال : خلِّني وربي ، أبُعثت علي رقيبا؟ قال : والله لا يغفر الله لك ، أو لا يدخلك الله الجنة ، فقبض الله أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالما؟ أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار ». قال أبو هريرة : " والذي نفسي بيده ، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته " .
والحديث كما ترى يجمع الترغيب والترهيب في سلة واحدة ، فالترغيب يشع من بين ثنايا أن الله غفر للآثم وأحبط عمل من استبعد على رحمة الله أن تسعه ، والترهيب في أن الله أحبط سائر عمل رجل بكلمة واحدة.
التهديد المرعب
إن اللسان المعوج قد يحبط صالح العمل ويذهب بسوالف الخير التي كان يعملها صاحبه ، بل ويهوي بصاحبه من أعلى منزلة عند الله إلى أن يُطرد من رحمة الله!! واسأل نفسك معي : من الذي يهدَّد في هذه الآية؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [ الحجرات : 2 ].
نزلت هذه الآية في الصحابيين الجليلين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عندما رفعا صوتيهما عند رسول الله ، فقد روى البخاري عن عبد الله بن الزبير أنه ( قدم ركب من تميم على النبي فقال أبو بكر : أمِّر القعقاع بن معبد ابن زرارة ، فقال عمر : بل أمَّر الأقرع بن حابس ، فقال أبـو بكـر : ما أردت إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنـزلت في ذلك : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [ الحجرات : 1 ] حتى انقضت ) .
إنه التهديد المخيف لخير أصحاب النبي على الإطلاق ، وأول المبشَّرين بالجنة ، ومن قال عنهما : « هذان السمع والبصر » ، بل إن أحدهما هو من قال عنه النبي : « لو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر » ، والثاني من قال عنه عليه الصلاة والسلام : « والذي نفسي بيده!! ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك » ، ومع ذلك فلا مجاملة على حساب الدين ، وتأمَّل قوله تعالى في هذه الآية : ﴿ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ لأن عمل الإنسان قد يحبط وهو لا يشعر ، وكم من كلمة أودت بصاحبها من حيث لا يدري.
إنها كذلك لغة التهديد التي طالت أحب الخلق إلى النبي عائشة رضي الله عنها ، وذلك لما قالت كلمة عن صفية فيها لمسة ازدراء تعيِّرها أنها قصيرة ؛ فعرَّفها النبي خطورة الكلمة الواحدة وقدرتها على تعكير بحار زاخرة من الأعمال الصالحة ، فقال لها : « لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته » .
لذا قُذِف الرعب في قلب عبدالله بن أبي زكريا من أن تنسف حسناته من جرَّاء كلماته ، وتحبط كل أعمال جوارحه بعمل جارحة واحدة ، فكابد وجاهد لسانه عشرين عاما حتى وصل إلى بر الأمان وحرس لسانه بجند الإيمان ؛ حتى صار أفضل أهل الشام. شهد له بذلك شيخ الإسلام وعالم أهل الشام الإمام الأوزاعي لما قال : " لم يكن بالشام رجل يفضل على ابن أبي زكريا. قال : عالجتُ لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي " .
إن هذا التهديد جزء أساسي من علاج اللسان الذي يقذف بسيء الكلم وفاحش القول صباح مساء ، فلابد له من خوف يملؤ القلب ليردعه عن غيه ، ويحول بينه وبين إطلاق قذائف الباطل من لسانه.
الكلمة القاتلة
قال رسول الله : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار » .
إنها رحلة السقوط في الجهنم ؛ رحلة تستغرق سبعين عاما!! نعم سبعين عاما من السقوط المريع إلى قاع النار من جرَّاء من كلمة واحدة!! والحديث هنا لم يحدد ما هي هذه الكلمة ليظل القلب دوما في يقظة ، ويحاسب نفسه قبل كل كلمة منكرة ، ويراجع سجل كلماته الماضية ليلجم نفسه عن نطق أي كلمة يؤدي إلى المشاركة في الرحلة الجهنمية ذات الأعوام السبعين ، واسمعوا كيف فهم التابعي الكبير علقمة بن وقاص [ ت : 00 ] هذا المعنى فحذر من يحب من حصائد ألسنتهم ، وذلك لما مر به رجل له شرف ، فقال له علقمة : " إن لك رحما ، وإن لك حقا ، وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء ، وتتكلم عندهم بما شاء الله أن تتكلم به ، وإني سمعت بلال بن الحارث المزني صاحب رسول الله يقول : قال رسول الله : « إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله عز وجل له بها من رضوانه إلى يوم القيامة ، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عز وجل عليه بها من سخطه إلى يوم يلقاه ». قال علقمة : فانظر ويحك ما تقول ، وماذا تكلم به ، فرُب كلام قد منعني أن أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث " .
ولعل الكلمة التي عناها علقمة هنا : كلمة نفاق أو موافقة على باطل أو تزيين لمنكر أو إعطاء ختم الموافقة الشرعية على سلسلة جرائم طاغية ، وما أكثر ما نرى هذا في زماننا اليوم وكل يوم.
والقرآن زاخر بنماذج من الكلمات القاتلة كأنها رسالة تحذير وصيحة نذير :
أحد المنافقين دفعه نفاقه إلى قول : ﴿ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ﴾ [ التوبة : 49 ] ، فأتاه الإذن بالهلاك على الفور : ﴿ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ [ التوبة : 49 ].
فرعون لما نطق بكلمته المتكبِّرة : ﴿ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴾ [ الزخرف : 51 ] ؛ كان عقابه أن أجراها الله من فوق رأسه غريقا مدحورا.
اليهود لما نطقوا كفرا وقالوا : ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [ المائدة : 64 ] ؛ توعَّدهم الله وطردهم من رحمته بقوله : ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴾ [ المائدة : 64 ]
أو السكوت المهلك
لكن الحراسة المشددة ليست على الكلام فحسب ، بل على الصمت كذلك إذا كان في موضع يتعيَّن فيه الكلام ، لذا يأمر الشيطان جنده بأمرين اثنين لا يبالي بأيهما أهلك القلب ، فيقول : " قوموا على ثغر اللسان ، فإنه الثغر الاعظم وهو قبالة الملك ، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه ، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله واستغفاره وتلاوة كتابه ونصيحته عباده أو التكلم بالعلم النافع ، ويكون لكم في هذا الثغر أثران عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم ؛ أحدهما : التكلم بالباطل ، فإنما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم. الثاني : السكوت عن الحق ، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن الاول أخ لكم ناطق ، وربما كان الاخ الثاني أنفع إخوانكم لكم " .
طهارة القلب بكلمة!
ولأن رحلة التغيير والتطهير تبدأ من اللسان رأينا عبد الله بن عمر يرتِّب أولويات حملة التطهير الشاملة قيقول :
" أحقُّ ما طهَّر العبد : لسانه " .
إن الكلمة الواحدة لها أعظم الأثر في شفاء القلب من أمراضه ، نعم كلمة واحدة وحدها قد تشفي وتكفي ، لذا أرشد النبي رجلا يغلي قلبه ويقذف الحمم على من حوله في ثورة غضب عارمة ، فقال : « إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ؛ لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد » .
فانظر حفظك الله كيف تصنع الكلمة في القلب وتطهِّره وتشفيه ، فكل من اختبر قلبه فوجد ما يكره ، فعليه سلوك طريق الاستدراك عن طريق لسانه ، فيلهج بالقرآن والذكر والاستغفار وليتناول الأدوية اللسانية التي سنعرض لبعضها في فصل : جرعات الدواء.
ليس دواء القلب إذن في الصمت ، إنما دواؤه في التكلم بكلمات الخير ، والكلمات الخبيثة في القلب المتسللة عبر اللسان لا تزيحها سوى كلمات الخير ، ولسانك على ما عوَّدته.
عوِّد لسانك نطق الخير تحظ به إن اللسان لما عوَّدتَ معتاد
مُوَكَّل بتقاضي ما سننتَ له فاختر لنفسك وانظر كيف ترتاد
لكن ما هي كلمات الخير؟! أهي كلمات القرآن والذكر وحدها تشفي الصدور؟!
كلا .. إنها كذلك أي كلمة تفصل بين متنازعين ، أو تُصلِح بين اثنين ، أو تكشف حقا ، أو ترد جائرا ، أو تُسكن غاضبا ، أو تُرشد حائرا ، أو تهدي عاصيا ، أو تثبت مؤمنا ، أو تواسي مكروبا ، أو تنصر مظلوما.
وقد ترتقي هذه الكلمة بصاحبها لتبلغ به أعلى عليين ، وترفع صاحبها إلى أعلى مقام ، وهو مقام لم يُر النبي باكيا على أحد كبكائه على صاحب هذا المقام ، إنه حمزة بن عبد المطلب الذي قال عنه : « سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله » ، فكلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي رفعت صاحبها إلى هذا المقام ، بل ورفع النبي قدر كلمة الحق إلى أن جعلها أحب جهاد إلى الله : « أحب الجهاد إلى الله : كلمة حق تُقال لإمام جائر » ، وكلمة الحق أيضا هي التي هوت بتاركها إلى أن ألحقته بزمرة الشياطين ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
وهي الكلمة التي كادت أن تنجي صاحبها من الخلود في النار إن قالها ولكنه أبى ، فقد مر عمر بطلحة بعد وفاة رسول الله فقال : ما لك كئيبا؟ أساءتك إمرة ابن عمك؟! قال : لا ولكن سمعت رسول الله يقول : « إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند موته إلا كانت نورا لصحيفته ، وإن جسده وروحه ليجدان لها روحا عند الموت » ، فلم أسأله حتى تُوفي. قال : أنا أعلمها .. هي التي أراد عمه عليها ، ولو علم أن شيئا أنجى له منها لأمره .
الى اللقاء فى الجزء السابع عشر