kima ahmed
11-05-2010, 02:40 PM
سبتة ومليلة.. أقدم احتلال في التاريخ
- إن سبتة ومليلة، مدينتان مغربيتان ضاربتان جذورهما في عمق التاريخ العربي والإسلامي؛ فمغربيتهما ليست فقط من الناحية الجغرافية، فرغم أنهما امتدادٌ طبيعي للأراضي المغربية، إلا أنه هناك عوامل تاريخية تشهد بعروبة المدينتين وبتبعيتهما لدولة المغرب، وقضيتهما من صميم قضايا العرب والمسلمين في المنطقة، خاصة وأن الاحتلال الإسباني لهما هو الأقدم في التاريخ الحديث والمعاصر.
- تقع مدينة سبتة في أقصى شمال المغرب على الساحل، وتبلغ مساحتها 19 كيلو مترًا، وطولها من الشرق إلى الغرب 1000م، ومن الشمال إلى الجنوب 1500م، مقابل شبه جزيرة جبل طارق تمامًا، وهي تتمتع بموقعٍ استراتيجي متميز، لذلك سيطر عليها الرومان في عام 42 بعد الميلاد، وهم الذين أنشئوها على أصح الروايات، وبعد ذلك بنحو 400 عام طردت قبائل الوندال الرومان من المدينة، ثم سيطر عليها البيزنطيون ثم القوط الغربيون القادمون من إسبانيا، ثم فتحها المسلمون وانطلقوا منها إلى فتح الأندلس.
وقد ساهمت سبتة من خلال علمائها في خدمة الفكر الإسلامي، فكانت خلال القرنين السادس والسابع الهجري من أهم مراكز الحركة العلمية في السواحل المغربية، وبخاصة أن هذه المدينة أنجبت أكبر شخصية علمية مغربية هو القاضي "عياض" الذي وُلد سنة 476هـ، وقال عنه المؤرخون: لولا القاضي عياض لما ذُكر المغرب. كذلك الشريف الإدريسي المتوفى سنة 562هـ، أشهر شخصية علمية في تاريخ الجغرافيا، وهو الذي وضع أول خريطة رسم فيها العالم، ومن أهم مؤلفاته كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق".
أما مدينة مليلة فتقع على الساحل الشمالي الشرقي للمغرب على البحر المتوسط، وكانت تشتهر بإنتاج كمية كبيرة من العسل، ومنه اشتق اسمها مليلة الذي يعني العسل في لغة الأفارقة، وهناك مَن يذكر أن العسل باللغة البربرية يعني "تامنت". ومليلة تحريف عربي لكلمة تامليلت بمعنى موقع مدرج، وقد كانت مليلة مبنية على منحدر مدرج.
- لعبت المدينتان دورًا مهمًّا في تاريخ الفتوحات الإسلامية، فكانت مدينة سبتة إحدى أهم المدن التي فتحها المسلمون الأوائل، وانطلقوا منها إلى الأندلس، فعندما فتح المسلمون بلاد المغرب بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد، تحوَّلت سبتة إلى قلعة للجهاد، ومنها انطلق الجيش الإسلامي نحو الأندلس، فقاد طريف بن مالك في عام 91هـ أول سرية إسلامية إلى الأندلس، وعن طريقها مر القائد المسلم طارق بن زياد للأندلس عبر الجبل الذي يحمل اسمه حتى اليوم (جبل طارق) عام 92هـ/ 711م، وبعده بعام واحد نزل موسى بن نصير أيضًا بها قبل أن يدخل الأندلس عبر الجبل الذي يحمل اسمه حتى الآن (جبل موسى).
وقد نالت مدينة سبتة حظوةً كبيرةً زمن المرابطين، وأصبحت سبتة خلال عصرهم من أهم مراكزهم الحربية، وأقام فيها يوسف بن تاشفين مدةً من الزمن، ليتمكَّن من أن يتابع بنفسه الإشراف على الجيش الإسلامي ونصرة إخوانهم في الأندلس، ومنها هبَّ يوسف بن تاشفين لإغاثة ملوك الطوائف عندما اشتدَّ عليهم قتال الصليبيين عام 430هـ/ 1083م، كما مر منها عبد المؤمن بن علي الموحدي -صاحب الفضل في توحيد المغرب الإسلامي- عام 556هـ/ 1161م، وأبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عام 580هـ/ 1191م في طريقهما إلى الأندلس، وأقام فيها الموحدونأسطولاً بحريًّا قويًّا، ثم استمرت هذه المدينة مركز الجهاد تؤدي دورها كثغرٍ من ثغور الإسلام.
- تعود بداية سقوط المدينتين تحت الاحتلال الإسباني إلى ضعف إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، حين بدأ الخلاف يدب بين أمراء المسلمين في الأندلس، وصاح فوق كل غصن ديك بتعبير لسان الدين بن الخطيب في وصف حالة الاقتتال بين الأمراء، فانتهز زعماء قشتالة -إسبانيا حاليًا- الفرصة للقضاء على الوجود الإسلامي في هذه البقاع الإسلامية، فيما سُمِّي بحروب الاسترداد، وكانت غرناطة آخر هذه القلاع التي سقطت عام 1492م.
والمعروف تاريخيًّا أنه بعد سقوط الأندلس، أطلق بابا الفاتيكان يد إسبانيا في الساحل المتوسطي للمغرب، والبرتغال في الساحل الأطلسي، وعلى حين سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام 1415م، بقيادة الأمير هنري الملاح الذي كان يهدف إلى القضاء على نفوذ المسلمين في المنطقة ونشر المسيحية، وأحرق الأسطول البرتغالي مساجد سبتة وحوّلها إلى كنائس، وأحرقت كتب من كانت تعتبر أهم مراكز الحركة العلمية في السواحل المغربية. في حين بقيت مليلة تقاوم جيوش الأسبان حتى سقطت عام 1497م، في إطار خطة عامة للأسبان والبرتغاليين لمحاصرة أقاليم الغرب الإسلامي واحتلال أراضيه، ومن ثَم تحويلها إلى النصرانية؛ عملاً بوصية ملكة إسبانيا إيزابيلا الكاثوليكية التي كانت تعتبر نفسها ألد أعداء المسلمين، والتي نصَّت على ضرورة قيام الكاثوليك بغزو بلاد المغرب وتحويل المسلمين المغاربة إلى الدين النصراني، ورفع علم الصليب المسيحي عليه بدلاً من أعلام الهلال الإسلامي، وأصبحت المدينة إسبانية عندما تولى فيليب الثاني ملك إسبانيا عرش البرتغال عام 1580م، وبعد اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال تنازلت الأخيرة بمقتضى معاهدة لشبونة 1668م عن سبتة لإسبانيا.
- ومنذ احتلال المدينتين وإسبانيا تمارس حملة شرسة من أجل طمس الهوية الإسلامية والعربية لهما، بجهود لا تختلف في شيء عن تلك التي بذلها الصليبيون في كل بقعة إسلامية وضعوا أيديهم عليها، أو تلك التي يبذلها الصهاينة في فلسطين اليوم، فدُكت الصوامع وهُدمت المساجد. ويذكر المؤرخون أنه عندما سقطت مدينة سبتة كانت مآثرها تفوق مآثر القيروان، إذ كان فيها ألف مسجد ونحو مائتين وخمسين مكتبةً، ولم يبق من هذه المعالم الحضارية الإسلامية سوى مساجد قليلة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة.
كما وضعت إسبانيا إجراءات قانونية مختلفة للحد من هجرة المسلمين نحو المدينتين؛ بهدف محو الوجود الإسلامي بالتدريج، وشجعت في المقابل الهجرة الإسبانية وهجرة اليهود الذين تزايد عددهم في الستينيات والسبعينيات، خصوصًا في مدينة سبتة، كما ضيقت على السكان المسلمين هناك ومنعتهم من تراخيص البناء وحاصرت نشاطاتهم الدينية والثقافية، وقد تم ذلك على نار هادئة وعبر مئات السنين حتى أصبح كثير من المسلمين يجهل أن ثمة احتلالاً إسبانيًّا لتلك البقاع، وطوي النسيان جراح أهلها ودرست معالم الإسلام حتى كانت انتفاضة يوم الثلاثاء 26 أكتوبر الماضي.
موقع قصة الاسلام
- إن سبتة ومليلة، مدينتان مغربيتان ضاربتان جذورهما في عمق التاريخ العربي والإسلامي؛ فمغربيتهما ليست فقط من الناحية الجغرافية، فرغم أنهما امتدادٌ طبيعي للأراضي المغربية، إلا أنه هناك عوامل تاريخية تشهد بعروبة المدينتين وبتبعيتهما لدولة المغرب، وقضيتهما من صميم قضايا العرب والمسلمين في المنطقة، خاصة وأن الاحتلال الإسباني لهما هو الأقدم في التاريخ الحديث والمعاصر.
- تقع مدينة سبتة في أقصى شمال المغرب على الساحل، وتبلغ مساحتها 19 كيلو مترًا، وطولها من الشرق إلى الغرب 1000م، ومن الشمال إلى الجنوب 1500م، مقابل شبه جزيرة جبل طارق تمامًا، وهي تتمتع بموقعٍ استراتيجي متميز، لذلك سيطر عليها الرومان في عام 42 بعد الميلاد، وهم الذين أنشئوها على أصح الروايات، وبعد ذلك بنحو 400 عام طردت قبائل الوندال الرومان من المدينة، ثم سيطر عليها البيزنطيون ثم القوط الغربيون القادمون من إسبانيا، ثم فتحها المسلمون وانطلقوا منها إلى فتح الأندلس.
وقد ساهمت سبتة من خلال علمائها في خدمة الفكر الإسلامي، فكانت خلال القرنين السادس والسابع الهجري من أهم مراكز الحركة العلمية في السواحل المغربية، وبخاصة أن هذه المدينة أنجبت أكبر شخصية علمية مغربية هو القاضي "عياض" الذي وُلد سنة 476هـ، وقال عنه المؤرخون: لولا القاضي عياض لما ذُكر المغرب. كذلك الشريف الإدريسي المتوفى سنة 562هـ، أشهر شخصية علمية في تاريخ الجغرافيا، وهو الذي وضع أول خريطة رسم فيها العالم، ومن أهم مؤلفاته كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق".
أما مدينة مليلة فتقع على الساحل الشمالي الشرقي للمغرب على البحر المتوسط، وكانت تشتهر بإنتاج كمية كبيرة من العسل، ومنه اشتق اسمها مليلة الذي يعني العسل في لغة الأفارقة، وهناك مَن يذكر أن العسل باللغة البربرية يعني "تامنت". ومليلة تحريف عربي لكلمة تامليلت بمعنى موقع مدرج، وقد كانت مليلة مبنية على منحدر مدرج.
- لعبت المدينتان دورًا مهمًّا في تاريخ الفتوحات الإسلامية، فكانت مدينة سبتة إحدى أهم المدن التي فتحها المسلمون الأوائل، وانطلقوا منها إلى الأندلس، فعندما فتح المسلمون بلاد المغرب بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد، تحوَّلت سبتة إلى قلعة للجهاد، ومنها انطلق الجيش الإسلامي نحو الأندلس، فقاد طريف بن مالك في عام 91هـ أول سرية إسلامية إلى الأندلس، وعن طريقها مر القائد المسلم طارق بن زياد للأندلس عبر الجبل الذي يحمل اسمه حتى اليوم (جبل طارق) عام 92هـ/ 711م، وبعده بعام واحد نزل موسى بن نصير أيضًا بها قبل أن يدخل الأندلس عبر الجبل الذي يحمل اسمه حتى الآن (جبل موسى).
وقد نالت مدينة سبتة حظوةً كبيرةً زمن المرابطين، وأصبحت سبتة خلال عصرهم من أهم مراكزهم الحربية، وأقام فيها يوسف بن تاشفين مدةً من الزمن، ليتمكَّن من أن يتابع بنفسه الإشراف على الجيش الإسلامي ونصرة إخوانهم في الأندلس، ومنها هبَّ يوسف بن تاشفين لإغاثة ملوك الطوائف عندما اشتدَّ عليهم قتال الصليبيين عام 430هـ/ 1083م، كما مر منها عبد المؤمن بن علي الموحدي -صاحب الفضل في توحيد المغرب الإسلامي- عام 556هـ/ 1161م، وأبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عام 580هـ/ 1191م في طريقهما إلى الأندلس، وأقام فيها الموحدونأسطولاً بحريًّا قويًّا، ثم استمرت هذه المدينة مركز الجهاد تؤدي دورها كثغرٍ من ثغور الإسلام.
- تعود بداية سقوط المدينتين تحت الاحتلال الإسباني إلى ضعف إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، حين بدأ الخلاف يدب بين أمراء المسلمين في الأندلس، وصاح فوق كل غصن ديك بتعبير لسان الدين بن الخطيب في وصف حالة الاقتتال بين الأمراء، فانتهز زعماء قشتالة -إسبانيا حاليًا- الفرصة للقضاء على الوجود الإسلامي في هذه البقاع الإسلامية، فيما سُمِّي بحروب الاسترداد، وكانت غرناطة آخر هذه القلاع التي سقطت عام 1492م.
والمعروف تاريخيًّا أنه بعد سقوط الأندلس، أطلق بابا الفاتيكان يد إسبانيا في الساحل المتوسطي للمغرب، والبرتغال في الساحل الأطلسي، وعلى حين سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام 1415م، بقيادة الأمير هنري الملاح الذي كان يهدف إلى القضاء على نفوذ المسلمين في المنطقة ونشر المسيحية، وأحرق الأسطول البرتغالي مساجد سبتة وحوّلها إلى كنائس، وأحرقت كتب من كانت تعتبر أهم مراكز الحركة العلمية في السواحل المغربية. في حين بقيت مليلة تقاوم جيوش الأسبان حتى سقطت عام 1497م، في إطار خطة عامة للأسبان والبرتغاليين لمحاصرة أقاليم الغرب الإسلامي واحتلال أراضيه، ومن ثَم تحويلها إلى النصرانية؛ عملاً بوصية ملكة إسبانيا إيزابيلا الكاثوليكية التي كانت تعتبر نفسها ألد أعداء المسلمين، والتي نصَّت على ضرورة قيام الكاثوليك بغزو بلاد المغرب وتحويل المسلمين المغاربة إلى الدين النصراني، ورفع علم الصليب المسيحي عليه بدلاً من أعلام الهلال الإسلامي، وأصبحت المدينة إسبانية عندما تولى فيليب الثاني ملك إسبانيا عرش البرتغال عام 1580م، وبعد اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال تنازلت الأخيرة بمقتضى معاهدة لشبونة 1668م عن سبتة لإسبانيا.
- ومنذ احتلال المدينتين وإسبانيا تمارس حملة شرسة من أجل طمس الهوية الإسلامية والعربية لهما، بجهود لا تختلف في شيء عن تلك التي بذلها الصليبيون في كل بقعة إسلامية وضعوا أيديهم عليها، أو تلك التي يبذلها الصهاينة في فلسطين اليوم، فدُكت الصوامع وهُدمت المساجد. ويذكر المؤرخون أنه عندما سقطت مدينة سبتة كانت مآثرها تفوق مآثر القيروان، إذ كان فيها ألف مسجد ونحو مائتين وخمسين مكتبةً، ولم يبق من هذه المعالم الحضارية الإسلامية سوى مساجد قليلة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة.
كما وضعت إسبانيا إجراءات قانونية مختلفة للحد من هجرة المسلمين نحو المدينتين؛ بهدف محو الوجود الإسلامي بالتدريج، وشجعت في المقابل الهجرة الإسبانية وهجرة اليهود الذين تزايد عددهم في الستينيات والسبعينيات، خصوصًا في مدينة سبتة، كما ضيقت على السكان المسلمين هناك ومنعتهم من تراخيص البناء وحاصرت نشاطاتهم الدينية والثقافية، وقد تم ذلك على نار هادئة وعبر مئات السنين حتى أصبح كثير من المسلمين يجهل أن ثمة احتلالاً إسبانيًّا لتلك البقاع، وطوي النسيان جراح أهلها ودرست معالم الإسلام حتى كانت انتفاضة يوم الثلاثاء 26 أكتوبر الماضي.
موقع قصة الاسلام