إشراقة الفجر
11-24-2010, 10:54 AM
همة في طلب العلم
العلم من أجل المطالب الشرعية ,والمقاصد الإنسانية ، أجمع عليه العقلاء، واتفق عليه العارفون.
(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكّر أولو الألباب)
[الزمر9]
وقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول : " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله له به طريقا إلى الجنة"أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة
وغيرها من الأدلة التي تحث على طلب العلم والسعي في تحصيله
ولوعدنا بالزمن للخلف ,لوجدنا من سير السلف والصالحين والعظماء مايدل على اهتمامهم بالعلم, وقطعهم القفار والفيافي, وتحملهم لمشاق الترحال من بلد لأخر,
طلباً للعلم حتى كان بعضهم يسافر مسيرة شهر لأجل أن يحصل على حديث واحد.
فقدسافر جابر بن عبد الله شهراً كاملاً على جمل إلى ( العريش) في مصر ، فلما وصل هناك طرق على عبد الله بن أنيس الباب، فخرج إليه عبد الله فسأله عن حديث الحوض فأخبره وطلب منه الدخول فأبي جابر وقال: رحلتي إلى الله ، والله لا أجلس أبداً، فمشي شهراً وعاد شهراً ، غدوة شهر ورواحة شهر!..
وطلب العلم يحتاج لعزيمة صادقة, وصبر قوي
ومن لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل ابداً«.
ونبي الله موسي عليه السلام ـ من قبل ـ ضرب أروع الأمثلة في طلب العلم والصبر على ذلك ، وهو نبي معصوم يوحي اليه: ( لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً)(الكهف: 60).
وروي عن الإمام الشافعي أنه قال: العلم بطي اللزام، بعيد المرام، لا يدرك بالسهام، ولا يورث عن الآباء والأعمام، إنما هو شجرة لا تصلح إلا بالغرس، ولا تغرس إلا في النفس، ولا تسقى إلا بالدرس، ولا يحصل إلا لمن أنفق العينين، وجثا على الركبتين.
و طلاب العلم يرضون بالقليل من الزاد لينهموا من العلم الخير الكثير.
فخلوتهم مع صحيح البخاري ومسلم ألذ عندهم من أشهى الأطعمة, وأحسن من ملك الدنيا جميعاً، واليك بعض النماذج السامية: طلب( شريك) العلم أربعين سنة، قال: طلبت العلم والله ما كان زادي في اليوم إلا كسرة خبز!.. وحضر في مجلس فيه وزير عباسي قد غاص في الركايا وفي الطنافس، فحدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، فقال الوزير : ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون: 24) ، فقال له شريك ـ وكان سريع البديهة ـ: من أين تسمع بهذا وأنت تأكل الخبيص وتجلس على الطنافس ، وتغنيك الجواري؟!. وعرض به أحد خلفاء بني العباس حين قال له : أنت تحب عليا ، فأجابه : أحبه حتى الدماغ ، فقال له : أواه من يوم عليك أظنك زنديق !، فقال شريك : الزنديق له ثلاث علامات، قال : ما هي ؟ قال: يترك صلاة الجماعة، ويشرب النبيذ، ويسمع الجواري!، قال: كانك تعرض بي وتلمح!، قال: ما ألمح لكن أقصدك!!.
وعلاقة طالب العلم بكتابه أغنته عن الدنيا وملذاتها.
والزمخشري يقول في قصيدة ماتعة:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من ضرب غانية وطيب عناق
والمعني: سهري مع الكتب والدفاتر أحسن عندي من أن أعانق امرأة جميلة ، أو أخلو بجارية فاتنة، هكذا علت نفسه.
وابن عبد البر مكث مع كتاب التمهيد ثلاثين سنة ليلاً ونهاراً ، ثلاثون سنة مع الكتاب يفليه، يكتبه، ينسخه ، يشرحه، ثم يقول :
سمير فؤادي من ثلاثين حجة
وصقيل ذهني والمفرج عن همي
وقد نظم الشيخ د.عائض القرني أربعة أبيات من باب التشبه بابن عبد البر فقط لا غير:
ثلاثون عاماً والدفاتر صحبتي
وقد صانني عن كل لهو وغفلتي
ثلاثون عاماً كلما قلت قد كفي
لأرتاح في داري وأحسو معيشتي
أبت همتي إلا الصعود إلى العلا
إذا أنهد جسمي صارفي القلب قوتي
والعلم لايأتي بين ليلة وضحها, بل من يطلب العلم يقضي السنوات الطوال في تحصيله.
قيل لابن عباس: كيف حصلت على هذا العلم؟ قال : بتوشد ردائي في القيلولة ، والريح تسف على وجهي من الرمل ومن وهج الصحراء ثلاثين سنة!
وقيل للشعبي: بم حصلت على هذا العلم؟ قال: بسهر طير النوم من عيني، وبسهاد، وبتبكير كتبكير الغراب.
وقالوا لعطاء : كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: بتوسد فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة !.. ثلاثون سنة لا يعرف بيته طلباً للعلم، أما طلبة العلم في هذا الزمان ـ إلا من رحم ربك ـ فإن أحدهم يدخل إلى الجامعة أربع سنوات فأكثر ، ثم يخرج وهو جاهل، ثم يري أنه إمام الدنيا وحافظ العصر ، يقول أحدهم في دخول للكلية:
ودخلت فيها جاهلاً متواضعاً
وخرجت منها جاهلاً دكتورا!
يقول : كنت قبل دخول الكلية جاهلاً لكني متواضع ؛ اسلم على رأس أبي، وأقبل كف أمي، وأجلس مع زملائي، فلما درست وتعلمت لسنوات خرجت فلا تواضع ولا احترام ولا أدب !..، وهذه صورة قبيحة لطالب العلم.
العلم مُلك عظيم ,فهنيئاً لمن كان له هذا الملك وحافظ عليه.
جلس محدث من المحدثين الكبار ـ ذكره الذهبي وغيره ـ، فرأى ألف عمامة أمامه، كلهم يكتبون الحديث ، مع كل عمامة قلم، مع كل قلم محبرة، مع كل محبرة كتاب، مع كل كتاب دفتر، فدمعت عيناه وقال: هذا والله الملك لا ملك المأمون والأمين ، ثم أنشد فرحاً:
إني إذا احتوشتني ألف محبرة
يروون حدثني طوراً وأخبرني
ناديت في الجمع والأقلام مشرعة
تلك المكارم لا قعبان من لبن
قال أبو الأسود : ليس شيء أعز من العلم الملوك حكام على الناس,والعلماء حكام على الملوك
ويذكر أنه في ليلة من الليالي كان إسحاق بن منصور (تلميذ أحمد بن حنبل ) في خراسان، فرجع بعد ما روى الحديث سبع سنوات وكتبه في قراطيس ، فأمطرت السماء في الليل ، فوضع الكتب والدفاتر تحت بطنه واحتضنها والبرد يصب على ظهره ، والمطر البارد يغطي جسده، والريح تسف على وجهه، وهو يحتضن دفاتره لئلا تمسح بالماء بعد رحلة سبع سنوات ، عاش طويلاً ومات ، فرآه أحد الصالحين في الجنة ، قال : ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي بليلة المطر يوم انحنيت على الدفاتر وحضنت أوراقي .
وختاماً
نقول: إن الإنسان مهما ذاق حلاوة العلم فإنه يزداد نهمه ويزداد طلبه ولا يشبع أبدا، سواء كان يقرأ القرآن، أو يقرأ كتب السنة، أو يقرأ كتب أهل الفقه وأهل العلم النافع، أو يقرأ أيضا في كتب أهل الآداب والأخلاق التي فيها محاسن الأعمال ومساوئها، أو ما أشبه ذلك.
ولن يجد لذلك نهاية، لذلك روي في بعض الآثار: منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب علم، والمنهوم هو: الذي له نهمة وهمة تدفعه، فطالب الدنيا مهما حصل منها لا يشبع ولا تنتهي رغبته، كذلك طالب العلم مهما حصل لا يزال يواصل الطلب، ولا يزال يتعلم حتى يصل إلى آخر حياته.
وكـنزٌ لا تخـاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
يزيد بكـثرة الإنفـاق منه وينقـص إن به كـفاً شددتا
فلو قد ذقت من حلواه طعماً لآثـرت الـتعلم واجـتهدتا
ولم يشغلك عنه هوىً مطاعٌ ولا دنيا بزخـرفها فـتـنتا
المراجع
إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي
السمو لـ د. عائض القرني
المصدر
منتدى مهارات اللغة العربية
العلم من أجل المطالب الشرعية ,والمقاصد الإنسانية ، أجمع عليه العقلاء، واتفق عليه العارفون.
(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكّر أولو الألباب)
[الزمر9]
وقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول : " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله له به طريقا إلى الجنة"أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة
وغيرها من الأدلة التي تحث على طلب العلم والسعي في تحصيله
ولوعدنا بالزمن للخلف ,لوجدنا من سير السلف والصالحين والعظماء مايدل على اهتمامهم بالعلم, وقطعهم القفار والفيافي, وتحملهم لمشاق الترحال من بلد لأخر,
طلباً للعلم حتى كان بعضهم يسافر مسيرة شهر لأجل أن يحصل على حديث واحد.
فقدسافر جابر بن عبد الله شهراً كاملاً على جمل إلى ( العريش) في مصر ، فلما وصل هناك طرق على عبد الله بن أنيس الباب، فخرج إليه عبد الله فسأله عن حديث الحوض فأخبره وطلب منه الدخول فأبي جابر وقال: رحلتي إلى الله ، والله لا أجلس أبداً، فمشي شهراً وعاد شهراً ، غدوة شهر ورواحة شهر!..
وطلب العلم يحتاج لعزيمة صادقة, وصبر قوي
ومن لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل ابداً«.
ونبي الله موسي عليه السلام ـ من قبل ـ ضرب أروع الأمثلة في طلب العلم والصبر على ذلك ، وهو نبي معصوم يوحي اليه: ( لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً)(الكهف: 60).
وروي عن الإمام الشافعي أنه قال: العلم بطي اللزام، بعيد المرام، لا يدرك بالسهام، ولا يورث عن الآباء والأعمام، إنما هو شجرة لا تصلح إلا بالغرس، ولا تغرس إلا في النفس، ولا تسقى إلا بالدرس، ولا يحصل إلا لمن أنفق العينين، وجثا على الركبتين.
و طلاب العلم يرضون بالقليل من الزاد لينهموا من العلم الخير الكثير.
فخلوتهم مع صحيح البخاري ومسلم ألذ عندهم من أشهى الأطعمة, وأحسن من ملك الدنيا جميعاً، واليك بعض النماذج السامية: طلب( شريك) العلم أربعين سنة، قال: طلبت العلم والله ما كان زادي في اليوم إلا كسرة خبز!.. وحضر في مجلس فيه وزير عباسي قد غاص في الركايا وفي الطنافس، فحدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، فقال الوزير : ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون: 24) ، فقال له شريك ـ وكان سريع البديهة ـ: من أين تسمع بهذا وأنت تأكل الخبيص وتجلس على الطنافس ، وتغنيك الجواري؟!. وعرض به أحد خلفاء بني العباس حين قال له : أنت تحب عليا ، فأجابه : أحبه حتى الدماغ ، فقال له : أواه من يوم عليك أظنك زنديق !، فقال شريك : الزنديق له ثلاث علامات، قال : ما هي ؟ قال: يترك صلاة الجماعة، ويشرب النبيذ، ويسمع الجواري!، قال: كانك تعرض بي وتلمح!، قال: ما ألمح لكن أقصدك!!.
وعلاقة طالب العلم بكتابه أغنته عن الدنيا وملذاتها.
والزمخشري يقول في قصيدة ماتعة:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من ضرب غانية وطيب عناق
والمعني: سهري مع الكتب والدفاتر أحسن عندي من أن أعانق امرأة جميلة ، أو أخلو بجارية فاتنة، هكذا علت نفسه.
وابن عبد البر مكث مع كتاب التمهيد ثلاثين سنة ليلاً ونهاراً ، ثلاثون سنة مع الكتاب يفليه، يكتبه، ينسخه ، يشرحه، ثم يقول :
سمير فؤادي من ثلاثين حجة
وصقيل ذهني والمفرج عن همي
وقد نظم الشيخ د.عائض القرني أربعة أبيات من باب التشبه بابن عبد البر فقط لا غير:
ثلاثون عاماً والدفاتر صحبتي
وقد صانني عن كل لهو وغفلتي
ثلاثون عاماً كلما قلت قد كفي
لأرتاح في داري وأحسو معيشتي
أبت همتي إلا الصعود إلى العلا
إذا أنهد جسمي صارفي القلب قوتي
والعلم لايأتي بين ليلة وضحها, بل من يطلب العلم يقضي السنوات الطوال في تحصيله.
قيل لابن عباس: كيف حصلت على هذا العلم؟ قال : بتوشد ردائي في القيلولة ، والريح تسف على وجهي من الرمل ومن وهج الصحراء ثلاثين سنة!
وقيل للشعبي: بم حصلت على هذا العلم؟ قال: بسهر طير النوم من عيني، وبسهاد، وبتبكير كتبكير الغراب.
وقالوا لعطاء : كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: بتوسد فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة !.. ثلاثون سنة لا يعرف بيته طلباً للعلم، أما طلبة العلم في هذا الزمان ـ إلا من رحم ربك ـ فإن أحدهم يدخل إلى الجامعة أربع سنوات فأكثر ، ثم يخرج وهو جاهل، ثم يري أنه إمام الدنيا وحافظ العصر ، يقول أحدهم في دخول للكلية:
ودخلت فيها جاهلاً متواضعاً
وخرجت منها جاهلاً دكتورا!
يقول : كنت قبل دخول الكلية جاهلاً لكني متواضع ؛ اسلم على رأس أبي، وأقبل كف أمي، وأجلس مع زملائي، فلما درست وتعلمت لسنوات خرجت فلا تواضع ولا احترام ولا أدب !..، وهذه صورة قبيحة لطالب العلم.
العلم مُلك عظيم ,فهنيئاً لمن كان له هذا الملك وحافظ عليه.
جلس محدث من المحدثين الكبار ـ ذكره الذهبي وغيره ـ، فرأى ألف عمامة أمامه، كلهم يكتبون الحديث ، مع كل عمامة قلم، مع كل قلم محبرة، مع كل محبرة كتاب، مع كل كتاب دفتر، فدمعت عيناه وقال: هذا والله الملك لا ملك المأمون والأمين ، ثم أنشد فرحاً:
إني إذا احتوشتني ألف محبرة
يروون حدثني طوراً وأخبرني
ناديت في الجمع والأقلام مشرعة
تلك المكارم لا قعبان من لبن
قال أبو الأسود : ليس شيء أعز من العلم الملوك حكام على الناس,والعلماء حكام على الملوك
ويذكر أنه في ليلة من الليالي كان إسحاق بن منصور (تلميذ أحمد بن حنبل ) في خراسان، فرجع بعد ما روى الحديث سبع سنوات وكتبه في قراطيس ، فأمطرت السماء في الليل ، فوضع الكتب والدفاتر تحت بطنه واحتضنها والبرد يصب على ظهره ، والمطر البارد يغطي جسده، والريح تسف على وجهه، وهو يحتضن دفاتره لئلا تمسح بالماء بعد رحلة سبع سنوات ، عاش طويلاً ومات ، فرآه أحد الصالحين في الجنة ، قال : ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي بليلة المطر يوم انحنيت على الدفاتر وحضنت أوراقي .
وختاماً
نقول: إن الإنسان مهما ذاق حلاوة العلم فإنه يزداد نهمه ويزداد طلبه ولا يشبع أبدا، سواء كان يقرأ القرآن، أو يقرأ كتب السنة، أو يقرأ كتب أهل الفقه وأهل العلم النافع، أو يقرأ أيضا في كتب أهل الآداب والأخلاق التي فيها محاسن الأعمال ومساوئها، أو ما أشبه ذلك.
ولن يجد لذلك نهاية، لذلك روي في بعض الآثار: منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب علم، والمنهوم هو: الذي له نهمة وهمة تدفعه، فطالب الدنيا مهما حصل منها لا يشبع ولا تنتهي رغبته، كذلك طالب العلم مهما حصل لا يزال يواصل الطلب، ولا يزال يتعلم حتى يصل إلى آخر حياته.
وكـنزٌ لا تخـاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
يزيد بكـثرة الإنفـاق منه وينقـص إن به كـفاً شددتا
فلو قد ذقت من حلواه طعماً لآثـرت الـتعلم واجـتهدتا
ولم يشغلك عنه هوىً مطاعٌ ولا دنيا بزخـرفها فـتـنتا
المراجع
إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي
السمو لـ د. عائض القرني
المصدر
منتدى مهارات اللغة العربية