PDA

View Full Version : الإنهزامية



غريب الديارdz
12-08-2010, 11:45 AM
الإنهزامية 22/12/2004


وأنا أستنطق اللحظات علها تنبئ بما لم أدركه، ولم أحط به خبرا ، ولم أسطع عليه صبرا ، إستجوبتها إستفسرتها لكنها لم تجب ، كأنها صماء بكماء ، لكنها حائرة مبهوتة –وهي راحلة إلى حيث لا ندري- مما قد حلّ بهذا العالم ،وبما تدور عليه رحاه،وقد أُقتُحِم الوغى وحمي الوطيس ، ولا مناص ولا مفر ، فتضاربت الأفكار وتباعدت المفاهيم ، وتمرّدت منهجية الحوار ،واستؤصِلت الحجج الدامغة ،وزهقت الدلائل البراهين، واستفحلت المماحكة والمماطلة ،وتفشى الحجاج واللجاج،وتطرّفت القضايا واختلفت ،وتشيعت العقول وتحزبت وتقطعت الأواصر ،وتمزقت الأكباد ،وتجرّدت العلوم ،وتداعت الخصوم واختلت الموازين، فانهزمت النفوس وتلاشت المبادئ،وانتحر الحماس والعزيمة ،وتمرّغ السؤدد والأنفة، وتشكلت القبائل فتشعّبت وتفرّقت ، فحدث ما نرى وما نسمع ، وما تحمل الأيام عنا من أخبا ر وخطايا وأوزار ، تؤرخ في صفحات الزمن ،وتدوّن في سجل الأزل، لنقراها يوم نخرج من الأجداث سراعا،

إنها صراعات العصر المتضاربة الدائمة،التي تولـّد عنها الظلم بكل ألوانه وأثوابه،إلا أنه نـُمّق ولفّق فصار له لمعان كبريق العدل والمساواة ،فتوهّمه الجاهل كذالك ،

إن الكلّ يتتبّع الأحداث في العراق وفلسطين وسائر بلاد المسلمين ،من قبائل العرب المتناحرة ،وإن الكثير من شباب العرب ، أو شباب العزف والطرب، يرون أن أكبر غلطة وقعت فيها قبيلة العراق أو قوم بني صدام، هي عدم الإذعان والإستسلام لقبائل بني الأحمر ،لأنهم هم الأقوى ،وحتى الآن لا يزالون يرونهم هم الأقوى ، والخنوع والخضوع لهم أمر حتميّ لا مناص منه ،وهذا ليس فكر أبعاض من الشباب وحسب،بل حتى شيوخ القبائل، وأصحاب المعالي والتجارة ،وأصحاب العير والبعير، وجزّارة البهائم والحمير ،وبعض من أصحاب الحور والكور،والفهم والفكر ،من الذين "يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"إلا أن أكثرهم اقتناء لهذا الفكر هم مقلِّدو لاعبي الكرة ،بالقزوع والأثواب من أصحاب "النقرة"، وإن ما يدعو إلى العجب، إن لم أقل إلى اللطم والندب،هي كلمة كبرت خرجت مكن فاه شاب من أصحاب " النقرة "كما يسمون أنفسهم ،ولعلهم ممن تنقر عليهم نقرة بوق إصرافيل (عليه السلام) وإنها لتنقر على شرار الخلق، ومثل هذا الشاب كثيرون ممن يقولون بقوله يا للأسف ،أو ممن سوق لهم أدعياء العمالة عبر وسائلهم الكثيرة المتعددة ،فارتشفتها عقولهم بهدوء،قال :إن أمريكا حرّرت العراق أو شعب العراق من صدام وأبنائه ،وهذا القول لن يكون إلا من وكالة الأنباء الأمريكية ، لكن بلسان عربي وفكر غربي،يقولها بكل صدق وإخلاص وعن قناعة وإيمان ،ويحاجج ويلاجج لها،ويماحك ويماحل بها، إلتفت إليه ،وقد بهت وتدلـّهت ،ولو لم أكن أعرفه لظننته من إحدى قبائل بني عبدون أو بني عبدان أو بني دهشان وقزمان ،ممن شاركوا بالنفس والنفيس مع ربهم البديل بوش لإسقاط نظام صدام واحتلال العراق ، كل ما يفعل بإخواننا هناك في الشوارع والمدن والسجون من تقتيل وتشريد وتذبيح وتعذيب وتنكيل وانتهاك للأعراض وسبي وذل وهوان ،يسمونه بالتحرر، ألا من يكون من يقول هذا ديوثا يرضى لأهله ما قد رضي لإخوانه هناك ،أم أنه على دين بني الأحمر، يبيح ما يبيحون ،أم هي سياسة الجاهلية الأولى ،فهو لا يزال يؤمن باللات والمنات ،ولا شأن لقبيلة بأخرى ،حتى وإن كانوا إخوانا وأخوالا وأعماما ،تجمعهم الأعراق والدماء، وتفرقهم السياسة الغباء، فأحدثوا ما أحدثوا من حروب كالداحس والغبراء والباسوس والأوس والخزرج وغيرهم حينذاك، وكأن التاريخ يعيد نفسه ،ولو كانت الحرب تختلف ؛أو لعله – الشاب الذي قال أن أمريكا حررت العراق-من تمكن منهم إعلام بني الأحمر ،فغسل عقولهم وخوفهم بقوته فصاروا يرون أنه لا طاقة لهم عليه ، ويعتقد أنها القوة التي لا تقهر ،وإني أحسب أن اعتقاده من عقيدة الإنهزامية ،لأن عقيدة أهل التوحيد لا تسلـِّم لقوانين المادة ،ولا يعرفون الإنهزامية والجبن ،بل الإنهزامية هي التي لا تعرف سبيلا إلى نفوسهم؛

إن هؤلاء الذين يرون أنه لا طاقة لنا على بني الأحمر –لأن لهم ما لهم من الترسنة والعتاد-متجاهلين القوة التي لا تقهر ،القوة الربانية ، وإلا فهل كان الجزائريون إبّان فترة الإحتلال الفرنسي الغاشم يملكون الطائرات والمدافع وغيرها ؟ أما كانوا لا يملكون سوى العصي والخناجر ومن بنادق الصيد شيء يسير، فأين هي فرنسا الآن؟ فلو كان جيل الأمير عبد القادر ومن خطى خطاه ،وجيل نوفمبر يفكرون كما يفكر جيل النقرة ،وكما يفكر بعض المحسوبين على التيار الإسلامي لكانت الجزائر لا تزال تقبع تحت وطأة الإحتلال الفرنسي ،فلو الْتفتوا إلى ضعفهم وقارنوا بعتادهم لانْهزمت نفوسهم ،ولا ما حاربوا وقاوموا ،لأن العصي وبنادق الصيد لا تسقط الطائرات ،ولا ترد المدافع ،لكنهم كانوا مختلفين عن جيل النقرة ،سواء في قبيلتنا أو القبائل الأخرى ،إنهم كانوا يؤمنون بقوة الله تعالى وبنصره الذي وعدهم به ،نصر الضعيف المظلوم ،والفئة القليلة المؤمنة الصابرة ،كما في غزوة بدر ،ومعركة طالوت ضد جيش جالوت وغيرهما ، ولذلك كانوا مقبلين مقدمين غير مدبرين بكل عزم وإرادة،وهم مؤمنون بإحدى الحسنيين ،فكان لهم ذلك ،صدقوا الله فصدقهم ، وليس كجيل النقرة الذي كأنه يشك في قدرة الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا )وأستغفر الله العظيم ،فرأوا أن بني الأحمر لن يهزموا فهزمت نفوسهم،فسلط الله علينا الذل والهوان حتى صارت قبائل العرب أذنابا تابعة تعيش على فتاة الغرب ،أما كانت هناك أمم أقوى وأعتى ،كفارس والروم ،أما حملوا الرايات البيض تحت صولة ووطأة خيول المسلمين ، إذن لماذا لا نكون مثلهم ؟كان الرجل منهم بألف رجل ،أين كفؤ القعقاع بن عمرو التميمي( رضي الله عنه) كان يعدل ألف رجل ،حتى قيل فيه، إن جيشا في القعقاع لن يهزم ، ولن هذه عند أصحاب النحو تفيد التأبيد ، فما الفرق بين مسلي اليوم ومسلموا الأمس ، ألأنهم كانوا قليلون ونحن كثيرون، لكننا غثاء كغثاء السيل ، أم لأنهم كانوا بلا جيوش متعاقدة واحتياطية وبلا سلاح ،ونحن اليوم خصصنا أكثر دخل دويلاتنا للجيوش، التي تأكل وتتغوط وليس لها غير ذاك ، وللسلاح الذي مآله الكساد والصدأ؛ بيْد أنهم كانوا موحّدين ونحن مبعثرين ،وكانوا على رأي واحد، وقلب واحد، ودين واحد ، ونحن مختلفون متخالفون متناحرون متباغضون ،وكانوا متمسكين غير متهاونيين ،ونحن متكاسلون مذبذبون غير مبالون ،هذه هي بعض الفروق التي جعلت منهم رجالا أسيادا ، وجعلت منا أنكادا أجسادا ، فأي الفريقين خير ؟ جيل تربى في كنف الإسلام ،وتخرج من مدرسة محمد (صلى الله عليه وسلم) فظلت به رايات الجهاد والعز خمائلا في الأيك والذرى ،...أم جيل الشات والمنقوشات (1) الذي تربى في كنف الغرب ،وتخرج من المدرسة النابليونية ،فتعفّر وتمرغ في وحل التخلف والخلاف والإنحطاط ؛ إن هذا الجيل "النقرة" قد اكتسب هذه الخبرة والحنكة والتجربة التي لا تحاذيها أخرى في التذلل والهزيمة ، من تلك التي يسمونها بالثقافة ،والتي ضيقوا مفهومها فصارت عندهم هي: الرقص والغناء والتشبه بالنساء،بل ومنافسة النساء على المرآة والزينة ،واسترجال النساء ،والقزع والجال والقنوات المقعرة وآخر الصيحات والموضات، هذه هي الثقافة بمفهومهم ، ولو نظرت إلى القائمين عليها "لكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا" قد قلدوا الغرب قلبا وقالبا حتى صاروا لا ينتمون إلى الإسلام والعروبة إلا بأسمائهم ،وإن منها ما حذف وحرف فصار اسم محمد عندهم "حمِّي"وأحمد "حمِّطوا" وفاطمة "فاتي" و"فيفي" وغيرها من أسماء ربما تشمئز لها أسماء الجاهلية الأولى ، إنهزمت نفوسهم حتى صار لا يوجد على الأرض أهزم ولا أنبس ولا أضعف ولاأخوف منهم ، فالأرنب تخاف فتهرب ،وإن أدركت تقاوم ،كما الشاة تقاوم ،فما بال هذا الجيل يضرب ويقبّح بل يقتل ويذبّح ولا يحرك ساكنا ،قد أنبس وطأطأ رأسه، يخشى أن يرفع رأسه فيلطم على وجهه ،هذا هو حالنا ،وإذا كنتم تودون أن تعرفوا كيف تجردنا من عروبتنا وتاريخنا وثقافتنا ،فتعالوا نعيش في عجالة مصيبة من المصائب التي تتفطر لها القلوب والأكباد ،إنها مصيبة موت الشباب ، ويا ليته مات فأقبر وهلَّ عليه التراب ،لكان يعذر بموته ، ولكنه مات وهو حي يرزق ، وهذه المصيبة عينة بسيطة للقياس ، وإن هناك ما هو أكبر وأخطر ،مثل الموالات والتولي ممن يحسبون على الإسلام ، والله المستعان ، توجهت إلى إحدى المقاهي وإذ بي ألاحظ قبل دخولي إليه أنه مكتض عن آخره ، والهتافات والصيحات والتصفيقات ،وصدقوني حتى الزغردات ،مع أنه لم تكن هناك نسوة ،فكلهم شباب يا ليت الشباب وارهم التراب ،

ليت العروب أبيدت قبل كبْوتِها لكان يعتز من يذكر ماضيها

نبْديهِ عزًّا ونفخرْ دون مفخرةٍ وعيشة الذلِّ أصبحنا نواريها

دخلت المقهى وإذا بها مقابلة في كرة القدم ،فقلت لا ريب هو الفريق الوطني ولعلي أرى كيف صار ،وألقيت بصري إلى التلفاز وإذا بالرجال غير رجالنا، والأثواب غير أثوابنا ،والرايات غير راياتنا ،والألوان غير ألواننا فتثبّت الأمر ،وإذا بالفريقين من إسبانيا ،مجريط وبرشلونة التى كانتا في يوم من الأيام برايات جيل القعقاع بن عمرو ، فقلت هل هذا الجيل الذي يحرّر القدس والعراق وافغانستان ،كلا ،كيف يحررهم وهو لم يحرر نفسه من التبعية والخوف والتقليد والإنهزامية ، وكيف يحررهم وهو يهتف لمن جيوشهم تقتل وتشرد بأرض العرب ،إنه لن يأتي من هؤلاء إلا الهزيمة والخذلان ،سمعت أحدهم- وأنا أعرفه وأعرف معاناته يكاد يبيت على الطوى-يقول :لقد بتُّ دون عشاء لأن البارصا خسرت ،تعجبت وقلت أليس هذا الغزو الظالم على العراق قد أتى على الأخضر واليابس ،لكن الشاب المحترم أكل حتى التخمة ونام ملء الجفون لا يحس بشيء، ولخسارة البارصا يبيت على الطوى ،ياللعجب ،عظّم الله أجركم وأجرنا في مصابنا الجلل ،كان صلاح الدين( رحمه الله ) يمر على الخيام ليلا يتفقد الجند ، فمن وجدهم يتدارسون القرآن والسنة ،قال: من هنا يأتي النصر ،ومن وجدهم يتحدثون في أمور الدنيا ،قال: من هنا تأتي الهزيمة ،فلو وجد من بينهم من يهتف للصلبيين لكان له فيه شأن آخر ،وإن في جيوشنا من يحب البارصا أكثر مما يلبس ،وعلى ما يلبس ، فإلى أين يا شباب المسلمين؟ ،وإلى متى؟ أما آن للقافلة أن تتحرك لتبرح أرض الإنهزامية والإنحطاط ،إلى أرض النصر والرقي والإزدهار ، فيا شباب المسلمين أفيقوا ،فأمريكا تزحف من قبيلة إلى قبيلة ،ولن تتوقف حتى يأفل الضاد ، ويتغير الإعتقاد ،وتنطفئ الفتيلة ،وتعمّ الرذيلة ، فأدركوا أنفسكم وأهليكم ،"والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه" أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، وكل على قدر استطاعته ،ولا حول ولا قوة إلا بالله

1-الشات المحادثة الكتابية عبر الأنترنيت،والمنقوشات هي: الحلق من الحلي اللتي توضع في الأذن

والسلام عليكم ،غريب الديارالجزائري

من لمدينة الحمراء في 22/12/2004