PDA

View Full Version : مع مبادئ الأخلاق في القرآن العظيم - سلسلة متجددة



amata.allah
12-27-2010, 07:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا وحبيبنا سيدنا محمد صلى الله عليه واله وسلم.
نعيش في هذا البحث إن شاء الله تعالى مع أعظم دستور للمعاملات عرفه الإنسان . حيث الأداب الربانية الرفيعة والأخلاق التي إن طبقناها لأصبحنا خير أمة أخرجت للناس.
ويعتمد هذا البحث على كتاب الله ( القرآن العظيم ) والأحاديث الصحيحة التي وردت في كتب الصحاح كالبخاري ومسلم . والمراجع العلمية التي أهتمت بهذا الجانب وهي كثيرة .
. والله الموفق إلى صالح الأعمال.


الجزء الأول


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ -1 الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -2 الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ -3 مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ -4 إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ -5 اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ -6 صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-7



****


نلاحظ هنا كيف بدأ القرآن العظيم بصفة الرحمة لله عز وجل ليدلك أن الإسلام كله رحمة .
قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ -107 الأنبياء


الرحمن الرحيم


الاسمان مشتقان من الرحمة , الرحمة التامة وهي إفاضة الخير على العباد.
والرحمة العامة تعم جميع الخلائق , فإن رحمة الله تامة عامة
ومن رحمة تعالى أن أنعم علينا بالإيجاد ثم بالهداية للإيمان
ثم بأسباب السعادة في الدنيا ثم السعادة في الأخرة
قال رسول الله :
إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي ، فهو مكتوب عنده فوق العرش .
الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 7554
خلاصة الدرجة: صحيح



وقال رسول الله :
إن لله مائة رحمة . أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام . فبها يتعاطفون . وبها يتراحمون . وبها تعطف الوحش على ولدها . وأخر الله تسعا وتسعين رحمة . يرحم بها عباده يوم القيامة
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 2752
خلاصة الدرجة: صحيح


وقال رسول الله :
الراحمون يرحمهم الله ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء
الراوي: عبدالله بن عمرو بن العاص المحدث: ابن دقيق العيد - المصدر: الاقتراح - الصفحة أو الرقم: 127
خلاصة الدرجة: صحيح
فيجب أن نتخلق بهذا الخلق ألا وهو الرحمة , فالراحمون يرحمهم الرحمن .


*****
خلق الاستقامة


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ


ندرك من الآية مدى قيمة الاستقامة على طريق الحق , فالطريق المستقيم هو أقرب الطرق الى الهدف أما الطرق المعوجة فلا تؤدي إلى شئ إلا الهلاك - والطريق المستقيم هو طريق المؤمنين الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والاخرة


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ.


*****


ومع أنوار سورة البقرة نلاحظ فضيلة التقوى من أولها , وكيف تؤدي التقوى بصاحبها إلى الفلاح في الدنيا والجنات في الاخرة , فالتقوى هي خوف من الله تعالى في القلب ينعكس على كل جوارح الإنسان فيكون عبدا ربانيا , لايعصي الله ولا يعصي رسول الله
قال تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الم -1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ -2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ -3 وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ -4 أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ-5


أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة, المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم, والحق المبين.
والهدى: ما تحصل به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة.
والتقوى اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه, بامتثال أوامره, واجتناب النواهي, فاهتدوا به, وانتفعوا غاية الانتفاع.
والهداية نوعان: هداية البيان, وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان,


فإقامة الصلاة, إقامتها ظاهرا, بإتمام أركانها, وواجباتها, وشروطها. وإقامتها باطنا بإقامة روحها, وهو حضور القلب فيها, وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ – 45 العنكبوت
وكثيرا ما يجمع الله تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن, لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود, وسعيه في نفع الخلق،
فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول, فلا يفرقون بين أحد منهم.
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم,


وفي نهاية الربع الأول بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات , بكل ما تعنيه كلمة الإصلاح , سواء للدنيا أو للآخرة.
قال تعالى:
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - 25


****
وإلى الجزء التالي إن شاء الله تعالى

روح النضال
12-28-2010, 08:24 PM
ماشالله تفسير مفيد
وفقك ربي لما يحب ويرضى

ام الرجال
12-29-2010, 10:08 AM
http://m002.maktoob.com/alfrasha/ups/u/26978/31670/395828.bmp

amata.allah
01-02-2011, 10:33 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سرني مروركم الكريم لموضوعي
وازداد بريقاً ولمعانا بوجودكم
جزاكم الله خيرا وجعله الله في ميزان حسناتكم لكم
مني أجمل تحية

amata.allah
01-02-2011, 10:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الجزء الثانى


وبعض آيات من سورة البقرة


وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - 148



فالخلق الذي ينبهنا اليه ربنا في الآية السابق هو الهمة وبذل الجهد والمنافسة الشريفة في عمل الخيرات, والخيرات كثيرة لا تعد ولكن حسبنا ان نقول أنها تشمل الخيرات التي تقربنا من الله تعالى سواء كانت للدنيا كاتقان العمل أو للآخرة بالصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد والبر بجميع اشكاله وألوانه.


*****
ومن الأخلاق التي وردت في هذا الجزء خلق الصبر .


قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ - 153
فالصبر هو: حبس النفس وكفها عما تكره, فهو ثلاثة أقسام:
صبرها على طاعة الله حتى تؤديها,
وعن معصية الله حتى تتركها,
وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها،
فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر, فلا سبيل لغير الصابر, أن يدرك مطلوبه، خصوصا الطاعات الشاقة المستمرة, فإنها مفتقرة أشد الافتقار, إلى تحمل الصبر, وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر, فاز بالنجاح,
فلهذا أمر الله تعالى به, وأخبر أنه ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: مع من كان الصبر لهم خلقا, وصفة, وملكة بمعونته وتوفيقه, وتسديده، فهانت عليهم بذلك, المشاق والمكاره, وسهل عليهم كل عظيم, وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة, تقتضي محبته ومعونته, ونصره وقربه, وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله, لكفى بها فضلا وشرفا،
وأما المعية العامة, فهي معية العلم والقدرة, كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وهذه عامة للخلق.


وأمر تعالى بالاستعانة بالصلاة لأن الصلاة هي عماد الدين, ونور المؤمنين, وهي الصلة بين العبد وبين ربه، فإذا كانت صلاة العبد صلاة كاملة, مجتمعا فيها ما يلزم فيها, وما يسن, وحصل فيها حضور القلب, الذي هو لبها فصار العبد إذا دخل فيها, استشعر دخوله على ربه, ووقوفه بين يديه, موقف العبد الخادم المتأدب, مستحضرا لكل ما يقوله وما يفعله, مستغرقا بمناجاة ربه ودعائه لا جرم أن هذه الصلاة, من أكبر المعونة على جميع الأمور فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأن هذا الحضور الذي يكون في الصلاة, يوجب للعبد في قلبه, وصفا, وداعيا يدعوه إلى امتثال أوامر ربه, واجتناب نواهيه، هذه هي الصلاة التي أمر الله أن نستعين بها على كل شيء.


وقال تعالى بعدها :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ -155 الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ -156 أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون -157

******


وجاءت في الجزء الثاني آيات الصيام وذلك لان مدرسة الصيام هي التي تخرج المتقين على أكمل وجه.


قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ -183


فالتقوى خلق عظيم يلزمه تدريبات عظيمة , والصيام مجال كبير لترسيخ هذا الخلق.
فالتقوى معناها الخوف من الله لكي لا ارتكب الآثام , والخوف في القلب ينعكس على جوارح الإنسان فلا ترى منه غش أو غدر أو خيانة لأنه يخاف يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.


فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقربا بذلك إلى الله, راجيا بتركها, ثوابه، فهذا من التقوى.
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه, لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم, فبالصيام, يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب, تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى.


******


وإلى الجزء التالي إن شاء الله تعالى

امل اسكندريه
01-02-2011, 10:44 PM
بارك الله فيك واثابك اختنا امة الله ؛

هيام فوزي
01-02-2011, 11:32 PM
اكملي ونحن نتابع معك اختي الفاضلة امة الله

وتم التثبيت وننتظر المزيد

http://www.p-yemen.com/highstar/arog4/p-yemen1%20(210).gif

amata.allah
01-04-2011, 09:08 PM
بارك الله فيك واثابك اختنا امة الله ؛




http://www.alathir.com/Gallery/images/rd/0039.gif

amata.allah
01-04-2011, 09:12 PM
اكملي ونحن نتابع معك اختي الفاضلة امة الله

وتم التثبيت وننتظر المزيد

http://www.p-yemen.com/highstar/arog4/p-yemen1%20%28210%29.gif



بارك الله فيك على ردك وعلى تثبيت الموضوع وعلى المتابعة
جزاك الله خيرا وجعله الله في ميزان حسناتك

amata.allah
01-04-2011, 09:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الثالث
وبعض آيات من سورة البقرة

لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ -256 اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - 257

نعيش اليوم مع مبدأ الحرية , وعلى قمتها الحرية الدينية .
هذا المبدأ قرره الإسلام قبل أن تعرف البشرية ما يسمى بحقوق الإنسان.
فالحرية هي أساس نهضة الأمم وتقدمها , فبقدر حرية الأفراد بقدر قوة دولتهم . ولا خوف من الحرية إن كان القانون يطبق على الصغير والكبير, الغني والفقير.

يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره،
والمكره ليس إيمانه صحيحا،

﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد اتخذوه حبيبا ووليا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومنَّ عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور.

وبهذا السلوك الواضح المعالم كانت معاملات سلفنا الصالح الذين فتحوا البلاد لتحرير البشرية من عبادة العباد إلى عبادة الخالق جل وعلى.
فانظروا كيف كانت قوتهم المستمدة من الحرية التي أعطاها لهم الله تعالى بإيمانهم . فإذا أردنا أن تكون لنا عزة وكرامة وسيادة في هذا العالم , يجب أن نرسخ مبدأ الحرية , التي كرمنا الله بها .
******

المعاملات المالية
أدب التعامل سواء بالقول أو الفعل

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ -262 قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ -263
أي: الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله، ولا يتبعونها بما ينقصها ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان ,ولا أذية له قولية أو فعلية، فهؤلاء لهم أجرهم اللائق بهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم الخير واندفع عنهم الشر لأنهم عملوا عملا خالصا لله سالما من المفسدات.

﴿قول معروف﴾ أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له ﴿ومغفرة﴾ لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي، فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى، لأن القول المعروف إحسان قولي، والمغفرة إحسان أيضا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان , فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنّ أو غيره،

أنظر أخي المسلم وينظر العالم معنا إلى مستوى الأخلاق في الإسلام ,

******

إن الإسلام يعتبر المال وسيلة للتعامل وليس سلعة في حد ذاته
ولو تحول المال إلى سلعة فسوف يحقق ربحا مؤقتا لفئة من الناس . ولكنه سيعود بالأزمات المالية والفقر على قطاعات كبيرة من المجتمع .
ولعل ما نلاحظه في هذه الأيام من إنهيار الإقتصاد لدول عديدة
من جراء ذلك المفهوم الخاطئ في التعاملات المالية .

وفي ظل الإنفاق تظهر لنا صورتين لنوعين من البشر
النوع الأول أناس ينفقون أموالهم ليلا ونهارا سرا وعلانية مما أنعم الله عليهم من ثروات , وتكون النتيجة زيادة تلك الثروات في الدنيا.. وفي الأخرة النعيم المقيم.
النوع الثاني أناس يبخلون بما أعطاهم الله من ثروات , بل يرمون تلك الثروة ( مثل القمح ) في البحار لكي لا يقل سعرها.
وحين ينفقون الأموال يأخذون عليها فوائد مضاعفة " الربا "

النموذج الأول

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ -274

النموذج الثاني

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ -275

الذين يتعاملون بالربا - وهو الزيادة على رأس المال-
لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون;
ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا, في أن كلا منهما حلال, ويؤدي إلى زيادة المال,
فأكذبهم الله, وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا; لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات,
ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك. فمن بلغه نهي الله عن الربا فارتدع , فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه, وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه,
فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين, ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه,
فقد استوجب العقوبة, وقامت عليه الحجة,
ولهذا قال سبحانه: (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

******

خلق الأمانة

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - 283

وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الناس لو اهتدوا بإرشاد الله تعالى لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه.

والأمانة لفظ جامع يتضمن موضوعات كثيرة ولو تحدثنا عن الأمانة ما وسعنا هذا المقام ولكن حسبنا أن نتذكر أننا يجب أن نتخلق بهذه الصفة العظيمة آلا وهي الأمانة التي يقوم عليها صلاح الدنيا والاخرة .
ونتذكر أن رسولنا الأمين صلى الله عليه واله وسلم كان يعرف بهذه الصفة , فهو الصادق الأمين صلى الله عليه وأله وسلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم:
إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة
الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6496
خلاصة الدرجة: [صحيح]

ومن الحديث الطويل لإبي سفيان مع هرقل , روى البخاري :

أخبرني أبو سفيان : أن هرقل قال له : سألتك ماذا يأمركم ؟ فزعمت : أنه أمركم بالصلاة ، والصدق ، والعفاف ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، قال : وهذه صفة نبي .
الراوي: أبو سفيان بن حرب المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2681
خلاصة الدرجة: [صحيح]

وعن عبدالله بن عباس , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى جماعة من التجار فقال يا معشر التجار فاستجابوا له ومدوا أعناقهم فقال إن الله باعثكم يوم القيامة فجارا إلا من صدق ووصل وأدى الأمانة
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: ابن جرير الطبري - المصدر: مسند علي - الصفحة أو الرقم: 48
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح

*****

وإلى الجزء التالي إن شاء الله تعالى

amata.allah
01-05-2011, 09:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
******

الجزء الرابع
(1)
بعض آيات من سورة ال عمران
******

الوحدة بين شعوب الأمة الإسلامية
ومبدأ التكامل بين الدول

******
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ- 103

******

وتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم, ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم.

******
المنطقة العربية من الخليج الي المحيط تربطها الجغرفيا الواحدة واللغة الواحدة والتكامل الطبيعي بين مناطقها من حيث الزراعة والصناعة والعمالة والثروات الطبيعية وفوق كل هذا يوحد بينها الدين الواحد - فهذه أرض الرسالات - إن أمل كل عربي من المحيط إلى الخليج - أمل الكبار أمل الشباب أمل النساء حتى أمل الأطفال - هو تحقيق اتحاد الأمة بما تمثله من قوة وحفاظا على ثرواتنا من طمع الغرب والشرق .

******
وليس غريبا على الدولة الإسلامية أن تحتضنن طوائف وملل مختلفة , فالإسلام هو التسامح , وقد دل على ذلك تاريخة, واليوم مانراه من افتعال للصراع الطائفي ماهو إلا كذبة صنعها أعداء الإسلام , وصدقها بعض المحللين , فإن التعايش السلمي بين أبناء المنطقة هو الأصل الذي نلمسه جميعا من المشرق الى المغرب, سواء بين طوائف إسلامية أو دينية أخرى, فالجميع يسود بينهم الحب والتعاون ,أما الصراع الطائفي فهذه كذبة يراد بها إحتلال المنطقة برمتها.
******

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ – 159 الأنعام

******
قد نختلف في بعض الآراء ولكن في إطار علمي
مثل علماء المدارس الفقهية , كل بحسب فهمه للنص
الذي يحتمل وجوه عديدة , وفي ذلك مرونة لصلاحية الشريعة لكل
زمان ومكان ..
أما مانراه اليوم من نزاع وفرقة وضعف فليس من الإسلام في شئ
فلو تصورنا أن العالم الإسلامي يجمعهم كيان واحد
مع إعتبار إستقلالية الدول كما هي.
ولكن يجمعهم سوق مشتركة , يجمعهم دفاع مشترك ,
تجمعهم شبكة مواصلات موحدة ميسرة لتنقل المسلم بحرية في بلاد الإسلام.
تجمعهم عملة مشتركة , يجمعهم مشاريع زراعية وصناعية مشتركة
حيث التكامل التجاري فيما بينهم.
******

أود أن يتيقن المسلمون في كل مكان أنه مالم تتوحد الأمة و ما لم يتحقق الإستقلال السياسي الحقيقي وما لم يتم وقف استغلالها طائفياً وقومياً وقبليةً لصالح الدول الكبرى ومالم تُعَد صياغة هذه الأمة وتشكيلها بحسب مكوناتها كأمة تجمع بينها عقيدة ورسالة تمثل منهج حياة ودعوة للإنسانية جمعاء، فإنها ستبقى خائرة القوى صريعة على مذابح الآخرين .
******

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ – 46الأنفال
وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ولا يكون لأحد ممن بعدهم فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم . قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.
******

ولترسيخ مبدأ الوحدة بين المسلمين
شرعت صلاة الجماعة في جميع الأوقات في المساجد .
ثم يجتمع الجميع في المسجد الجامع
يوم الجمعة حيث الشحنة الإيمانية التي تملئ القلوب
بحب الله تعالى , وحب رسوله صلى الله عليه وسلم , وحب المؤمنين
وحب الهداية للناس أجمعين.
******

وكذلك فريضة الزكاة , حيث تدعم الصلة بين الأغنياء والفقراء , ونشر روح الحب بين أفراد المجتمع , فلا حقد ولا حسد , فالكل يتعاون لرفعة مجتمعه .


وانظر إلى فريضة الحج وكيف تجمع قلوب المؤمنين على صعيد عرفة في ميقات واحد محدد لا يتخلف عنه فرد في أنحاء العالم .
أما فريضة الصوم , فهي تجمع شمل الأمة في بدء صومها ويوم عيدها .
فيعيشوا شهرا كاملا على قلب واحد من صيام وقيام وزكاة فطر وترقب ليلة القدر.
******

واذكروا نعمة الله عليكم
إذ كنتم -أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء (قبائل متفرقة), فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله
, وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض, فأصبحتم -بفضله- إخوانا متحابين,
وكنتم على حافة نار جهنم بكفركم وشرككم , فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار.
وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم; لتهتدوا إلى سبيل الرشاد, وتسلكوها, فلا تضلوا عنها


******


وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

amata.allah
01-09-2011, 12:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الرابع
(2)
بعض آيات من سورة ال عمران

مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
******
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ -104 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ-105
******
من الأمور المعروفة, أنه إذا بلغ أي شئ حدا كبيرا من خصائصه, أثر على من حوله بتلك الخصائص , ومن الأمثلة المادية على ذلك, إذا بلغت جمرة النار حدا كبيرا فإنها تؤثر على من حولها بإشاعة الدفئ , وكذلك قطعة الثلج إذا بلغت من البروده مداها فهي تؤثر على من حولها بالبرد , فإذا بلغت القيم والأداب حدا كبيرا , فإن الأمر الطبيعي أن تتعدى تلك القيم والأداب على من حولنا, وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأولئك هم الفائزون بجنات النعيم,

والآيات الكريمة تدل على ذلك الأمر الهام
******
قال تعالى في سورة ال عمران :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ -102 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ -103
******
هذه الكمالات - من تقوى وإعتصام بكتاب الله - إذا اجتمعت في أمة لابد لها أن تنير على من حولها بهذه الأنوار .. ولذلك جاءت الآيات بعدها تقرر هذا المبدأ .. قال تعالى :

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ -104
******

أما إذا حدث العكس وكان الفجور بالغا حدا كبير فستجد من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف . نعوذ بالله من ذلك.

قال تعالى في نفس السورة ( ال عمران ) :
******
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ -98

يوبخ تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولما بلغوا حدا كبيرا في كفرهم , لم يكتفوا بذلك بل تعدوا على غيرهم.
قال تعالى في الآية التالية :
******
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ -99

وهكذا نفهم حقيقة الأمور بجلاء ولا ننخدع بمن يرفعون شعارات الحرية , ونجدهم يحاربون على سبيل المثال ( الحجاب) , أما السفور والعري فهو حرية شخصية , ولماذا لا يكون الحجاب حرية شخصية ؟ لأنه يمثل الفضيلة والآداب التي ينادي بها الإسلام.
******
ومن هنا ندرك أهمية الدور المنوط بالمسلمين كأفراد ودول,

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ -104

الدعوة إلى الخير, بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانى , الخير للبشر فيما يصلح دنياهم وآخرتهم .
ثم تفعيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , كل في موقعه .
******
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم :
كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها ، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في مال أبيه راع ومسؤول عن رعيته ، فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2558
خلاصة الدرجة: [صحيح]

وفي واقع الأمر إننا جميعا على سفينة واحدة ألا وهي كوكب الأرض, فإن صلحت عم الخير على الجميع , وإن فسدت لحق الدمار بالجميع.
******
ونستمع لمعلم الإنسانية وهو يوضح ذلك الأمر
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا
الراوي: النعمان بن بشير المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2493
خلاصة الدرجة: [صحيح]

هل أدركنا أهمية ذلك المبدأ الخطير؟

وتعالوا نستمع إلى كلام ربنا , وكيف كان مصير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
******
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ – 78 كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ – 79 المائدة

أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك.
وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة.

******
ومن الوظائف التي إستحدثتها الشريعة الإسلامية – وظيفة المحتسب- وهذه الوظيفة قائمة على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ,ويتم أختيار المحتسب من علية القوم ويساعده معاونوه في مراقبة الأسواق من الفساد والخش والإحتكار.
فينحصر الفساد إلى أدنى مستوى, ويعم الرخاء والإستقرار في مجتمعاتنا.

******

ونختم بأن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببا في خيرية أمة الإسلام
قال تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ – 110 ال عمران
******
يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس،

******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

amata.allah
01-31-2011, 12:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
******
الجزء الرابع
( 3 )
بعض آيات من سورة ال عمران
******

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ -133
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ – 134


******
مبدأ التكافل الإجتماعي ومواجهة الفقر على الأرض


إن حالات الفقر التي تشهدها دول العالم الثالث أو الدول المتخلفة نتيجة عدم إستغلال ما لديها من ثروات تتطلب وقفة إنسانية من الشعوب المتحضرة والغنية, بأن تساعد وبصفة عاجلة بإرسال مساعدات غذائية وخاصة للأطفال , ثم وفي نفس الوقت إرسال معونات صناعية للنهوض بالتنمية في تلك البلدان الفقيرة .


هذا ما يطلبه منا الإسلام ,


الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ....
******

وهذا ما تحقق في عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز , حيث لم يجد موزعوا أموال الزكاة من يأخذها في عصره وذلك لكثرة الأموال والرخاء, ومع ذلك لم يهدرها ولم يلقي بها في البحر , بل زوج الشباب على نفقة الدولة , إلى غير ذلك من الأمور.


******
وبنظرة سريعة على الواقع المؤلم اليوم , طالعتنا bbc
الإثنين, 21 سبتمبر/ أيلول, 2009,


ملايين لترات الحليب تسكب على الأرض لرفع الأسعار
******

رغم اعلان الاتحاد الاوروبي عن مزيد من الدعم لمنتجي الالبان في دول الاتحاد الـ27، واصل المزارعون الاوروبيون احتجاجهم على انخفاض اسعار الحليب عالميا.
واتسع نطاق الاحتجاجات، من بلجيكا الى فرنسا وهولندا والمانيا والنمسا وايطاليا وغيرها، وقام المزارعون بسكب ملايين اللترات من الحليب على الارض وقطع الطرق على شاحنات نقله الى شركات التصنيع الكبرى.
هذا في الوقت الذي ادى فيه الركود الاقتصادي العالمي الى زيادة كبيرة في اعداد من يعانون من نقص التغذية في دول العالم النامي.
وحسب تقديرات الامم المتحدة، أدت الأزمة الإقتصادية العالمية إلى تجاوز آعداد الفقراء في العالم المليار نسمة، فيما يعاني 2.5 مليار نسمة من سوء التغذية.


******
لا شك أن هذا التصرف سفه وتبذير ولا يمكن أن يصدر من إنسان لديه وعي بنعمة الله عليه , وأنه لو شاء الله تعالى لأفقرهم , ولكنه الإختبار..
******
فهل أدركت الشعوب الإسلامية قيمة الثروة ؟

وأن البشرية سوف تسعد في ظل الإسلام الذي يحض على الإنفاق على الفقراء والمساكين وجميع وجوه الخير مثل إنشاء العيادات الطبية والمدارس وبناء المصانع وإنشاء الطرق التي تعد شراين الحياة للشعوب, حيث تسهل حركة التنمية وبدونها لن تخطو دولة فقيرة خطوة واحدة نحو التقدم . بل تتراجع إلى ما تحت خط الفقر.
وقد أدرك ذلك الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: لو عثرت قدم بغلة في العراق, لخشيت أن يسألني ربي : لما لم تسوي لها الطريق يا عمر.

******
وروى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال:
بينما رجل يمشي بطريق ، وجد غصن شوك على الطريق فأخره ، فشكر الله له فغفر له ....
الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 652
خلاصة الدرجة: [صحيح]
******

وروى البخاري أيضا, عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قال:
إياكم والجلوس بالطرقات . فقالوا : يا رسول الله ، مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها ، فقال : فإذا أبيتم إلا المجلس ، فأعطوا الطريق حقه . قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6229
خلاصة الدرجة: [صحيح]
******

ولقد إهتم الإسلام بالطرق لأنها كما قلنا تعد شراين الحياة في السعي على الأرزاق , فإن عطلت إنهار الأقتصاد وساد الفقر .
ولذلك نجد الدول المتقدمة إقتصاديا تهتم بتوسعة وإنشاء شبكات طرق بصفة مستمرة وذلك لتنشيط الحركة التجارية وتوفير الجهد والوقت في التنمية.
******
وعلينا أن نتعلم من معلم البشرية صلى الله عليه وآله وسلم , وكيف عالج حالة الفقر لدى شخص قادر على العمل .
فقد ورد في سنن أبي داود :

******
أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال أما في بيتك شيء قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال ائتني بهما قال فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال من يشتري هذين قال رجل أنا آخذهما بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال له اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: 1641
******

وهكذا نتعلم كيف نستغل الطاقة البشرية في التنمية والخروج من الفقر.
ولأهمية الزراعة في حياة الشعوب يخبرنا معلم الإنسانية صلوات ربي وسلامه عليه :
إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 9
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح على شرط مسلم


وهكذا ننهض بالمجتمعات الفقيرة ,
******
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ -133
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ – 134
******

وبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة, عرضها السموات والأرض, أعدها الله للمتقين.
الذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر, والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر, وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم. وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه.
******

وإلى بقية الجزء إن شاء الله تعالى

أحمد البليخ
04-23-2011, 09:46 PM
من أخوك ( أحمد البليخ) سورية- الرقة :

السيخ الفاضل المبجل ((طارق))

أنا من أشدّ المعجبين بك و بأسلوبك المتميّز للدعوة لله تعالى , صدقني عندما أشاهدك على التلفاز أشعر بفخر واعتزاز و أنّ الدنيا بخير , فأنا متابع قناتكم المتميزة بفن الإلقاء .

ولكن يا شيخي الفاضل : لديّ موضوع أكثر من هام حول الشخصية المبدعة المهندس (( عدنان الرفاعي )) الذي أثار جدلا في أوساط العالم الإسلامي , فلقد تناول مواضيع بالغة الأهمية في قناة ((دريم 2)) مما أثار أهتمامي بأ نه فعلاً إنسان صادق مع الله و الناس و ذلك عندما قٌرأت و قرأت و تابعته في كل أبحاثه وكل ما سطّره في كتبه . فرجائي يا أستاذي (طارق ) : أن تطلع على كتبه لتكتشف وتكتشف الكثير . وللرد على مرسلتي إليك هذا الإيميل roro432009@hotmail.com (roro432009@hotmail.com) . و إليك هذا النص منه :








الفــارق بين السنّة الشريفة وروايات الأحاديث

.. من سُنّةِ البشرِ – في تعامُلِِِهِم مع منهجِ اللهِ تعالى – الابتعادُ عن حقيقةِ ما أنزلَهُ اللهُ تعالى ، مع مرورِ الزمن ، واستبدالُ المنهجِ الحقِّ بتاريخٍ يُعطَى قُدسيَّةَ هذا المنهج ... هذا ما حصلَ في تفاعلِ البشرِ مع جميعِ الرسالاتِ السابقة .. يتمُّ الجحودُ أولاً عَبْرَ تغطيةِ حقيقةِ منهجِ اللهِ تعالى ، ثمّ بعدَ ذلك يتحوّلُ هذا الجحودُ إلى منهجٍ يُقَدَّمُ على أنّهُ عينُ منهجِ اللهِ تعالى ..
( وَجَحَدُوا بِهَا ، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) ( النمل : 14 ) ..
.. والفارقُ بين رسالةِ الإسلامِ التي أُنزِلَتْ إلى البشريّةِ جمعاء ، عَبْرَ الرسولِ محمّدٍ r ، وبين الرسالاتِ السابقةِ ، أنّ اللهَ تعالى – في رسالةِ الإسلام – تكفَّلَ بحفظِ المنهجِ ( كنصٍّ ) إلى قيامِ الساعةِ ، وبالتالي لا سبيلَ إلى تحريفِ هذا النصِّ ( القرآن الكريم ) ، ولا سبيلَ إلى تحريفِ الشعائرِ التي أتتنا حياةً تعبديّةً عاشتها الأمّةُ بأكملِها ، جيلاً بعد جيلٍ ، بعيداً عن رواياتِ التاريخِ ، حتى تلك المنسوبةِ إلى الرسولِ r ..
.. فالالتفافُ الذي تمّ – عَبْرَ التاريخِ – على بعضِ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ، كان عَبْرَ تلفيقِ بعضِ الرواياتِ ونسبِها إلى الرسولِ r ، وإدخالِها تحتَ ظلالِ مفهومِ السُنّةِ ، ومن ثمّ عَبْرَ حلولِها مكانَ بعضِ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ..
.. هذا الكلامُ يرفضُهُ رفضاً قاطعاً الغالبيّةُ العظمى من المسلمين ، لأنّهم لم يقرؤوا التاريخَ قراءةً مجرّدةً عن عصبيّاتِهم الطائفيّةِ والمذهبيّةِ ، ولأنّهم وقعوا ضحيّةَ الخَلْطِ بين السنّةِ الشريفةِ ، وبين رواياتِ الأحاديثِ التي هي في النهايةِ – كما سنرى – رواياتٌ تاريخيّةٌ فيها من السنّةِ بمقدارِ ما تتطابقُ مع دلالاتِ كتابِ الله تعالى ..
.. وهكذا .. تمَّ عَبْرَ التاريخِ تحويلُ بعضِ جوانبِ المنهجِ إلى تاريخٍ ، كما حصلَ عَبْرَ زعمِ مسألةِ الناسخِ والمنسوخِ( * ) ، حيث جُمِّدتْ بعضُ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ، التي زعموا نسخَها ، بعد أنْ فُسِّرَتْ تفسيراً خاطئاً .. وتمّ تحويلُ بعضِ جوانبِ التاريخِ إلى منهجٍ ، كبعضِ أحكامِ العبيدِ وملكِ اليمين( * ) التي حُسِبَتْ على الإسلام ، والإسلامُ منها براء ..
.. ولإلقاءِ الضوءِ على هذا الخلْطِ بين السنّةِ الشريفةِ من جهةٍ ، وبين رواياتِ الأحاديثِ والتاريخِ من جهةٍ أُخرى ، لا بُدَّ من تعريفِ السنّةِ الشريفةِ ، وحدودِها ، ومن ثمّ لا بُدَّ من الوقوفِ عند رواياتِ الأحاديثِ ، وتبيانِ آليّاتِ وصولِها إلينا ..
.. السنّةُ الشريفةُ هي ما قالَهُ الرسولُ r وفعلَهُ من تفصيلٍ لكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ، كتفصيلِهِ r لهيآتِ الصلاةِ ، وعددِ الصلوات ، وعددِ الركعاتِ في كلِّ صلاة .. حيث توارثتْ الأجيالُ هذه السنّةَ الشريفةَ ، حياةً تعبديّةً ، منذُ الجيلِ الأوّلِ حتى الآن ، وستتوارثُهُ حتى قيامِ الساعةِ .. فهذه السنّةُ لم تُصبحْ واقعاً متحقِّقاً في التاريخِ عَبْرَ رواياتِ الأحاديثِ كما يتوهّمُ الكثيرون ، إنّما تناقلتْها الأمّةُ بأسرِها من جيلٍ إلى جيلٍ عَبْرَ التزامِ الأمّةِ العمليِّ بهذهِ السنّةِ ...
.. فليسَ من العقلِ بشيءٍ أنْ نتصوّرَ الأمّةَ تائهةً لقرونٍ ، لا تعرفُ كيف تُصلّي وكيف تقومُ بجزئيّاتِ شعائرِها ، حتى أتى البخاري ومسلم وغيرُهم بعدَ قرونٍ ليعلّموها – من خلال أحاديث آحاد – كيف تقومُ بهيآتِ الصلاةِ ، وعددَ ركعاتِ كلِّ صلاة ..
.. وهذه السنّةُ الشريفةُ سمّاها اللهُ تعالى بالذكرِ .. ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ( النحل : من الآية 44 ) ، شأنُها بذلك شأنُ القرآنِ الكريمِ ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) ( فصلت :41 ) .. والذكرُ ( القرآن والسنّة ) تكفّلَ اللهُ تعالى بحفظِهِ ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ( الحجر : 9 ) ..
.. وهكذا فالسنّةُ الحقُّ محفوظةٌ حتى قيامِ الساعةِ ، ولذلك نرى أنّ الأمّةَ من أقصى السنّةِ إلى أقصى الشيعةِ متّفقةٌ على هذه السنّةِ ، ولا خلافَ بينهم فيها ... كلُّهم يُصلّون بالهيآتِ ذاتِها ، وكلُّهم يصلّون العددَ ذاتَهُ من الركعاتِ المفروضة ..
.. لكنَّ المشكلةَ – عند السنّةِ والشيعةِ – تكمنُ في تقديمِ الرواياتِ التاريخيّةِ على أنّها جميعَها ودونَ استثناءٍ سنّةٌ يُكفَّرُ من يُحاولُ تدبُّرَها حتى وِفْقَ معيارِ كتابِ اللهِ تعالى ..
.. فالسنّةُ الشريفةُ – إذاً – لا تخرجُ عن إطارِ تفصيلِ كليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ، بعد نزولِ هذا النصِّ من السماءِ .. وهذا يُحتِّمُ علينا أن نُميّزَ بين عَمَلَيْنِ من أعمالِ الرسولِ r :
[ 1 ] – هناك أعمالٌ قامَ بها الرسولُ r كتفصيلٍ لكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ( مِثْلَ الشعائر ) ، وهذه الأعمالُ هي السنّةُ التي يجبُ على الأمّةِ اتّباعُها ، وهي المعنيّةُ بقولِهِ تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( الحشر : من الآية 7 ) ..
.. ففي مجيءِ النصِّ القرآنيِّ بالصيغةِ ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ ) ، دونَ الصيغةِ ( وما آتاكُم محمدٌ ) ، دليلٌ على أنّ الأعمالَ التي تُعدُّ سنّةً هي فقط الأعمالُ التي عملَها الرسولُ r بوحيٍ من اللهِ تعالى ، دون غيرِها من الأعمالِ التي عملَها دون وحيٍ ..
.. لذلك نرى – في كتابِ اللهِ تعالى – أنَّ أمرَ الله تعالى بطاعةِ حاملِ منهجِهِ r ، وبأخذِ المنهجِ منه ، وبالابتعادِ عمّا ينهى عنه ، يأتي مرتبطاً – دائماً – بصفةِ الرسالةِ التي يحملُها مُحَمَّدٌ r .. فصفةُ الرسالةِ تتعلَّقُ بموضوعِ الرسالة ، الذي هُو القرآنُ الكريم ، وما يُفَصّلُهُ الرسول r من كليّاتِه ..
.. فَمُحَمَّدٌ r كونه نبيَّاً ( وليس كونه رسولاً ) لا يملكُ صلاحيّةَ التشريعِ خارجَ النصِّ القرآنيِّ ، حتّى لنفسه .. وفي الآيةِ الكريمةِ التاليةِ أكبرُ برهانٍ لمن يملكُ ذرَّةً من عقلٍ أو منطق ..
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( التحريم : 1 ) ..
.. فالنبيُّ r ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ) ، لا يملكُ صلاحيّةَ تحريم ( أو تحليل ) ما يُبيّنُهُ الله تعالى في منهجِهِ ( القرآن الكريم ) الذي هُوَ موضوعُ الرسالة ( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) .. أي أنَّ المُشَرِّعَ هُو الرسولُ( * ) من خلالِ إبلاغِ القرآنِ الكريمِ وتفصيلِ كليّاتِهِ لِلناس .. وفي هذا بيانٌ كبيرٌ بأنَّ السنّةَ الحقَّ هي – حصراً – تفصيلُهُ r لِكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ، وليست كُلَّ أعمالِهِ وأقوالِه r ، كما يتصوَّرُ الكثيرون ..
[ 2 ] – هناك أعمالٌ قامَ بها النبيُّ r دونَ وحيٍ من السماءِ ( أي قام بها ليس بكونِه رسولاً وإنّما بكونِه نبيّاً ) ، وذلك باجتهادٍ بشريٍّ ، ريثما يُنَزَّلُ عليه النصُّ القرآنيُّ الخاصُّ بِها ، أو أنَّ هذه الأعمالَ لا علاقةَ لها بالتكليف ..
.. فكان r يقومُ ببعضِ الأعمالِ موافقةً لبعضِ أحكامِ أهلِ الكتابِ ، أو موافقةً لبعضِ الأعرافِ الاجتماعيّةِ التي كانت سائدةً ، وذلك قبلَ نزولِ النصِّ القرآنيِّ الخاصِّ بهذه الأعمال .. فأحكامُ هذه الأعمال في الرسالةِ ( القرآن الكريم ) لم تكن مُنَزَّلةً عليه r حين قيامِهِ بتلك الأعمال ، وبالتالي فعل تلك الأعمال كنبيٍّ وليس كرسول ..
.. وقد بيّنَ القرآنُ الكريمُ هذه الحقيقةَ .. ففي الآيةِ الكريمةِ التاليةِ دليلٌ على ذلك ..
( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) ( التوبة : 43 ) .. فإذْنُ النبيِّ r لهؤلاء عَمَلٌ قامَ به باجتهادٍ بشريٍّ دون أيِّ وحيٍ ، ولا يُمكنُ لعاقلٍ أنْ يتصوَّرَ أنَّ اللهَ تعالى أمَرَ الرسولَ r بأن يأذَنَ لهؤلاء ، ثمّ لامَهُ على ذلك وقالَ له عَفَوْتُ عنك ، فلا تعملْ ذلك مرّةً أُخرى ، إلاّ إذا تبيّنَ لك الذين صدقوا وعلمتَ الكاذبين ..
.. ورواياتُ الأحاديثِ ذاتُها تُبيّنُ هذا الجانبَ من أعمالِ النبيِّ r التي قامَ بها باجتهادٍ بشريٍّ دونَ وحيٍ من السماءِ .. وفي الحديثِ التالي من صحيحِ مسلم ، رقم ( 4356 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ، أكبرُ دليلٍ على ذلك :
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ] ..
.. فَقَولُ النبيِّ r (( فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) ، يؤكّدُ أنّ بعضَ أقوالِ النبيِّ r ليستْ وحياً من السماءِ ، وأنّ السنّةَ التي تُطالَبُ بها الأمّةُ هي فقط التي ينقلُها لنا الرسولُ r كوحيٍ من السماءِ يُفَسِّرُ كليّات النصّ القرآني ، لا كاجتهادٍ بشريٍّ .. وهذا ما تُبيّنُهُ العبارةُ (( وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ )) مِنَ الحديثِ ..
.. والحديثُ التالي في صحيحِ البخاري ، رقم : ( 5254 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ يؤكّدُ هذه الحقيقةَ ..
[ حَدَّثَنَا ....... فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ قَالَ قَتَادَةُ فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ ] .. فالعبارةُ (( أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ )) ، تؤكّدُ أنّ ما فعلَهُ النبيُّ r – حينما قَطَعَ أيديَهم وأرجُلَهم وسَمَرَ أعيُنَهُم ، إنْ صَحَّتْ هذه الرواية – كان باجتهادٍ بشريٍّ دون وحيٍ من السماءِ ، لأنّ الحدودَ لَمْ تكنْ نازلة ..
.. والحديثُ التالي في صحيحِ البخاري ، رقم ( 2278 ) حسبَ ترقيم العالميّة ، يُبيّنُ لنا أنَّ بعضَ أقوالِ النبيِّ r ليستْ وَحياً من السماء ، فقد قالَها r كَبَشَرٍ لا يعلمُ الغيبَ ، ولَمْ يقلْها كرسولٍ ..
[ حَدَّثَنَا .... عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا ]
.. ولذلك كانَ رسولُ اللهِ r حريصاً على عدمِ كتابةِ أيِّ شيءٍ عنه سوى القرآنِ الكريمِ ، وهناك الكثيرُ من الأحاديثِ التي تؤكّدُ ذلك ، أختارُ منها الحديثَ التالي من صحيحِ مسلم ، رقم ( 5326 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ..
[ حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ] ( * ) ..
.. والحديثُ التالي في مُسندِ أحمد ، رقم ( 10670 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ، يُبيّنُ هذه الحقيقةَ ..
[ حَدَّثَنِي ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا قُعُودًا نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا هَذَا تَكْتُبُونَ فَقُلْنَا مَا نَسْمَعُ مِنْكَ فَقَالَ أَكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ فَقُلْنَا مَا نَسْمَعُ فَقَالَ اكْتُبُوا كِتَابَ اللَّهِ أَمْحِضُوا كِتَابَ اللَّهِ أَكِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِ اللَّهِ أَمْحِضُوا كِتَابَ اللَّهِ أَوْ خَلِّصُوهُ قَالَ فَجَمَعْنَا مَا كَتَبْنَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَحْرَقْنَاهُ بِالنَّارِ ....... ] ..
.. والحديثُ التالي في صحيحِ البخاري ، رقم ( 4631 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ، يؤكّدُ أنّ الحديثَ لم يُكتَبْ عن الرسولِ r حتى تُوفّي ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ قَالَ وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ] ..
.. والحديثُ التالي في صحيحِ البخاري ، رقم ( 6394 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ، يؤكّدُ هذه الحقيقةَ ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ سَأَلْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ مَرَّةً مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ فَقَالَ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قُلْتُ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ] ..
.. فوصْفُ عليٍّ رضي اللهُ تعالى عنه لما في الصحيفةِ : ( الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ) ، وَضعَ حدّاً لأيِّ تأويلٍ تائهٍ قد يستشهدُ به الذين لا يريدون معرفةَ الحقيقة ..
.. والحديث التالي في مسند أحمد ، رقم : ( 6686 ) حسبَ ترقيم العالميّة ، يؤكّدُ هذه الحقيقةَ ، مبيّناً أنّ القرآنَ الكريمَ معيارُ الحلالِ والحرامِ بعدَ موتِه r :
[ حَدَّثَنَا ......... خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا كَالْمُوَدِّعِ فَقَالَ ......... فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ فَإِذَا ذُهِبَ بِي فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ ] ..
.. وقولُهُم : إنّ أَمْرَ الرسولِ r بِعدمِ كتابةِ الحديثِ عنه ، كان في البدايةِ حتى لا يختلطَ الحديثُ بالقرآنِ الكريمِ ، هو قولٌ لا يملكون أيَّ برهانٍ عليه ، ويناقضُ مُجملَ الرواياتِ التي تؤكِّدُ أنّ الحديثَ لم يُكتَبْ أبداً في عصرِ الرسولِ r ، ويناقضُ حقيقةَ صياغةِ الروايات ، ويناقضُ المنطقَ ، فحلُّ مشكلةِ اختلاطِ الحديثِ بالقرآنِ الكريمِ ، أهونُ بكثير من مشاكلِ إعادة كتابةِ الحديثِ عن الرسولِ r بعد قرونٍ من وفاتِهِ ..
.. ولو فرضنا جدلاً وتماشياً مع أوهامِ الذين لا يريدون معرفةَ الحقِّ ، أنّ أعمالَ الرسولِ r كُتِبَتْ جميعُها بين يديهِ r ، بل وصُوِّرَت بكاميرا ( فيديو ) ، فإنّ ذلك لا يعني أبداً أنّ الرواياتِ التي بين أيدينا كُتِبَتْ في العصرِ الأوّلِ ، لأنَّ جميعَ الرواياتِ التي بين أيدينا تبدأُ بالعبارات : حدّثنا ، أخبَرَنا ، سمعنا ، ....... ، ولا يُوجَدُ حديثٌ واحدٌ يبدأُ بالعبارة : هذا ما نُقِلَ حرفيّاً من صحيفةٍ ما كُتِبَتْ بين يديِّ الرسولِ r .. إضافةً إلى أنَّ نَقْلَ الحدثِ الواحدِ – عَبْرَ رواياتِ الأحاديثِ – بصيغٍ مختلفةٍ ، ومتناقضةٍ أحياناً ، يؤكّدُ أنّ الحديثَ جُمِعَ بالسماع ، لا عن طريقِ الكتابة ..
.. إذن كان النبيُّ r يقومُ ببعضِ الأعمالِ – كما يؤكّدُ القرآنُ الكريمُ والحديثُ ، كما رأينا – كاجتهادٍ بشريٍّ دونَ أيِّ وحيٍ من السماء .. وهناك الكثيرُ من الأحاديثِ تؤكّدُ هذه الحقيقةَ ، أنقلُ منها – على سبيلِ المثال – الحديثَ التالي من صحيحِ البخاري ، رقم ( 3294 ) حسبَ ترقيم العالميّة .. [ حَدَّثَنَا ....... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ....... ] .. ، وأنقلُ منها الحديثَ التالي من صحيحِ مسلم ، حديث رقم ( 4307 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ .. [ حَدَّثَنَا ....... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ....... ] ..
.. ولذلك فإنّ دلالاتِ الصورةِ القرآنيّةِ التاليةِ ، يُنظَرُ إليها من هذا المنظارِ الذي بيّنَهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ العزيز ، وأكّدتهُ رواياتُ الأحاديث ، كما رأينا ..
( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) ( النجم : 3 - 4 ) ..
.. فالذي لا ينطقُ به الرسولُ r عن الهوى ، لأنّهُ وحيٌ يُوحى ، هو القرآنُ الكريمُ ، وما يُوحى إليه r من تفسيرٍ وتفصيلٍ لكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ .. أي هو القرآنُ الكريمُ والسنّةُ الحقُّ ، وليس كلَّ ما ينطقُ به النبيُّ r .. فلا يُمكنُ لعاقلٍ أنْ يتصوَّرَ بأنّ إذْنَ النبيِّ r الذي تُبيّنُهُ الآيةُ الكريمةُ التاليةُ وحيٌ من اللهِ تعالى .. ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) ( التوبة : 43 ) .. ولا يُمكنُ لعاقلٍ أنْ يتصوّرَ أنّ قولَ النبيِّ r الذي أدّى إلى قولِهِ التالي : [ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ] في الحديثِ الذي رأيناهُ من صحيحِ مسلم ، كان نتيجةَ وحيٍ من السماء ..... وقولُهُ r : [ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ ] في الحديث الذي رأيناه من صحيحِ البخاري ، يؤكِّدُ الجانبَ البشريَّ في ذاتِ النبيِّ r ، ذلك الجانب المجرّد عن الوحي ..
.. وقد أكَّدَ اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم الجانبَ البشريَّ وجانبَ الوحي في ذاتِهِ r .. ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ) ( الكهف : من الآية110) .. ولذلك فالزعمُ بأنَّ كلَّ ما نطقَ به النبيُّ r وحيٌ من السماءِ ، يُخالفُ صريحَ القرآنِ الكريم ، ومجملَ الروايات ..
.. لقد وصلَتْ إلينا رواياتُ الأحاديثِ عَبْرَ آليّةٍ تاريخيّةٍ ، ومن خلالِ بشرٍ تتفاوتُ مدارِكُهُم ومصداقيّتُهُم ودرجاتُ إيمانِهم وأهواؤهم ، في محاولةٍ لنقلِ الأحداثِ التي حصلتْ في عصرِ الرسولِ r ، سواءٌ الأحداث التي تفاعلَ معها النبيُّ r كبشرٍ دون وحيٍ من السماءِ ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ، أم التي تفاعلَ معها الرسولُ r عبْرَ وحيٍ من السماءِ ( يُوحَى إِلَيَّ ) .... وبالتالي لا يمكنُ فصلُ آليّةِ وصولِ الحديثِ إلينا عن أحداثِ التاريخِ وفتنِهِ ، وعن الصراعاتِ التي تمّت ما بين وفاةِ النبيِّ r وبين عصرِ تدوينِ الحديث ..
.. فمصداقيّةُ الروايةِ المنقولةِ عن الرسولِ r تتعلّقُ بأمانةِ جميعِ ناقلي هذه الروايةِ منذُ قيامِ الرسولِ r بعملِ أحداثِها ، حتى تدوينِها .. وتتعلّق أيضاً بإدراكِهم لحقيقةِ الحدثِ الذي تحملُهُ هذه الروايةُ ، وبتأويلِهم للأُمورِ باتّجاهِ أهوائهم ومصالحِهم المذهبيّةِ ، وخصوصاً أنّهم – حينما تحدّثوا عن بعضِ الأحداثِ – لم يكونوا عالمين بأنّ حديثَهم هذا سيُدَوَّنُ بعد قرونٍ ليُصبحَ نُصوصاً مقدّسةً ..
.. هذه الأهواءُ والمصالحُ المذهبيّةُ والقولُ على لسانِ الرسولِ r من أجلِ موقفٍ محدّدٍ لا يخلو من المصلحةِ ، يراها الباحثُ عن الحقيقةِ في الحديثِ التالي ، من صحيحِ مسلم ، حديث رقم ( 3431 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ..
[ حَدَّثَنَا ............ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ............ وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ وَقَالَ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي فَقُلْتُ لَهُ هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَاللَّهُ يَقُول ُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، قَالَ : فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ............ ] ..
.. ومسألةُ التزكيةِ للرجالِ الذين أُخِذَ عنهم الحديثُ هي مسألةٌ نسبيّةٌ ، خاضعةٌ للطبيعةِ البشريّةِ التي لا تخلو من العاطفةِ والهوى والعصبيّةِ ، فاللهُ تعالى يقولُ في كتابِهِ الكريم .. ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ( النجم : 32 ) .. ولذلك نرى اختلافاً بين مخرجي الحديثِ حولَ الرجالِ الذين خرّجَ لهم هؤلاء المخرجون ، فعلى سبيلِ المثالِ نرى أنَّ عددَ الذين خرّجَ لهم البخاري في الجامعِ الصحيحِ ولم يخرّجْ لهم مسلم هو : ( 434 ) شيخاً ، وعددَ من احتجَّ بهم مسلم في المسندِ الصحيحِ ولم يحتجَّ بهم البخاري في الجامعِ الصحيحِ هو : ( 625 ) شيخاً ، وهكذا يكون عددُ الذين اختلفَ في الأخذِ عنهم البخاري ومسلم هو : ( 1059 )( * ) شيخاً ..
.. وإذا كان النبيُّ r لا يعلمُ المنافقين الذين مَرَدُوا على النفاقِ من أهلِ المدينةِ ، والذين كانوا معه في عصرٍ واحدٍ ، ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ( التوبة : من الآية 101 ) ، فكيف إذن يستطيعُ مخرجو الأحاديثِ الجزمَ بمصداقيّةِ جميعِ الرجالِ الذين أَخذوا عنهم ، وبأمانتِهِم وبدقّةِ إدراكِهِم لما سمعوا ، وبنزاهتِهِم وتجرّدِهِم عن أيِّ عصبيّة ، منذ وفاةِ النبيِّ r حتى عصرِ هؤلاء المخرجين ؟!!! ..
.. وفي رواياتِ الأحاديثِ ذاتِها ما يُؤكِّدُ أنّ النبيَّ r لم يكنْ عالماً بحقيقة الكثيرين ممّن حسبَهُم صادقين ، وممّن حسبَهم r لا يرتدّون بعدَهُ على أدبارِهم القهقرى ، فهناك عشراتُ الأحاديثِ التي تؤكّدُ هذه الحقيقةَ ، أختارُ منها الحديثين التاليين من صحيحي البخاري ومسلم ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 6098 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ..
[ حَدَّثَنَا ....... عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنْهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى ....... ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4246 ) حسبَ ترقيمِ العالميّةِ ..
[ و حَدَّثَنَا ....... سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ] ..
.. ثمّ من قالَ إنّ جميعَ هؤلاء الرجالِ الذين أُخِذَ عنهم الحديثُ كانوا ( دون استثناءٍ ) يثقونَ هم ذاتُهم بأمانةِ بعضِهِم بعضاً ؟!!! .. أو أنّهم ادّعوا لأنفسِهم العصمةَ وعدمَ الوقوعِ في الخطأِ ، أو أنّهم وَصَفوا كلَّ ما قالوه وشرحوه ودوّنوه بالمصداقيّةِ التي لا يأتيها الباطلُ من بين يديها ولا من خلفِها ... ألا يذكرُ لنا التاريخُ بمختلفِ مشاربِهِ أنّ عشراتِ الآلافِ من أعناقِ الصحابةِ قُطِعَت على يدِ إخوانِهم ، من أجل الملكِ والسلطةِ ؟ .. ومن لا يُريدُ تصديقَ التاريخِ خوفاً من معرفةِ الحقيقةِ ، ليبقى غارقاً في مستنقعِ عصبيّتِهِ المذهبيّةِ والطائفيّة ، نعرضُ له الأحاديثَ التالية :
صحيح البخاري .. حديث ( 4153 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ..... عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ فَقَالَ يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي فَقَالَا أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَقَالَ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ ....... ] ..
صحيح البخاري .. حديث ( 4284 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ ] ..
صحيح البخاري .. حديث ( 6581 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ] ..
صحيح مسلم .. حديث ( 3302 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ و حَدَّثَنِي .......... ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا فَقَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ فَقَالَ الْقَوْمُ أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ .......... ] ..
صحيح البخاري .. حديث ( 334 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا .......... فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِد الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ .......... ] ..
.. ولذلك فإنّ مسألةَ تصنيفِ الرجالِ وتحديدِ من يُعوَّلُ على روايتِهِ ، هي مسألةٌ نسبيّةٌ لا يمكنُ تجريدُها عن أمزجةِ البشرِ وأهوائهم ..... هذا كلُّهُ يؤكّدُ أنّ رواياتِ الأحاديثِ وصلتْ إلينا بآليّةٍ تاريخيّةٍ ، عَبْرَ نقل المعاني( * ) للأحداث ، وليس عَبْرَ نقلٍ حرفيٍّ مكتوبٍ بين يديِّ رسولِ اللهِ r كما يتخيّلُ الكثيرون .. وإنّ معرفةَ هذه الحقيقةِ تقرِّبنا أكثرَ من إدراكِ حقيقةِ سنّةِ رسولِ اللهِ r ، ومن معرفةِ ما لُبِّس عليه ، لا من الإساءةِ إلى السنّةِ الشريفةِ كما يتوهّمُ الجاهلون ..
.. ولنختَرْ بعضَ الرواياتِ من كُتُبِ الصحاحِ ، لِنَرى بأمِّ أعينِنا كيف أنّ هذه الرواياتِ منها ما هو غيرُ صحيحٍ ، ولِنَرى بأمّ أعينِنا كيف أنّ محاولاتِ التوفيقِ بين الرواياتِ المتناقضةِ لم تكنْ بهدفِ البحثِ عن حقيقة ، إنّما كانتْ – في معظمها – بهدفِ الدفاعِ عن العصبيّاتِ المذهبيّةِ ، ليس إلاّ ..
.. لننظرْ إلى مدّةِ لبثِ النبيِّ r في مكّةَ المكرّمةِ ، من خلالِ الأحاديثِ التالية ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 3614 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنِي ....... عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 3284 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ ....... ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4340 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ و حَدَّثَنِي ....... حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ....... ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4335 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4330 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ....... ] ..
.. لا شكّ أنَّ من يملكُ حداً أدنى من الوعي والإدراكِ يرى تناقضاً بين هذه الرواياتِ ، فلا يمكنُ من خلالِ هذه الرواياتِ أنْ نَصِلَ إلى نتيجةٍ في معرفةِ كم عاشَ النبيُّ r ، وكم لَبِثَ في مكةَ .. ويأتي السادةُ الذين يقدّمون التاريخَ نصَّاً مقدّساً ، ليبرّروا هذه التناقضات ، على حسابِ العقلِ والمنطقِ ، ظانّين أنّهم بذلك يخدمون سنّةَ رسول الله r ..
.. فيحتجّون بالنصِّ التالي الذي وردَ في شرحِ الإمامِ النوويِّ لصحيحِ مسلم ، في محاولةٍ لتبريرِ التناقضِ الذي نراه .. [ واتّفق العلماءُ على أنّ أصحّها ثلاث وستّون ، وتأوّلوا الباقي عليه ، فروايةُ ستين اُقتصرَ فيها على العقود وتركِ الكسر ، ورواية الخمس متأوّلة أيضاً ، وحصل فيها اشتباه ، وقد أنكر عروة على ابن عبّاس ] ..
فحسبَ التأويلِ الذي حصلَ ، تمّ إلغاءُ الكسرِ ، وهو ثلاثُ سنوات ، سواءٌ في لبثِ النبيِّ r في مكّةَ ، أم في مدّةِ حياتِه .. أي قيلَ لَبِثَ عشرَ سنين في مكّةَ بدلاً من ثلاثَ عشرةَ سنةً ، وقيلَ عاشَ ستين سنةً بدلاً من ثلاثٍ وستين سنة .. وكذلك الأمرُ في تأويلِ الخمسِ ، فقيلَ عاشَ r خمساً وستّين سنةً بدلاً من ثلاثٍ وستين ، وبالتالي يكونُ النبيُّ r قد لَبِثَ في مكّةَ خمسَ عشرةَ سنةً متأوّلةً عن ثلاثَ عشرةَ .. حيث قالوا : إنّ من عادةِ العربِ إلغاءَ الكسرِ وجبرَهُ ..
.. هذا التأويلُ إمّا أنْ يَكونَ بهدفِ إظهارِ حقيقةٍ لم تردْ في صياغةِ هذه الروايات ، كما يتصوّرون ، وبذلك يكونون – حقّاً – خادمين لسنّةِ الرسولِ r ، ونكونُ ضالّين مُضلّين نحاولُ إبعادَ المسلمين عن سُنّةِ الرسول r ... وإمّا أنْ يكونوا قد جنّدوا أنفسَهم لخدمةِ منهجِ وَضْعِ التاريخِ بديلاً عن منهجِ اللهِ تعالى ، وذلك عَبْرَ التلبيسِ على الرواياتِ المتناقضةِ غيرِ الصحيحة ، لإيهامِ المسلمينَ أنّها صحيحةٌ ، وبالتالي يكونون قد ضلّلوا الناسَ وخدعوهم ، وبالتالي أساؤوا إلى سُنّةِ الرسولِ r ..
.. ولذلك .. ما هو السبيلُ إلى مَعرفةِ الضالِّ المُضلِّ المسيءِ إلى سُنّةِ الرسولِ r ؟ ..
.. للجوابِ على هذا السؤالِ لا نحتاجُ إلاّ إلى النظرِ في الحديثِ التالي من صحيحِ مسلم ، حديث ( 4341 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ و حَدَّثَنَا ....... عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَا يَرَى شَيْئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا ] ..
.. حسبَ هذا الحديثِ فإن السنواتِ الخمسَ عشرةَ التي أقامَ بها النبيُّ r في مكّةَ هي خمسَ عشرةَ دون زيادةٍ أو نقصان ، وليست متأوّلةًً عن ثلاثَ عشرةَ كما ذهبوا في تأويلِهم للرواياتِ الأخرى ، فقولُ ابنِ عبّاس في هذا الحديثِ : (( يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَا يَرَى شَيْئًا ، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ )) ، يبيّنُ لنا أنّ الخمسَ عشرةَ سنةً هي سبعُ سنينَ كان فيها النبيُّ r يسمع الصوتَ ويرى الضوءَ فقط ، وثمانِ سنينَ يُوحى إليه ..
.. فكلُّ العاقلين من البشرِ يُدركونَ أنّ : [ 7 + 8 = 15 ] .. وأيُّ تأويلٍ يقلبُ هذه المعادلةَ لتصبحَ على الشكلِ : [ 7 + 8 = 13 ] هو خروجٌ ليس فقط عن منهجِ اللهِ تعالى وسنّةِ رسولِهِ r ، وإنّما – أيضاً – خروجٌ على ثوابتِ العقلِ والإدراكِ التي يتميّزُ بهما الإنسانُ عن الحيوان ..
.. فهل نخدمُ سنّةَ الرسولِ r حينما نتأوّلُ تأويلاً لا يقبلُهُ عقلٌ ولا منطقٌ ؟‍‍‍‍‍ ، أم أنّنا بذلك نخدمُ عصبيّاتِنا المذهبيّةَ والطائفيّةَ ؟ ، وبالتالي نسيءُ إلى سُنّةِ الرسولِ r عَبْرَ جَعْلِ الرواياتِ التاريخيّةِ المتناقضةِ سُنّةً ننسبُها إلى الرسولِ r ؟ .. أتركُ الإجابةَ لكلِّ من يعتقدُ أنّ : [ 7 + 8 = 15 ] ، لا لمن يعتقدُ أنّ : [ 7 + 8 = 13 ] ..
.. وهذه مسألةٌ أُخرى .. لننظرْ إلى الحديثين التاليين في صحيحِ البخاري ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 4615 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 4618 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ ] ..
.. إذن يُوصي الرسولُ r بأخذِ القرآنِ الكريمِ من عبدِ اللهِ بن مسعودٍ ، ومن أبي بن كعبٍ ، ويُقسِمُ عبدُ الله بن مسعود أنّه أعلمُ الأمّةِ في كتابِ اللهِ تعالى ، فكلُّ سورةٍ يعلمُ أين أُنزِلتْ ، وكلُّ آيةٍ يعلمُ فيمَ أُنزلتْ ، وبالتالي لا يُمكنُ لعبدِ اللهِ بن مسعود ( ولا لأبي بن كعب ) أن يغفلَ عن انتماءِ سورتين من القرآنِ الكريمِ إلى القرآنِ الكريمِ ..... لننظرْ إلى الأحاديثِ التالية ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 4594 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قِيلَ لِي فَقُلْتُ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 4595 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا – المقصود بكذا وكذا : أنّ المعوِّذتين( * ) ليستا من كتابِ اللهِ تعالى – فَقَالَ أُبَيٌّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي قِيلَ لِي فَقُلْتُ قَالَ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ..
مسند أحمد .. حديث رقم ( 20244 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فَقُلْتُهَا فَقَالَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فَقُلْتُهَا فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ....... ] ..
مسند أحمد .. حديث رقم ( 20245 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنِي ....... قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ الْأَعْمَشُ وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ سَأَلْنَا عَنْهُمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقِيلَ لِي فَقُلْتُ ] ..
.. إنّنا نرى أنَّ اختيارَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبيِّ بن كعبٍ ليتمَّ الدسُّ على لسانِهما ، ليس اختياراً عشوائيّاً ..... حسبَ هذه الرواياتِ الموضوعةِ على لسانِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبيِّ بن كعبٍ ، فإنّ المعوّذتين ليستا من كتابِ اللهِ تعالى ، هذا ما تقولُهُ هذه الرواياتُ دون أنْ نُضيفَ إليها معاني من جيوبِنا ، فكيف إذن يُمكنُ لمسلمٍ عاقلٍ يحترمُ كتابَ اللهِ تعالى أنْ يقولَ بصحّةِ هذه الروايات ؟!!! ..
.. هل الذي يُقَدِّسُ سنّةَ رسولِ اللهِ r وكتابَ اللهِ تعالى ( القرآنَ الكريم ) ، هو من يقولُ بصحّةِ هذه الروايات ، أم هو الذي يقول بعدمِ صحّتها ؟ !!! .. وأيُّ تأويلٍ هذا الذي من المُمكنِ تصديقُهُ ، في إيهامِ الناسِ ( الذين يُقدّسون كتابَ اللهِ تعالى ) أنّ هذه الرواياتِ صحيحةٌ ، يَخْرُجُ من الملّةِ من لا يؤمنُ بمصداقيّتِها كأيمانِه بكتابِ اللهِ تعالى ؟!!! ..
.. إذا كان أعْلمُ منْ في الأمّةِ بكتابِ اللهِ تعالى ، لا يعلمُ أنّ المعوّذتين( * ) من كتابِ اللهِ تعالى ، ( كما يُزعَمُ في الأحاديث التي رأيناها ) ، ويبرّرون ذلك بتأويلاتٍ لا يقبلُها منطقٌ ولا عقل ، فكيف إذن يجزمون جزماً قاطعاً بالثقةِ الكاملةِ حينما يأخذون ( من بعضِ الأحاديث ) بعضَ الأحداثِ الجانبيّةِ من رجالاتٍ أُخر ، تلك الأحداث التي لا يعلمُها إلاّ أولئك الرجال ؟ !!! .. فبناءً على تأويلاتِهم ، أين هو المعيارُ الذي يتمُّ من خلالِه الجزمُ بالنقلِ الحرفيِّ لتلك الأحداثِ عَبْرَ هؤلاء الرجال ؟!!!!! ..
.. وحتى القرآنُ الكريمُ ذاتُه لم يسلمْ من محاولاتِ الدسِّ الهادفةِ إلى تحريفِهِ ، وإلى تشويه قدسيّتِهِ ..... لننظرْ إلى الأحاديثِ التالية ..
صحيح البخاري .. حديث ( 4563 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُلُّنَا قَالَ فَأَيُّكُمْ أَحْفَظُ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ قَالَ كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى قَالَ عَلْقَمَةُ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذَا وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 4145 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنِي ....... سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ....... ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 998 ) حسبِ ترقيمِ العالميّة ..
[ و حَدَّثَنَا ....... قَالَ أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 5957 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنِي ....... سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ وَلَا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَا أَدْرِي مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ ] ..
.. كيف تُحْذَفُ كلمتا ( وَمَا خَلَقَ ) من الآيةِ الكريمةِ ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) ( الليل : 3 ) ؟ !!! .. وكيف تُستبدَلُ العبارةُ القرآنيّةُ .. ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) ( البقرة : من الآية 184 ) بالعبارةِ ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) ؟ !!! .. وكيف تُستَبدَلُ العبارةُ القرآنيّةُ ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) ( البقرة : 238 ) بالعبارةِ ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) ؟ !!! ..
كيف يمكنُنا أنْ نتصوّرَ أنّ ابنَ عبّاسٍ وابنَ الزبير [ وغيرَهُما ( كأنس بن مالك ) كما ورد في رواياتٍ أخرى في الصحاح ] يحفظون نصوصاً لا يعلمونَ هل هي من القرآنِ الكريمِ أم لا ؟ !!
.. يؤوّلون ذلك فيقولون هذه قراءاتٌ تفسيريّةٌ !!! ... أيُّ تأويلٍ هذا ؟!!! .. إذا كان من يُنسَبُ على لسانِهِ أنّه لا تُوجَدُ كلمتا ( وَمَا خَلَقَ ) في الآيةِ الكريمةِ ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) يقولُ ( في هذه الرواياتِ ) : [ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذَا وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ ] ؟!!! .. أيُّ قراءةٍ تفسيريّةٍ هذه التي تحذفُ بعضَ الكلماتِ من كتابِ اللهِ تعالى ؟!!! .. وإذا كانت القراءةُ التفسيريّةُ تقتضي حذفَ هاتين الكلمتين ( وَمَا خَلَقَ ) ، فلماذا وضَعَهُما اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم ؟!!! .. فما هو هذا التفسيرُ الذي لا يكونُ إلاّ بإصرارِ المُفَسِّر على حذفِ كلماتٍ من النصِّ المُفَسَّرِ ؟ !!!! ..
.. وإذا كان ابنُ عباسٍ يقولُ عن العبارةِ المنسوبةِ إليه [ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ] ليست بمنسوخة ، وعائشةُ تقولُ [ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ؟!!! .. فأيُّ قراءةٍ تفسيريّةٍ هذه التي يتحدّثون عنها ؟ !!! ..
.. التأويلُ السليمُ الهادفُ إلى معرفةِ حقيقةِ دلالاتِ النصِّ المُؤوَّلِ ، لا يكونُ بإضافةِ معاني من جيوبِنا لتحميلِ صياغةِ النصِّ ما لا تحتمل .. فهناك فارقٌ بين التأويلِ الحقِّ الذي ينطلقُ من صياغةِ النصِّ للوصولِ إلى دلالاتٍ لا تتناقضُ مع ظاهرِ ما يحملُهُ النصُّ من دلالات ٍ ومعانٍ ، وبين التحايلِ الفاضحِ على دلالاتِ النصِّ لتحميلِهِ ما لا يحتمل ، وطمسِ الدلالاتِ الحقيقيّةِ التي يحملُها ظاهرُ صياغتِهِ ، لإثباتِ عصبيّاتٍ مذهبيّةٍ على حسابِ المنهجِ والعقلِ والمنطق ..
.. وهذه مسألةٌ أُخرى .. في الآيةِ الكريمة .. ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ) ( ق : 38 ) .. وفي غيرِها ، يُؤكِّدُ اللهُ تعالى أنَّ السماوات والأرض وما بينهما خُلِقَتْ في ستةِ أيام ، وليس في سبعة .. لننظر إلى الحديث التالي كيف يحملُ دلالاتٍ تُناقضُ هذه الحقيقةَ القرآنيّة ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4997 ) حسب ترقيم العالميّة ..
[ حَدَّثَنِي ..... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ..... ] ..
.. ولننظر إلى الحديث التالي ، حتى نرى بأمِّ أعيننا كيف تتمُّ الإساءةُ لعظمةِ الصياغة القرآنيّّة ، من خلالِ تقديمها صياغةً يستطيعُ البشرُ الإتيان بمثلِها ، وينطقُ بها البشرُ قبلَ نزولِها من السماء ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 4535 ) حسب ترقيم العالمية ..
[ حَدَّثَنَا ..... عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ] ..
.. ولننظر إلى الحديثين التاليين ، حتى نرى بأمِّ أعيننا كيف يتمُّ الكفرُ بدلالاتِ عشراتِ الآياتِ القرآنيّةِ الكريمة ، التي تُبين أنّه َلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وأنّه لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وأنّ الإنسان لا يُجزى إلاّ بعمله ..
صحيح مسلم .. حديث رقم : ( 4971 ) حسب ترقيم العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ..... عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ..... ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4969 ) حسب ترقيم العالمية ..
[ حَدَّثَنَا ..... قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ ] ..
.. إنَّ صياغةَ الحديثين واضحةٌ بيّنة ، وكلُّ محاولات إظهار صحةِ هذين الحديثين وموافقتِهِما لدلالاتِ كتابِ اللهِ تعالى ، لا سبيل لها عند من يُدركُ الحدَّ الأدنى من قواعدِ اللغةِ العربيةِ ويملكُ ذرةً من عقلٍ أو منطق ..
.. والإساءةُ – في بعضِ الروايات – تطالُ النبيَّ r ، وزوجاتِهِ رضي اللهُ تعالى عنهنّ ..... لننظر إلى الحديث التالي من صحيح مسلم ، حديث رقم ( 4975 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنِي ..... عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ اخْرُجْ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ ] ..
.. وهذا نقلٌ حرفيٌّ من شرح النووي ( باب براءة حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الريبة ) ، فيما يخصُّ هذا الحديث :
(( ذكر في الباب حديث أنس أن رجلا ًكان يتهم بأم ولده صلى الله عليه وسلم , فأمر علياً - رضي الله تعالى عنه - أن يذهب يضرب عنقه , فذهب فوجده يغتسل في رَكِيٍٍّ, وهو البئر , فرآه مجبوباً فتركه , قيل : لعله كان منافقاً ومستحقاًً للقتل بطريق آخر , وجعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا , وكف عنه عليٌّ - رضي الله تعالى عنه - اعتماداً على أن القتل بالزنا , وقد علم انتفاء الزنا . والله تعالى أعلم )) ..
..من الواضح وضوح الشمس وسط النهار أنّ التأويل : (( قيل : لعله كان منافقاً ومستحقاً للقتل بطريقٍ آخر , وجعل هذا محركاً لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنا , وكف عنه عليٌّ - رضي الله تعالى عنه - اعتماداً على أن القتل بالزنا , وقد علم انتفاء الزنا . والله تعالى أعلم )) .. هذا التأول .. هروبٌ من الاعتراف بحقيقةِ عدمِ صحّةِ هذا الحديث .. فصياغةُ الحديث واضحةٌ بيّنة ، ولا يُوجَدُ فيها ما يُشير إلى هذا التأويل ..
.. فعليٌّ رضي اللهُ تعالى عنه – كما هو وارد في نصِّ الحديث – كفَّ عن المُتَّهَم لأنّه مجبوبٌ ليس له ذكر ، لا لسببٍ آخر ، فلو لم يكن المتّهمُ مجبوباً ، ولو لم يكن يتبرّد ، لذهب عنقُهُ في خبر كان .. (( فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ )) .. ولا يُوجدُ – في صياغة الحديث – سببٌ لقتلِهِ إلاّ أنَّ المتَّهمَ : (( كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) ..واستحقاقُ المتّهم للقتلِ بطريقٍ آخر مسألةٌ لا وجودَ لها أبداً في صياغة الحديث ، ولا حتى في يقينِ واضعِ هذا التأويل ، فالعبارةُ القرآنيّةُ (( قيل : لعله كان ..... )) في بداية هذا التأويل ، تؤكّدُ أنَّ التأويلَ تَصَوُّرٌ وُضعَ – دونَ أيِّ دليل – من أجل عدمِ الاعتراف بصحةِ الحديث .. لذلك فالتأويل الذي رأيناه لإظهارِ الحديث على أنَّهُ حديثٌ صحيحٌ هو استخفافٌ بِعقولِنا ..
.. إنَّ القولَ بعدمِ صحّةِ هذا الحديث ، وبعدمِ صحةِ تأويلِهِ ، هو انتصارٌ للحقِّ ، وللسنّةِ الشريفة ، ولكرامةِ النبيِّ r ، ولكرامةِ زوجاته رضي اللهُ تعالى عنهن ، وللعقل والمنطق ..
.. وإنّ القولَ بصحتِهِ وبصحةِ تأويلِهِ ، هو إساءةٌ للسنّةِ الشريفة ، وللنبيِّ r ، ولزوجاتِهِ رضي الله تعالى عنهن ، واستخفافٌ بالعقل والمنطق ..
.. ولننظر إلى الحديث التالي من صحيح البخاري رقم : ( 4853 ) حسب ترقيم العالميّة :
[ حَدَّثَنَا ....... قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْلِسُوا هَا هُنَا وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَبِي نَفْسَكِ لِي قَالَتْ وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا ....... ] ..
.. والتأويلاتُ التي لُبِّسَت على هذه الرواية لإيهام الناس بصحّتِها ، تزيدُ من الإساءةِ للنبيِّ r ، ولزوجاتِه رضي الله تعالى عنهنّ .. فصياغةُ هذه الرواية – كما نرى – لا تحملُ للنبيِّ r إلاّ الإساءة .. ولا يُمكنُ لمن يصفُهُ اللهُ تعالى بقولِه : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ( القلم : 4 ) ، أنْ يقتربَ منَ الفعلِ الذي نراه في ظاهرِ صياغةِ هذه الرواية ..
.. ولننظرْ إلى الاختلافِ الواضحِ بين الحديثينِ التاليين ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 553 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 557 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ ] ..
ولننظرْ إلى النصِّ التالي ، من كتابِ فتحِ الباري في شرحِ صحيحِ البخاري ، الذي يحاولون من خلالِه تبريرَ هذا الاختلاف : [ قول عائشة ( ما تركهما حتى لقي الله عزّ وجلّ ) ، وقولها ( لم يكن يدعهما ) ، وقولها ( ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلاّ صلّى ركعتين ) ، مُرادها من الوقت الذي شُغِلَ عن الركعتين بعد الظهرِ فصلاّهما بعد العصر ، ولم ترد أنّهُ كان يُصلّي بعد العصر ركعتين من أوّل ما فُرضت الصلوات مثلاً إلى آخر عمره ....... ] ..
من أينَ أتوا بهذا التأويل ؟ !!! .. فهل في صياغةِ الحديثِ ما يُشيرُ إلى تأويلِهِم ؟ !!! .. وإذا كانتْ صياغةُ الحديثِ تحملُ تأويلَهم هذا ، فمن المؤكَّد أنّه يمكنها أنْ تحملَ أيَّ قصّةٍ من قصصِ الرسومِ المتحرّكة ..
.. وهل هناك من استخفافٍ بدلالاتِ كلماتِ هذا الحديثِ ، وبعقولِنا ، كهذا الاستخفاف ؟ .. أليس القولُ بعدمِ صحّةِ بعضِ الأحاديث – في الصحاحِ – أفضلُ بكثيرٍ من هذه التأويلات ؟ ..
.. ولننظرْ إلى الأحاديثِ التالية ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4118 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ ] ..
صحيح البخاري .. حديث رقم ( 5328 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[حَدَّثَنِي ....... سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الْأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ ....... ] ..
صحيح مسلم .. حديث رقم ( 4117 ) حسبَ ترقيمِ العالميّة ..
[ و حَدَّثَنِي ....... قَالَ أَبُو سَلَمَةَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ قَدْ سَكَتَّ عَنْهُ كُنْتَ تَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ فَمَا رَآهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَاذَا قُلْتُ قَالَ لَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْتُ أَبَيْتُ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ ....... ] ..
.. المشكلةُ ليست في إنكارِ أبي هريرة لقولِه الذي نسبَه إلى الرسولِ r [ لا عدوى ] ، بمقدار ما هي في تأويلِهِم لقولِ أبي هريرة [ لا عدوى ] .. لننظرْ إلى النصِّ التالي من كتابِ شرحِ الإمامِ النوويِّ لصحيحِ مسلم ، الذي كُتِبَ لتبرير الاختلاف الذي نراه ..
[ قال جمهورُ العلماء : يجب الجمع بين هذين الحديثين ، وهما صحيحان ، قالوا : وطريق الجمع أنّ حديث ( لا عدوى ) المُراد به نفي ما كانت الجاهليّة تزعمه وتعتقده أنّ المرضَ والعاهةَ تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى ، وأمّا حديث ُ( لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعلِ اللهِ تعالى وقدره ، فنفى في الحديث الأوّل العدوى بطبعها ، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعلِه ، وأرشد في الثاني إلى الاحتراز ممّا يحصل عنده الضرر بفعل إرادة الله تعالى وإرادته وقدرته ....... ] ..
.. إضافةً إلى أنّ صياغةَ هذه الأحاديثِ لا تحملُ تأويلَهم لا من قريبٍ ولا من بعيد ،كيف يشرحون قولَ أبي هريرة ( لا عدوى ) ويبرّرون اختلافَه مع قولِه ( لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) ، وأبو هريرةَ ذاته أنكرَ هذا القولَ ، ورطنَ بالحبشيّةِ حينما قيل له : إنّك قلتَ قالَ الرسولُ r ( لا عدوى ) ؟ !!! .... فبأيِّ لغةٍ سيرطنُ أبو هريرة لو قُدِّرَ له أنْ يخرجَ من قبرِهِ ويسمعَ تأويلَهم الذي رأيناه ؟ !!! ..
ولا أُريدُ الإطالةَ في عرضِ الأمثلةِ التي تبيّنُ أنّهُ ليسَ كلُّ ما في الصحاحِ صحيحاً ، فقد عرضتُ في كتابِ (( الحقّ الذي لا يريدون )) مئاتِ الأحاديث – من الصحاح – التي تُثبتُ صحّةَ هذه الحقيقة ..
.. ممّا سبقَ نستنتجُ الحقائقَ التالية :
[ 1 ] – السنّةُ الشريفةُ محفوظةٌ من قِبَلِ اللهِ تعالى ، شأنُها بذلك شأنُ القرآنِ الكريمِ ، وهي ما تناقَلَتْهُ الأجيالُ حياةً تَعَبّديّةً متحقِّقةً عَبْرَ التاريخِ لشعائرِ الدينِ كجزئيّاتٍ فصّلَها الرسولُ r لكليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ، مِثْلَ جزئيّاتِ شعائرِ الصلاةِ ، وبالتالي هي ما أجمعتْ عليه الأمّةُ إجماعَ عَمَلٍ ، وإجماعَ حياةٍ تعبّديّةٍ ، من أقصى السنّةِ إلى أقصى الشيعةِ ، وأتتنا ليسَ عن طريقِ الرواياتِ كما يتوهّمُ الكثيرون ..
[ 2 ] – ليس كلُّ ما في الصحاحِ صحيحاً ، وبالتالي لا بُدَّ من أنْ نُعايرَ على كتابِ اللهِ تعالى نصوصَ الرواياتِ التي بين أيدينا بتجرّدٍ عن أيِّ عصبيّةٍ مُسبقةِ الصنعِ ، لمعرفةِ الموضوعِ من هذه الروايات ، ولفهم دلالاتِها بشكلٍ سليم ..
[ 3 ] – كلامُنا هذا لا يعني – كما يفتري الجاهلون – إنكارَ كلّ ما جاءَ في الصحاح ، فكونُ بعضِ الأحاديث – في الصحاح – ليستْ صحيحةً ، لا يعني أبداً عدمَ صحّةِ كلِّ ما جاء في هذه الصحاح .. فالقولُ بصحّةِ كلِّ ما جاء في الصحاح ، لا يختلفُ أبداً عن القولِ بعدمِ صحّةِ كلِّ ما جاء فيها ..
[ 4 ] – ليس كلُّ ما قالَهُ وفعلَهُ النبيُّ r سنّةً ، كما رأينا .. فعلينا إذن أنْ نتحرّى ( على معيارِ كتابِ اللهِ تعالى ) مِنْ بين الرواياتِ التي بين أيدينا ، ما عَمِلَهُ الرسولُ r كسُنّةٍ موحاةٍ من اللهِ تعالى ، يفصِّلُ r بها كليّاتِ النصِّ القرآنيِّ ، وما عَمِلَهُ النبيُّ r كبشرٍ دون أيِّ وحيٍ من السماء ، وذلك موافقةً لأهلِ الكتابِ ومجاراةً لأعرافٍ اجتماعيّةٍ كانت سائدةً ، بانتظارِ نزولِ النصِّ القرآنيِّ المناسب ..
[ 5 ] – علينا أنْ نعلمَ أنَّ إضافةَ الرواياتِ المناقضةِ لكتابِ اللهِ تعالى ، وللمنطقِ والعقلِ المُفَعَّلين ضمنَ إطارِ إدراكِ دلالاتِ كتابِ اللهِ تعالى ، إلى سُنّةِ الرسولِ r ، وخَلْقَ التأويلاتِ الباطلةِ والتبريراتِ الساقطةِ لتبريرِ التناقضِ بين بعضِ الروايات ، هو – في النهاية – قفزٌ فوقَ سنّةِ الرسولِ r ، وفوقَ منهجِ اللهِ تعالى ، واستبدالٌ لهذه السنّةِ الشريفةِ بتاريخٍ لا علاقةَ له بمنهجِ اللهِ تعالى لا من قريبٍ ولا من بعيد ، وهو إغراقٌ للأمّةِ في مستنقعِ الجهلِ ، ودفعٌ لفكرِها إلى مذبحٍ يزيدُ من تشرذمها وتمزّقها المذهبيِّ ..
.. فحتى نُخرِجَ فِكْرَ الأمّةِ من الحلقةِ المفرغةِ التي ما زلنا ندورُ فيها منذ قرونٍ ، وحتى نُوحِّدَ إرادةَ أبنائها ، وحتى نكونَ أهلاً لحملِ منهجِ اللهِ تعالى إلى البشريةِ ، لا بُدّ من التقاءِ جميعِ مذاهبِها ( فكراً وعقيدةً وفقهاً وتفسيراً لكتابِ اللهِ تعالى وَ ..... ) على معيارٍ واحدٍ هو كتاب الله تعالى ..






المــهندس عـدنان الرفــاعي

كاتـب ومـفـكِّــر إســـلامي

سورية – درعــا – تلشهاب

هاتف منزل : 252300 15 00963

هاتف جوّال : 252300 955 00963



www.thekr.net

Email : adnan@ thekr.net