عبدالعزيز الكندري
09-12-2006, 02:35 PM
بقلم: رياض حاوي
أنظر شرقا، عبارة مشهورة كان دائما يرددها رئيس الوزراء الماليزي السابق تون دكتور مهاتير محمد، وكان بذلك يعبر عن اقتناعه العميق أن نموذج التغيير الحضاري يمكن أن لا يكون غربيا متأثرا بقيم الغرب بل يمكن أن يكون شرقيا متأثرا بقيم الشرق.
ومهاتير واحد من الزعماء المخضرمين الذين ينتمون إلى الحقبة المزدوجة الفاصلة بين قوة العالم الثالث السياسية عبر تجمعات دول عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين التي انتهت نهاية الثمانينات، وصعود قوة العالم الثالث الاقتصادية التي جسدتها دول جنوب شرق آسيا مطلع التسعينات. مع مهاتير محمد تتجسد مهارة الزعيم الذي لم يخضع لسطوة الانبهار بالغرب (West)، ولم تكن تهمه المظاهر الشكلية بقدر ما كانت تهمه عملية البحث عن الممرات المختصرة في التاريخ للارتفاع بأمته من دولة هامشية تجهل عاصمتها إلى دولة مركزية فاعلة في المسرح الدولي وهي محط أنظار العالم.
لقد وضع رؤيته الشهيرة المعروفة في ماليزيا بعبارة "دو وا بولو دو وا بولو" أي "عشرين عشرين: 2020" وهي السنة التي وضعتها الاستراتيجية بعيدة المدى التي تم تنفيذها بخطى متسارعة منذ 1981 والتي تجعل سقف سنة 2020 المنعطف الذي تصبح فيه ماليزيا دولة متطورة، وليس دولة في طور النمو. في ذلك الوقت جعل قدوته الشرق ولذلك كان يقول انظر باتجاه الشرق (look East) ويعني بذلك اليابان تحديدا.
في جلسة حميمية مع أحد أبرز الشخصيات السياسية الماليزية وهو تان سري سنوسي جنيد، حدثنا عن قصة طريفة عندما كان في زيارة مع مهاتير محمد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق رونالد رجان، كان هذا الأخير ينظر لكل زائريه من العالم الثالث نظرة مليئة بالاستعلاء والغرور، اقترب من الضيف الماليزي وقال له أنظر أمامك ما تراه هما العمارتين الأطول في العالم يقصد برجي مركز التجارة العالمي WTC!! فرد عليه أب ماليزيا الحديثة: سيدي الرئيس أطمئنك أنه سيكون في ماليزيا قريبا ما هو أطول منهما. وبالفعل احتفظ مهاتير بوعده للرئيس الأمريكي وفي عام 1998 كانت ماليزيا على موعد مع تدشين العمارتين الأطول في العالم المعروفتين ببرجي بتروناس. وكلنا يعلم ما حدث فيما بعد للبرجين الأمريكيين ذات يوم من أيام سبتمبر 2001 لما أصبحا خبرا من أخبار التاريخ.
عندما افتتح مهاتير البرجين قال في كلمته :"اليوم نضع بين يدي الماليزيين معلما يجعلهم يرفعون رؤوسهم وينظرون عاليا"، ومرة سألته صحفية مشاغبة، سؤالا استفزازيا قائلة:"إن اقتصاد ماليزيا لا يزال هشا وهو أقل من أن يتورط في بناية ضخمة من حجم برجي بتروناس التوأمين" فرد عليها مداعبا:"مثلنا مثل المرأة الحسناء القصيرة التي تحتاج إلى لبس الكعب العالي حتى تظهر طويلة".
حقائق التاريخ ماثلة أمامنا وتمدنا بالدروس اليومية لو كنا نعقل!! ذلك أن الشعوب عليها أن تنظر إلى مصالحها بالدرجة الأولى بغض النظر عن الألوان واللغات وكل ما تحمله الأيديولوجيات السخيفة التي تملئ العقول بالتصورات العدمية للكون والتاريخ والأحداث الإنسانية وتغفل عن الحقائق اليومية الملموسة المجسدة. واللذين لا يزالون يتمسكون بلووك واست (Look West) (انظر غربا) تخونهم الحقائق اليومية واتجاه التاريخ، وسيضيعون وقتا ثمينا على شعوبهم عوض وضعها في سكة الحضارة فإنهم سيدخلونها إلى متاهة الرومان القديمة التي ستقضي عليهم عطشا دون أن يجدوا المخرج.
بعض التافهين من بني جلدتنا يتصورون أن الشركات الأمريكية تنتقل إلى آسيا بسبب رخص اليد العاملة وانه ليست هناك قوانين تحمي الموظفين والمستخدمين ويغفلون عن أن أجر اليد العاملة جزء بسيط جدا من تكلفة الإنتاج خصوصا في الصناعات الأتوماتيكية التي تعتمد على الآلة والربوت، ولا تحتاج إلى يد عاملة كثيرة ولكنها بالمقابل في حاجة ماسة لليد العاملة النوعية، ذات الكفاءة العالية التي توفرها هذه الأسواق، لأنه وبكل بساطة حكومات هذه الدول أسست نهضتها المعاصرة بالأساس على دعم قطاع التعليم وتطوير قدرات شعوبها على استيعاب وتطوير التكنولوجيا المعاصرة. الحمقى وحدهم من يتصورون أن دور الصينين والهنود في مصانع دال (Dell) الامريكية او انتل (Intel) يقتصر على حراسة المبنى أو الرد على المكالمات الهاتفية وما لا يعلمونه أن هذه الشركات العملاقة أصبحت تجد صعوبة كبيرة في توظيف تقنيين ذوي مستوى عال من بحر المجتمع الأمريكي الذي انحط فيه التعليم إلى مستويات دنيا، وهم الآن على أبواب نقل وحدات البحث والتطوير (Research &Development) إلى الهند والصين وكوريا، ولعل هذا ما جعل رئيس مجلس إدارة شركة انتل، جرايج برات (Graig Barret) يعلق بحسرة على تدهور مستويات التعليم ويقول :"الولايات المتحدة لا تزال تبذل جهدا لدعم قطاع التعليم والبحث، ولكن إذا قارنا ذلك بالصين فإننا سنجد أنفسنا في وضعية صعبة بعد عشر سنوات" ، ويضيف:"نحن لا نملك كما من الخريجين يتناسب مع التطور السريع للصناعات المعاصرة، ولدينا ضعف كبير في البنية التحتية، ولا نملك أفكارا جديدة، ويتم اقتطاع نسبة هامة من الاستثمارات الموجهة لقطاع العلوم" ومقابل ذلك نجد إدارة الرئيس بوش تقول للشعب الأمريكي نحن نريد أن نغزو كوكب المريخ، بينما مقاطعة منهاتن الشهيرة لا تزال في حاجة إلى خدمات بسيطة لم يعد الاقتصاد العملاق قادر على توفيرها.
--------------------------------------------------------------------------------
* نشرت في الجزائر بأسبوعية رسالة الأطلس العدد 502.
أنظر شرقا، عبارة مشهورة كان دائما يرددها رئيس الوزراء الماليزي السابق تون دكتور مهاتير محمد، وكان بذلك يعبر عن اقتناعه العميق أن نموذج التغيير الحضاري يمكن أن لا يكون غربيا متأثرا بقيم الغرب بل يمكن أن يكون شرقيا متأثرا بقيم الشرق.
ومهاتير واحد من الزعماء المخضرمين الذين ينتمون إلى الحقبة المزدوجة الفاصلة بين قوة العالم الثالث السياسية عبر تجمعات دول عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين التي انتهت نهاية الثمانينات، وصعود قوة العالم الثالث الاقتصادية التي جسدتها دول جنوب شرق آسيا مطلع التسعينات. مع مهاتير محمد تتجسد مهارة الزعيم الذي لم يخضع لسطوة الانبهار بالغرب (West)، ولم تكن تهمه المظاهر الشكلية بقدر ما كانت تهمه عملية البحث عن الممرات المختصرة في التاريخ للارتفاع بأمته من دولة هامشية تجهل عاصمتها إلى دولة مركزية فاعلة في المسرح الدولي وهي محط أنظار العالم.
لقد وضع رؤيته الشهيرة المعروفة في ماليزيا بعبارة "دو وا بولو دو وا بولو" أي "عشرين عشرين: 2020" وهي السنة التي وضعتها الاستراتيجية بعيدة المدى التي تم تنفيذها بخطى متسارعة منذ 1981 والتي تجعل سقف سنة 2020 المنعطف الذي تصبح فيه ماليزيا دولة متطورة، وليس دولة في طور النمو. في ذلك الوقت جعل قدوته الشرق ولذلك كان يقول انظر باتجاه الشرق (look East) ويعني بذلك اليابان تحديدا.
في جلسة حميمية مع أحد أبرز الشخصيات السياسية الماليزية وهو تان سري سنوسي جنيد، حدثنا عن قصة طريفة عندما كان في زيارة مع مهاتير محمد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق رونالد رجان، كان هذا الأخير ينظر لكل زائريه من العالم الثالث نظرة مليئة بالاستعلاء والغرور، اقترب من الضيف الماليزي وقال له أنظر أمامك ما تراه هما العمارتين الأطول في العالم يقصد برجي مركز التجارة العالمي WTC!! فرد عليه أب ماليزيا الحديثة: سيدي الرئيس أطمئنك أنه سيكون في ماليزيا قريبا ما هو أطول منهما. وبالفعل احتفظ مهاتير بوعده للرئيس الأمريكي وفي عام 1998 كانت ماليزيا على موعد مع تدشين العمارتين الأطول في العالم المعروفتين ببرجي بتروناس. وكلنا يعلم ما حدث فيما بعد للبرجين الأمريكيين ذات يوم من أيام سبتمبر 2001 لما أصبحا خبرا من أخبار التاريخ.
عندما افتتح مهاتير البرجين قال في كلمته :"اليوم نضع بين يدي الماليزيين معلما يجعلهم يرفعون رؤوسهم وينظرون عاليا"، ومرة سألته صحفية مشاغبة، سؤالا استفزازيا قائلة:"إن اقتصاد ماليزيا لا يزال هشا وهو أقل من أن يتورط في بناية ضخمة من حجم برجي بتروناس التوأمين" فرد عليها مداعبا:"مثلنا مثل المرأة الحسناء القصيرة التي تحتاج إلى لبس الكعب العالي حتى تظهر طويلة".
حقائق التاريخ ماثلة أمامنا وتمدنا بالدروس اليومية لو كنا نعقل!! ذلك أن الشعوب عليها أن تنظر إلى مصالحها بالدرجة الأولى بغض النظر عن الألوان واللغات وكل ما تحمله الأيديولوجيات السخيفة التي تملئ العقول بالتصورات العدمية للكون والتاريخ والأحداث الإنسانية وتغفل عن الحقائق اليومية الملموسة المجسدة. واللذين لا يزالون يتمسكون بلووك واست (Look West) (انظر غربا) تخونهم الحقائق اليومية واتجاه التاريخ، وسيضيعون وقتا ثمينا على شعوبهم عوض وضعها في سكة الحضارة فإنهم سيدخلونها إلى متاهة الرومان القديمة التي ستقضي عليهم عطشا دون أن يجدوا المخرج.
بعض التافهين من بني جلدتنا يتصورون أن الشركات الأمريكية تنتقل إلى آسيا بسبب رخص اليد العاملة وانه ليست هناك قوانين تحمي الموظفين والمستخدمين ويغفلون عن أن أجر اليد العاملة جزء بسيط جدا من تكلفة الإنتاج خصوصا في الصناعات الأتوماتيكية التي تعتمد على الآلة والربوت، ولا تحتاج إلى يد عاملة كثيرة ولكنها بالمقابل في حاجة ماسة لليد العاملة النوعية، ذات الكفاءة العالية التي توفرها هذه الأسواق، لأنه وبكل بساطة حكومات هذه الدول أسست نهضتها المعاصرة بالأساس على دعم قطاع التعليم وتطوير قدرات شعوبها على استيعاب وتطوير التكنولوجيا المعاصرة. الحمقى وحدهم من يتصورون أن دور الصينين والهنود في مصانع دال (Dell) الامريكية او انتل (Intel) يقتصر على حراسة المبنى أو الرد على المكالمات الهاتفية وما لا يعلمونه أن هذه الشركات العملاقة أصبحت تجد صعوبة كبيرة في توظيف تقنيين ذوي مستوى عال من بحر المجتمع الأمريكي الذي انحط فيه التعليم إلى مستويات دنيا، وهم الآن على أبواب نقل وحدات البحث والتطوير (Research &Development) إلى الهند والصين وكوريا، ولعل هذا ما جعل رئيس مجلس إدارة شركة انتل، جرايج برات (Graig Barret) يعلق بحسرة على تدهور مستويات التعليم ويقول :"الولايات المتحدة لا تزال تبذل جهدا لدعم قطاع التعليم والبحث، ولكن إذا قارنا ذلك بالصين فإننا سنجد أنفسنا في وضعية صعبة بعد عشر سنوات" ، ويضيف:"نحن لا نملك كما من الخريجين يتناسب مع التطور السريع للصناعات المعاصرة، ولدينا ضعف كبير في البنية التحتية، ولا نملك أفكارا جديدة، ويتم اقتطاع نسبة هامة من الاستثمارات الموجهة لقطاع العلوم" ومقابل ذلك نجد إدارة الرئيس بوش تقول للشعب الأمريكي نحن نريد أن نغزو كوكب المريخ، بينما مقاطعة منهاتن الشهيرة لا تزال في حاجة إلى خدمات بسيطة لم يعد الاقتصاد العملاق قادر على توفيرها.
--------------------------------------------------------------------------------
* نشرت في الجزائر بأسبوعية رسالة الأطلس العدد 502.