PDA

View Full Version : غزوة أحد...كأنك تراها (4)



سليل المجد
04-13-2011, 12:28 AM
الجزء الرابع
لذلك تقدمت مجموعة قوية من مشاة قريش لمهاجمة النبي –صلى الله عليه وسلم- . وتابع المدافعون المسلمون قتالهم, وسقط منهم الكثير. واتفق ثلاثة من قريش أن يخترقوا السياج المضروب حول رسول الله وأن يقتربوا منه لمسافة بسيطة. وهؤلاء هم "عتبة بن أبي وقاص" (شقيق سعد), و"عبد الله بن شهاب", و"ابن قميئة". بدأ الثلاثة معا بإلقاء الحجارة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ألقى "عتبة" أربعة أحجار على وجه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, فكسر رباعيته اليمنى السفلى, وجرح شفته. وألقى "عبد الله بن شهاب" حجرا فشجّ جبهته, أما "ابن قميئة" فقد رمى حجرا واحداً فجرح وجنته-صلى الله عليه وسلم-.
سقط النبي على الأرض من جراء ضربه بالحجارة, وأحتضنه طلحة بن عبيد الله. في هذه اللحظة قام المسلمون القلائل الذين بقوا مع رسول الله بهجمة معاكسة عنيفة. حيث ألقى سعد بن أبي وقاص قوسه, واستل سيفه واندفع نحو أخيه, لكن هذا الأخير كان أسرع منه فهرب.
وتبع حاطب بن أبي بلتعة "عتبة" فضربه بالسيف حتى طرح رأسه أرضاً, ثم أخد فرسه وسيفه.
بدأ المشركون الآن هجومهم الأخير بعنف ضد النبي –صلى الله عليه وسلم- من جميع الاتجاهات. كان السياج الذي أقامه الصحابة حول رسول الله قادراً على صد الهجوم بشكل عملي في جميع النقاط, لكنه اخترق من مكان واحد اندفع منه ابن قميئة باتجاه النبي-صلى الله عليه وسلم- كان هذا الرجل أحد الأشخاص الذين قذفوا رسول الله بالحجارة في المرحلة السابقة من الهجوم. وكان يقف بالقرب من النبي وإلى يمينه "مصعب بن عمير"(حامل الراية) و"أم عمارة" التي تخلّت عن حمل الماء إلى الجرحى, والتقطت سيفاً وقوساً من أحد القتلى واشتركت بشكل فعلي في القتال الدائر.وتمكنت من إصابة فرس وجرح أحد المشركين.
أخطأ ابن قميئة وظن مصعباً هو النبي واندفع نحوه. كان مصعب في انتظاره واستل سيفه وقاتل بضراوة بالغة, فضرب على يده اليمنى حتى قطعت, فأخذ الراية بيده اليسرى, وصمد حتى قطعت يده اليسرى, ثم برك عليها بصدره حتى تمكن ابن قميئة من قتله.
عندما سقط مصعب, اندفعت أم عمارة نحو ابن قميئة بشجاعة قل نظيرها وضربته على كتفه بسيفها. ولأن ابن قميئة كان يرتدي معطفا من الزّرد, فإنه لم يتأثر بضربتها. وبالمقابل, ضرب أم عمارة على كتفها بسيفه, لكن هذه الضربة لم تقتلها لكونها ضربة عاجلة. ولكنها سببت لها جرحاً بالغاً وأسقطتها على الأرض ولم تستطع الحركة لبعض الوقت.
اخذ ابن قميئة يصرخ بأعلى صوته (قتلت محمداً). وسُمعت صرخته في أرجاء ميدان المعركة, وقد أثرت هذه الصرخة على معنويات المسلمين, وبدأ معظمهم بالهرب نحو جبل أحد. لكن عدداً قليلاً من المسلمين قرروا أنه لن يكون لحياتهم معنى بعد رسول الله. فاندفعوا نحو خيّالة قريش لكنهم صُدوا من قبل خالد وعكرمة.
بينما كانت القوة الرئيسة للمسلمين تفر باتجاه التلال, كان معظم المشركين مشغولين بالغنائم وبتمثيل قتلى المسلمين. وعندما وجد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن طريقه خاليه من المشركين, انسحب ومن معه باتجاه المضيق الكائن عند الوادي. وقد لاحقهم عدد قليل من المشركين في هذا الانسحاب لكن الصحابة صدوهم وقتلوا منهم واحداً أو أثنين. ورأى خالد تحرك مجموعة النبيّ باتجاه المضيق الجبلي, لكنه لم يحاول أن يعترضها لأنه كان مشغولا بمطاردة القوة الرئيسة لمشاة المسلمين. وهكذا لم يجد النبي –صلى الله عليه وسلم- صعوبة في الوصول إلى المضيق, وتسلقت المجموعة المنحدر الشديد للبروز الذي كان على شكل جرف عال يبلغ ارتفاعه 400 قدم, ويقع على الحافة الشرقية للمضيق. وهنا وقف في شقّ في الصخور وأخذ ينظر إلى ميدان المعركة الممتد أمامه.
الآن المسلمون متفرقون في مجموعات لا يدرون ما يفعلون. أما المشركون فكانوا تحت سيطرة كاملة من قبل قيادتهم.
وبينما كان كعب بن مالك, يسير باتجاه المضيق, رأى النبي –صلى الله عليه وسلم- وكان ذا صوتاً قوياً. فصاح بأعلى صوته: (يامعشر المسلمين أبشروا, هذا رسول الله). وكان نتيجة هذا النداء, أن تحركت مجموعات كثيرة من المسلمين وانضمت إلى النبي-صلى الله عليه وسلم-, وكان من بينهم عمر بن الخطاب, وقد كان سروره لا يوصف عند رؤيته رسول الله مرة ثانية.

سليل المجد
04-13-2011, 12:32 AM
طلب أبو سفيان من خالد بن الوليد أن يأخذ خيّالته ويهاجم الموقع.
نظر خالد إلى الوادي المملوء بالصخور الكبيرة والذي يؤدي إلى البروز, ثم إلى المنحدر الشديد للبروز نفسه. وقد خامره الشك في إمكانية المناورة, فهو يعلم أن فرسانه في مثل هذا النوع من الأرض سيكونون في موقف حرج للغاية. ولكنه كان يأمل في أن تسنح له فرصة مواتية, فبدأ بتحريك سريّته باتجاه البروز.
وعندما رأى النبي-صلى الله عليه وسلم- هذا التحرك دعا ربه قائلاً: (اللهم إنه لا ينبغي أن يعلونا). عندئذ تحرك عمر بن الخطاب بمجموعة إلى مسافة قصيرة نحو المنحدر لمواجهة خيّالة قريش. وعندما وصل خالد مع سريّته, رأى ابن الخطاب وبعض المسلمين ينتظرونه على أرض مرتفعة. فأيقن أن الموقف ميئوسٌ منه, وانسحب خالد. وكانت هذه آخر مناورة تكتيكية في غزوة أحد.
بعدها تركت قريش ميدان المعركة وتجمعوا في معسكرهم القديم الذي كانوا فيه في اليوم السابق. وعندما بدؤوا بمغادرة أرض المعركة أرسل النبي علياً في آثارهم حتى علم أنهم نزلوا في حمراء الأسد التي تبعد عن "المدينة" بعشرة أميال.
عندها خرج المسلمون لتفقد الجرحى والقتلى وقد سأل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن سعد بن الربيع, فعندما وجوده وبه رمق, قال لأحدهم: أبلغ رسول الله عني السلام, وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته, وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف. فلم يبرح حتى مات.
وبعد عودة المسلمين إلى "المدينة" نهض النبي-صلى الله عليه وسلم- في صباح اليوم التالي وارتدى درعه, فقد عزم على مهاجمة قريش حيث تمركزت. وكانت آثار المعركة لا تزال بادية على وجهه. بالإضافة إلى ألم كتفه الأيمن الذي أصيب بسيف ابن قميئة.
نهض المسلمون فور سماعهم أوامر رسول الله وكان معظمهم مصاباً بجراح, فقد قضوا ليلة دون أن يغمض لهم جفن وهم يتألمون من جراحهم.
انطلق هؤلاء المسلمون المنهكون لقتال المشركين بتعداد500 مقاتل.
بينما كان المسلمون يتجمعون للمعركة, كانت هنالك مناقشة حادة في معسكر قريش. كان عكرمة, الذي لم يفتر حماسه عن اليوم السابق, يصر على العودة للمعركة.
بينما قال صفوان بن أمية: (كفى! كفى! لقد كسبنا المعركة, وهذا النصر يكفينا. فإذا كان المسلمون في حالة سيئة, فنحن لسنا في حالة أفضل. إن معظم خيولنا قد أصيبت كما أن الكثير من رجالنا جُرحوا. فإذا دخلنا المعركة القادمة بقوتنا الحالية, فلن نكون محظوظين كما كنا بالأمس).
سمع زعماء قريش في هذا الوقت أيضا خبر ترك 300 من المنافقين للمسلمين قبيل نشوب القتال. فخشوا أن يعود هؤلاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- نادمين, وفي هذه الحالة فإن قوة المسلمين ستعزز بمقاتلين جدد. لذا, فقد أمر أبو سفيان بالتحرك إلى مكة فوراً.
وصل المسلمون إلى حمراء الأسد بعد الظهر فوجدوها مهجورة. فأقاموا معسكراً. وبعد أربع ليالٍ قضوها في حمراء الأسد, عادوا إلى المدينة.
وهنا انتهت ثاني معركة رئيسة في تاريخ الإسلام. خسر المسلمون هذه المعركة, بسبب الرماة الذين عصوا أوامر رسول الله وأوامر قائدهم المباشر.
وقد قتل في هذه الغزوة 70 من الصحابة وأسر مثلهم, ومن المشركين 23 قتيلا.
لكن هذه الغزوة –رغم شديد وقعها على المسلمين- إلا أنها شكلت دروساً شتى لذلك الجيل والأجيال التي تليها.
انـتــهــى بفضل الله
المصادر:
-تهذيب سيرة ابن هشام [ عبد السلام هارون]
-السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية [مهدي رزق الله أحمد]
-روضة الأنوار في سيرة النبي المختار[صفي الرحمن المباركفوري]
-بعض المواقع الإلكترونية.

سليل المجد
04-13-2011, 12:36 AM
هذا وما كان من توفيق فمن الله وما كان من خطأ أوسهو أونسيان فمن نفسي والشيطان.
ولقد أعتمدت في هذا البحث على السرد وقصرت في الروايات.
لذلك أطلب من الأخوة الأعضاء المشاركة بفائدة من هذه الغزوة وما أكثر الفوائد وكذلك إضافة بعض البطولات للصحابة الأفذاذ الذين وقفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جزاكم الله خيراً..