PDA

View Full Version : في بيت أم جهـــاد



علاء سعد حسن
09-14-2006, 11:20 AM
في بيت أم جهاد
رحم الله تعالى أم جهاد..
كنا نؤم بيتها، وفيه نشعر بسكينة مسجد أو قريبة من المسجد..
فبيت أم جهاد كان على الدوام مسجدا مقدسا ثراه..
حينما تتخطين البوابة الخارجية تشعرين بالملائكة تصافحك في الطرقة المؤدية إليه..
وحينما تفتح لك الباب، توقنين أن أبواب رحمته تعالى قد فتحت لك..
وفي بيت أم جهاد رأيت الملائكة بعين اليقين، وشعرت بالسكينة تملأ وجداني، وتلمست الرحمة..
عشت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم غضا طريا وواقعا ملموسا، ولم لا يحدث وبيت أم جهاد مسجد مقدس ثراه؟!
كان ذلك في بواكير الشباب وميعة الصبا، على أعتاب الثانوية العامة، حين عرفنا روضة من رياض الجنة في هجير حياتنا الملتهبة بفعل عوامل شتى، ليست أقصاها ولا أدناها فزاعة الثانوية العامة ومكتب التنسيق، التي قد تهون أمام إلتهاب المشاعر وضياع الهدف وتيه الغاية وفقدان النفس.
لا أعرف كيف ولا إلى أين أسير!
لا يمكنني تلمس الفواصل بين الخطأ والصواب أثناء رحلة الشك في الثوابت في مرحلة شديدة الحساسية، حيث كنت أحاول جاهدة التمييز بين تلك الثوابت المصنوعة بفعل العادات وهي ثوابت من صنع الإنسان ولذا فهي أغلال في اعناق الإنسان، وبين تلك الثوابت المستمدة من السماء حيث نزلت إلى الأرض لتحررنا من القيد وتأخذ بأيدينا إلى الانعتاق..
في دوامة رحلة الشك والتمييز هذه كدت اهوى أكثر من مرة بين يأس وإحباط وبحور من قنوط ظلمات بعضها فوق بعض لا أمل فيها ولا بصيص من أمل..
حينما قادتني قدماي فجأة مجاملة لإحدى صديقاتي لبيت أم جهاد..
ومنذ تخطت قدماي عتبة هذا البيت أدركت أن رحلة الشك المضنية باتت على وشك النهاية وأنني وصلت أخيرا إلى شاطيء الأمان في حضن أم جهاد..


في بيت أم جهاد فتحت المصحف وقرأت وسمعت قرآنا يتلى بطريقة مختلفة وروح مختلفة، وشعرت أنني ما سمعت قرآنا يتلى من قبل، رغم كثرة ما سمعت وأنا أمر على صوانات العزاء المتكررة كل يوم..
وعرفت أنه يمكنني أن أقرأ القرآن فأرتله ترتيلا..
وأفهم أن الله تعالى يخاطبني وأنه سبحانه يدعوني.
من دون البشر جميعا أنا مدعوة من قبل المولى عز وجل لتنفيذ أمر..
وتحرك قلبي لأول مرة وأنا أسمع نداء علوي الصدى هز الوجود فزلزل النفس ( قل للمؤمنات) ..
تعلمت من أم جهاد أنني واحدة من هاتيك المؤمنات ،وأنني مقصودة بخطاب الله تعالى من فوق سبع سماوات..
وأدركت ربما لأول مرة في حياتي أن طبقة المؤمنات ليست طبقة تارخية مندثرة أو انها انقرضت مع ( الديناصورات ) و( الزرافات ذوات الرقاب القصيرة ) و( الفيلة عديمة الخراطيم) التي كنت أدرسها في مقرر الأحياء..
رأيت طبقة المؤمنات أخيرا..
رأيتهن عينا بعد أثر، وواقعا بعد تاريخ، وعلما بعد حلم، حقيقة بعد خيال، وحاضرا بعد ماض..
رأيتهن في بيت ام جهاد..

في بيت ام جهاد ودعت حياتي الماضية، وفاصلتها نفسيا ومعنويا واستقبلت حياة جديدة ورتعت من الجنة وروضاتها..
وحييت .. حييت حقيقة، عرفت الحب بعدما اجدبت نفسي دهرا..
عشت أول مرة في حياتي معنى الأخوة..
مصطلحات كثيرة غريبة لم أسمع عنها من قبل ولا كانت بين مفردات معجمي ولا معاجم من حولي..
عرفت الإيثار والبذل والعزة والإيمان والمناجاة واليقين..

أعظم ما ادركت في بيت ام جهاد: أن الإلتزام واحة.. روح وريحان.. جنة في النفس وسعادة في القلب وسكينة في الضمير والشعور..
وكنت أظن الالتزام قيد، فإذا به يحطم كل قيد،
وكنت أظن الالتزام كبت فإذا به انطلاق في فضاءات لم ترتدها مخيلتي من قبل..
أجمل ما في بيت أم جهاد ان رضوانه، أو فلتقولي حارسة الروضة وحمامة المسجد المقدس ثراه، لم تغادره في حياتها إلا لماما..
كنا نعرف قدرها فكنا نزورها وكنا نتحلق حولها.. وأحيانا يشاكس بعضنا بعضا من أجل الفوز بموعد أكثر اتساعا معها.. لم تكن في حاجة ونحن روادها الدائمات من أن تنتقل إلى هنا وهناك لتلقي درسا أو تسمع محاضرة.. ومنها فهمت المعنى العملي لقوله تعالى: ( وقرن في بيوتكن )..
لقد صنعت أم جهاد جيلا ربته على عينها وتعهدته بالرعاية..ولم تكن في حاجة أن تعلن عن نفسها بكثرة الانتقال والحركة وشغل المجالس والتطفل على كافة الأعمال والتجمعات.
وفي بيت أم جهاد فهمت تطبيق قوله تعالى: ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله..
كان البيت واحة من أمان للزائرات، ومحضن من حب ودفء لأهله..
كم مرة جلست إلينا تحدثنا أو تسمع لنا وصغيرتها جهاد فوق ذراعيها أو بين أحضانها تناغيها بين الفينة والفينة، وفي لحظات صمت التقاط الأنفاس..

حدثت ذات يوم لي مشكلة ظننت انها معقدة لا حل لها، وبعد طول عناء أدركت أن الحل في بيت أم جهاد، فذهبت إليها على غير موعد وفي ساعة لم تكن تزورها فيها زائرة..
وتأخر الرد قليلا حتى ظننت انه لا أحد في البيت ثم أدركتني مسرعة وأدخلتني للصالون على عجل كانت منتقبة على غير عادتها معنا، وكنت غِرة لم أفهم شيئا، غير أن رائحة عطر فواح كانت تنتشر في الأرجاء.. وهرعت أعرض مشكلتي، وهي تنصت..
حتى أتاني صوت ملاطفة أبو جهاد لطفلته.. وشعرت فجأة انني أخطأت فارتبكت ثم استأذنت على عجل وهي تمهلني لتفهم مشكلتي وأنا أسرع الخطى نحو الباب.. وكان هذا واحدا من أعظم دروسها لي وإن لم تتفوه فيه بحرف..

ترحمت على أم جهاد التي سكنتني فلم أنسها قط،
وانا أراهُنّ من موعد لموعد منطلقات، ودموع تترقرق في عيني طفلة بريئة كقطرات ندى على خدود وردة حمراء، وابن فقد حنان الأم بين يدي مدرس يعلمه رسم (حرف الألف ) على دفتر من ورق التسعة أسطر..

ربما دخلت بيوتا كثيرة أفخم وأوسع ثراء من بيت أم جهاد، فما صافحتني ملائكة، ولا غشيتني رحمة، ولا شممت عبق عطر عرفته يوم ارتبكت في صالون أم جهاد وصوت مناغاة الوالد لطفلته يأتيني همسا..
لقد كان بيتها مسجدا مقدسا ثراه