عبدالعزيز الكندري
10-04-2006, 02:17 PM
الدكتور عبد الله الحامد
جناحان حلَّق بهما الإسلام... العدالة والحرية
عندما غير النبي صلى الله عليه وسلم (يثرب) إلى (المدينة), ونهى صحابته الكرام رضي الله عنهم عن تسميتها بعد ذلك بالاسم القديم) يثرب، (كان ذلك دلالة رمزية, على تدشين عهد من المدنية يتضمن تشكيل مجتمع مدني إسلامي، يتسم أهله بأمرين, الأول: الهجرة من طباع البادية إلى طباع الحاضرة, الثاني: يأمرون فيه بالمعروف وينهون عن المنكر, ويتعاونون على البر والتقوى, في مجالي العبادات والمدنيات معاً, تلك وسيلة بناء دولة النبوة والخلافة العادلة الشورية, هذا المفهوم وضع الإسلام مبادئه, وكان ظهور جماعات (المسجد) و (الأنصار) أو (المهاجرين), من أول مظاهر المؤسسات والهياكل الأهلية المدنية الجديدة.
النبي الأمي: أي العالمي
من أجل أن يتبين أن الإسلام اعتبر مبدأ: العدالة وحقلها كالشورى والحرية الفطرية, من أصول الدين, ينبغي أن نتأمل سر انتشار الإسلام. فلو لم يقدم الإسلام العدالة والحرية للشعوب, لم ينتشر في الآفاق سلطانه, ولم يلذ منلم يسلم بظلاله, ولم يجتذب أمماً إلى التوحيد. فالمسلمون الرااشديـون قدموا منظومة التوحيـد والعبادة في طبق سبك من العدالة وضمان الحريات الفطرية, فأغروا الأمم به، فانفتحت قلوبها, لأنها أمم عانت من الدكتاتورية والظلم.
كان النبي هو الرسول الوحيد الذي بعث إلى الناس كافة، فلم يأت خاصاً بأمة كموسى, أو مكملاً لملة كعيسى, وهو خاتم الأنبياء, وهذا يتواكب مع كونه (رحمة للعالمين), أي ليس رحمة خاصة بالمسلمين. هذه الأمور الثلاثة تشير إلى عالمية الرسالة, ولذلك وصف في القرآن بـ (النبي الأمي)، أي الأممي العالمي.
وانسجاماً مع العالمية, جاء الإسلام لتقديم العدالة الاجتماعية للمظلومين, وتقديم الحرية للمستعبدين, مسلمين أو غير مسلمين. لذلك كان من أهداف الإسلام الكبرى, إقامة الدولة الشورية العادلة, لا ظلاً للمسلمين وحدهم, بل وظلاً ظليلاً لغير المسلمين. فالإسلام قرر مفهوم (المواطنة) التي يتحقق فيها أمران: إقامة العدالة الاجتماعية, وضمان الحريات الفطرية. وإقامة العدالة للجميع, هي شطر الإسلام الذي يكمل شطره الثاني: إقامة منظومة العبادة تلك هي الشريعة السمحة السهلة, التي توائم الطباع, ولا تقف مع العقول فيخصام. وهذا هو سر غلبته العالم القديم, وجبه ما قبله من ثنيات, وسيطرته خلال ثمانين عاماً، وهو ما لم تستطعه روما خلال خمسة قرون. لم تكن فتوحه في عهد الراشدين، قهراً عسكرياً, ولا إجبارا دينياً, ولكنها، بمنظومة العدالة الاجتماعية والحريات الأساسية، نشرت منظومة التوحيد. ومن هنا تبدو العلاقة بين منظومة العدالة الاجتماعية والحريات الفطرية, ومنظومة التوحيد والعبادة، باعتبارهما مجموعتين من الخيوط لا يتشكل نسيج الإيمان مندون تضافرهما معاً.
لم يصبح العرب أرحم فاتح في التاريخ, في العصور القديمة, إلا بما غرسه الإسلام فيهم من صفات العدل والرحمة. ولم ترحب بهم بلاد فارس والروم, إلا لما تناقله الناس عنهم من العدل والرحمة. ولم يكن ذلك لهم إلا بالإسلام, فقد كان العرب القدامى من قبله في الجزيرة العربية كأي مجتمع بدوي, قساة القلوب،غلاظ الأكباد, يدسون بناتهم في التراب, خوفاً على الأعراض, ويقتلون أولادهم خشية إملاق, وكان العرب الأقدمون خارج الجزيرة العربية, آشوريين وكنعانيين وفينيقيين, كغيرهم من ذوي الحضارات القومية. لأن للجهاد النبوي والراشدي هدفين، الأول: رد عدوان الآخرين, الثاني: تخليص الشعوب من الحكم الدكتاتوري الظالم, إلى ظلال العدل, ومن نير الاستعباد والاستبداد، إلى أفق الحرية والكرامة والمساواة.
وبهذه الوسيلة انتقل الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، هذا المفهوم تحاول الحضارة الغربية مقاربته اليوم, عندما تقدم العلمانية في طبق العدالة والحرية وتقرير المصير, لأمم عانت الاستبداد والظلم, ولكنها تبتعد منه عندما تقدم الإمبريالية المقنعة. لكن الأمويين والعباسيين لم يعطوا البلدان التي فتحوهاهذيـن الحقين, بل سلبوهما العرب فضلاً عن المسلمين، وأخلّـوا بحقوق أهل الذمة, وقدموا إسلاماً غير نموذجي ينبغي أن نسميه باسمهم لئلا نسيء إلى هدي النبوة, سواءفي استبدادهم وجورهم الداخلي أولاً, وثانياً: أنهم حملوا أطماعهم القومية والعدوانية مفهوم الجهاد. ودشن انتهاك العدالة والحرية باسم الإسلام, فأخلوا بمبدأ العدالة ثم أخلوا بمبدأ الحرية. وورثت الحكومات العربية والحركات السلفية المعاصرة هذا التراث, ودافعت عنه باسم الأصالة والإسلام. ونسي الحكام أن كل دولة تقمع الحرية ضمانة للعدالة ستموت, لأنها تصادم ما فطر الله عليه الناس من الطبائع, وأن كل مذهب يقدم الحرية ضمانة للعدالة سيسود. ونسيت السلفيات أن كل مذهب لا يدرك وثاقة علاقة الإسلام بالعدالة والحرية: تحريف لما أنزل الله من الشرائع, وأن كل دين لا يحتضن الحرية سيموت, فكان القمع الديني هو الوجه الآخر للقمع السياسي, المتوالد من الزواج الصحراوي الكسروي: العدالة والحرية معا! إنها الحقيقة الإسلامية والإنسانية, التي يحاول بعض الحكام والفقهاء أن يخنقها، بأوهام الأصالة والخصوصية, أو بالارتباط بالتراث, أو بدعوى الحفاظ على العقيدة والدين.
جناحان حلَّق بهما الإسلام... العدالة والحرية
عندما غير النبي صلى الله عليه وسلم (يثرب) إلى (المدينة), ونهى صحابته الكرام رضي الله عنهم عن تسميتها بعد ذلك بالاسم القديم) يثرب، (كان ذلك دلالة رمزية, على تدشين عهد من المدنية يتضمن تشكيل مجتمع مدني إسلامي، يتسم أهله بأمرين, الأول: الهجرة من طباع البادية إلى طباع الحاضرة, الثاني: يأمرون فيه بالمعروف وينهون عن المنكر, ويتعاونون على البر والتقوى, في مجالي العبادات والمدنيات معاً, تلك وسيلة بناء دولة النبوة والخلافة العادلة الشورية, هذا المفهوم وضع الإسلام مبادئه, وكان ظهور جماعات (المسجد) و (الأنصار) أو (المهاجرين), من أول مظاهر المؤسسات والهياكل الأهلية المدنية الجديدة.
النبي الأمي: أي العالمي
من أجل أن يتبين أن الإسلام اعتبر مبدأ: العدالة وحقلها كالشورى والحرية الفطرية, من أصول الدين, ينبغي أن نتأمل سر انتشار الإسلام. فلو لم يقدم الإسلام العدالة والحرية للشعوب, لم ينتشر في الآفاق سلطانه, ولم يلذ منلم يسلم بظلاله, ولم يجتذب أمماً إلى التوحيد. فالمسلمون الرااشديـون قدموا منظومة التوحيـد والعبادة في طبق سبك من العدالة وضمان الحريات الفطرية, فأغروا الأمم به، فانفتحت قلوبها, لأنها أمم عانت من الدكتاتورية والظلم.
كان النبي هو الرسول الوحيد الذي بعث إلى الناس كافة، فلم يأت خاصاً بأمة كموسى, أو مكملاً لملة كعيسى, وهو خاتم الأنبياء, وهذا يتواكب مع كونه (رحمة للعالمين), أي ليس رحمة خاصة بالمسلمين. هذه الأمور الثلاثة تشير إلى عالمية الرسالة, ولذلك وصف في القرآن بـ (النبي الأمي)، أي الأممي العالمي.
وانسجاماً مع العالمية, جاء الإسلام لتقديم العدالة الاجتماعية للمظلومين, وتقديم الحرية للمستعبدين, مسلمين أو غير مسلمين. لذلك كان من أهداف الإسلام الكبرى, إقامة الدولة الشورية العادلة, لا ظلاً للمسلمين وحدهم, بل وظلاً ظليلاً لغير المسلمين. فالإسلام قرر مفهوم (المواطنة) التي يتحقق فيها أمران: إقامة العدالة الاجتماعية, وضمان الحريات الفطرية. وإقامة العدالة للجميع, هي شطر الإسلام الذي يكمل شطره الثاني: إقامة منظومة العبادة تلك هي الشريعة السمحة السهلة, التي توائم الطباع, ولا تقف مع العقول فيخصام. وهذا هو سر غلبته العالم القديم, وجبه ما قبله من ثنيات, وسيطرته خلال ثمانين عاماً، وهو ما لم تستطعه روما خلال خمسة قرون. لم تكن فتوحه في عهد الراشدين، قهراً عسكرياً, ولا إجبارا دينياً, ولكنها، بمنظومة العدالة الاجتماعية والحريات الأساسية، نشرت منظومة التوحيد. ومن هنا تبدو العلاقة بين منظومة العدالة الاجتماعية والحريات الفطرية, ومنظومة التوحيد والعبادة، باعتبارهما مجموعتين من الخيوط لا يتشكل نسيج الإيمان مندون تضافرهما معاً.
لم يصبح العرب أرحم فاتح في التاريخ, في العصور القديمة, إلا بما غرسه الإسلام فيهم من صفات العدل والرحمة. ولم ترحب بهم بلاد فارس والروم, إلا لما تناقله الناس عنهم من العدل والرحمة. ولم يكن ذلك لهم إلا بالإسلام, فقد كان العرب القدامى من قبله في الجزيرة العربية كأي مجتمع بدوي, قساة القلوب،غلاظ الأكباد, يدسون بناتهم في التراب, خوفاً على الأعراض, ويقتلون أولادهم خشية إملاق, وكان العرب الأقدمون خارج الجزيرة العربية, آشوريين وكنعانيين وفينيقيين, كغيرهم من ذوي الحضارات القومية. لأن للجهاد النبوي والراشدي هدفين، الأول: رد عدوان الآخرين, الثاني: تخليص الشعوب من الحكم الدكتاتوري الظالم, إلى ظلال العدل, ومن نير الاستعباد والاستبداد، إلى أفق الحرية والكرامة والمساواة.
وبهذه الوسيلة انتقل الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، هذا المفهوم تحاول الحضارة الغربية مقاربته اليوم, عندما تقدم العلمانية في طبق العدالة والحرية وتقرير المصير, لأمم عانت الاستبداد والظلم, ولكنها تبتعد منه عندما تقدم الإمبريالية المقنعة. لكن الأمويين والعباسيين لم يعطوا البلدان التي فتحوهاهذيـن الحقين, بل سلبوهما العرب فضلاً عن المسلمين، وأخلّـوا بحقوق أهل الذمة, وقدموا إسلاماً غير نموذجي ينبغي أن نسميه باسمهم لئلا نسيء إلى هدي النبوة, سواءفي استبدادهم وجورهم الداخلي أولاً, وثانياً: أنهم حملوا أطماعهم القومية والعدوانية مفهوم الجهاد. ودشن انتهاك العدالة والحرية باسم الإسلام, فأخلوا بمبدأ العدالة ثم أخلوا بمبدأ الحرية. وورثت الحكومات العربية والحركات السلفية المعاصرة هذا التراث, ودافعت عنه باسم الأصالة والإسلام. ونسي الحكام أن كل دولة تقمع الحرية ضمانة للعدالة ستموت, لأنها تصادم ما فطر الله عليه الناس من الطبائع, وأن كل مذهب يقدم الحرية ضمانة للعدالة سيسود. ونسيت السلفيات أن كل مذهب لا يدرك وثاقة علاقة الإسلام بالعدالة والحرية: تحريف لما أنزل الله من الشرائع, وأن كل دين لا يحتضن الحرية سيموت, فكان القمع الديني هو الوجه الآخر للقمع السياسي, المتوالد من الزواج الصحراوي الكسروي: العدالة والحرية معا! إنها الحقيقة الإسلامية والإنسانية, التي يحاول بعض الحكام والفقهاء أن يخنقها، بأوهام الأصالة والخصوصية, أو بالارتباط بالتراث, أو بدعوى الحفاظ على العقيدة والدين.