د.طارق البكري
02-17-2006, 08:39 PM
صانع الأحلام
قصة: طارق البكري
docbakri@yahoo.com
تعيش ريم في بيت واسع جميل تحيط به أشجار عالية من كل اتجاه.. وحديقة جميلة مزروعة بزهور ونباتات خضراء متنوعة.. وفي زاوية منها مراجيح مسلية.
في بيت ريم ألعاب متعددة الأشكال والأحجام..
سيارات.. طائرات.. عرائس تمشي تلعب وتغني.. أقراص حاسوب كثيرة..
فيها ما تشتهيه من الألعاب الالكترونية.. وغير ذلك كثير كثير..
ريم عمرها عشر سنين.. تعيش مع أسرتها الصغيرة المكونة من أب وأم وثلاثة أخوة أكبر منها..
ريم تعيش مع أسرتها سعيدة.. تقضي معظم وقتها بعد المدرسة في البيت والحديقة..
مدرسات ريم يحببنها لأنها متفوقة ومتميزة....
***
في يوم طلبت احدى المدرسات من طالبات فصل ريم أن تتحدث كل واحدة منهن عن أحلامها..
فرحت الصغيرات بذلك.. وتسابقن لرواية أحلامهن..
سعاد حلمت أنها تحلق في الفضاء تركب السفن الفضائية وتطير بالهواء من نجمة الى نجمة..
نورا حلمت أنها صارت أماً وجدةً وعندها بنات وأولاد وأحفاد...
نسرين تحلم بالسفر والتنقل بين البلاد... قالت إنها زارت في منامها دولاً كثيرة، وبعضها زارتها حقيقة، مثل مكة والمدينة والقاهرة.. وتحلم أن تزور باريس لتشاهد ديزني لاند وبرج ايفل...
منى تحلم أنها من أصحاب الملايين.. تعيش في قصور وتملك سيارات لا حصر لها ولا عدد..
ومضت الطالبات يتسابقن في الحديث حتى جاء دور ريم...
***
قالت المدرسة: نعم يا ريم، هيا.. لم يبق غيرك.. أخبرينا بماذا تحلمين؟
لم تتكلم ريم..
احمر وجهها خجلا..
قالت: لا أعلم.. أنا... أنا.. أنا في الحقيقة لا أعرف ما معنى أحلام؟
استغربت المدرسة: ماذا؟؟ غير معقول.. أنت تمزحين..
جميع الطالبات صرن يضحكن بسخرية: عجيب.. إنسان حي لا يحلم.. غير معقول.. ألا تعرفين ما هي الأحلام؟ قالت المدرسة ذلك بدهشة..
وظلت زميلات ريم يضحكن طوال النهار...
***
عادت ريم الى بيتها حزينة.. رأتها أمها.. أحسّت بحزنها.. سألتها: ما بك يا حبيبتي؟
أخبرتها ريم بما حدث.. أصاب الأم العجب..
قالت: لا تقلقي يا حلوتي.. مشكلتك بسيطة وسنجد لها حلاً..
***
في عصر ذلك اليوم ذهبت ريم برفقة أمها الى طبيب مشهور يدعى صانع الأحلام..
روت ريم للطبيب قصتها.. وبدت طوال الوقت حزينة...
قال الطبيب مبسطاً الأمر ومخففا الألم عن ريم: لا تحزني يا ابنتي.. الأمر بسيط ويحدث كثيراً..
قام الطبيب على الفور وأحضر أدوية عجيبة غريبة..
صار يخلط بعضها مع بعض.. هذه نقطة وتلك نقطتان.. وهاتيك ثلاث..
وضع الطبيب الخلطة في أنبوب زجاجي شفاف وقال لريم: اسمعيني وانتبهي لما أقول.. ضعي ثلاث نقاط في عينك اليمنى ونقطتين في عينك اليسرى قبل أن تنامي مباشرة ولا تفتحي عينيك حتى تستيقظي في الصباح... وغدا تعالي لتخبريني عن أحلامك.. سوف تأتي الأحلام وتهجم عليك مثل خيول مسرعة...
كان الطبيب واثقاً متأكداً من كلامه مطمئناً لما يقول..
فرحت ريم وأمها وعادتا الى البيت سعيدتين بما حدث...
***
في صباح اليوم التالي رنّ جرس هاتف الطبيب.... كانت ريم هي المتصلة..
أخبرته أنها لم تحلم على الاطلاق.. ولم تشعر بأي تغيير..
فكر الطبيب..
هذه أول مرة لا ينفع الدواء؟..
قال بعد تفكير: اسمعي يا ريم.. لا أدري ماذا حصل، لنحاول مرة ثانية، لكن أضيفي نقطة أخرى لكل عين...
وفي اليوم التالي، اتصلت ريم : العلاج لم يؤد الى نتيجة..
قرر الطبيب تغيير خلطة الدواء..
ظنّ أن الدواء فيه خطأ..
كرر المحاولة وأعاد تصنيع الدواء من جديد..
وطلب من ريم الطلب نفسه..
لكن التجربة الثالثة كانت فاشلة أيضاً...
أصيب الطبيب بإحباط شديد.. كيف؟
لا يمكن؟
جربت الدواء على نفسي ونجح.. جربته على كثير من الناس... يجب أن اكتشف السر.. يجب أن اكتشف السر..
***
ذهب الطبيب الى بيت ريم، فاستقبلته أسرتها جميعاً.. كلهم يريدون اكتشاف سر ريم..
طلب الطبيب من والد ريم أن يسمح له بدخول غرفتها والتجول في أنحاء المنزل، لأنه يشعر بوجود مشكلة يجب عليه اكتشافها..
فتح الطبيب غرفة ريم..
وجد أجمل الأثاث..
وجد ثياباً رائعة باهظة الثمن..
في كل زاوية من غرفتها رأى لعباً متراكمة..
أحس الطبيب الذي يصنع الأحلام للناس أنه عاجز عن صنع حلم جديد..
ريم لديها كل ما تريد..
تحصل على كل الأشياء الجميلة الرائعة حتى دون أن تطلبها.. دون أن تحلم بها..
فكر الطبيب..
ترى أين المشكلة؟؟؟ لا بد من مشكلة؟؟
فجأة قفز الطبيب صائحا: وجدتها.. وجدتها..
التف حوله الجميع.. بصوت واحد: ماذا.. ماذا.. ماذا وجدت؟
هز الطبيب رأسه ولم يتكلم..
ثم قال موجها كلامه لريم: غداً.. غداً... غداً أعود ومعي دواؤك الشافي بإذن الله...
فرحت ريم..
فرحت أسرتها..
ولم تستطع ريم النوم تلك الليلة..
***
في صباح اليوم التالي عاد صانع الأحلام بوقت مبكر يحمل كيساً كبيراً كبيراً... ريم شعرت بالخيبة ما أن رأت الرجل..
ظنت أن الطبيب أحضر لها ألعاباٍ جديدة..
أنا لا أريد ألعاباٍ.. أريد أحلاماٍ..
ضحك الطبيب: أعلم ذلك.. لا تقلقي..
لم ينتظر الرجل لحظةً ليشرح.. كان شوق أسرة ريم أكبر من الانتظار... وضع الكيس عن ظهره..
فتح الكيس في بهو غرفة الاستقبال..
أخرج منه كتباً جميلة رائعة مليئةً بالدهشة والروعة والأحلام..
كانت الكتب هذه من مكان بعيد يعيد..
كتب تتحدث مع بعضها.. وتتحدث مع الناس..
كتب تتكلم.. تحاور.. تفرح.. تضحك وتبكي.. وتتألم.
أصيبت ريم بالحزن...
قالت متهكمة: كتب.. كتب.. كتب... يا لهذه المفاجئة.. ظننتك ستأتيني بدواء فأتيتني بما يصيبني بالملل ووجع الرأس..
قال لها: انتظري واختاري واحداً من الكتب..
حملت ريم أحدها..
سمعت الكتاب يتكلم يرحب بها.. يرقص بين يديها...
صاحت بدهشة: واو!... كتب تتكلم وتتحرك..
قال لها: بل أكثر من ذلك بكثير... سوف تكتشفين حقيقتها بنفسك..
صاحت ريم: أشكرك يا عمي العزيز... هذا فعلا ما افتقد إليه.. وأحتاجه.. أشكرك من قلبي..
قال لها مؤكدا كلامها: لديك كل الأشياء الجميلة الرائعة.. لكنك لا تملكين مكتبة مثل هذه المجموعة من الكتب.. إنها قصص رائعة.. اقرئي كل يوم قصة.. واحلمي كما تشائين وبما تشائين..
وخرج الطبيب سعيداً باكتشافه.. متأكداً أنه اكتشف سرّ ريم وأنها ستحلم دون شك...
***
في اليوم التالي ذهبت ريم الى مدرستها ركضاً..
بحثت عن مدرستها قبل دخولها الفصل..
قالت لها بفرح كبير ظاهر: آنستي.. آنستي.. أريد أن أخبرك عن حلم جميل رأيته ليلة أمس..
وراحت ريم تروي لصديقاتها ومدرستها كثيراً من القصص والأحلام..
وكان جميع طالبات الفصل مستغربات مندهشات.. لكنهن كن سعيدات بما ترويه لهن من حكايات رائعات يوما بعد يوم...
***
وفي أحد الأيام، جلست ريم في غرفتها بين تلال الكتب الجميلة، وفيما كانت تقلب بينها وقع بصرها على كتاب كبير ضخم لم تلحظ وجوده من قبل..
قالت: ياي.. ما هذا الكتاب الكبير؟؟.. لم أره قبل الآن!!..
أزالت الكتب الصغيرة من فوقه..
حملت الكتاب.. كان ثقيلاً جداً.. أعادته الى الأرض..
تأمّلت غلافه السميك الثقيل..
قرأت بصوت مرتفع: (فراشة الغابة الغريبة).
ثم قالت: تبدو قصة رائعة.. يا له من كتاب..
***
شعرت ريم برغبة شديدة في قراءة القصة..
لكن القصة طويلة طويلة.. وتحتاج الى ساعات وساعات لقراءتها.. وموعد نومها اقترب..
نظرت ريم الى الساعة.. الوقت تأخر..
قالت: لا بأس.. سأقرأ صفحات قليلة ثم أكملها غدا.. ومن يدري ربما عندما أنام أحلم بالفراشات والزهور..
وصارت ريم تضحك وتضحك...
أمسكت ريم الغلاف الثقيل وبدأت ترفعه بصعوبة..
لم تتمكن من فتح الغلاف..
صارت ترفع بقوة أكبر..
ما أن ارتفع الغلاف قليلا حتى أحست بتيار هوائي شديد يمتصها الى داخل الكتاب..
وقبل أن تفكر بالمقاومة اختفت ريم داخل الكتاب الضخم... وهدأت الغرفة تماماً...
***
لم تدرك ريم ما حدث..
كانت المفاجأة صدمة.. لم تكن تتوقع ذلك أبداً..
فتحت عينيها على ضوء قوي قوي..
نظرت حولها..
تأملت المكان، وجدت نفسها في بستان من الورود الجميلة..
النباتات رائعة من ألوان وأحجام مختلفة..
لاحظت ريم أن هذا البستان الذي هي فيه الآن هو نفسه البستان الموجود على صفحة الغلاف..
فيما بدت الغابة العجيبة الغريبة ملاصقة للبستان..
قالت ريم: ما هذا الذي يحدث؟..غير معقول!..
نظرت ريم حولها من جديد وتساءلت: ترى أين الفراشة؟؟ لا أراها الآن!
ثم قالت: يا للعجب.. هل يعقل أنني الآن في قلب الكتاب.. ليتني أستطيع قراءة القصة لأعرف ماذا سيحدث لي الآن؟..
***
نظرت ريم تحتها.. وجدت نفسها فوق شيء ناعم.. رائحته طيبة....
ترى ما هذا الشيء؟؟
أرادت القيام لكنها لم تستطع..
اعتقدت أنها ربما تكون مكبلة.. لكنها أحست بخفة شديدة..
وبدأ المكان الذي وقعت فيه يهتز ويتراقص..
خافت ريم.. أصابها رعب شديد..
أرادت تحريك يديها والتمسك بطرف شيء ما لتتمكن من النهوض.. لكنها لم تستطع..
نظرت الى يديها..
كانت المفاجأة الكبرى..
لقد تحولت ريم نفسها الى فراشة الغابة الجميلة..
***
اكتشف ريم أنها أصبحت تشبه تماماً الفراشة التي على غلاف الكتاب..
لم تستطع ضبط نفسها..
ارتعبت...
صارت تبكي..
سقطت دموعها على المكان الذي كانت تستلقي فوقه..
اكتشفت أنه ليس سوى وردة كبيرة جميلة..
اهتزت الوردة عندما سقطت دموع ريم عليها وقالت: لماذا تبكي يا ريم؟.. لقد سقطت دموعك الدافئة على وجهي..
حضنتها الوردة برفق..
مسحت دموعها بأوراقها الملونة..
قالت بصوت جميل يفوح منه عطر: لا تحزني يا حبيبتي؟ نحن نترقب وصولك منذ زمن بعيد بعيد.. صبرنا كاد ينفد.. فقصتنا تحتاج لأحلامك لتبدأ وتكتمل..
***
تفاجأت ريم الفراشة.. وبدا لها أن سيل المفاجآت ستتوالى ولن تتوقف..
قالت بخوف: يكفي يكفي.. أنا نائمة أليس كذلك؟ أريد العودة الى بيتي الآن.. أريد أن أعود فتاة صغيرة كما كنت... لا أريد أن أكون فراشة...
حركت وردة كبيرة لم تلحظها ريم من قبل عنقها الطويل..
كانت تسمع هذا الحوار، وقالت بصوت ساحر أجمل من صوت العندليب: أتدرين أيتها الفراشة الجميلة، أن مصير هذه الورود كلها وتلك الغابة بأسرها متوقف عليك؟.. أنت جئت لتنقذينا جميعاً من خطر أكيد.. جئت لتنقذينا مما نحن فيه من جمود وخمول وكسل.. أشياء تشبه الموت.. فهذه النسمة العطرية اللطيفة التي مرت منذ قليل جعلت جميع الأزهار تتراقص طربا... لم تأت الا من أجلك فرحا بك وترحيبا بقدومك.. فنحن منذ سنين ننتظر أن تأتي إلينا وتنقذينا.. ننتظر فراشة كما أخبرنا حكماء غابتنا.. قالوا بأن يوماً ما ستأتي فراشة رائعة وتنقذنا من جمودنا وتحجرنا.. ونحن كدنا ننسى هذا الكلام ونظن أنه لن يتحقق لولا قدومك الآن أيتها الفراشة.. فلا تتركينا.. فنحن مسؤوليتك..
في هذه اللحظة.. اهتزت الفراشة بقوة بعدما صفقت الوردة التي تحملها بأوراقها.. لتعلن لجميع الورود اشارة الاستيقاظ من السبات والعودة للحياة.. العودة للأرض.. للحب.. للوطن.. للعطاء..
كانت الورود كلها غارقة بنوم عميق.. والطبيعة غائبة في سبات طويل.. تترقب وصول الفراشة لتوقظها وتحييها من جديد..
على الفور ابتهجت الطبيعة..
سمعت ريم أصوات الطيور تغني.. والمياه تتسابق في النهر وتتدفق من الجداول..
والضفادع تنق.. والنسائم تملأ المكان سحرا وروعة..
عادت زقزقة البلابل تُسمع في كل مكان.. وغنت كما لم تغني من قبل..
رأت ريم كل مشاهد الطبيعة السحرة.. وسمعت ألحاناً مدهشة..
لم تصدق عينيها ولم تقتنع بما رأت وسمعت ووعت...
***
يتبع
قصة: طارق البكري
docbakri@yahoo.com
تعيش ريم في بيت واسع جميل تحيط به أشجار عالية من كل اتجاه.. وحديقة جميلة مزروعة بزهور ونباتات خضراء متنوعة.. وفي زاوية منها مراجيح مسلية.
في بيت ريم ألعاب متعددة الأشكال والأحجام..
سيارات.. طائرات.. عرائس تمشي تلعب وتغني.. أقراص حاسوب كثيرة..
فيها ما تشتهيه من الألعاب الالكترونية.. وغير ذلك كثير كثير..
ريم عمرها عشر سنين.. تعيش مع أسرتها الصغيرة المكونة من أب وأم وثلاثة أخوة أكبر منها..
ريم تعيش مع أسرتها سعيدة.. تقضي معظم وقتها بعد المدرسة في البيت والحديقة..
مدرسات ريم يحببنها لأنها متفوقة ومتميزة....
***
في يوم طلبت احدى المدرسات من طالبات فصل ريم أن تتحدث كل واحدة منهن عن أحلامها..
فرحت الصغيرات بذلك.. وتسابقن لرواية أحلامهن..
سعاد حلمت أنها تحلق في الفضاء تركب السفن الفضائية وتطير بالهواء من نجمة الى نجمة..
نورا حلمت أنها صارت أماً وجدةً وعندها بنات وأولاد وأحفاد...
نسرين تحلم بالسفر والتنقل بين البلاد... قالت إنها زارت في منامها دولاً كثيرة، وبعضها زارتها حقيقة، مثل مكة والمدينة والقاهرة.. وتحلم أن تزور باريس لتشاهد ديزني لاند وبرج ايفل...
منى تحلم أنها من أصحاب الملايين.. تعيش في قصور وتملك سيارات لا حصر لها ولا عدد..
ومضت الطالبات يتسابقن في الحديث حتى جاء دور ريم...
***
قالت المدرسة: نعم يا ريم، هيا.. لم يبق غيرك.. أخبرينا بماذا تحلمين؟
لم تتكلم ريم..
احمر وجهها خجلا..
قالت: لا أعلم.. أنا... أنا.. أنا في الحقيقة لا أعرف ما معنى أحلام؟
استغربت المدرسة: ماذا؟؟ غير معقول.. أنت تمزحين..
جميع الطالبات صرن يضحكن بسخرية: عجيب.. إنسان حي لا يحلم.. غير معقول.. ألا تعرفين ما هي الأحلام؟ قالت المدرسة ذلك بدهشة..
وظلت زميلات ريم يضحكن طوال النهار...
***
عادت ريم الى بيتها حزينة.. رأتها أمها.. أحسّت بحزنها.. سألتها: ما بك يا حبيبتي؟
أخبرتها ريم بما حدث.. أصاب الأم العجب..
قالت: لا تقلقي يا حلوتي.. مشكلتك بسيطة وسنجد لها حلاً..
***
في عصر ذلك اليوم ذهبت ريم برفقة أمها الى طبيب مشهور يدعى صانع الأحلام..
روت ريم للطبيب قصتها.. وبدت طوال الوقت حزينة...
قال الطبيب مبسطاً الأمر ومخففا الألم عن ريم: لا تحزني يا ابنتي.. الأمر بسيط ويحدث كثيراً..
قام الطبيب على الفور وأحضر أدوية عجيبة غريبة..
صار يخلط بعضها مع بعض.. هذه نقطة وتلك نقطتان.. وهاتيك ثلاث..
وضع الطبيب الخلطة في أنبوب زجاجي شفاف وقال لريم: اسمعيني وانتبهي لما أقول.. ضعي ثلاث نقاط في عينك اليمنى ونقطتين في عينك اليسرى قبل أن تنامي مباشرة ولا تفتحي عينيك حتى تستيقظي في الصباح... وغدا تعالي لتخبريني عن أحلامك.. سوف تأتي الأحلام وتهجم عليك مثل خيول مسرعة...
كان الطبيب واثقاً متأكداً من كلامه مطمئناً لما يقول..
فرحت ريم وأمها وعادتا الى البيت سعيدتين بما حدث...
***
في صباح اليوم التالي رنّ جرس هاتف الطبيب.... كانت ريم هي المتصلة..
أخبرته أنها لم تحلم على الاطلاق.. ولم تشعر بأي تغيير..
فكر الطبيب..
هذه أول مرة لا ينفع الدواء؟..
قال بعد تفكير: اسمعي يا ريم.. لا أدري ماذا حصل، لنحاول مرة ثانية، لكن أضيفي نقطة أخرى لكل عين...
وفي اليوم التالي، اتصلت ريم : العلاج لم يؤد الى نتيجة..
قرر الطبيب تغيير خلطة الدواء..
ظنّ أن الدواء فيه خطأ..
كرر المحاولة وأعاد تصنيع الدواء من جديد..
وطلب من ريم الطلب نفسه..
لكن التجربة الثالثة كانت فاشلة أيضاً...
أصيب الطبيب بإحباط شديد.. كيف؟
لا يمكن؟
جربت الدواء على نفسي ونجح.. جربته على كثير من الناس... يجب أن اكتشف السر.. يجب أن اكتشف السر..
***
ذهب الطبيب الى بيت ريم، فاستقبلته أسرتها جميعاً.. كلهم يريدون اكتشاف سر ريم..
طلب الطبيب من والد ريم أن يسمح له بدخول غرفتها والتجول في أنحاء المنزل، لأنه يشعر بوجود مشكلة يجب عليه اكتشافها..
فتح الطبيب غرفة ريم..
وجد أجمل الأثاث..
وجد ثياباً رائعة باهظة الثمن..
في كل زاوية من غرفتها رأى لعباً متراكمة..
أحس الطبيب الذي يصنع الأحلام للناس أنه عاجز عن صنع حلم جديد..
ريم لديها كل ما تريد..
تحصل على كل الأشياء الجميلة الرائعة حتى دون أن تطلبها.. دون أن تحلم بها..
فكر الطبيب..
ترى أين المشكلة؟؟؟ لا بد من مشكلة؟؟
فجأة قفز الطبيب صائحا: وجدتها.. وجدتها..
التف حوله الجميع.. بصوت واحد: ماذا.. ماذا.. ماذا وجدت؟
هز الطبيب رأسه ولم يتكلم..
ثم قال موجها كلامه لريم: غداً.. غداً... غداً أعود ومعي دواؤك الشافي بإذن الله...
فرحت ريم..
فرحت أسرتها..
ولم تستطع ريم النوم تلك الليلة..
***
في صباح اليوم التالي عاد صانع الأحلام بوقت مبكر يحمل كيساً كبيراً كبيراً... ريم شعرت بالخيبة ما أن رأت الرجل..
ظنت أن الطبيب أحضر لها ألعاباٍ جديدة..
أنا لا أريد ألعاباٍ.. أريد أحلاماٍ..
ضحك الطبيب: أعلم ذلك.. لا تقلقي..
لم ينتظر الرجل لحظةً ليشرح.. كان شوق أسرة ريم أكبر من الانتظار... وضع الكيس عن ظهره..
فتح الكيس في بهو غرفة الاستقبال..
أخرج منه كتباً جميلة رائعة مليئةً بالدهشة والروعة والأحلام..
كانت الكتب هذه من مكان بعيد يعيد..
كتب تتحدث مع بعضها.. وتتحدث مع الناس..
كتب تتكلم.. تحاور.. تفرح.. تضحك وتبكي.. وتتألم.
أصيبت ريم بالحزن...
قالت متهكمة: كتب.. كتب.. كتب... يا لهذه المفاجئة.. ظننتك ستأتيني بدواء فأتيتني بما يصيبني بالملل ووجع الرأس..
قال لها: انتظري واختاري واحداً من الكتب..
حملت ريم أحدها..
سمعت الكتاب يتكلم يرحب بها.. يرقص بين يديها...
صاحت بدهشة: واو!... كتب تتكلم وتتحرك..
قال لها: بل أكثر من ذلك بكثير... سوف تكتشفين حقيقتها بنفسك..
صاحت ريم: أشكرك يا عمي العزيز... هذا فعلا ما افتقد إليه.. وأحتاجه.. أشكرك من قلبي..
قال لها مؤكدا كلامها: لديك كل الأشياء الجميلة الرائعة.. لكنك لا تملكين مكتبة مثل هذه المجموعة من الكتب.. إنها قصص رائعة.. اقرئي كل يوم قصة.. واحلمي كما تشائين وبما تشائين..
وخرج الطبيب سعيداً باكتشافه.. متأكداً أنه اكتشف سرّ ريم وأنها ستحلم دون شك...
***
في اليوم التالي ذهبت ريم الى مدرستها ركضاً..
بحثت عن مدرستها قبل دخولها الفصل..
قالت لها بفرح كبير ظاهر: آنستي.. آنستي.. أريد أن أخبرك عن حلم جميل رأيته ليلة أمس..
وراحت ريم تروي لصديقاتها ومدرستها كثيراً من القصص والأحلام..
وكان جميع طالبات الفصل مستغربات مندهشات.. لكنهن كن سعيدات بما ترويه لهن من حكايات رائعات يوما بعد يوم...
***
وفي أحد الأيام، جلست ريم في غرفتها بين تلال الكتب الجميلة، وفيما كانت تقلب بينها وقع بصرها على كتاب كبير ضخم لم تلحظ وجوده من قبل..
قالت: ياي.. ما هذا الكتاب الكبير؟؟.. لم أره قبل الآن!!..
أزالت الكتب الصغيرة من فوقه..
حملت الكتاب.. كان ثقيلاً جداً.. أعادته الى الأرض..
تأمّلت غلافه السميك الثقيل..
قرأت بصوت مرتفع: (فراشة الغابة الغريبة).
ثم قالت: تبدو قصة رائعة.. يا له من كتاب..
***
شعرت ريم برغبة شديدة في قراءة القصة..
لكن القصة طويلة طويلة.. وتحتاج الى ساعات وساعات لقراءتها.. وموعد نومها اقترب..
نظرت ريم الى الساعة.. الوقت تأخر..
قالت: لا بأس.. سأقرأ صفحات قليلة ثم أكملها غدا.. ومن يدري ربما عندما أنام أحلم بالفراشات والزهور..
وصارت ريم تضحك وتضحك...
أمسكت ريم الغلاف الثقيل وبدأت ترفعه بصعوبة..
لم تتمكن من فتح الغلاف..
صارت ترفع بقوة أكبر..
ما أن ارتفع الغلاف قليلا حتى أحست بتيار هوائي شديد يمتصها الى داخل الكتاب..
وقبل أن تفكر بالمقاومة اختفت ريم داخل الكتاب الضخم... وهدأت الغرفة تماماً...
***
لم تدرك ريم ما حدث..
كانت المفاجأة صدمة.. لم تكن تتوقع ذلك أبداً..
فتحت عينيها على ضوء قوي قوي..
نظرت حولها..
تأملت المكان، وجدت نفسها في بستان من الورود الجميلة..
النباتات رائعة من ألوان وأحجام مختلفة..
لاحظت ريم أن هذا البستان الذي هي فيه الآن هو نفسه البستان الموجود على صفحة الغلاف..
فيما بدت الغابة العجيبة الغريبة ملاصقة للبستان..
قالت ريم: ما هذا الذي يحدث؟..غير معقول!..
نظرت ريم حولها من جديد وتساءلت: ترى أين الفراشة؟؟ لا أراها الآن!
ثم قالت: يا للعجب.. هل يعقل أنني الآن في قلب الكتاب.. ليتني أستطيع قراءة القصة لأعرف ماذا سيحدث لي الآن؟..
***
نظرت ريم تحتها.. وجدت نفسها فوق شيء ناعم.. رائحته طيبة....
ترى ما هذا الشيء؟؟
أرادت القيام لكنها لم تستطع..
اعتقدت أنها ربما تكون مكبلة.. لكنها أحست بخفة شديدة..
وبدأ المكان الذي وقعت فيه يهتز ويتراقص..
خافت ريم.. أصابها رعب شديد..
أرادت تحريك يديها والتمسك بطرف شيء ما لتتمكن من النهوض.. لكنها لم تستطع..
نظرت الى يديها..
كانت المفاجأة الكبرى..
لقد تحولت ريم نفسها الى فراشة الغابة الجميلة..
***
اكتشف ريم أنها أصبحت تشبه تماماً الفراشة التي على غلاف الكتاب..
لم تستطع ضبط نفسها..
ارتعبت...
صارت تبكي..
سقطت دموعها على المكان الذي كانت تستلقي فوقه..
اكتشفت أنه ليس سوى وردة كبيرة جميلة..
اهتزت الوردة عندما سقطت دموع ريم عليها وقالت: لماذا تبكي يا ريم؟.. لقد سقطت دموعك الدافئة على وجهي..
حضنتها الوردة برفق..
مسحت دموعها بأوراقها الملونة..
قالت بصوت جميل يفوح منه عطر: لا تحزني يا حبيبتي؟ نحن نترقب وصولك منذ زمن بعيد بعيد.. صبرنا كاد ينفد.. فقصتنا تحتاج لأحلامك لتبدأ وتكتمل..
***
تفاجأت ريم الفراشة.. وبدا لها أن سيل المفاجآت ستتوالى ولن تتوقف..
قالت بخوف: يكفي يكفي.. أنا نائمة أليس كذلك؟ أريد العودة الى بيتي الآن.. أريد أن أعود فتاة صغيرة كما كنت... لا أريد أن أكون فراشة...
حركت وردة كبيرة لم تلحظها ريم من قبل عنقها الطويل..
كانت تسمع هذا الحوار، وقالت بصوت ساحر أجمل من صوت العندليب: أتدرين أيتها الفراشة الجميلة، أن مصير هذه الورود كلها وتلك الغابة بأسرها متوقف عليك؟.. أنت جئت لتنقذينا جميعاً من خطر أكيد.. جئت لتنقذينا مما نحن فيه من جمود وخمول وكسل.. أشياء تشبه الموت.. فهذه النسمة العطرية اللطيفة التي مرت منذ قليل جعلت جميع الأزهار تتراقص طربا... لم تأت الا من أجلك فرحا بك وترحيبا بقدومك.. فنحن منذ سنين ننتظر أن تأتي إلينا وتنقذينا.. ننتظر فراشة كما أخبرنا حكماء غابتنا.. قالوا بأن يوماً ما ستأتي فراشة رائعة وتنقذنا من جمودنا وتحجرنا.. ونحن كدنا ننسى هذا الكلام ونظن أنه لن يتحقق لولا قدومك الآن أيتها الفراشة.. فلا تتركينا.. فنحن مسؤوليتك..
في هذه اللحظة.. اهتزت الفراشة بقوة بعدما صفقت الوردة التي تحملها بأوراقها.. لتعلن لجميع الورود اشارة الاستيقاظ من السبات والعودة للحياة.. العودة للأرض.. للحب.. للوطن.. للعطاء..
كانت الورود كلها غارقة بنوم عميق.. والطبيعة غائبة في سبات طويل.. تترقب وصول الفراشة لتوقظها وتحييها من جديد..
على الفور ابتهجت الطبيعة..
سمعت ريم أصوات الطيور تغني.. والمياه تتسابق في النهر وتتدفق من الجداول..
والضفادع تنق.. والنسائم تملأ المكان سحرا وروعة..
عادت زقزقة البلابل تُسمع في كل مكان.. وغنت كما لم تغني من قبل..
رأت ريم كل مشاهد الطبيعة السحرة.. وسمعت ألحاناً مدهشة..
لم تصدق عينيها ولم تقتنع بما رأت وسمعت ووعت...
***
يتبع